يعيش العالم العربى فى حروب وقتل وسفك دماء. حتى بات القتل والدم أقرب إليه من الماء، فلا تفرق بين رجل وامرأة، أو طفل .. ذلك الذى يدفع الثمن. وحين يرحل الإنسان .. يحاول أن يرى الملكين على الكتف الذين تحدث عنهما السابقون، ولكنه لا يراهما. وحول تلك المشاعر التى يحملها الموتى. تتناول الكاتبة السورية تلك الأحاسيس، معرجة على أفعال القتل والحروب، وانعكاسها على من يعيشون في العالم الآخر، بصياغة تُضمر أكثر مما تُظهر.

زيــــــــارة

فـدوى العـبود

 

(1)

لم أكن أحتاج لفتح الباب، ولا لوضع سلّم أسفل الشرفة ولم أكن مضطرة للاستعانة بابن الجيران-والذي لا أحبُّ نظراته الشرسة -ليتسلق الجدار. تاركاً أثر حذاءه فوق الموكيت الخمريّ الناعم.

رائحة بيتي تغيرت كثيراً ...باقة الورد. وعلبة عطري. أحذيتي أين اختفت؟

لكن ماذا تفعل هذه المرأة في غرفتي، ولماذا تتحرك بأريحية فيها! وكيف تجرأت على ارتداء بيجامتي القطنية ووشاحي الوردي! وماذا يفعل الكوب الذي أهداني إيّاه زوجي في عيد ميلادي بين يديها! هل سطَت على زوجي وأصدقائي أيضاً.

 سيكون لي شأن معها حين أنتهي من فهم وضعي الآن!

"المرأة العجوز قالت لي لا فائدة"

لكن زوجها الذي يقضي الوقت في قذف صنارة نحو الأعلى واصطياد صغار النجوم من وسط المجرات كما يتوهم؛ قال إن عليها تركي أحاول

(مُذ ولدت وأنا أحاول، للنجاح في الثانوية، أحاول للحصول على عمل، وقبل كل ذلك حاولت إقناع والدي بزميلي الذي هو زوجي الآن. وحاولت إقناع الجميع مديري في العمل بعملي، زوجي بمهارتي كزوجة، وحاولت إقناع الحياة أني جديرة بها. لكن يبدو أنها لم تقتنع)

 تتحرك المرأة بثقة وتستكشف أغراضي. وأشيائي ياللهول!

لكن أين هو؟ لا بدّ أنه في عمله؟

ما الساعة الآن ولماذا تعطل عدّاد الوقت في داخلي!

وأين ساعة الجدار. لماذا لا أسمع تكتكتها كالعادة!

سأعدّ فنجان قهوة، لا بل سأعدُّ حليباً بالشوكولا. لعلّه يمدُّني بالطاقة وصفاء الذهن ويساعدني على تحديد وضعي بدقة. وحتى أعرف مالذي يتوجب فعله.

أين الركوة! أعلقها عادة هنا.

  ياااااااااه...هناك أكوام من الأواني في حوض الجلي، كم مرةً يجب أن أنظف الصحون؛ كيف تركت هذا كله دون تنظيف!

 الطاولة يغزوها خط من النمل الدؤوب "ياللنملِ الشّرِه للتخزين!"

الثلاّجة فارغة، إلاّ من صحون علقت بها بقايا طعام. أتذكر أنيّ أعددت طعاماً لكن لا أعرف متى بالضبط؟

 ستعود لور من مدرستها، ستقضي الطريق وهي تمدّ رأسها من نافذة الباص لتشّم الروائح المنبعثة من مطابخ البيوت، وعندما ألتقيها عند الموقف ستعدد ستة أو سبعة أنواع (فاصولياء بالأرز، الكباب الهنديّ بالأرز، الدجاج المحمَّر بالفرن) ثم ستعثر على مفاجأة تحبها، في النهاية هي تحب كل ما أعده لها من طعام...

 أمدُّ يدي للمس راحة يدها الطريّة بحجّة إبعادها عن السيارات المسرعة على كلا الجانبين لكنها تسحبها برفق وذكاء؛ (محتالة تشعر أنها كبرت)

حين كنت في العاشرة كنت أمسك ثوب أمي بيد وإبهامي في فمي، هذا الجيل مختلف عنا، ترفض أن تضع يدها في راحة يدي؛ وتفضل قراءة الحكايات بنفسها على قصصي المفككة والمكررة.

 تشدّ حقيبتها فوق ظهرها وتمشي باعتداد. ورغم أنها طالت بضع بوصات لكنها تعتقد أنها أصبحت كبيرة على النوم بجانبي أو التعلق بثوبي أو حتى التحدث إلي. صارت تطبع قبلة على خدي كاعتذار وتجلس إلى طاولتها.

يجب أن أعدّ لها شيئًا قبل عودتها من مدرستها. وأن أذهب لموقف الباص لاصطحابها. في المرّة الأخيرة كادت تصيبنا طلقة طائشة.

 صحيح أن الحرب انتهت لكن الرجال يحبون القتال، لقد حاولوا إيقافهم لكنهم يتابعون إطلاق الرصاص، وتبادل القذائف الطائشة، يبدو أنهم لم يسمعوا بيانات السلم واتفاقات الوئام والقبل المتبادلة لا ألومهم فهم لا يملكون تلفزيونات كما أن أغلبهم أصيب بالصمم بسبب الأصوات العالية للبنادق.

تغيظني هذه المرأة إنها تقف متصلبة أمام خزانتي تقلّب ثيابي وتتأمل فيها.

أبعدي يديك عن أغراضي!

"يا إلهي إنها صمّاء. وربما خرساء، تدخن وتدخن بدون توقف"

هيه هل تسمعينني؟

لا بد من لمس كتفها أو سأضربها إذا شئتم. سأحضر عصا المكنسة وأوسعها ضرباً بها على مؤخرتها الضخمة. كي تتعلم احترام بيوت الآخرين. لكن يجب أن أعد طعام لور قبل أن أضيع وقتي على هذه البلهاء.

سأتركها الآن فالمسألة بيننا لم تنته.

لماذا يستبد بي شوق كبير إلى لور؟ أخشى أن تمرض في هذا الجو البارد.  أفكر إذا كانت قد ارتدت قبعتها ومعطفها. أو تغطت جيداً في ليلة البارحة.  إنها تتقلب كثيرا أثناء نومها والدها مهمل ونومه ثقيل كالموتى.

 العجوز يقول لي أن تقبّل الوضع يستغرق بعض الأمر. وأن من له يدان يعرف كيف يتناول طعامه، زوجته تخبرني أن على أن أقلق على وضعي فبعد قليل سيصل الجميع وتبدأ الحفلة!

لكن عن أي حفلة تتحدث؟ لماذا يكون جيراني عجائز مصابين بالزهايمر أو الخَرَفْ يالحظّي!

 لم أكن أستطيع تمييز ملامح العجوز فقد تآكل وجهه ولم يبق منه غير العظام. كما أن الضباب يحيط بالمكان فيصعب علينا رؤية بعضنا.

هل تعرف أيها الخرف ماذا يعني أن تعود لور وتجد تفاحة ذابلة.

هل تعرف معنى أن تعود فـتأكل طعامها بارداً!

هل تعرف أيُّها العجوز الأحمق معنى أن ينكشف الغطاء عن جسد ابنك في البرد القارس وأنت تغط في الشخير!

يصمت ويلتفت للجهة المعاكسة. يقول لزوجته: كلهم يبدأون بهذه المسرحية ثم ينتهون هامدين معنا!

-لكنها على حق تقول العجوز. فأنتم الرجال لا تعرفون هذه المشاعر!

يتعاركان ككل مرة...ويتقاذفان التهم...والتهديد.

 -سأخبر المسؤولين عن الحفلة بكل شيء.

 -أخبريهم تبّاً لك ولهم.

- سجل هذا ياملاك -تقول العجوز لـــــــ (طيفٍ تراه) -سجل هذا! لماذا تقف متفرجاً وتصفق بجناحيك كالأخرق؟ أتسمع؟ يقول بأنّه لن يخاف حين تبدأ الحفلة...سجّلها وهذا قلم مني!

أدور في البيت، زوجي رجل جيد لكنه لا يستطيع تدبر أمره؛ سأتصل به فالثلاجة فارغة؛ لا بدّ من إحضار بعض الصمون والخضار. لكن أين هاتفي! لا بدّ أنه في غرفة لور كالعادة؛ أفتح غرفة لور (يا إلهي!)

رائحة الغرفة مخيفة، الرطوبة غيرت لون الشراشف والوسائد. النافذة مغلقة كم مرة أوصيتها أن ترفع الستائر وتفتحها كي تتيح للشمس أن تهويها! يبدو أن الشمس لم تر الغرفة منذ وقت ليس بالقصير. لقد بنى العنكبوت بيتاً في الزوايا.

ياااااااااه، ووسادتها لماذا تبدو متسخة؟

 ثيابها مرميّة أرضاً، كم مرة نبهتها ألا تكتب بأقلام الكحل على المرايا.

تحب رسم القطط والعصافير فوق مرآتها، هذه المرة رسمت قلباً ووضعت اسمي .... أحاول رفع المخدة من خلفها

ما هذه الأوراق المتناثرة هنا وهناك!

أتحسس جسدي وأسمع صفق الباب. يدخل زوجي ويعانق المرأة، أحاول حمل الورقة فلا تطاوعني يدي. على الأقل يمكنني قراءة المكتوب.

أقرأ الكلمات.

ماذا تقصد؟

ما هذه العبارة!

أهرع للمرآة، أقف أمامها فلا يظهر شيء؛ ألصق وجهي بها فلا يغمرها البخار؛ أهرع لغرفة زوجي علّه يوضح الأمر لي. "كان مشغولاً بصب كأسي نبيذ"

أعود للغرفة، أقرأ الورقة من جديد!

إنها عبارة من ثلاث كلمات وبجانبها رسم قلب مكسور!

"أمي لماذا تركتني" 

أخرج من البيت كما دخلت.

 لم أكن أحتاج لفتح الباب، ولا لوضع سلّم أسفل الشرفة بل...

 .... طيران .... طيران.......

 

(2)

أحضروه مع سلاحه، لم يكن ليصمت أو ليرقد. أفزع النزلاء الجدد، وأضحك القدامى؛ وبث الذعر في الزوار الذين يسمعون صراخه طيلة الوقت! لا أحد يزوره. وضعوه بجانبي يكاد كتفانا يتلاصقان لكن يفصل بيننا خط من النمل وديدان الأرض...

 يتحدث إلى أشخاص صامتين أو ربّما خيالات، يصيح فيهم طوال الوقت مرةً مترجيّاً، وفي أخرى يطلب منهم مسامحته. أحياناً يوجه لهم شتائم بذيئة طالباً منهم أن ينطقوا بكلمة بدلاً من التحديق إليه وإلى هذه (القحبة) -ولا يقصدني طبعاً؛ بل يقصد هذه التي تنبت من كتفه كورم خبيث؛ والتي تلهب كتفه.

 في لحظات صفائه وهي نادرة يطلق النكات التي يطلقها الوحيدون أو الجنود على الجبهات. يحدثني عن حبيبته التي تركته لأجل رجل غني، وعن والدته التي تعيش فوق كرسي متحرك. وفي لحظات ذعره يتحدث عن العذاب. وعن أن أشخاصاً كذبوا عليه وأوهموه أنه سيكون بمنجى من هذا كله! في بعض الأحيان يبكي بِلَوعة ويسأل العجوزين، عن شجرة ونهر فهو جائع منذ زمن طويل وعطشان منذ زمن أطول!

 لكن العجوزين يقابلانه بالصمت!

الحارس أيضاً -والذي يصعد التلّــــة كل مساء لشرب البيرة والتحدث إلينا مادحاً رفقتنا وقدرتنا على كتم الأسرار والاستماع الجيد دون أيّ مقاطعة-مُذ أتى هذا الأخير وحوَّل المكان إلى مشفى مجانين صار يقفل باب غرفته ويترك نوره مشتعلاً ولم يعد يظهر إلاّ نادراً...

ينهض ليلاً ويسير مترنحاً في الظلام يتمايل يميناً وشمالاً، يدوس على كتف طفل أو امرأة؛ فتطاله شتيمة لاذعة تخصّ والديه وعائلته ويوم أتوا به إلى هناك وهنا.

 يتجاوز السور عابراً الدرب الترابي. يلقي بها بعيداً ويعود مسرعاً وكأن ذئاباً تلحق به؛ يصرخ فرحاً أنّه نجح هذه المرة. لكن وما أن يصل حتى تظهر من جديد فوق كتفه!

بينما تصيح العجوز في الملاك: سجل أنت يا أبله ولماذا أعطاك أبانا في السماوات هذين الجناحين؟ حتى تنفض العث عن الجدران!

كانت مشكلتنا هنا كيفية تمضية الوقت بين زيارتين، أو اشتياقنا، أو كيفية التسلل إلى حياة من نحبهم دون أن نفزعهم. لكن مشكلته الحقيقية تكمن في كيفية التخلص من ذلك الشيء في يده وكلما حاول التخلص منه يظهر من جديد. في كل يوم وبعد منتصف الليل يعبر السور والطريق المشجّر يلاحقه عواء الكلاب البعيدة وهو يحاول التخلص منه. يرميه ويعود لكن ذلك الشيء يظهر في يده من جديد فيصرخ ويشتم.

أخبرته أن الشتائم هنا لا تحلّ مشكلة، وأن عليه فعل ما فعلته "قبول الأمر"

 لقد تعلمت ذلك من العجوزين اللذين غادرا منذ وقت قريب. نُقلت رفاتهما إلى مكان آخر؛ لكن نصائحهما ساعدتني على تجاوز طول الأيام ووحشة الليالي.

يقول بأنه رآني قبلاً، لكني أعتقد أنه هذيان آخر أو ربما لأني الوحيدة التي أقبل التحدث إليه، فأغلب الناس هنا يعرفونه ويخفون أطفالهم -مهشمي الجماجم-عنه طالبين منه الابتعاد عن طريقهم.

في نوبات هدوئه القليلة والنادرة، يخبرني أنّه لم يكن يحب فعل ذلك، لكنهم أقنعوه، ضحكوا عليه! يخفت صوته ويهمس بنبرة يملؤها العار: وأغروني بالمال!

في كل ليلة ينهض، يجرجر نفسه بصعوبة، يتعثر أكثر من مرة، يبتعد أكثر من سابقتها. يلقي به ثم يعود ليجده في انتظاره. في الآونة الأخيرة صار هوسه هو العثور على ماء عذب وامرأة جميلة حنونة وأشجار تتحدث (أحدهم أقنعه بذلك)

مرّ الحارس يحمل دلواً من الماء، سقى الجميع ما عداه... تركه عطشان.

 لا أعرف لماذا لا ينصحه الحكماء هنا بأن يفعل شيئاً ما؛ ولا أعرف أين ملاكه الحارس الذي يرافق كل منا.

العجوزان قالا "أنّ القَتلة يولدون بكتفين فارغتين. وإلا فكيف يمكن للكتف حمل أداة القتل وحمل الملاك!"

فقد خرسوا فجأة مذ رأوه، ورفضوا أن يلتفتوا إليه، لم يزره أحد من الذين وعدوه بتذكره.

  يبدو وحيداً وعطشان، سأحاول التسلل إلى حلم لور لعلّها تزورنا وتسقيه وتسقيني. يبدو ذلك خيانة من طرفي لكني أرثي لحاله....مساء البارحة، حضر أشخاص غاضبون خرّبوا شاهدة قبره وكتبوا عليها: هنا يرقد "قاتل"!

وكأنه لم يتعرف إلى نفسه!

 شعر بالدهشة وصار يردد لكن كان اسمي مختلفاً هناك، حاول تذكره، وطلب مني مساعدته على التذكر. لكني لم أستطع. قال إنه لو تذكر تلك الكلمة فربما يتخلص من هذه التي كتبت فوق الرخامة. كان اسمه عالقاً في فمه وبمجرد التلفظ به طار غراب أمام وجهه.

 حاول كثيراً ثم بكى!

صباح اليوم زارتني لور، كان يجلس بجانبي.  حين وصلت تحمل باقة ورد، نظفتْ الأعشاب والأشواك. وزرعتْ زهوراً جديدة. غابت لدقيقتين وعادت تحمل سطل ماء؛ ثم قامت بسقايتنا معاً. أعرف لور هي ابنة قلبي لقد رأت جفاف حلقه فسقته حتى ارتوى.

حين نهضتْ أجهش بالبكاء. ثم طلب مني مسامحته؟

على ماذا؟  "سألته"  

فصار يتلوى من الألم.

"لا عليك" هدّأت من روعه

اقتربت لور، فارتجّ فجأة وقال: إنه يتذكرها فهي الفتاة التي كانت آخر من رآها! ثم تابع: لقد سددت نحو رأسها! نحو رأسها تماماً؛ ولا أعرف كيف ظهر جسد المرأة وكيف اخترقت الرصاصة رأس المرأة بدلاً منها.

 تابع بحزن: "أنت ِكنت آخر ضحاياي؛ بعدها متْ"

 

فدوى العبود –كاتبة سورية