حين يولد الإنسان، يبحث أولا عن المأكل، ويبكى كلما عضه الجوع. وعندما يكبر قليلا .. يبحث عن الانطلاق والحرية.. وكلما كبر قليلا، أزدادت عنده الأسئلة التى يبحث لها عن إجابة، فيجد أن المجتمع يقيده بالعديد من القيود. ويبحث فيجد أن (السياسة) هى ما تؤكد على استمرار هذه القيود، فينصرف الإنسان العادى للبحث عن لقمة عيشه، بينما المبدع يتأمل ويبحث، فيجد أن السياسة هى التى تُسير حياته. وتعمل القيود على ألا يبوح بها، فيلجأ إلى التورية، ومن هنا جاء التأويل للنصوص الأدبية التى تدور كلها حول قبول أو رفض هذه القيود فتنوعت أساليبه، وأخفى ما يشعر أنه يقوده إلى التهلكة، وهنا كان الإبداع. رابطا بين الذات، والمجتمع، حيث تتمركز الذات فى مواجهة الواقع، بما فيه من تهشم وتفتت وضياع.
وحين تحدث يحيى حقى عن "القصة" فى بداياتها، حيث بدأت الرواية في العام 1912 بظهور رواية "زينب " لمحمد حسين هيكل، وبدأت القصة القصيرة فى مصر عند ظهور قصة "فى القطار" لمحمد تيمور فى العام 1917. فسنجد أن بدايات "القصة فى مصر. بدأـ بالاحتكاك بالسياسة، أو التعبير عنها. {إن أردت أن أضع إصبعى على يوم فى ذلك العهد الذى كان يعانى ألام المخاض، وأقول هذا هو رمزه، فإنى لا أعرف يوما يفضل اليوم الذى انقطع يه الضحك والهزل فجأة، وعم الأمة وجوم عظيم وحزن عظيم ، يوم 10 فبراير سنة 1908، يوم وفاة مصطفى كامل. فحبيبته مكبلة بالأغلال إسمها "مصر"}[i]ص10. وأخذت القصة القصيرة -تحديدا- تتطاول فى الزمن، لما يقرب الرواية، حتى جاء يحيى حقى، ومن بعده يوسف إدريس حيث تم حصر القصة القصيرة فى اللحظة، أو الموقف المقتطع من الحياة، ليدل على الحياة بصفة عامة. إلى أن جاءت نكسة 1967، فألقت بظلالها على الأدب بصفة عامة وعلى القصة القصيرة بصفة خاصة. واستمر جيل الستينيات فترة طويلة مقتنعا بهذه الخاصة، إلى أن بدأ كتاب القصة القصيرة ، في ثورة الحرية، والخروج عن كل القيود، فعادت القصة القصيرة، إلى إهمال الزمن، مكتفية بأن الإحساس الواحد الذى يخرج به القارئ من القصة في النهاية هو ما يهم، فضلا عن أن القصة بالأساس تكتب بعد أن تنتهى -في الحياة- فيجب أن ينظر إليها القارئ فى لحظة النهاية، والتى تمثل، -لحظة التنوير- أو ما يمكن التعارف عليه بأنه لحظة الذروة التى يجب أن ينظر إليها القارئ. إلا أن القصة- بصفة عامة- والقصة القصيرة بصفة خاصة، ظلت محتفظة بأساس وجودها، وهو التعبير عن المجتمع، بما يهيمن عليه (السياسة)، خاصة في شرقنا العربي، وفى مصرنا بصفة خاصة.
وقد اختارت "الكلمة" فى هذا العدد عددا من القصص القصيرة، التى تتناول المجتمع العربى سعيا نحو التغيير للأفضل، وخروجا من الفوضى والعشوائية.
ومن بين هذه القصص، قصة أشرف الصباع، والتى تتحدث عن وسط البلد، بعنوان "باب اللوق" وتدور حول ما نعيشه فى مصرنا الآن من تزايد الأسعار المضطرد، حتى وإن كانت الأسباب معروفة.
وأيضا قصتى أحمد الخميسي: "غلطة لسان" و"خنقة" وكلتاهما تتناولان الأوضاع المصرية الحالية. أما المبدعة هناء جودة، فتخلط المشاعر الشخصية في قصتها بما يحيط بها من وجود مجتمعى، فتتحدث عن الازدحام الحادث في البلاد، والذى يؤدى إلى ضيق التنفس الفردى.، وإن كان مرجعه إلى المجتمع.
والمبدعة داليا السبع فى قصتها “نعيد للأصوات بريقها” تهرب من الحاضر إلى الماضي، للبث عما هو مفقود فى الحاضر.
كما يخوض المبدع عمر الهوارى، تجربة جديدة يسير بها فى نفس الطريق ولكنه يخوض غمار التجريب، فيكتب قصته باللغة المتداولة، وربما كانت حيلة لزرع القارئ فى التجربة.
وأيضا المبدعة عزة راجح، التى تتحدث فى قصتها "الشاطر حسن" عن تغير الإحساس جامعة بين مفهوم القصة القصيرة فى فترة ما بعد جيل الستينيات، والقصة القصيرة الحالية. وخبأـت فى الخلفية ما يمكن أن يؤخذ عليها.
والمبدعة نهال النجار، وقد اقتربت فى الرواية الأولى، أن تلامس الواقع العربى، بينما فى القصة الثانية، دمجت الذات، بالرؤية المجتمعية، بصورة متماهية.
ثم تأتى الكاتبة عزة راجح، والتى يتحتم ألا ننظر إليها بمفهومها الظاهر، بل يجب أن ننظر إلى ما تؤدى إليه الرمزية من أبعاد ورؤى.
ومن تونس تأتى المبدعة حفيظة قارة بيبان، وتكتب قصتها (السعد) موضحة كيف يشعر بها أهل القمة، وبماذا يشعر أهل القاع، عاكسة بذلك أوضاع البلاد العربية وما يشعره أهلها من تفاوت فى الشعور بالسعادة.
وكذلك من سوريا تأتى الكاتبة فدوى العبود، ولازال الهم السياسى يضغط عليها، فى قصتها "الزيارة" فتختنق أنفاسها تحت ضغط الحروب والقتل الذى تسرى روائحه فى البلاد العربية.
[i] - يحيى حقى – المكتبة الثقافية - عدد رقم 6 – عام 1975.