التجريب، فى أبسط صوره، هو مخالفة العادى، والمعروف وما هو مالوف. أنها حدث رئيس، يمتد به الزمن، ليحتوى أحداثا فرعية، تساهم فى بناء الشخصية والحبكة، ويظل لها رؤية واحدة، وإن اختلط فيها الفانتازى بالواقعى، وتظل الرؤية (واضحة أو مستترة) واحدة لها ككل. والشعر، الذى يعتمد بالدرجة الأولى على الخيال الواسع، والتعبير عن العواطف. وقد تحول الشعر من القصيدة العمودية، إلى الشعر المرسل، والشعر الحر... وأخيرا إلىشعر العامى، والذى غابت عنه كثيرا من تلك القواعد الصارمة. ولكن بقى منه أهم عناصر الشعر، وهو الإحساس الداخلى، والرؤية المحددة. ومن هذه المقارنة، نستطيع القول بأن محمد أبو زيد، لم يخرج من الشعر إلى الرواية، ولكنه ركز على ما يجمع بينهما، وهو الشخصية والحبكة فى روايته الثانية "عنكبوت فى القلب". فمن حيث الشخصية، فقد دارت الرواية بالكامل حول شخصية واحدة، وهى "بيبو". بينما ظلت كل الشخصيات بعد ذلك، ثانوية، أو كل مهمتها أن تخدم الشخصة الأساسية، لتصل من خلال الحبكة إلا توصيل الرسالة التى يحملها العمل، حتى وإن اختلفت فى طريقة التوصيل. فإن كانت الرواية، قبل العام 1967، كانت تسير فى خط تصاعدى، إلإ أن التجريب خطا بها إلى المجاورة. وقد تبدو هذه المجاورة -عند القراءة المتسرعة- تبدو وكأنها منفصلة، مثل الكثير من القراءات التى تناولت "عنكبوت فى القلب"، وقد كان هذا نوع من التجريب فى حينها، بينما التحريب فيها يأتى من خلال- إلى جانب عملية المجاورة- يأتى فى استخدام تقنيات العصر، التى، وإن بدت ملامحها، إلا أنها لازالت فى دور التجريب، مثل استخدام المعلوماتية فى الرواية، وخروجها من دور التسلية، إلى دور التثقيف، والخط بين الواقعى والفانتازى. وكلاهما نجده بوفرة فى هذه الرواية. حيث نجد أن الكاتب يدور حول شخصية "بيبو" وإن سار إلى الأعماق، فهو لم يغادر السطح الذى يعرض ملامح الشخصية الظاهرية، لكنه يفعل ما فعله يوسف إدريس، بالسير نحو الأعماق. حيث يكون السطح هو الظاهر أمام أعين الرايئ، بينما الأعماق تتكشف بذكر الماضى الذى يصنع شخصية الظاهر، فكانت تجاربه السابقة، ومحاولاته، هى التى تصنع الشخصية، بعمقها، وأبعادها. فكان هنا يصنع القصيدة، التى تذهب للماضى، وتعود للحاضر، أو تتوقع المستقبل، بينما هو لم يبرح اللحظة الرهنة. مستخدما الأسباب التى تكون الشخصية، مسلهما ما كان يجرى على سطح الواقع فى تلك الفترة الزمنية، ثورة 25 يناير، والسعى إلى التعبير عن الرؤية لتلك الأحداث، بجعل المراحل السابقة، بكل ما حملته من تغيير، مرحلة واحدة. وإن كان صدور الرواية فى فترة لاحقة (2017). بها من المحاذير، فكان الإسلوب الإبداعى هو الهروب إلى الفانتازيا، وإلى الحلم، وإلى التغييب، حتى يمكن قول ما يريد الكاتب أن يقوله، دون أن يستطيع أحد محاسبته. فنعلم أن "بيبو" واسمه الحقيقى "طارق السيد" لنعلم أ، ألأ:أـ[ [>أ التغريب باستخدام هذا الإسم الفكاهى. واجه "بيبو" فى طفولته الكثير من أسباب العزلة، والتى يأتى فى مقدمتها، أن الكثيرين ممن حوله، كل يتمناه شئيا مختلفا، من أمه وأبيه وعمه وخاله وغيرهم كثير، إلا أن واحدا لم يفكر فيما يريده هو، فزرع بذرة المفارقة فى نفس الطفل، حتى أنه عندما تم توظيفه فى مستشفى العباسية للأمراض النفسية، أخبر والده فى شئ من الخجل. والحقيقة أننا لا نعرف على وجه التحديد، هل كان موظفا بها، أم انه مريض بها {هل أراد أن يوحي بجنونه؟ هل يعمل في المستشفى أم أنه نزيل فيها؟}ص208. وهو ما يجعل القارئ يفكر، ويختار، ويساهم فى سير الرواية.
فكل أفعاله تقول بالافتراض الأخير. كما أنه دائما يقول على "الطبيبة المريضة"، ولا نعرف أيضا هل كانت هى من تعالجه بالفعل، ام أنها إحدى نزلاء ذات المستشفى. كما أن الكاتب لم يقل لنا أنه خرج أو دخل إلى المستشفى، وإنما اكتفى بأن يذكر لنا بعض أفعاله، وبعض أقواله التى تقول بأنه إنسان غير سوى، وترك لنا نحن القراء أن نستنتج ما تؤول إليه الشخصية.
كما أن الإنسان، أو فلنقل كل الكائنات، تتكون من ذكر وأنثى، ورغم أن الحياة تستمر بهما معا، ورغم الارتباط القوى بينهما، غير أن العلاقة ظلت، وستظل، فى لعبة القط والفار، يبدأ الرجل بالبحث عنها، وهى، على الرغم من أنها تريده أيضا، إلا أنه – فى الظاهر- تبدو غير ذلك، فتتمنع (وهن الراغبات). وعن تلك العلاقة الأبدية يوجد الإنسان على الأرض، وتدور رواية "عنكبوت فى القلب"-ظاهريا-. للشاعر، المتأمل فى وجود الإنسان محمد أبو زيد. ولكونه شاعرا أولا، فإنه ككل مبدع. يعيش داخل ذاته، فقد تعب من الآخرين، ومنها أولا، تلك التى إخترعها أبو زيد، ليبحث عنها "بيبو"، وكأنه يبحث عن المدينة الفاضلة، يبحث عن التكامل، يبحث عن التوافق، وكأنه الخل الوفى، فيظل مهموما، ويلتف العنكبوت حول قلبه، فيظل مؤرقا، ويظل لا يشعر بالاكتمال، ودائما يشعر بأن هناك شئ ينقصه. فيراها فى الكثيرات، لكنه سرعان ما يتبين أن ما يعيشه ليس سوى الوهم. ويحدثها – فى خياله- يحدثها فى كل شئ فى هذه الحياة.. إلا الحب {للأمانة الأدبية لم يتحدثا عن الحب. تحدثا في كل شيء آخر}ص182. بينما الحب.. هو ما يبحث عنه "بيبو"، أو فلتقل أنه يبحث عن النصف ألآخر، أو يبحث عن الحرية التى تمثلها "ميرفت عبد العزيز".
وهنا نستحضر العنكبوت الذى يعشش فى القلب, فبما يدور فى بيئآتنا، نعلم أن العنكبوت لا يعشش إلإ فى الأماكن المهجورة، وعندما يعشش العنكبوت فى القلب، فهى يعنى الاختلال، أو الهجران. فالقلب مهجور، ويبحث عن الحب الذى يحيى فيه الحياة. خاصة وأنه { غواية الوحدة، جعلته يختار أن يعيش بمحاذاة الآخرين بطرق مختلفة، كي يستطيع أن يفهم ألاعيب الحياة دون أن يتورط فيها، فعندما كان طفلاً حلم أن يصبح أمين مكتبة، أو بائع جرائد، أو بائعاَ في محل أفلام فيديو عندما يكبر، أقصى ما يمكن أن يفعله يتبادل عبارات روتينية مع الزبائن، ثم يعيش في حيوات الآخرين في الأفلام والروايات وصفحات الحوادث في الصحف.}ص49. لكنه لم يحقق أيا من تلك الأمنيات، فى الوقت الذى يُحدث الشجرة، مدافعا عن نفسه
{ يقول للشجرة إن الوحدة ليست ترفاً، ليست تكبراً، الوحدة استغناء. أن تكتفي بنفسك عن الآخرين. أن تصبح أنت كل عالمك}ص52. فما يحلم به شئ، والواقع شئ آخر، ومن هنا نشأ الاختلال النفسى، أو عدم التحقق.
فقد كانت بداياته جافة، خالية من الحب، او مصادقة البنات، متأثرا بما سكن فى قلوب الأهل والعائلة والبلدة، من أن ذلك شئ ينتقص من رجولة الرجل، الذى عليه أن يدافع عنها، لا أن يحبها {لم يعرف بيبو الحب في صباه ومراهقته}ص55. ولأنطوائه ووحدته كان أبوه يسميه الولد الخائب. لذلك عندما { قرر السفر للقاهرة لاستكمال دراسته في الجامعة، رافقه -والده- حتى موقف الميكروباص، وعاد من هناك مطأطئاً، فقد دفن طفله حياً.. ورغم أن بيبو دفن قلبه في نهاية عامه الجامعي الأول، إلا أنه ظل يبحث عن الحب دون أن يجده، ليس من أجل الحب في حد ذاته، وإنما كي يشعر أنه لا يختلف في شيء عن أقرانه}ص55.
ويظل "بيبو" يبحث عن الحب، وكلما رأى واحدة بحث عن الحب فيها. ودائما يعود خائبا، فيلخص -الكاتب- علاقته مع سنووايت، كواحدة ممن تصور حبهن {بعد اختفاء سنووايت، عاد إلى هوايته المفضلة: الوحدة. لا يعرف كيف قلبت هذه الفتاة حياته}ص63. وحقق استقراره أخيراً: منزل وعمل ووحدته الأثيرة، بعد مروره على أكثر من عمل حتى وجد أخيرا العمل فى مستشفى الصحة النفسية بالعباسية.
كما أن الطائرات الورقة، التى أحبها وأدمنها "بيبو" صغيرا، لم تكن من فراغ، وإنما تعكس رغبة داخلية فى السفر والتنقل، وصولا لما يبتغيه. لذا فقد استعملها بعد أن فارقته "ميرفت" أو من سماها "ميرفت" بعد قضاء ليلة مع العروسان، وكانت هى وراء الأوكرديون، وبعد أن ركبت التاكسى، وتركته عند أول فيصل، أطلق طائرة ورقية، علها تعرفه الطريق، الذى يبحث عنه وراء شبه الحب الذى توهمه.
ويذهب "بيبو" إلى الأسكندرية بحثا عن التجارب البشرية، ويجلس على المحطة لأنه يحب أن يذهب إلى هناك، يفعل ذلك كلما أراد أن يخرج من وحدته ويختلط بالناس ويشم روائح بؤسهم وحزنهم وحكاياتهم. ويتأمل، أو يرسم صورة لكل من يمر عليه حتى يجد فى النهاية "ميرفت" التى رسمها لنفسه. وكأنه يريد أن يخرج من وحدته، ويبحث عن التجارب التى هى أحد عناصر الرواية -بصفة عامة-.
كما أنه من سمات "بيبو" أنه لا يشرب سوى الشاى بالحليب، وهى صفة أولية تعبر عن عدم خروجه من فترة الرضاعة.، وانه يرتدى الحمالات.. وهى موضة قديمة، وكأنه يعيش مرحلة الطفولة لم يزل. وأمام كل تلك الصفات، لم يكن أمامه، أو بمقدوره إلا أن يحب { الصور التي يرسمها لها "ميرفت" في ذهنه يوماً بعد آخر، فتاة وحيدة تعمل في مطعم، تعزف الأكورديون، تقود دراجة على كورنيش إسكندرية، تحب الجلوس بجوار النافذة في القطار}ص76. ويتبين من كل هذه الصفات، انها تحب الانطلاق، أو الحرية والانفتاح على العالم.
وتأتى صفة اساسية فى تصوير شخصية "بيبو"، وهو أنه كره نفسه، بعنى أنه كره وجوده الذى لم يشعر يوما أنه محل اهتمام، أو حب من الآخرين {في قائمة الاتصالات، لاح له اسم المؤلف: محمد أبوزيد نطق الاسم بصوت مسموع، وهو يشعر بكراهية شديدة تجاهه، لماذا حبسه في هذه السيارة؟ ما هي الضرورة الفنية؟ هل أراد أن يتخلص منه؟ أم يرى فيه انعكاساً لذاته؟ لماذا لم يجعل ميرفت تحبه وكان سيقبل بأي مصير بعد ذلك؟}ص193.
ومن الأمور التى تدعو القارئ لتأمل جوهر الشخصية، صراعه الطويل مع الصراصير، ومحاولته التجريب معها بكل الطرق.. لم ينتصر عليها إلا بحضور الببغاء التى أطلق عليها "تأبط شرا"، هو صراع بينه وبين التفاهة، الممثلة فى الصراصير، أى احتكاكه بالآخرين.. إذا كان قد وضح أن "تأبط شرا" هو الملاك الذى على كتفه، فكأنه انتصر حين عاد إلى ذاته.. ووحدته. وحينما أصبح "تأبط شرا" يلقى بعض ابيات المتنبى. فجوهر الشخصية هنا هو البحث عن الذات، البحث عن التوافق مع النفس، فعودة "تأبط شرا" لإلى كتفه كان فيها العودة إلى ذاته.
وعلى أن "بيبو" كثير الحركة، كثير التنقل، يعيش فى الخيال- كشاعر- وعلى الأفلام العالمية، كروائى،وعلى محادثة القارئ، وكأنه صديق، كمسرحى. فعاد به -الكاتب- إلى أرض الواقع، وفى أماكن عديدة وجد هذه المخالغات، أو المرفوضات التى لاتتناسب مع العصر أوتصف العصر، والتى تعكس أن أبو زيد، لم يقدم روايته للتسلية، او انه حب التجريب، خروجا من عباءة الشاعر، بل إنه يكتب رواية حقيقية، تلامس الواقع، وقد نثرها على صفحات الرواية:
1 – فإذا كانت جريدة الجمهورية، تعتبر ابنة (ثورة) 23 يوليو 1952، فى حين أنه كانت تصدر فى ذلك الحين جريدتى الأهرام والأخبار. بينما الكاتب هنا يركز على صحيفة "الجمهورية"، وإن بصورة تتجاهل الشئون الحيوية، وعلى رأسها السياسة، بما يعطى رؤية خاصة لتلك الصحيفه التى تعتبر دعائية، ومؤيدة للثورة، حيث تتكرر صحيفة الجمهورية، كلما أراد الشطب والتمويه { وبعد أن ينتهي ويمسح يديه في ورقة من صحيفة "الجمهورية" التي يدمن قراءة صفحتها الرياضية}ص37. أى أنه لا ينظر إلى الصفحات الأخرى، بما فيها "السياسية، وكأن ما بها لا يهم، غير صفحة الرياضة.
{ثم تطالع سريعاً صفحة الفن والأبراج في جريدة الجمهورية}ص60. شئ من التسلية وفقدان الأهمية و اليقين
{هل سينشر إتش صورته في صفحة “خرج ولم يعد” بجريدة الجمهورية”؟}ص170.
{ تناول بيبو الساندويتشين ملفوفين في ورقة من صحيفة «الجمهورية »}ص177
2- الكوسة، وهى إحدى التسميات التى كانت تمثل (الرشوة) أو المحاباه للفترة التى بدأت من العام 1952، فنجد أن مدير الإدارة يدخل ويطلب الصلاة على النبى{ ثم حديثه عن الرسائل التي يبعث بها إلى موسوعة جينيس للأرقام القياسية، وشكواه من "الكوسة" في المؤسسات العالمية التي تجعلهم لا يردون على مراسلاته}ص38. وكأن مدير الإدارة يبدأ بما جرت عليه العادة.
3- التقدم العلمى حيث يتناولها الكاتب بطريقة ساخرة، تثير التهكم، لما آل إليه هذا العنصر المهم لتقدم الشعوب، فنجد { يحب بيبو والحق يقال مديره، خاصة بعد أن أجرى عملية لاستئصال الشتائم من حلقه، وتحول بعدها إلى شخص آخر لا يُسمع صوته إلا نادراً، لدرجة أنك لو شتمته لن يرد عليك إلا بابتسامة، وكثيراً ما ضرب بيبو بهذا الأمر المثل، للتدليل على التقدم الطبي في مستشفى جامعة عين شمس}ص38.
حال العاملين بالمستشفى { التقدم الطبي في مستشفى جامعة عين شمس. الوحيد الذي يظل صامتاً تماماً كأنه في مكان آخر هو عبد الله هدهد، يتابع كل ما يحدث دون أن يعلق، فيما عيناه تنظران إلى لا شيء على الشاشة أمامه. وعندما يعلو الصخب قليلاً، يقوم إتش ويضع له ساندوتش حشرات مجففة في طبق أمامه، ويهمس في أذنه: {لا تشغل بالك يا عم عبد الله، ركز في اللاب توب. ثم يضع له سماعات الهيدفون حول رأسه الصغير، فينبعث منها صوت عبد الوهاب “يا مسافر وحدك وفايتني، ليه تبعد عني”}ص 39.
{ اعترف ذات مرة لإتش إنه سعيد بحياته الجديدة، يكفي أنه لا يضطر إلى ركوب الاتوبيس بل يذهب إلى العمل طيراناً}ص40.ويلاحظ هنا أن الأغينة لعبد الوهاب لم تأت عفوا وإنمالا مقصودة، حيث سرحان عبد الله هدهد. وكذلك مع الصراصير التى ملأت حياته {في البداية لمح صرصوراً واحداً صغيراً يتسكع، فظنه خارجاً من شاشة التلفزيون حيث كان يشاهد فيلم “حياة حشرة”،}ص63.
4- كما انتشرت فى تلك الفترة (منذ 1952) بأن العامل لا يعمل إلا دقائق معدودة خلال اليوم كله{ يقضي بيبو معظم الوقت في العمل بلا عمل، مثل كل المصالح الحكومية}ص40.
{ يستمع مجبراً إلى إنجازات إتش في «جمعية جامعي أعقاب السجائر الخيرية السعيدة »، التي أسسها مع أصدقاء له لمساعدة أطفال الشوارع}ص40. ويتحدث عن الفريقين الكبيرين فى الكورة.
5- والدليل على كل ما سبق، حبه لزميلته، أو تصور أنه يحبها { المرة الوحيدة التي كادت أن تتحدث معه في ذلك، كانت عندما صادفها عند بائع جرائد في محطة القطارات برمسيس، وهي تطالع إحدى الصحف المعارضة، ابتسمت له عندما رأته فدعاها إلى كوبي إسبرسو من ماكينة النسكافيه بجوار متحف السكة الحديد،}ص43. فلاطلاع على صحف المعارضة، تبدو كما لو أنه ضبطها فى فعل فاضح، حيث كانت المعارضة فى تلك الفترة، من الأشياء النادرة.
6- تميزت الفترة -أـيضا- بوجود مكتب التنسيق الذى يقود إلى ما لا يتشيه الطالب أو ينبغ فيه. فكل من حوله تمناه أن يكون وفق هواه، ولكنه لم يحقق شيئا من أحلالهم، ولا أحلامه { وفي شرفة غرفة بالدور الثاني تطل على البحيرة مباشرة، امتلأت رأسه بالأحلام التي لم تتحقق}46. { لكن ما الذي هو عليه؟، لم تسأل أمه السؤال ربما إشفاقاً عليه، لكن الإجابة القاطعة هي: لا شيء ومع ذلك حقق حلم والده جزئياً، ورأى فرحة مكسورة في عينيه عندما أخبره أنه سيعمل في وظيفة إدارية بمستشفى حكومي بعد عامين من تخرجه وبيع ثلاثة قراريط لدفع ثمنها رشوة كي يحصل على الوظيفة، لكنه ظل يشعر بالذنب بعد أن مات والده باللوكيما، فربما لو صار طبيباً لاستطاع إنقاذه}ص47..
7- تحكى الطبيبة المريضة عن زواجها الثانى الذى كان يحب الزرع والشجر {لكنها كانت تقول إنه سيتعافى بعد زراعة الحقول من جديد، لكن مع هجرة الفلاحين أراضيهم وشح المياه، وتناقص الحدائق العامة}ص93.
{هذه كقصة تعليمية؟ هل تصلح لبرنامج “سر الأرض”؟ أو لإعلان لوزارة الزراعة عن خطورة التصحر وتجريف الأراضي؟ ربما، لكنها في النهاية خسرت جزءاً آخر من قلبها}ص93.
8- لجوء الكاتب إلى الفانتازيا، لتصوير التاريخ، وتلك هى أحد معالم الفترة الممتدة فى التاريخ المصرى منذ العام 1952- جعل الدين المادة الثانية فى الدستور المصرى منذ العام 1964. فلجأ الكاتب إلى استحضار الملكين، القائمين على كتفى "بيبو"، الذى كان قد خلع قلبه من داخله.
{واليوم أيضاً، لمح ملاكين يرفرفان حول كتفيه، لكنه قبل أن يلمسهما اختفيا تماماً.}ص24.
ويقول بيو { مبروك قلبك أولاً. كانت هذه هي المفاجأة الثانية لبيبو، فعودة قلبه إلى مكانه فضلاً عن أن أحداً لا يعرف بالأمر لم تصنع فارقاً في شكله، ربما ابتهاج زائد، ربما انتفاخ بسيط، لكن غير هذا فلا شيء مختلف.}ص28.{ كيف عرفت؟ ابتسم علاء الدين رداً على سؤال بيبو العدواني المتوجس، ثم مد يده بفتات خبز التقطه من بقايا ساندويتش على طاولة مجاورة إلى جيب معطفه الداخلي حيث يطل عصفور صغير، ثم رفع عينيه}ص28. أى أن الملاك الملازم للإنسان، يعلم ما لم يعلمه أحد من البشر. مؤكدا أن الملكين يسجلان كل ما يفعله الإنسان فى حياته، وتلك رؤية لأستخدام الغيبيات فى كل حديث.
كل هذه الأمثلة، وغيرها يشير إلى الفترة التى نشأ فيها "بيبو". وكلها تمثل نماذج سلبية، ادت أيضا إلى ان يصبح "بيبو" شخصية سلبية، ويبحث عن الحب... المفقود. الأمر الذى يقول أن محمد أبو زيد، استطاع تصوير الحباة المحيطة، بما يؤدى إلى أن تكون على ما هى عليه من سلبية وتخلف. ومما يدعم هذه الرؤية، نجد الكاتب يلجأ إلى أحدى الحيل الفانتازية،، حيث أحد ملاكى اليمين والشمال، اللذين ترسخا فى أذهان العربى عامة، والمصرى خاصة، ليشير إلى الاتجاه العام الذى كان يمثل فترة ما بعد 1852. حيث الشيوعية، التى كانت تمثل المرحلة الأبعد من الاشتراكية، حيث الشيوعية، كانت مستبعدةن لتعارضها مع مفهوم الدين، بينما الاشتراكية، كانت تتمشى مع الفكر الدينى، الذى يُستخدم كثيرا فى استمالة الشعب.
ولذلك كان الكاتب، ليس شاعرا فقط ولكنه مسرحى وحّكَاء، فهو مسرحى لأنه هندس روايته "عنكبوت فى القلب" بالتصوير المسرحى، فتكونت الرواية من مقدمة، تشرح المشهد، وتمهد له. وهو روائى، حيث أنه يملك قدرة الحكى، والإمساك بعين القارئ ليتابع ما يقدمه، ممتلكا طريقة الحكى التى تجذبه، وهو تقريب الصورة، وإحضار القارئ، ليعيش معه ما يقدمه، بالسير فى طرقات وأحياء القاهرة، ثم الغوص فى الفانتزيا، التى تُشعر القارئ بأنه وقع فى حفرة، وعليه أن يتدبر أمره ويبحث عن الطريقة التى تُخرجه منها، إلى جانب المعلومات التى لا يتردد فى ذكرها، ولا يشعر القارئ أنه خرج عن الرواية. ثم يقدم العمل فى ثلاثة فصول، وهو الشكل الذى تعود القارئ أن يرى عليه المسرحية. مقسما روايته إلى ثلاثة أبواب، وكل باب مقسم إلى عدة فصول، حيث تجد أن الشخصية الثانية فى العمل، هى "ميرفت عبد العزيز". ورغم وجودها القوى، والمؤثر على الشخصية الرئيسية "بيبو"، إلا أنها تظل شخصية ثانوية، وليس لها وجود إلا فى خيال "بيبو". فنجد أنها قد لاتتقاطع مع شخصية "بيبو" فى لقاء مباشر، وإنما ظلت حلما فى خياله، وسرابا يبحث عن الماء من خلاله. فكيف قدمها الكاتب.
يبدأ الكاتب التعريف ب"ميرفت عبد العزيز" التى وجد اسمها على أحد صفحات كراسته، دون أن يكون أحد معارفه من يحمل هذا الأسم، فبدأ بالمعلوماتية، حيث يلجأ إلى المعجم بحثا عن الأسم { اسم علم مؤنث عربي الأصل، محرف تحريفاً تركياً. أصله «مَروة » وهو حجر الصوان، وهو الحجر الأبيض البراق الذي نستطيع أن نشعل منه ناراً بقدحه بحجر آخر من نوعه. لكن العثمانيين يلفظون الواو مثل الحرف V في اللغة الإنجليزية، ويحولون ( ) التاء المربوطة إلى تاء مبسوطة لعدم وجود تاء مربوطة في لغتهم. فأسموا بناتهم: مرفتْ وميرفت، وأهملوا “مروة” الاسم العربي الأصيل. وقيل: أصل ميرفت “مروءتْ” من المروءة العربية، فضعَّفوا الواو التي يلفظونها V أصلاً.}ص77. وإرجاع الأسم هنا إلى تركيا، والتى كانت تحتل مصر، يعيدنا إلى فترة ما قبل 1952. حيث أنه رغم وجود الاستعمار، كان هناك الحب، وكان التوافق، وكان الإنسان السوى. وهو ما يدعونا للنظر على أن "ميرفت" ليست سوى رمز، وليست بشرا سويا.
ومن الأمور التى تدعو للتساؤل حول من تكون ميرفت، أنها هى نفسها، لا تعرف شيئا عن ماضيها، فقد اختلفت الأراء، وكان هناك ثلاث إحتمالات، وهى لا تعرف أى منها الحقيقى. لذا استعمل الكاتب أبياتا من شعره فى تقديم الفصول فى هذا الباب، وحيث أن الشعر ذاتى، وخيالى، فهو ما دعا الكاتب إلى استعمال الشعر للتعبير عن الشخصية، فضلا عن أن لا ماضى -قيقى – لها الأمر الذى يعنى أنها ليست شخصية واقعية. ففى أحد الفصول يبدأها بهذه الأبيات :
ليست من هنا ولا من هناك
ليس لديها مرآة في البيت ولم يرها أحد
لا تركب الطائرات ولا الحافلات العامة
لا تطير ولا تسير
فيبدأ الشاعر/ الروائى بأنها ليست من هنا ولا من هناك، ولا ترى نفسها، ولا تركب الحافلات. أى أنها مجرد خيال.
{كما لا تعرف أى واحدة هي: هل هي ميرفت الجنوبية التي رفضت الزواج من ابن عمها، أم ميرفت الفلسطينية التي حذرتها أمها من الحب، أم ميرفت الإسكندرانية ابنة الطبقة المتوسطة، التي تجيد استخدام
الآلة الكاتبة؟}ص112.
كما أنه تكرر تركها للمطاعم التى تعمل بها بعد ثلاثة أشهر -تحديدا- لعدة أسباب، كان إحداها
{ومرة لأنها خشيت أن تقع في الحب}ص114. حيث أنها على النقيض من شخصية "بيبو".
وفى فصل آخر.. بينما "ميرفت" تنتقل فى العمل من القاهرة إلى الجيزة، يبدأ الكاتب بتلك الأبيات:
مذهلة كاكتشاف الشاي بالحليب - حيث تقع هنا على خلاف "بيبو" الذى يحب الشاى بالحليب-
تفتح فمها تأهبا لأغنية طويلة
ترشق صمتها في الأوركسترا فتبكيها
كلما رآها العابرون صمتوا
كلما شافها البحر قال: كنا طرائق قدداً
حيث تشير الأبايت إلى الجن وطُرقائهم، وإلى التفرق بين ما ليس له علاقة. بينما الفصل يتحدث عن الانتقال بين القاهرة والجيزة، ورغم قربه منها حد الملاصقة، لكن لا علاقة بينهما، حتى أن كلا منهما منفصل بمحافظة مستقل عن الآخر.
ويؤكد -هلامية- "ميرفت"، وانها مجرد خيال يبحث عنه "بيبو"، حين يستمر الكاتب فى كسر الحائط الرابع، ويحدث القارئ، ويخبره أنه لن يقول الحقيقة أو ينزلق إلى المباشرة، فيتركه يستنبطها بنفسه من خلال سطوره الساخرة: {فأتناول النظارة من على المكتب، أضعها على عينيّ بسرعة، وأحدق جيداً، إنها ميرفت بالفعل، ميرفت عبد العزيز، ميرفت التي ظهرت في جميع دواويني من قبل، ولاك سيرتها القراء، وتجاهلها وائل الإبراشي ولاري كنج، ميرفت التي اقتربت بغرفتها التي كانت تحرك اتجاهاتها بيديها كمايسترو يعزف مقطوعته الأخيرة، كساحر يقدم عرضه النهائي، اقتربت حتى كادت تصطدم ببلكونتي، دنت حتى نظرت إلى عينيّ مباشرة، نظرة طويلة طويلة معاتبة، ثم بحركة بسيطة من يدها تراجعت غرفتها، غيرت اتجاهها، وسارت إلى الاتجاه المعاكس وسط عشرات الطائرات الورقية التي تحلق، ثم إلى الأعلى، حتى اختفت تماماً في السماء، حتى اختفت تماماً من السماء ومن الكتب ومن الدواوين ومن الحكايات ومن ألسنة رواد المقاهي، وربما لم يرها أحد بعد ذلك سوى عم ممدوح وهو يراقب النجوم كل مساء، على سطح بيته في صفط اللبن، متسائلاً عن سر ذلك الكوكب الجديد الذي ظهر فجأة}ص147.
فإذا كان اللقاء، فى الوحدة الجبرية عند "بيبو" والاختيارية عند "ميرفت عبد العزيز" فهنا يحدث اللقاء الذى أضمره الكاتب، فى أن حجرة "ميرفت" طارت فى الهواء. بينما الطائرات الورقية تطير فى السماء حولها، إلا أنها ابتعدت عنه. وطارت فى السماء، وكأنها حلمه الذى طار فى السماء، وفقد القدرة على الوصول إليها، وليرتبط البابان، بعضهما، رغم أن الكاتب لم يربط بين الإثنين فى أى من فصول "ميرفت عبد العزيز.
الشعر فى البداية
لم يستطع الكاتب التخلى عن كونه شاعرا، غلا انه يستخدم الشعر فيما يفيد فى الرواية، التى تبتلع كل ما يأتيها من الأنواع الأدبية الأخرى. فيبدأ أحد فصول الباب الخاص م"ميرفت" وكالعادة فى هذا الباب، بالتناص مع أحد أعمال الكاتب السابقة، فكانت هذه البداية التى كتبها الكاتب فى عام 2014 :
بالأمس
أدركت أن كل الأشياء تشبهك
حتى الملاك الذي رف بجناحيه
حول السرير وقال:
تصبح على خير
ففى هذا الفصل كما تشير المقدمة، سنجد التشابه الذى يخيل ل"بيبو" انه يراه فى كل من يقابلهن، وفى النهاية.. يتبخر الحلم ويأتى.. النوم.
على أن الكاتب / الروائى، لم يضع الجدار الفاصل بينهما، وإنما كان هناك النتيجة الواحدة، وإن اختلفت الدوافع عند كل منهما، حيث تفضل ميرفت عبد العزيز الوحدة، اتقاء لشر من حولها {تفضل العزلة لتقي نفسها شر الذين لا تعرفهم، تميل إلى أن تكون على هامش العالم، وجزءاً منه في الوقت نفسه. أن تخلق عالمها الخاص، حتى لو كان هذا العالم عبارة عن عناكب وتماسيح وبنس شعر ملونة}ص140. وتفضل عليهم مصاحبة العنكبوت، الذى يشبهها {لكنها تعلم أن هذا العالم عالمها جزء من عالم أكبر، فهي تحتاج لجيرانها كي تحصل على العناكب، تحتاج إلى زميلاتها في العمل كي تحصل على بنس الشعر، تحتاج إلى حكايات المنتديات كي تحصل على الخبرة والتسلية، لكنها في كل هذا لا تضر أحداً، لا تدخل حياة أحد عنوة.}ص140. وهنا ترتقى "ميرفت" إلى السمو، والفهم الصحيح للحرية، فالحرية أن أفعل ما أشاء، دون أن يكون ذلك مضرا لأحد. وتلتقى "ميرفت" فى هذا مع "بيبو" الذى يعيش الوحدة، ويبحث عن الحب.. الخلاف الوحيد بينهما، انها اختارت الوحدة، بينما هو فُرضت عليه الوحدة {خاصة لو كانت فتاة. الناس لا يتركونك لتسستمتع بعزلتك أبداً، يكرهون استغناءك عنهم. يشعرون بالعجز والضآلة أمام توحدك في ذاتك واكتفائك بنفسك. يفضلون أن يقتحموا حياتك، ألا يشعروا أنك متميز عنهم في أي شيء، حتى لو كان هذا الشيء هو وحدتك. لذا يفتشون وراءك، ينقبون في لفتاتك، في همساتك، في إيماءاتك}ص139. وإذا كانت هذه العزلة -الاختيارية- هى سمة "ميرفت، فإنها تحب وتسعى وراء العنكبوت، الذى يمثل الدائرة السوداء التى إلتفت حول قلب "بيبو"، فكأنها بذلك هى.. هى الداء.. والدواء، الذى يؤرق "بيبو" , ويسعى وراءه.
المعلوماتية
تشير الرواية بشكل واضح بأن الكاتب مطلع على أحدث تقنيات الرواية فى عصر المعلومات، وأنها لم تعد (حكاية) تُروى قبل النوم، وإنما هى مادة ثقافية تسعى لرقى بالإنسان بالمعلومات. وقد مرر الكاتب الكثير من المعلومات، التى تُثقف القارئ، وخاصة فى الجزء الخاص ب"ميرفت" والتى هى -كما نرى- إنما صنعها الكاتب لألقاء المزيد من الرؤى حول "بيبو". وعلى سبيل المثال نقرأ: {“الأرملة السوداء” هي أحد أنواع العناكب المشهورة بسمها المؤثر على الأعصاب. هي نوع كبير الحجم يتواجد في جميع أنحاء العالم ويرتبط عادة بالبيئات الحضرية أو المناطق الزراعية، يمكن للإناث أن تعيش حتى سنوات بينما تكون حياة الذكر أقصر بكثير، وعلى خلاف الاعتقاد السائد، من النادر أن تفترس الأنثى الذكر بعد التزاوج. اسم عنكبوت الأرملة السوداء شائع الاستخدام عندما يشار إلى الثلاثة أنواع الأمريكية الشمالية والتي تتميز بألوانها الداكنة. ويُعرف نوعاً منها بالعين الحمراء، والأرملة البنية أو الأرملة الفضية، والأرملة الحمراء، وفي جنوب أفريقيا تسمى الأرملة السوداء بالأرملة ذات الأزرار}ص119 - 120.
فميرفت إنسانة تحب { العناكب والقطط الضالة والتماسيح وآثار الأقدام الحافية على الرمال ومشاهدة الكتاكيت الصغيرة، وبنسات الشعر الملونة. لم تستطع أن تقتني تمساحاً في البيت لضيق المكان، فرتبت الأركان بيوتاً آمنة للعناكب}ص103. وبالتالى أنها تبحث فى المراجع عن ما يفيد حول هذه الأشياء.. لذا جاء استخدام المعلوماتية هنا مبررا ومقبولا، ولم تعد دخيلة على النص أو زائدة. وقد برر الكاتب تلك الإشارة، فى كسر الحائط الرابع- أو الوهمى الذى استخدمها المسرح- وكأنه يخاطب القارئ مباشرة، دون إيهام، وكأنه يقول له لا تتعجل يا صديقى، فأنا أعنى ما أٌقول. حين استكمل السرد {الإجابة: أن ميرفت تحب كل ما يتعلق بالعناكب. يجب أن نعترف بهذا حتى نكمل الرواية معاً، فالجدل سيؤخرنا عدداً من الصفحات ولن نصل إلى نتيجة في النهاية. وحتى أغلق هذا الجدال تماماً سأقول: ميرفت أحبت سكارليت لأنها أصبحت عنكبوتاً، وقد بدا لها الأمر غريباً}. وهنا نتساءل، لماذا تحب "ميرفت" العنكبوت" ؟ وإذا أردنا التأويل، فإن العنكبوت يلف بيضه فى خيوط من حرير، وهى تتغذى على الحشرات والصراصير والبعوض. وبتأمل حياة ميرفت، -البريئة- نجد أن العنكبوت أقرب ما يكون إلى طبيعة المرأة-بصفة عامة- حيث هى تنسج الحرير، والمرأة تحب الحرير، فضلا عن خوف الأمومة على أبنائها الصغار {بائعة الكتاكيت الصغيرة التي تقف أمامها تتأمل الريش الأصفر الجميل للكائنات البريئة}. وهى تتغذى على ما يكدر حياة المرأة فى بيتها، وكل ذلك يؤدى إلى ما عنيه الكاتب -دون أن يقوله- أن ميرفت شخصية نسائية ليس فيها ما يلفت الانتباه، لذا فتعلق "بيبو" بها تعلقا ملفتا، وكأن القدر يحث "بيبو" للبحث واستكمال نصفه الآخر، أو للثورة على تنشئته غير السوية.
فضلا عما كتبه فى الجزء الأخير من الرواية "المؤلف"، والذى يمكن قراءته على أنه صورة الإنسان -بعد الموت- وطيف يصبح غريبا على من يعرفهم.. كما أورد الكاتب رؤيته الخاصة عن الإبداع الأدبى، وسار به مسار البحث عن رؤى الآخرين فيه. وكأنه يوضح المنهج الذى سار عليه فى كتابة هذه الرواية.
على أنه يجب الإشارة إلى التسرع الذى يتبعه القارئ الذى يبادر بالقول: وهل للكاتب أن يشرح المنهج الذى سار عليه فى كتابة العمل الإبداعى؟ فنسارع بالقول بأن الرواية هى المحيط الذى يحوى كافة الأنواع النهرية، والبرية. شرط التجانس. وحيث أن الكاتب نزع نحو التجريب، الذى يمكن أن ينحرف نحو التغريب، الأمر الذى يؤدى إلى توهان القارئ فيما يقرأ، ولا يستطيع الوصول إلى ذلك التجنيس. وحيث أن الكاتب هنا يكتب بحرية، وحميمية، ويحكى، كأنه جلس وسط جمع من البشر، حتى أن كتابته اقتربت من الشفاهة، وجمع بين الواقعى، المجموع من طول مصر/ والعالم، فله أن يشرق ويغرب كيفما شاء، المهم أن يقنعنى- كقارئ- فى النهاية بما قدم. ومن حقه أن يخشى ألا يصل القارئ إلى الوسيلة التى تمنع وصول الرسالة إلى من أرسلت إليه. ففى الجزء الأخير، استطاع أن يقدم مسيرة الإنسان بصفة عامة، ومسيرة الشخصيةالرئيسية"بيبو"،وكأنها مسيرة الرواية فى تجميع هذه الجمل من نثار ما قدم {تطور الحلم مع نموه الفكري والعمري؛ في فترة المراهقة حينما اتجه للدين هرباً من الغواية...... في مرحلة أخرى من المراهقة حلم بالعاصفة الصاخبة حيث يصبح مجرد رقم من ملايين الأرقام التي تعيش هناك، ولا تعرف بعضها بعضها بعد أن انتقل للعيش في القاهرة، وظن أنه حقق ما أراده بالعيش وحيداً بعيداً، تبدّل حلمه، بسبب كراهيته للضجيج والزحام، فحلم بخيمة صغيرة في الصحراء، تطل على واحة، لا شيء حوله سوى الرمال..... ذبلت الأحلام مع دورة الحياة اليومية والانهماك في العمل، لكنها عادت تطل برأسها مرة أخرى بسبب ميرفت... أصبح يكره الحب. لكنه لا يكره ميرفت. يريد أن يهرب من الحب، لكنه لا يريد أن يهرب من ميرفت. يريد أن يبتعد عن كل شيء، فأين ذهب به حلمه هذه المرة؟}. فضلا عن الصورة الفانتازية التنى قدمها(فى الفصل الأخير أيضا) عن السيارة الجانحة، وكأنها هى التى تقود السائق لا العكس. فلنا أن نتصور أن هذه الحياة هى تلك السيارة، فهل أحد يستطيع إيقاف السيارة أو يغير اتجاهها؟.
ثم يأتى الباب الثالث "المؤلف" حيث يقترب الكاتب من نفسه، ويظهر بشخصيته، الجامعة للحياة من كل جانب، حيث يبدأ بالفصل الأول، وقد أخذ ينظر للإبداع، وكيف هى رؤيته له، حيث جنح إلى ما يشبه المباشرة، إلا أنها كانت ضرورية لإظهار فلسفته فى التجريب الذى يمارسه – وإن كنت أفضل أن يكون هذا الفصل مقالامستقلا-. ثم يخرج فى الفصول الأخرى، فتزداد المباشرة، فى وضعه داخل للسيارة، التى تتحرك وحدها. ليصبح الرمز واضحا، وإن كان يسعى لتحويل الرؤية إلى الأوسع، حيث الحياة بصورة عامة، والتلاعب مع الملكين الملازمين، دون أن يكون لهما دور فى تسيير السيارة. ربما أنه اراد أن دورهما مجرد التسجيل لما يفعل, إلا ان وجودهما فى تلك المرحلة لم يضف للشخصية أو الرواية. لذا كنت أرى الاكتفاء بالبابين الأولين، اللذين، يحددان موقف الشخصة الرئيسية "بيبو" والشخصة الرمز المؤثرة فى مسيرة حياته. حيث أنه فى هذا الباب وضح للقارئ ما سبق أن اضمره فى الفصلين الأولين, وهو ما يثير التساؤل، ويؤكد على أهمية البداية والنهاية فى الرواية. فإذا كانت البداية هى التى تحدد مسار القارئ، وما إذا كان سيستمر فى القراءة أو يتوقف، فالنهايه هى التى تضع القارئ على رصيف الانتظار، والبحث عن السبل التى عليه أن يكمل المسير بنفسه، ليضع هو النهاية الممكنة، من خلال الأحداث التى قرأها.
إلا أنه على الرغم من ذلكن يضع الشاعرمحمد أبو زيد قدمه فى طريق الرواية، بكل ما قدمه، فى التعبير عن الشعور الداخلى للشخصية، فكانت شخصية "بيبو" فى روايته الثانية بعد روايته الأولى -التى لم أقرأها- "عنكبوت فى القلب"، بما تحمله من سخرية، ومن تجارب حياتية، وفانتازيا وسخرية لاذعة تتناسب مع رؤيته لتلك الفترة، التاريخية، ومن الشك الذى صاحب القارئ فى كونه مجرد موظف بمستشفى الأمراض النفسية بالعباسية، لهو تعبير دقيق عن رؤيته، ورؤية الكثير من أبناء هذا الوطن، حتى أن القارئ يجد نفسه فيها، ويبتسم فى مرارة. فاستحقت الرواية أن تُكتب فى الفترة من 9 مايو 2012 إلى 9 مايو 2017 لما جمعت من صنوف الإدبع، وتنوع والجمع بينها فى محاولة للتجريب، ولما حويت من معلومات، افادت الرواية كثيرا.