لم تكن طلباتي كثيرة، خاصة وأنني كنتُ أعتبر أن دخولي هذا المطعم مجرد استراحة قصيرة وأنا في طريقي إلى قهوة المخبرين في شارع محمد محمود أو لتضييع بعض الوقت إلى أن ينتهي أبو ياسر من تركيب نصف نعل لحذائي أو ترقيع حذاء أي من أفراد أسرتنا أو تثبيت توكة حزام جلدي يتباهى به أخي الأصغر أو خياطة حقيبة يد لإحدى أخواتي. لم تكن لدىَّ أي رغبة في أن أصبح زبونًا لمحل ضخم مكون من طابقين في صدر ميدان باب اللوق الذي يمر به عشرات الآلاف يوميًّا، ولن يتمكن أي كائن حي من حفظ ملامح أي شخص حتى ولو مر عليه خمس مرات في اليوم بفارق خمس دقائق بين المرة والأخرى. كانت طلباتي: واحد فول اسكندراني وواحد طعمية وبيضة مسلوقة وزجاجة مياه صغيرة. وهي وجبتي المفضلة التي تشغل دائمًا الأولوية، ربما لأنه لا توجد الأموال اللازمة لوجبات ذات مكونات أفضل، أو ربما لأنها سهلة وبسيطة وسريعة.
لا أحد يمكنه أن يفهم مغزى ومسارات الحركة، سواء في الطابق الأول أو في الطابق الثاني من هذا المطعم الذي أصبح يمتلك فروعًا في كافة الأحياء المركزية في القاهرة، بل وتجاوزها إلى مناطق كثيرة في الإسكندرية أيضًا. فالأول مخصص للبيع السريع، ومن ثم كانت الحركة فيه أسرع والأصوات كثيرة ومتداخلة تصنع ضجيجًا من ذلك النوع الذي تتميز به أسواق العجول والمواشي المنصوبة في الهواء الطلق حيث تختلط أصوات البهائم بأصوات البشر بصراخ النساء وبكاء الأطفال. كان من الصعب أن يفهم أي أحد ما يدور بالضبط ومن الذي يشتري ومن الذي يبيع ومن الذي يدفع ثمن المشتريات، بينما الطابق الثاني كان مخصصًا للجلوس والحجز والانتظار. وبالتالي، فالحركة فيه منضبطة نسبيًّا، أو من المفترض أن تكون منضبطة مقارنة بالطابق الأول المدهش. وعلى الرغم من ذلك، فهناك أشخاص كثيرون يتحركون بشكل عشوائي لا يمكن لأحد أن يفهم من خلاله أي شيء. وتتداخل أصوات العاملين بأصوات آتية من زوايا خفية لا يمكن أن يكتشفها الزبون إلا عندما يتوجه إلى الحمام حيث يعثر على أصحابها هناك يحملون مناديل ورقية أو يمسكون بمقشات ومسَّاحات وكأنهم فعلا يكنسون شيئًا أو يمسحون شيئا آخر.
لم يكن ذلك غريبًا أو مثيرًا للانتباه. وللوهلة الأولى يمكن أن يعتبره أي شخص من السكان المحليين أو الأجانب نوعًا من الاهتمام الخاص والخدمة الرفيعة من أجل راحة الزبائن، لولا تلك النظرات التي تتأرجح بين التوسل والرجاء، وتتحول عادة إلى نظرات تسول في أغلب الأحيان. بل ويمكن أن تنقلب إلى نظرات عدوانية وهمهمات بكلمات غير واضحة في حال إذا لم يحصل حامل المناديل أو عامل النظافة على بعض الأموال. ومع ذلك، لم يكن كل هذا غريبًا بالنسبة لنا نحن السكان المحليين، لأنه موجود في المطارات وفي الفنادق والمطاعم، وفي بعض المؤسسات الحكومية العامة التي تخدم قطاعات واسعة من المواطنين. وهناك أشكال أخرى لذلك في الشوارع، وعلى الكباري العلوية وسلالم مترو الأنفاق، وفي المواصلات العامة والقطارات درجة ثالثة. كما أن مستوى الضجيج في الشارع لا يختلف كثيرًا عن مستواه داخل المكان. وينقسم هذا الضجيج إلى قسمين رئيسيين: الأول يتعلق بأصوات محركات الآلات مثل السيارات والباصات، والاستخدام الدائم للكلاكسات الخاصة بها بصرف النظر عن الاحتياج لذلك من عدمه، إضافة إلى أصوات ميكروفونات المساجد، وأجهزة الراديو ذات الصوت العالي في المقاهي والمواصلات. ولا يمكن تجاهل أصوات الرافعات وآلات سفلتة الطرق والمكن الذي يستخدم في الحفر. وهذه الأخيرة منتشرة في كل مكان تقريبًا، لأن هناك عمليات إصلاح وترميم ورصف وسفلتة وحفر دائمة على مدار اليوم والأسبوع والشهر والسنة. وهي لا تنتهي أبدًا، ولا يحدث أي تغيير في الشوارع والميادين، إلا بقدر ضئيل للغاية. والثاني، يخص أصوات الناس، سواء كانوا يتحدثون مع بعضهم البعض، أو ينادون على بعضهم البعض، أو يتحدثون في الهواتف المحمولة، أو يضحكون، أو يعبرون عن أي شيء.
بمجرد دخولي المطعم، كان يتطوع أحد الصبيان الكثيرين الواقفين أو الجالسين كيفما اتفق، باختطاف منديل ورقي واحد من كيس كبير على رف خشبي ذي لون بُنيِّ معلق على أحد الأعمدة الضخمة، ويأتي به ليضعه أمامي في حال كنتُ قد جلست، أو يناوله لي في حال كنت لا أزال واقفا أنظر إلى الطاولات الكثيرة لأختار واحدة مناسبة. وبعد قليل يأتي آخر معه ليمونة صغيرة مقسومة إلى نصفين يضعها كيفما اتفق على الطاولة. ثم يأتي الثالث بعد قليل بطبق به أربعة أرغفة صغيرة مدورة. وهذا نوع من مستوى الخدمة الأرقى نسبيًّا من خدمة عربات الفول والكبدة المتناثر في الحواري المتفرعة من ميدان باب اللوق. لكن مستوى الضجيج لا يتغير، والأسعار تتحرك إلى أعلى في هدوء يناسب أمثالي من سكان الشريحة الوسطى من الطبقة المتوسطة، ويتماشى مع أسعار البنزين والكهرباء التي تعتبر أحد أهم المؤشرات لارتفاع الأسعار، وحركة الجنيه المصري بالنسبة للعملة الصعبة. وعادة لا ينتبه أمثالنا لمسألة العملة الصعبة، لأننا لا نحصل على مرتباتنا بها، ولا نستخدمها إلا في أضيق الأحوال، عندما يسعدنا الحظ ونسافر إلى الخارج للعمل أو لظروف ما قاهرة. فنحن نقيس مرتباتنا بما يمكن أن نشتريه من احتياجاتنا الأساسية، وعلى رأسها الأكل والشرب والعلاج وتعليم الأولاد والملابس، وتسديد فواتير الكهرباء والمياه والغاز وهواتفنا الثابتة والمحمولة. عدا ذلك لا نفكر كثيرا في قيمة الجنيه. لكن عادة ما تقع أعيننا على واجهة أي من مكاتب الصرافة الموجودة بالقرب من الميدان، حيث توجد قوائم أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه المصري. ولا نتهتم بالأمر إلا إذا كان أحد أقاربنا يعمل في الخارج وأرسل حوالة مالية بالعملة الصعبة. فنلف وندور على هذه المكاتب لكي نختار أعلى سعر نستبدل به مبلغ المئة أو المئتين دولار أو يورو. ومنذ يومين فقط أعلنوا أن سعر الدولار ارتفع وأصبح يساوي خمسة عشر جنيها كاملة.
في المرة الأولى، عندما دخلت إلى هذا المطعم، كان الحساب واحدًا وثلاثين جنيهًا بالضبط. وفي المرة الثانية لم يتغيَّر. ووفقا للأعراف والعادات والتقاليد، كنتُ اترك خمسة وثلاثين جنيها. وبعد أربعة أيام تقريبا، رحتُ مرة أخرى. ويبدو أن الرجل الذي يبدو أنه كبيرهم كان قد حفظ شكلي. طلبتُ نفس القائمة التي طلبتها في المرتين السابقتين. وأكلتُ برضاء شديد عن المطعم والعاملين فيه، وعن نفسي في المقام الأول. وكان الحساب ستة وثلاثين جنيها. فتركتُ له أربعين، وانصرفتُ على إيقاع ابتسامته الواسعة ونظرته الغريبة التي كانت ودودة أكثر من اللازم. لكنني اعتبرتُ أن ذلك من طبائع الأمور، وخاصة عندما يترك الزبون بقشيشًا سخيًّا من جهة، ويتعامل بود واحترام من جهة ثانية.
بعدها بيومين بالضبط، كان لدي موعد مع أحد أصدقائي على قهوة المخبرين على تقاطع شارع محمد محمود مع شارع الفلكي، وكان الوقت لا يزال مبكرًا. فقلتُ في نفسي إنه من الممكن أن أمر على المطعم لأتناول وجبتي المحببة وأتمتع بنظرة الرضاء والمودة من مدير الصالة الذي يبدو أنه صار يتذكرني جيدًا على الرغم من الحركة العشوائية للمكان والضجيج وفوضى الأصوات البشرية المختلطة بالأصوات الصادرة من شاشتين عملاقتين وبأصوات رنين الهواتف المحمولة وأصوات الضجيج الآتي من الطابق الأول، وأصوات عمال الدليفري الذين يوزعون الطلبات على أكياس صغيرة يضعونها في أكياس أكبر ثم في كراتين ضخمة ويخرجون بها إلى الشارع حيث التروسيكلات الضخمة أو الموتوسيكلات التي يتحركون عليها لنقل الأكل إلى عناوين الزبائن التي بحوزتهم.
ابتسم لي مدير الوردية في الطابق الثاني وجاء بنفسه حاملا المنديل الورقي ووضعه أمامي مع انحناءة صغيرة ودودة بها قدر لا بأس به من الكبرياء والاعتزاز بالنفس. بعد قليل جاء بنفسه حاملا ليمونة مقسومة إلى نصفين، ووضعها فوق المنديل الذي كنتُ قد استعملته. أشار إلى أحد الصبيان الذي جاء مهرولًا ومعه طبق عليه أربعة أرغفة صغيرة مدورة. لم يسمح للصبي بأن يضعه أمامي، بل أخذه منه ودار دورة كاملة ثم توجه نحوي بابتسامة واسعة وانحناءة ودودة مليئة بالكبرياء على طريقة جرسونات الفنادق الفخمة، ووضعه أمامي. ومن أجل التأكيد على أن صداقة ما نشأت بيننا، توجه مسرعًا إلى ثلاجة ضخمة بجوار مكتب خشبي كبير عليه كمبيوتر وفتح الباب بعنف يعكس مدى اهتمامه وسرعته وتناول زجاجة مياه صغيرة، جاء بها مسرعًا إليَّ وعلى وجهه نفس الابتسامة الواسعة الودودة الدافئة المرحبة. سألني: "نفس الطلب؟". فابتسمتُ له وهززتُ رأسي بالموافقة. وسعدتُ جدًّا، بل أصابتني حالة من الخفة والكبرياء والتحليق، لأنه ليس فقط أصبح يتذكرني، ولكنه صار يتذكر كل مكونات وجبتي المحببة. بعد قليل جاء بنفس طلبي الذي أفضله. وكان الحساب في هذه المرة حوالي ثلاثة وأربعين جنيهًا. شعرتُ بإحراج شديد لأنه كان من الصعب أن أعطيه خمسة وأربعين جنيهًا فقط. فقررتُ أن أترك له خمسين جنيهًا ورقة واحدة.
بعد حوالي أسبوعين، التقيتُ في مناسبة ثقافية كبيرة مع أصدقائي في مبنى دار الأوبرا الكائن عند الطرف الآخر من كوبري قصر النيل بجوار النادي الأهلي وبالقرب من نادي الجزيرة، وكان معنا اتنان من أصدقائنا الممثلين المشهورين نسبيًّا. فقررتُ أن أدعوهم إلى تناول أي شيء خفيف وسريع. وبالفعل اصطحبتهم إلى مطعمي الذي يقف في صدر ميدان باب اللوق مثل أسدي كوبري قصر النيل، والذي أصبح مفضلًا بالنسبة لي بعد أن أظهر مدير صالة الطابق الثاني كل هذا القدر من المودة والمحبة. والأهم أنه أصبح يعرفني ويرحب بي بشكل خاص. أما أصدقائي فكانوا يتحملون نزقي ودعواتي الغريبة في أماكن أكثر إثارة للدهشة والاستغراب. كان تحملهم لي يدعوني أنا شخصيًا للدهشة لأنني كنتُ أسبب لهم الكثير من الإحراج والمتاعب، وخاصة عندما كنتُ أزعجهم وأجبرهم على اللف والدوران معي في أنصاف الليالي بوسط البلد لكي نعثر على أحد ماسحي الأحذية ليلمع لي حذائي. كان من الواضح أنهم كانوا يريدون الحفاظ على طاقتهم والابتعاد عن المناقشات البيزنطية والمناهدة، ومن ثم كانوا يستسلمون لمبادراتي واقتراحاتي التي عادة ما تجعلهم يلعنونني سرًّا، ثم جهرًا.
دخلنا المطعم وكان عددنا سبعة أشخاص. رآني صديقي مدير الصالة فجاء مسرعًا وعلى وجهه ابتسامة أوسع من كل مرة لدرجة أنه كاد يأخذني بالأحضان. لكنه عندما فوجئ بوجود اثنين من الممثلين الذي يشاهدهم في التلفزيون، فتح عينيه بشدة وتجهمت ملامحه لوهلة، ثم أعاد إطلاق ابتسامته بشكل أكثر اتساعًا ودفئًا ومودة وهو ينظر نحوهما معطيا كلاهما انطباعًا بأنه تحت أمرهما وينتظر أوامرهما في أي لحظة. وراح يتوجه إليهما بشكل حصري وكأنه لا يعرفني ولم ير سحنتي هذه في يوم من الأيام. طلبنا طلبات كثيرة. وكان كلما نهض أحد الصديقين الممثلين متوجها إلى الحمام، كان الصبيان الذين زاد عددهم فجأة يتسابقون على حمل المناديل الورقية والركض خلفهما. وإذا حدث ونظر أحدهما يمينًا أو يسارًا، كان صديقي مدير الصالة يركض إليه ويسأله: "خير يا باشا، حضرتك تؤمر" ويبتسم ابتسامته الواسعة الودودة وينحني بكبرياء وشمم.
رحنا نضحك كعادتنا، خاصة وأن ستة أشخاص من بيننا قضوا أيام الطفولة والصبا والدراسة معا، ولديهم تاريخ طويل من الذكريات والحكي والكلام. وكانت آذان العاملين والزبائن وعيونهم تتابعنا باهتمام، وتطل منها أسئلة كثيرة عن طبيعة عملنا، ما عدا طبعا صديقينا الممثلين، ومَنْ فينا يعمل لدى مَنْ، ومَنْ مسؤول الماكياج ومَنْ "اللبيس" ومَنْ مدير الأعمال. ومن شدة المتابعة كانوا يضحكون لضحكاتنا، ويبتسمون لابتساماتنا، ويقهقهون على النكات التي يطلقها بعضنا. بل وبدأ الصبيان العاملون الذين زاد عددهم بشكل ملفت يقتربون من طاولتنا، ويدلون بتعليقات هنا وهنا، وقال أحدهم نكتة لم يضحك عليها أحد. حاول مدير الصالة أن ينقذه فقال نكتة قديمة للغاية أثارت ضحكنا. لكن أحد الزبائن أفسد الأمر عندما قال بسماجة: "قديمة".
عندما انتهينا من تناول طعامنا، وشربنا الشاي الذي اقترحه مدير الصالة، توجهت إلى الشخص الذي يجلس على الطاولة الخشبية وأمامه كمبيوتر، فابتسم المدير ابتسامة غريبة وقال: "الباشا حاسب وكله تمام". شخرتُ شخرةً خفيفةً، وتركته متوجهًا إلى صديقي الممثل الذي أشار إليه المدير بعينيه أثناء كلامنا. شخرتُ له شخرة أطول قليلا، وقلت له إنني أنا الذي دعوتكم على العشاء. فضحك صديقي الممثل، وهمس في أذني قائلًا، إن مدير الوردية أحرجه، وكان طوال الوقت يتابعه، ويطيل النظر إليه ويبتسم له، لدرجة إنه شك فيه، وشعر أنه يريد شيئًا آخر. وكاد يتأكد من هذا الشعور عندما تبعه مرتين إلى الحمام وهو يحمل بعض المناديل الورقية، لولا أنه تذكر أنهم يفعلون ذلك في كل حمامات ومراحيض الدولة، وحمامات ومراحيض المطارات والفنادق، ولم يبق إلا مراحيض الطائرات ومراحيض الباصات السياحية والبرلمان.
بعد يومين أو ثلاثة، قالت لي أمي إن يد حقيبتها الجلدية ذات اللون التركواز، التي أهداها لها أبي في عيد ميلادها الخامس والثلاثين، قد فلتت من تلك الحلقة الحديدية، ويجب إصلاحها. وعلى الرغم من أن أمي ذات الخمسة والثمانين عامًا لم تكن تخرج من البيت بسبب مرضها وعدم قدرتها على السير، إلا أنها كانت تهتم بحقائبها وأحذيتها وفساتينها القديمة. أخذتُ الحقيبة وتوجهت إلى محل أبو ياسر في شارع نوبار. تركتها بعد أن وعدني ياسر شخصيًّا بأنه سيصلحها خلال ساعة واحدة فقط. قلتُ في نفسي إن الوقت مناسب جدًّا للمرور على صديقي الحميم مدير صالة الطابق الثاني في مطعمي الذي أصبح مفضلًا، والذي يقف كأسدي كوبري قصر النيل في صدر ميدان باب اللوق العريق. وابتسمتُ عندما تخيلتُ نفسي ألتهم طبق الفول الإسكندراني، وأفصل بياض البيضة عن صفارها، بينما صديقي المدير ينظر لي نظرة ودودة ودافئة.
انتفض صديقي المدير عندما رآني على باب الصالة. أخذ يرحب بي لدرجة أن جميع الزبائن الجالسين انتبهوا وراحوا ينظرون نحوي في اهتمام وفضول. سألني: "نفس طلبك القديم، أم طلبك لما كنت مع البهوات؟ ولكن كيف حال البهوات؟ نتمنى أن تشرفونا مرة أخرى..". ترك الزبائن الجالسون في الصالة أطباقهم وملاعقهم وخبزهم وزيتهم وراحوا يتابعون الحوار الغريب الذي يدور من طرف واحد. بينما أنا لا أجد مجرد ثانية أو ثقب صغير ضيق من الصمت لكي أنفذ منه لأرد على صديقي المدير. وفي نهاية المطاف قررتُ مقاطعته، مخبرًا إياه بأنني أريد طلبي الأول التقليدي عندما أكون بمفردي. توجه إلى الرف الخشبي ذي اللون البني الكالح وخطف منديلًا ورقيًّا واحدًا من كيس كبير، ثم توجه بكسل إلى الثلاجة الضخمة وفتحها بلا أي مبالاة وتناول زجاجة مياه صغيرة، وعاد ليضعها كلها دفعة واحدة أمامي، وهو ينظر نفس النظرة الودودة الدافئة، ولكن في هذه المرة بنوع من الهدوء والكسل وكأنه لا يعرفني. ثم توجه ليجلس وراء الطاولة الخشبية الكبيرة التي يقف عليها الكمبيوتر في وضعٍ يشبه وضعَ قِدْر الفول المدمس.
بعد قليل، جاؤوا لي بطلبي المفضل. رحتُ أتناول عناصري الغذائية باستمتاع شديد ومن دون أي اهتمام بنظرات الزبائن التي بدأت تخفت، وتهتم بتفاصيل أخرى: بحركات أولادهم، أو بهمسات بعضهم البعض أو بمباراة كرة القدم التي تجري أمامهم على الشاشة الضخمة، أو بالنظر إلى شاشات هواتفهم المحمولة. انتهيتُ من وجبتي. لكن صديقي المدير الذي كان يراقبني خلسة، صمم على أن أشرب الشاي الرائع الخاص بالمطعم، واصفا إياه بأنه "أحسن من شاي كل قهاوي وسط البلد". فوافقتْ. وكان الحساب في هذه المرة خمسة وستين جنيها. أُصِبتُ بإحراج شديد. ورأيتُ أنه من غير الملائم أن أترك له سبعين جنيها. فقلتُ في نفسي، إنه من الممكن أن أترك له عشرة جنيهات كبقشيش. لكن للأسف الشديد لم يكن معي أوراق من فئة الخمسة أو العشرة جنيهات. وأصبحت مضطرًا لترك مبلغ ثمانين جنيهًا (أربع ورقات من فئة العشرين جنيها) وسلمتُ أمري إلى الله، حيث منعني الخجل ونظرات صاحبي مدير الصالة الودودة الدافئة المرحبة من طلب الباقي. وفي كل الأحوال كان سيأتي بالباقي ليس فقط في شكل عملات معدنية، بل وأقل من المبلغ الحقيقي بعدة جنيهات. غير أن كل ما كان يضايقني في هذه اللحظات ليس ارتفاع سعر الوجبة بمقدار الضعفين تقريبًا خلال عدة أيام، وليس فتور اهتمام صديقي الودود المخلص مدير صالة مطعمي المفضل، وإنما لأنه كان في كل مرة ينتفض ويركض ويمنحني إحساسًا بأنه يجهز مركبة فضاء للتحليق إلى كوكب المشتري، ثم يأتي إليَّ بمنديل ورقي واحد مما كان يضطرني إلى أن أمسح يدي خلسة في ملابسي.