المثقف والسلطة: المسار الطويل نحو الحرية

أحمد بلخيري

المثقف والسلطة والعلاقة التي نشأت بينهما في العالم العربي، ماضيه وحاضره، موضوع يغري بالبحث فيه، لأن من شأن هذا البحث أن يكشف عن بنية وآليات وضحايا ممارسة الاستبداد التي طبعت التاريخ العربي، قبل هبوب نسيم الليبرالية في العصر الحديث القائمة على ركن متين يتمثل في حقوق الإنسان، ومنها الحق في التفكير والتعبير. هذا الحق الأخير نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة التاسعة عشرة منه، وبه صارت الحرية مطلبا كونيا. لكن مازال هذا الحق، مع ذلك، محاطا، على الصعيد العربي، بسياج من الممنوعات والمحرمات. وهناك إشارات وأبحاث، على الصعيد العربي، التقتت إلى هذا الموضوع فكشفت عن محنة أو نكبة هذا المثقف أو ذاك بسبب جبروت السلطة. إن غاية هذه الأخيرة هي المحافظة والاستمرار وعدم إخضاع وسائل عملها والتصور النظري الذي تقوم عليه للبحث والتمحيص. والبحث والتمحيص في هذا الموضوع وغيره من مهام المثقف لاسيما المثقف الحر. وبسبب هذا التعارض بين غاية السلطة وبين ما يدخل في نطاق مهام المثقف، ظهرت علامات عديدة تدل دلالة قاطعة على علاقة مختلة بين الطرفين، يكون ضحيتها هذا الأخير. فهو لايملك سوى فكره وقلمه وإبداعه. وهو وحيد أعزل خاصة في الماضي قبل أن تنشأ تكتلات للمثقفين في العصر الحديث؛ والأمر ليس كذلك بالنسبة للسلطة التي كانت تملك، ومازالت، وسائل عديدة لممارسة القهر المادي والمعنوي. ومن هذا الأخير القلم نفسه أي المثقف نفسه، والمقصود المثقف المندمج في مشروع وبنية السلطة.

في هذا السياق، ينبغي التذكير بحالة أبي حيان التوحيدي (310هـ ـ 414)، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، الذي بلغ به اليأس، في العصر العباسي، بعد انقطاع الصلة بينه وبين أهل زمانه، إلى حد إحراق كتبه. كذلك ينبغي التذكير بانقلاب الخليفة العباسي المتوكل على المعتزلة، الذين مالوا إلى استعمال العقل في تفسير النص الديني. كما ينبغي التذكير بنكبة ابن رشد (1126 ـ 1198م) بعد انقلاب الخليفة الموحدي أبي يعقوب المنصور عليه. وهناك من ربط هذا الانقلاب بسبب سياسي مباشر. مؤداه ما ورد في كتاب ابن رشد "جوامع سياسة أفلاطون" من انتقاد للأوضاع بالأندلس وترجيح الحكم الجماعي على الحكم الفردي.

وبمناسبة ذكر الموحدين، تجدر الإشارة إلى أن كتاب "الموحدون وأزمات المجتمع"(1) لمحمد المغراوي، الذي طبع بدعم من وزارة الثقافة المغربية، قدم صورة موثقة عن المجتمع المغربي، ومنه المثقفون، الذي حكمه أولئك. وقد كانت دولتهم، فيما يبدو، دولة قائمة على السياسة والعقيدة حسب منظورهم. ولذلك يمكن القول إنها دولة عقائدية. لهذا ترددت في الكتاب كلمات من قبيل "قطع الرؤوس وتعليقها"، قطع وتعليق رؤوس معارضين لحكمهم. كما "كان بعض العلماء يسجنون ببيوتهم ويمنعون من مغادرتها إلى أن يعفو عنهم السلطان"(2). وقد استنتج صاحب الكتاب "أن الانتقام السياسي لم تكن له ضوابط قانونية أو أخلاقية في العصر الموحدي، وأن السلطة المطلقة للخليفة كانت فعلا عنصر خلل كبير في بنية الدولة"(3).

يمكن القول، بنوع من التعميم، بأن السلطة عموما كانت تتعامل تعاملا نفعيا مع المثقفين. تقرب هذا وتبعد ذاك، وقد يتجاوز الأمر الإبعاد، حسب مصلحتها، وحسب اندماجه أو عدم اندماجه في مشروعها السياسي. وهذا ليس وقفا على المغرب دون بقية الأقطار العربية. فقد كشف عبد الرحمن الكواكبي (1854 ـ 1902م)، مثلا، في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" عن الآثار السلبية للاستبداد على العلم والثقافة وغيرهما. وبين فيه كيف أن المستبد ترتعد فرائصه "من علوم الحياة، مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرف الإنسان ماهي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ"(4).

هذا التشخيص الذي قدمه سابقا عبد الرحمن الكواكبي، الذي مات مسموما بالقاهرة عن طريق دس السم له في فنجان قهوة وهو المولود بحلب بسوريا، لتبيان أضرار تحكم الاستبداد في العلم والثقافة العربيين، مازالت ملامحه العامة في الجوهر موجودة إلى اليوم رغم مرور أزيد من قرن على وفاته، ورغم زوال الإمبراطورية العثمانية التي عاش في مرحلة زمنية من عهدها. يمكن تقديم أمثلة عديدة منتقاة من العالم العربي. لكن يكفي شاهدا على ذلك منع مسرحية "خمسون" لفاضل الجعايبي المخرج المسرحي التونسي، الذي حاول تقديم خمسين سنة من استقلال تونس مسرحيا. وقد كتبت النص الدرامي زوجته الممثلة جليلة بكار. ومنعت أعمال لإدوارد سعيد فلسطينيا لسبب سياسي، يتمثل في رفضه لاتفاقيات أوسلو.

ومنذ عهد الحماية بالمغرب إلى الآن يمكن تحديد ثلاث محطات أساسية متعاقبة، تعتبر علامات دالة على العلاقة بين المثقف والسلطة. المحطة الأولى مرتبطة بمرحلة الحماية، والمحطتان الأخريان تتعلقان بمرحلة ما بعد الحماية أي بمرحلة الاستقلال. في المحطة الأولى انخرط المثقف المغربي، لاسيما بعد صدور الظهير البربري (ماي 1930) ونشوء الحركة الوطنية، في المعركة الوطنية من أجل الاستقلال. السلطة هنا كانت تتجسد في سلطة الحماية. هذه الأخيرة استعملت شتى الوسائل من أجل كبح جماح الوعي الوطني والنضال من أجل الاستقلال. من بين هذه الوسائل الاعتقال والنفي. فقد نفي واعتقل، على سبيل المثال، محمد المختار السوسي. وسجن عبد القادر حسن، ومحمد والوديع الأسفي؛ واستشهد محمد القري. أما علال الفاسي فقد نفي إلى الغابون. وقد خلف هؤلاء المثقفون الوطنيون وغيرهم، أي المثقفون الوطنيون الآخرون، تراثا ثقافيا، شعريا وغير شعري، يتميز بالمضمون الوطني.

ولما حصل المغرب على استقلاله بدأ المثقف المغربي، شيئا فشيئا، يوجه اهتمامه نحو القضايا الداخلية، وفي طليعتها القضايا السياسية. تجلى هذا بالخصوص في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. وقد واجهت السلطة بقسوة هذا المثقف المناضل في ظرفية زمنية اتسمت بالمد الماركسي. من تجليات هذه القسوة اعتقال الروائي عبد القادر الشاوي، والشاعر عبد اللطيف اللعبي وغيرهما. ولم تقتصر السلطة على اعتقال بعض المثقفين في إطار الاعتقال السياسي، ذلك أنها أقدمت على منع مجلات ثقافية سنة 1984 دفعة واحدة. كان لهذه الأخيرة دور مهم في نشر الحداثة الثقافية. هذه المجلات هي "الثقافة الجديدة" التي كان يديرها محمد بنيس، و"الجسور" وكان يديرها عبد الحميد عقار رئيس اتحاد كتاب المغرب الآن، و"البديل" وكان يديرها بنسالم حميش، و"الزمان المغربي" وكان يديرها سعيد علوش.

ولما كانت هذه السلطة تحتكر الإعلام الرسمي، الذي يموله دافعو الضرائب، فقد أقصت الثقافة الحرة والمستنيرة من الاستفادة من خدمات هذا الإعلام بهدف تحجيمها والتقليص من إشعاعها، خاصة في مجتمع تغلب عليه الأمية وتشده الصورة أكثر من الورقة والكتاب. مع فارق أساسي بين مضمون الصورة، قبل ظهور الفضائيات، ومضمون الكتاب، وبين أهداف تلك وأهداف هذا، وبين الدعاية والتجارة والتسطيح من جهة، والتثقيف والتكوين من جهة أخرى. يمكن القول بصفة عامة بأن الثقافة المغربية الحية يومئذ كانت ثقافة معارضة للتوجهات الرسمية ثقافيا وسياسيا. وقد تمكنت هذه الثقافة من تصريف أطروحاتها من خلال الكتابة والجمعيات الثقافية ومسرح الهواة والأندية السينمائية. هذه المحطة الثانية امتدت، وإن بعنفوان أقل، إلى حين تشكيل ما اصطلح عليه بحكومة التناوب التوافقي سنة 1998. وهي السنة التي حملت صنفا من المثقفين الحزبيين المعارضين إلى السلطة.

في المحطة الثالثة، وهي مستمرة إلى يومنا هذا، لوحظ انسحاب شرائح واسعة من المثقفين المغاربة من حلبة الصراع السياسي. وقد كان عدد منهم يناضل ثقافيا وسياسيا بحثا عن مجتمع الحرية والعدل والمساواة، ودفعا لبطش السلطة التي كانت قد أحكمت قبضتها في تلك المرحلة على كل مرافق الحياة بما فيها الثقافة والفكر والإبداع. وبالمقابل، اهتم هؤلاء المثقفون اليوم بالقضايا الثقافية الخالصة مثل البحث العلمي والعناية بالكتابة نفسها دون أن يعني ذلك ابتعادهم عن الاهتمام بالسياسة. وذلك، كما يقول محمد الطوزي، بعد "وقوع نقلة في الثقافة السياسية المغربية"(5)، نتيجة "غياب نقاش في موضوع طبيعة النظام، وإقلاع التنظيمات اليسارية على ترجيح الحلول الثورية الانقلابية" (6)، وكذلك نتيجة قبول الدولة " بمشروع التناوب السياسي الذي أفضى إلى وصول قوى المعارضة إلى الحكم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والعفو عن المنفيين"(7) .

بناء على هذا التحول من موقع المعارضة إلى موقع السلطة، صار هذا المثقف المنتمي إلى قوى المعارضة السابقة يدبر شؤون الثقافة الرسمية، كما أصبح مدافعا عن اختيارات هذه السلطة. وهذا يدخل في إطار "عين العقل" عنده أي عين المصلحة. عين المصلحة هذه كانت سببا في استغلال هذه المعارضة منع الفنان أحمد السنوسي من استعمال جهاز التلفزيون لعرض فنه الساخر قبل سنة 1998، فوصفته حينئذ، بسسب ذلك المنع الذي دام سنوات وطبيعة فنه الانتقادي للسلطة، بكونه "فنان الشعب" في صحافتها، ثم التنكر له بعد وصولها إلى كراسي السلطة، بل وإلى كرسي السلطة الثقافية والإعلامية بالذات. إنه التحول من موقع إلى موقع آخر، ومن لغة إلى لغة أخرى، ومن ممارسة إلى ممارسة أخرى. وهو تحول نكوصي وليس تحولا تقدميا. وكانت نتائج الاقتراع العام ليوم 7 شتنبر من سنة 2007 دليلا قويا على الإدانة الشعبية لهذا النكوص. ذلك أن "هؤلاء الذين كانوا نقديين هم أنفسهم الذين لايقبلون، اليوم، بوعي نقدي ولا بموقف نقدي ولا بكتابة نقدية. تبرؤوا مما كانوا عليه، باعدوا بينهم وبينه، وشيئا فشيئا فضلوا النظر إليه بعين شزراء، ثم باحتقار، فاتهام. وهم في الآن ذاته يبحثون عن الغنيمة..."(8).

ممارسة هذا المثقف النكوصي للسلطة دفعت محمد بنيس، على سبيل المثال، إلى الاحتجاج. عبر عن هذا الاحتجاج في جريدة "القدس العربي"(9) بسبب إقصائه من المشاركة في ندوة خاصة بصديقه الشاعر المرحوم عبد الله راجع خلال انعقاد الدورة الأخيرة (دورة 2008) للمعرض الدولي للكتاب. إن عبارة محمد بنيس "المغرب اللاثقافي"، التي استعملها في ذلك الاحتجاج، تحيل ضمنيا على هيمنة المغرب السياسي على الشأن الثقافي الذي تسيره السلطة الحكومية المعنية وزارة الثقافة. وبعبارة أخرى، تبعية الثقافي للسلطة. وليس محمد بنيس سوى مثال واحد. في إطار توسيع هامش الحرية المتاح، علما بأن الثقافة الحرة لا تقبل الهامش بل الحرية التي هي حق طبيعي، تجدر الإشارة إلى دور مثقفين يشرفون على مطبوعات صحافية مستقلة. ذلك أنه بفضل هذه المطبوعات الصحافية الحرة والمستقلة، مستقلة عن السلطة والأحزاب السياسية، تم التطرق إلى مواضيع كانت في السابق من المحرمات والممنوعات. في هذا السياق يذكر على سبيل المثال الروائي والصحافي عبد العزيز كوكاس والشاعر والصحافي اللامع رشيد نيني.

إن المجتمع المغربي، شأنه في ذلك شأن المجتمعات العربية الأخرى، مجتمع مركب. توجد فيه علامات تنتمي إلى التقليد وأخرى تنتمي إلى الحداثة. والسلطة ترعاهما معا انطلاقا من مصلحتها. لا ترعى التقليد في كليته، وإنما. ترعى التقليد الذي يتماشى مع مصالحها(10) ؛ ولا ترعى الحداثة في كليتها، وإنما ترعى الحداثة كما تراها مصلحتها أيضا.

بناء على ذلك، يمكن القول بأنه في هذه المجتمعات العربية "تقوم السلطة، أكثر من المثقف، بتسويق خطاب الحداثة، مستغلة ماهو متاح أمامها من إمكانيات مادية ومعنوية، ولكنه تسويق على طريقتها صيانة لمصالحها. ولذلك يجد المثقف نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما لهما: إما التموقع خارج السلطة مع ما في ذلك من المخاطرة والمغامرة، وإما الانصهار في بوثقتها والدفاع عن وجهة نظرها بحثا عن غنائم مادية أو معنوية"(11) . وقد كسب مثقفون، بعد ما اصطلح عليه بالتناوب التوافقي، غنائم مادية ومعنوية منذ 1998 إلى اليوم، لم يكونوا يحلمون بها خارج السلطة. وبسبب ذلك الكسب فقد هذا النوع من المثقفين المصداقية. كما صارت مفاهيم بعينها عندهم فارغة من محتواها الدلالي الحقيقي من قبيل "المجتمع الحداثي الديمقراطي". لقد بينت الأحداث والوقائع أنها "حداثة معطوبة" بتعبير محمد بنيس، وكذلك "ديمقراطية معطوبة".

وبصفة عامة، يمكن القول إن السلطة كانت ومازالت تنظر إلى المثقف انطلاقا من هذه الثنائية:إما معنا وإما ضدنا. وهي تتصرف معه انطلاقا من تلك الثنائية. ولكل موقع، حسب تصنيفاتها، تصرف خاص به من قبلها. لكن مع الإقرار بوجود هامش من الحرية بالمغرب اليوم. هامش من الحرية محسوب ومراقب ومسيج. دليل هذا الهامش من الحرية هو نشر كتاب محمد الطوزي "الملكية والإسلام السياسي" مترجما إلى اللغة العربية، وقد كتب أصلا باللغة الفرنسية، وتداوله في السوق الثقافية المغربية، وكذلك نشر وتداول كتاب الباحث الأمريكي جون واتربوري "أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية" مترجما إلى اللغة العربية أيضا. وهنا أقتطف ما ورد تحت عنوان "ملاحظة أخيرة" في الكتاب" كما نود أن نشير إلى أن هذه الترجمة قد مر عليها الآن حوالي أربع وعشرين سنة، إذ أنجزت بين سنتي 1979 ـ 1980 بباريس، ولقد تجنبنا الإفصاح عن أسمائنا تلافيا لأي مضايقة، بحكم أن الكتاب كان ممنوعا من التداول آنذاك، مع العلم أنه مجرد بحث أكاديمي يعبر عن وجهة نظر لباحث أجنبي، قد نتفق معها أو نختلف"(12) .

إن الإفصاح عن أسماء المترجمين وتداول الكتاب بالمغرب منذ سنة2004، بعد المنع، دليلان على وجود "النقلة" التي ذكرها محمد الطوزي. وهذا من شأنه أن يقوي الثقافة المغربية والكتابة والإبداع عموما. لكن هذه النقلة لاتعني نهاية المسار، مسار البحث عن الحرية. ذلك أن الحرية التامة غير المنقوصة بالنسبة للمثقف شبيهة بالهواء، فكلاهما ضروريان للحياة، الحياة الثقافية والحياة الطبيعية. لكن مع ملاحظة أساسية، وهي أن الثقافة تبتكر وسائلها الخاصة في الأوقات التي يكون فيها الهواء غير نقي، بسبب التضييق أو القمع، لكي تعبر عن نفسها. دليل ذلك هو عدد من النصوص المسرحية التي أبدعها مسرحيون مغاربة في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين، ومنهم الراحل محمد مسكين.

لقد تحدث محمد بنيس بلغة تقطر ألما وحزنا في كتابه "الحداثة المعطوبة"(13). عن تحكم السياسيين في المثقفين، واتهامات المؤسسة السياسية العربية للمثقفين، وعجزها عن الجواب على أسئلة التاريخ والمجتمع خارج "منطق الإبعاد. الكبت. الاتهام. المرة والمرات"(14). لذلك دعا النخبة الثقافية قائلا "لتكن النخبة الثقافية، هذه المرة، هي التي تشكل القيادة العليا لأسئلتنا الثقافية. إنه المشروع الذي من الممكن أن يخرج بنا من مرحلة تحكم السياسيين وحدهم فينا وفي مصيرنا. مشروع للتفكير، ولخلق مجتمع حيوي، يدافع عن مصيره وهو يرى ما يهدده بعين لاتخشى من التفكير الحر في المصير"(15). والسلطة لا تقوم بالتضييق وقمع إلا الثقافة الحرة والمثقف الحر، الذي يرفض أن يكون بهلوانا أو أن"يشرب" رجل السلطة من جمجمته و فكره وإبداعه. فرجل السلطة في العالم العربي يسعى دوما إلى امتصاص رحيق الفكر والإبداع. وحينما لا يتأتى له ذلك يشهر سيف التضييق والقمع، أو التهميش والإقصاء. كما يرفض هذا المثقف الحر، رغم الصعوبات، أي حارس أو مراقب لفكره وإبداعه من خارج الفكر والإبداع. وبالنظر إلى واقع الحال في العالم العربي، يبدو أن درب الحرية مازال طويلا. وهو درب الثقافة الحرة.

مسار طويل إذن قطعه المثقف العربي الحر إلى الآن، ومازال لم يصل بعد إلى مبتغاه:الحرية. ومازالت السلطة في العالم العربي هي السلطة، تخف وطأتها أحيانا، لأسباب قد تكون خارجية قبل أن تكون داخلية، ولكنها في الجوهر تبقى هي هي. فما هي الجذور الفكرية والسياسية للاستبداد في العالم العربي؟.


باحث من المغرب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ محمد المغراوي. الموحدون وأزمات المجتمع. جذور للنشر. ط/1. 2006.
(2) ـ نفسه. ص/87.
(3) ـ نفسه. ص/ص/83/84.
(4) ـ الكواكبي (ديوان النهضة). دار العلم للملايين. ط/1. 1982. ص/49. اختار النصوص وقدم لها أدونيس وخالدة سعيد.
(5 ـ 6 ـ 7) ـ محمد الطوزي. الملكية والإسلام السياسي. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. المغرب. 2001. ص/7. ترجمة محمد حاتمي وخالد شكراوي.
(8) ـ محمد بنيس. الحداثة المعطوبة. دار توبقال للنشر. ط/1. 2004. ص/31.
(9) ـ محمد بنيس. رسالة إلى عبد الله راجع:عن هذا المغرب اللاثقافي. 22 / 2 / 2008م.
(10) ـ تستحسن العودة إلى كتاب "بركة السلطان" لنور الدين الزاهي. دفاتر وجهة نظر (12). مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. المغرب. 2007.
(11) ـ جمال الموساوي. الحداثة المعطوبة. الملحق الثقافي لجريدة "المنعطف" السبت-الأحد 31/1 ماي ـ يونيو2008. العدد201. ص/6عمود/3. ومجلة "الكلمة" الإلكترونية التي يشرف عليها صبري حافظ. العدد 18. يونيو 2008.
(12) ـ جون واتربوري. أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية المغربية. مطبعة فضالة. المحمدية. المغرب. ط/1. 2004. ص/38. ترجمة عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي. عبد اللطيف الفلق.
(13) ـ محمد بنيس. الحداثة المعطوبة. دار توبقال للنشر. ط/1. 2004.
(14) ـ نفسه. ص/103.
(15) ـ نفسه. ص/102.