يسعى القاص السوري هنا إلى تحويل فهمه الخاص للفيزياء الحديثة التي تقوم على ميكانيكا الكم إلى واقع يصحح فيه خيباته، حيث تيتح له أن يحقق ما يتمناه، فلا يفعل في واقع الأمر، حينما يتحقق المتخيل في الواقع، إلا تأكيد هذه الخيبات، وهو يتصور أنه يصححها.

البعد السادس

أميـن الساطي

 

أهز رأسي باستمرار لأعطيه انطباع أني أتابعه باهتمام. ابن عمتي يشرح لي أن الفيزياء الحديثة تقوم على ميكانيكا الكم، وأن الجسيمات الصغيرة دون الذرية لا تختار حالتها وحدها. إدراكنا لأنفسنا ولما حولنا، هو الذي يفرض عليها مسارا، فيجعل الخيال يتحول إلى شيء حقيقي.

عندما انتهى، شعرت أن كلامه خطير، حتى لو لم أفهمه تماما. هو تخرّج من كلية الفيزياء في الجامعة اللبنانية في بيروت، وأنا رسبت مرتين في البكالوريا. لم أجد بدا من التظاهر بالموافقة.

في الليل تمددت على فراشي وأعدت حديثه في رأسي. ذكرني بفيلم شاهدته في السينما، أبطاله يعيشون حياتهم كما يتخيلونها. كل ما حولنا ربما مجرد حلم نراه ونحن نيام، ونحن بتفكيرنا نستطيع أن نغير أحداثه.

الفكرة مجنونة. لو عرضتها على أحد لنصحني بزيارة طبيب نفساني. لكنها أغرتني. أنا موظف صغير في شركة استيراد أدوية، وفاشل بكل المقاييس، ومنذ صغري مهووس بناديا، بنت جيراننا في الأشرفية. انتقلت من حينا قبل أكثر من أربع سنوات ولم أعد أراها أو أسمع عنها. قلت لنفسي، هذه فرصتي الأخيرة.

وضعت صورتها القديمة أمامي وركزت في عينيها. الصورة لها وضع خاص، تجمد الزمن في لحظة التقاطها. مع التحديق فقدت الإحساس بالوقت، كأن ستارة بيضاء أحاطت بي وعزلتني عن العالم. بدأت أتخيل.

أوقفت سيارتي الفيراري الحمراء أمام بنايتها. نزلت وصعدت إلى الطابق الثاني وقرعت الجرس. فتحت ناديا الباب. أعطيتها باقة أوركيد، أعرف أنها تعشقها. أطلت النظر إلى وجهها، إلى أنفها الصغير المرفوع الذي يمنحها تلك الجاذبية التي لا أقاومها، إلى ملامحها الناعمة وفمها الصغير وشفتيها الدقيقتين. قصر قامتها كان يزيدها في عيني أنوثة وإغواء. انحنيت وطبعت على شفتيها قبلة قصيرة. هي خطيبتي، وزفافنا الشهر القادم في الهوليدي إن.

جلسنا أكثر من ساعتين نتحدث عن فرش البيت وعن حجوزات شهر العسل في السيشل. مر الوقت كدقيقة. قبل أن أغادر أعطتني صورة صغيرة ملونة لمنتجع في جزيرة كورين، قصّتها من مجلة وقالت إنه خيار مثالي. وضعتها في محفظتي لأتابع الحجوزات.

في اليوم التالي، بعدما أنهيت كل الحجوزات، ذهبت إليها فرحا. فتحت الباب بوجه فاتر، وضاعت تلك الابتسامة المشرقة. تجاهلت الأمر وقلت ربما تعبت من عملها في محطة التلفزيون. جلسنا دقائق وخيّم علينا صمت قاتل. قامت وعادت بكيس قماشي. فتحته، فوجدت العلبة المخملية الزرقاء التي فيها خاتم السوليتير، وبجانبها ساعة الرولكس الذهبية التي أهديتها لها يوم الخطبة. فهمت فورا أنها تعيد الهدايا.

حاولت أن تشرح. قالت إنها فكرت كثيرا، لا توجد قواسم مشتركة بيننا، وإنها قررت الزواج من صديقها الذي يعمل معها مقدما للبرامج. نظرت إلى أمها الجالسة بجانبها، كان وجهها كالحجر، خاليا من أي تعابير.

شعرت بالقرف، وانتابني حقد عنيف مع رغبة في الغثيان. تمالكت نفسي وغادرت بيتها بسرعة قبل أن أفقد السيطرة. رافقتني أمها إلى الباب دون كلمة. وأنا نازل على الدرج، استحوذت علي فكرة واضحة: أن أفتح باب البلكونة وألقي ناديا من الطابق الثالث. كتمت الغضب وتابعت النزول.

عندما خرجت من باب العمارة، رأيت شخصين مجتمعين حول جسم ممدد على إسفلت الشارع. اقتربت بدافع الفضول. كانت ناديا نفسها.

ابتعدت بسرعة عن المكان، حتى لا أجلب انتباه الشرطة.

مشيت ولأول مرة منذ رسبت في البكالوريا، شعرت اني نجحت في شيء.