مبادرة إنسانية تسعى لإرهاف الذاكرة الفلسطينية إذ بفضل مبادرة "حراس التراث" تمكن المتطوعون من تحديد أماكن لقطع تراثية تحت الركام، ولا تزال الجهود متواصلة لاستعادة العديد من القطع التراثية وتوعية الساكنة ولفت الانتباه لأهمية المحافظة على هذه المقتنيات التراثية والوعي بقيمتها التاريخية في هذا التقرير الذي أعدته وكالة الأناضول نعود لمبادرة توعوية شهدتها الأراضي المحتلة في ظل الوضع اللاإنساني الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.

«حراس التراث» يستعيدون ذاكرة غزة

 

في ذروة الحرب وتحت القصف، عاد منسق مشروع الموسيقى التابع لمعهد إدوارد سعيد في شمال قطاع غزة، فؤاد خضر، إلى الموسيقى في مطلع يناير/كانون الثاني قبل سنتين؛ فقد كان ابنه يمر بحالة نفسية صعبة، فصار البحث عن الموسيقى محاولة لإنقاذه أولاً، ثم تحول إلى مشروع أوسع لإحياء التدريب الموسيقي بين الأطفال في مراكز الإيواء والخيام.

من تلك البداية، خرجت الأنشطة إلى مراكز النزوح، حيث حاول المدربون خلق مساحة آمنة للأطفال عبر الغناء الجماعي، والإيقاع، وتعليم الآلات، وسط واقع انهارت فيه البنية الموسيقية بعد تضرر المراكز والآلات. وتأسس معهد إدوارد سعيد في تل الهوى بمدينة غزة، وارتبط اسمه بتعليم الموسيقى والجوقات والآلات لسنوات. وخلال الحرب، تضرر مقره بعد إصابته بعدة قذائف، ما أدى إلى أضرار جزئية طالت الغرف الصفية والآلات الموسيقية.

ومع تعطل المكان الأساسي، استكمل المعهد عمله في مراكز الإيواء ومناطق النزوح، منها مخيم النصيرات ودير البلح ومدينة غزة، بقيادة أساتذته ومتدربيه وطلابه، عبر دروس الجوقات، وكورال الغناء، والآلات الموسيقية. وفي ظل شح الآلات الموسيقية وتلف كثير منها، لجأ المدربون والطلاب إلى بدائل بسيطة، حيث تحولت غالونات المياه وتنكات المعلبات إلى أدوات إيقاع لتعليم الأطفال، وصارت خيم النازحين مراكز صغيرة للدروس الموسيقية.

ويقول خضر للجزيرة نت إنهم عملوا على مسارات عدة، بينها تعليم الموسيقى، وبرامج لا منهجية، وأنشطة ترفيهية تساعد الأطفال على التفريغ النفسي بعد صدمات الحرب. والتدريبات تستهدف الفئة العمرية من 7 إلى 16 عاما، وتُنفّذ حاليًا داخل خيم أُعدّت قدر الإمكان كمساحات آمنة ومهيأة لظروف الأطفال بعد تضرر المقر.

كما تعاون المعهد مع مراكز ثقافية وتعليمية في غزة لتوسيع نشاطاته والوصول إلى أكبر عدد ممكن من مراكز الإيواء ونقاط تجمع النازحين. ويعمل المشروع اليوم عبر 3 نقاط تعليمية في قطاع غزة، بينها واحدة في منطقة الجلاء يتدرب فيها نحو 50 طالبا، ومثلهم في نقطة بمنطقة الشاطئ داخل مركز إيواء للنازحين.

وأقسى ما واجه المشروع، بحسب خضر، أن كل مجموعة يتم جمعها وتدريبها تبدأ بإظهار تحسن في الأجواء النفسية، ثم تأتي موجة نزوح جديدة فتتفرق الخيام والطلبة، ويبدأ الفريق من جديد في البحث عن مجموعة أخرى، فقد حضر أفراد بعض المجموعات يومين فقط قبل أن يدفعهم الهجوم الإسرائيلي والنزوح المتكرر إلى الانتقال من مكان إلى آخر.

داخل خيمة بسيطة قرب مخيم يضم نحو 900 ألف نازح يعيشون في المواصي غربي خان يونس جنوبي قطاع غزة، يحفظ متطوعون في صناديق خشبية قطعا أثرية انتشلوها من تحت الركام بعدما نجت من القصف الإسرائيلي.

يعمل هؤلاء المتطوعون ضمن فريق "حراس التراث" التابع لجمعية مياسم غير الحكومية التي تسعى لجمع القطع الأثرية من تحت الأنقاض وترميمها وتوثيقها وحفظها، في مسعى لحماية ذاكرة غزة التاريخية من الاندثار. ولم يستهدف القصف الإسرائيلي المدنيين والمستشفيات والبنى التحتية فحسب، بل طال أغلب المتاحف والمواقع الأثرية في القطاع، مما دفع هذا الفريق إلى إطلاق مبادرته وجمع القطع المتضررة وترميمها وحفظها مؤقتا في خيام.

عن هذه المبادرة، تقول مساعدة منسق برنامج حماية التراث في جمعية مياسم شيماء الناطور "توجهنا إلى هذه المواقع الأثرية، واستخرجنا ما استطعنا من القطع، ثم قمنا بأرشفتها وحفظها داخل صناديق خاصة".

وتضيف "بدأنا بحصر المجموعات المتحفية في قطاع غزة، وخاصة تلك التي تعرضت للقصف وأصبحت مقتنياتها تحت الركام جراء القصف".

وتسبب القصف الإسرائيلي في تدمير معظم المتاحف والمواقع الأثرية في القطاع، بينها متحف القرارة، كما أدى إلى فقدان نحو 3500 قطعة متحفية، وفق هذه المتحدثة. وتعاقبت على قطاع غزة الحضارات الفرعونية والإغريقية والرومانية والبيزنطية والكنعانية والفينيقية، وصولا إلى الحقبة الإسلامية التي تجلت في عهود عدة أبرزها العهدان المملوكي والعثماني. وخلّفت تلك الحضارات إرثا عمرانيا وثقافيا متنوعا، أضاف قيمة ثقافية وتاريخية، وجسّد عراقة قطاع غزة وتجذر الشعب الفلسطيني فيه.

 وبفضل مبادرة "حراس التراث" تمكن المتطوعون من تحديد أماكن نحو 300 قطعة لا تزال تحت الركام، لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها لأنها تقع في مناطق خطرة أو ضمن مناطق يُمنع الوصول إليها، وفق الناطور. وأشارت المتحدثة إلى أن "بعض المواطنين يعثرون على قطع أثرية بين الأنقاض لكن دون أن يدركوا قيمتها التاريخية، مما يهدد بضياع المزيد من المقتنيات التراثية".

وتقول الناطور إن "هذه الخيام لا تحمي القطع الأثرية بالشكل المطلوب، لكنها تمنحها فرصة للبقاء حتى يأتي يوم يمكن فيه إعادة ترميم المتاحف وحفظ التراث في أماكن آمنة".

ومنذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دمر الكيان الصهيوني نحو 208 مواقع أثرية وتراثية من أصل 325 موقعا في القطاع، وفق آخر إحصاء نشره المكتب الإعلامي الحكومي في غزة نهاية عام 2025.

وتشن إسرائيل حرب إبادة جماعية على قطاع غزة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدعم أمريكي، خلّفت أكثر من 73 ألف شهيد فلسطيني، وما يزيد على 173 ألف جريح.

 

وكالة الأناضول