تعتمد القصة القصيرة، على الحركة، وليست بالضرورة أن تكون الحركة فعلية على أرض الواقع، ولكن تغير الإحساس، يخلق الحركة. وهنا تتحدث القاصة، على تلك المشاعر، من النقيض إلى النقيض. فتشخص ذلك الحب الأبوي في مراحله. عبر تاريخ طويل .. ولكننا عند القراءة يجب أن ننظر إلى رمزية الأب.

الشاطر حسن

عزة راجح

 

وانا خلفه .. اعتدت أن أراه فوق صهوة جواده، فارسا لا يُقهر، حتى ظننته رجلا عاديا، وكأن كل الرجال هكذا خُلقوا، لا يغلبون ولا يشيخون، ولا يتألمون. تمتد الرحلة..، وتتوالى معارك الدنيا العنيفة .. ظلم .. قهر .. مرض .. مسئوليات جسام وألم ..،ودائما.. هو يقاوم ويصمد وينتصر، لنفسه وللآخرين
انتصاراته لا تبهرني، فهي أمرٌ طبيعيٌ ألفته .. لم أصدق يوما آلامَه وأوجاعَه، بل كنت على يقينٍ أنه فوق الوجع والألم وسيسحقهما سحقا
قلت له مراتٍ ومرات الرحلةَ لم تنتهِ بعد..  قلت .. تشبث بالزمام وأكمِل المسيرَ لنا وبنا ومعنا
أوشكت الرحلة أن تنتهي..، !!
عيناه بدتا واهنتين، ولمحت أطرافه ترتجف، بل لمست برودة تسري في دمائه
كل هذا لم أصدقه، لن أصدق أن الفرسانَ يشيخون، او أنهم مثلي يتألمون ويقهرون ويغلبون ..
هكذا عرفته، فكيف لي أن أصدق، انا من أمرت قلبي مٍرارا أن يتأسَّى بقوَّتِه، فصار صلدا، يُخفي عني لحظاتَ ضعفِه، وصار يدَّعي الغلظةَ، ويُخبئ خلف جدرانه رقتَه واللين
قال لي يوما، عنيدةً انت ولكِ قلبٌ كالحجارةِ او اشد قسوة
زاغت عيناي ..، قلت .. منك تعلمت يا فارس
لم أفهم يومها لماذا قال..، وربما لم أفهم ماقُلت، ولمَ قلت، وهل قصدته
لكن .. ظننت أنه هكذا يجب أن أكون، ويجب أن يكون ..
رقةُ الإحساسِ، ضعف، وإظهارُ العواطفِ ضعف، العشقُ.. قمةُ الضعفِ، والخضوعُ لهوى النفسِ ضعفٌ يجب ألا نتصف به
سألت نفسي مرات ومرات، هل عشقته ..
تلك اللعينةُ التي روضتها على القسوةِ أبَت أن تجيب
أذكر أنه قالها لي ذات يوم .. نعم قالها، ولم أكن أتوقع أن يفعل
قالها ولم أهتم إليها، كأنه لم يقل شيئا ولم يفعل..،عقلي لم يستوعبها ولم يُصدقها، ولم يتخيل أن الفرسان يعشقون
العشق ؟!
انا لا أعرف عنه ولم أحاول..، أنا وهبته روحي، ربما حتى قبل أن أولد
قلبي كان يخفق كلما سمعتهم يتحاكون بقدراته الخارقه، وانتصاراته الساحقة
كنت طفلة صغيره اعتادت أن تجلس إلى جدتها وتتوسل إليها في كل مرة أن تقص عليها حكاية " الشاطر حسن" ويالها من جدة تبرع كل مرة في إضافة الجديد لتبدو الحكاية كأنها لم تُروَ من قبل
الشاطر حسن...!!
هو تفوق على الشاطر حسن وسبقه بمراحل
أبي قال لي ذلك وأنا أثق تماما في كلمته
أبي أعطانيه عن رضا وقناعة وحب 
خضنا الرحلة..، وقطعنا الشوط الأكبر من الطريق، والزمام في يديه، تخليت عن نفسي وتركتها له، لم أخش شيئا وانا خلفه، فيداه قويتان وعزيمته قاهره
قال أوشك الطريق أن ينتهي، وارهقني ما لقيت، فامسحي عني ما تسلل الى قلبي من وهن وألم
لم أصدق..
أي وهن هذا الذي يمكن أن ينال منه وأي  ألم؟!
سقط أمام عيني..، لم أصدق، بل وقفت أرقبه، في انتظار أن ينهض لنكمل المسير
سقطت دمعة الفراق..، لم أصدق
قالوا مات، لم ولن أصدق..
وها انا في انتظار ..
على الارض.. الزمامُ ملقى، وعيناي متشبثتان به تترقب، متى ستعودا يداه بقوةٍ. .. تمسكان به
قلبي يُحدثُني أنه حي، ولن يموت