"رتل الفجر نشيده الفضي على إيقاع قيثارة من خيوط الشمس، تداعبها أنامل النسيم الحالم. وسرت الأهازيج العلوية في عناصر الكون، فكأنما عرت الأرض رعدة كنبضة الشريان، يكاد يحسها السامر المتعبد".
عادل كامل فى "ملك من شعاع"
"عندما تتطهر الأنفس من أدرانها ستحظى الأذان جميعا بسماع الصوت الإلهي ويعيشون في الحقيقة! ذلك كان حلمه، أن يعيش الناس أجمعون في الحقيقة".
"نفرتيتى" فى " العائش فى الحقيقة "
أستهوى العصر الفرعونى العديد من المبدعين فى مصر والعالم فظهرت بعض من الأعمال الروائية والقصصية، استلهمت، واستدعت من هذا العصر أحداثا، وشخوصا، وقضايا فكرية وإنسانية، ارتبطت بإشكالية التاريخ والفن الروائى وعلاقة كل منهما بالآخر من عدة وجوه. وقد حظى هذا العصر بحالة خاصة من الإبداع، ظهرت تجلياتها خلال الفترة منذ أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضى، حيث بدأ سياق إبداعى خاص فى كتابة التاريخ الفرعونى فى شكل روائى ومسرحى أعاد إلينا شخصيات كثيرة طواها النسيان وأصبحت فى ذمة التاريخ. كما حظيت شخصية أمنحتب الرابع المعروف ب" إخناتون " وزوجته " نفرتيتى " على وجه الخصوص باهتمام العديد من الكتّاب فى العالم. فكتبت أجاثا كريستى مسرحية "أخناتون" جسدت من خلالها إعجابها بالشعب المصرى وحضارته الفرعونية، خاصة شخصية هذا الفرعون الذى نادى بالتوحيد فى عقيدته، وعانى فى سبيل ذلك ما عانى، كذلك عبرت عن إعجابها بطبيعة هذا الشعب من خلال الحوار الذى جاء معبرا عن هذا الإعجاب حيث قالت على لسان رئيس الكهنة : " إن مصر تحتاج إلى مواهب أبنائها، فهى تنشد لدى كهنتها الحكمة والعمل، أما لدى جنودها فتنشد الذراع القوية ". كما كتبت الكاتبة الفرنسية المصرية الأصل آندريه شديد رواية "نفرتيتى وحلم أخناتون"، جسدت فيها الحياة الفكرية والدينية المصرية فى عصر من أزهى عصور الفراعنة فكرا ومجدا وهو عصر أمنحتب الثالث وأبنه أمنحتب الرابع المعروف بـ أخناتون. وقد نشرت هذه الرواية عام 1974، وترجمت إلى العربية عام 1988 وفازت الكاتبة عنها بجائزة " أفريقيا البحر المتوسط " عام 1975.
أما الرواية العربية المعاصرة فقد احتفت بمرحلة الكتابة عن العصر الفرعونى احتفاء خاصا بصدور عددا من الروايات دفعة واحدة خلال الفترة التى تزامنت مع أحداث الحرب العالمية الثانية، فقد صدرت رواية "عبث الأقدار" لنجيب محفوظ عن مطبوعات المجلة الجديدة لسلامة موسى عام 1939. وعندما تشكلت لجنة النشر للجامعيين من مجموعة من الكتاب الشبان فى أوائل الأربعينيات، بدأت بدايات النشر فيها بنشر بعض الروايات التاريخية المستمدة من العصر الفرعونى فصدرت رواية "أحمس" لعبد الحميد جودة السحار فى مايو 1943، وتبعتها بعد مرور شهرين رواية "رادوبيس" لنجيب محفوظ فى يوليو 1943، وفى ديسمبر من نفس العام صدرت مسرحية "اخناتون ونفرتيتى" لعلى أحمد باكثير، ثم تبعتها فى أغسطس 1944 رواية "كفاح طيبة" لنجيب محفوظ، وفى يونيو عام 1945 صدرت رواية تناولت أيضا شخصية "أخناتون" ولكن من منظور روائى جديد وهى رواية "ملك من شعاع" لعادل كامل، وظهرت فى نفس العام رواية "أيزيس وأوزوريس" لعبد المنعم محمد عمرو. وتوقفت الكتابة بعد ذلك عن هذا العصر الخصب الثرى حيث أحس هذا الجيل من الكتاب أن التاريخ الفرعونى قد أخذ حقه من التناول الإبداعى، وأنه يجب الانتقال إلى أشكال جديدة للرواية العربية آنذاك. وكان أن أنتقل نجيب محفوظ لتجسيد الواقع الإجتماعى بظهور "القاهرة الجديدة"، و"خان الخليلى"، و"زقاق المدق" وبدأ التيار الواقعى يغلب على التيار التاريخى للفن الروائى. إلا أن بدايات هذه المرحلة كانت إرهاصة هامة للرواية العربية فى مرحلة انتقالها من مرحلة التأسيس إلى المرحلة الفنية التى جاءت بعد ذلك. وسوف نتوقف عند روايتين من الروايات التى تناولت هذا العصر لكاتبين جمعت بينهما وشائج عديدة، منها أنهما كانا أبناء جيل إبداعى واحد، وفى نفس الوقت كانا صديقين حميمين، وكانا عضوين مؤسسين لجماعة النشر للجامعيين، كما كانا من المجموعة الأولى التى تكونت منها جماعة الحرافيش المعروفة فى الوسط الفنى والإبداعى، هما عادل كامل، ونجيب محفوظ. أما رواية عادل كامل فهى رواية "ملك من شعاع" التى صدرت عام 1945، وأما رواية نجيب محفوظ فهى رواية "العائش فى الحقيقة" التى صدرت عام 1985 أى بعد أربعين عاما من صدور "ملك من شعاع"، وصدور الأعمال الفرعونية الأولى الخاصة بنجيب محفوظ. والروايتان تجسدان شخصية "أخناتون" فرعون مصر الذى نادى بالتوحيد، عصره وفكره وصراعه مع كهنة آمون فى سبيل نشر عقيدته الجديدة، ومرحلة الصعود والهبوط، والمأساة الخالدة التى عاشها هذا الفرعون الشاب، وهو يرى حلمه الكبير يتهاوى أمام عينيه تحت ضربات الواقع الأليم، فيستسلم إلى طبيعته الساكنة المسالمة ويرحل عن الدنيا فى هدوء تاركا هذا الواقع يتفاعل مع نفسه.
ورواية "ملك من شعاع" هى إحدى الأعمال الأربعة التى خرج بها عادل كامل من دنيا الإبداع وهى "ملك من شعاع" و"مليم الأكبر"، و"الحل والربط"، ومسرحية "ويك عنتر" وقد صدرت رواية "ملك من شعاع" عام 1945 وإن كانت رواية "مليم الأكبر" قد كتبت قبلها إلا أن صدور بعض الروايات التى تتناول العصر الفرعونى فى ذلك الوقت هو الذى دفع بعادل كامل إلى الإسراع بنشرها قبل رواية "مليم الأكبر" وقد فازت هذه الرواية بالجائزة الأولى للمسابقة التى كانت تقيمها وزارة المعارف فى هذا الوقت.
ولعل التناص الذى جمع بين روايتى "ملك من شعاع" و"العائش فى الحقيقة" هو الذى جعل خطوط هذين النصين تستمد من احتفاء الكاتبين بشخصية هذا الفرعون الشاب "أخناتون" صاحب الدعوة إلى عبادة التوحيد، حيث أعتمد كل منهما على واقع الشخصية ودورها الأساسى فيما كانت تنادى به من عقيدة جديدة مقدّمة للعالم تعتمد على الوحدانية الآلهية وهو أمر لم تكن مصر الفرعونية ولا غيرها من الأمم قد درجت عليه آنئذ، وقد صور عادل كامل شخصية "اخناتون" على أنه داعية من دعاة السلام والمحبة، فهو كاره للحرب إلى الحد الذى رفض فيه إعداد جيش قوى لمحاربة الثائرين ضد ملكه فى بلاد الشام. إلا أن نجيب محفوظ فى روايته "العائش فى الحقيقة" وإن كان قد احتفى أيضا بنفس الجانب وهو جانب الشخصية، إلا أنه صوره من خلال وجهات نظر متعددة اتسمت بالنسبية خاصة من كان منهم من بين أعدائه من كهنة آمون الذين رأوا فيه حجر عثرة لديانتهم، وعائق لهم ولأطماعهم فى السلطة، وبين محبيه والذين انضموا إلى رسالته، وتعاطفوا معها وآمنوا بها خاصة زوجته نفرتيتى وبعض المقربين من حاشيته وحرسه الخاص. فجعل كل شخصية من هذه الشخصيات تدلى بدلوها فى تصوير شخصيته من خلال مساءلة لأحد الشباب أراد معرفة الحقيقة عن عائش الحقيقة ذاتها، وهو شكل استوحاه نجيب محفوظ من رؤيته التى أستخدمها فى العديد من أعماله الإبداعية التى أعتمد فيها على صوت الشخصية ووجهة نظرها فيما تعبر عنه "ميرامار"، "أفراح القبة"، "المرايا " "أمام العرش" وغيرها من الأعمال، وقد جسد نجيب محفوظ من خلال هذه الشخصيات وجهة نظر خاصة حول هذه الشخصية المثيرة للجدل، شخصية "أخناتون" فمنهم المتعاطف معه ومع رسالته، ومنهم الرافض لهذه الرسالة والمناوئ لها. بل إن هناك شخصيات حيادية جمعت بين النقيضين. لذا فقد استخدم نجيب محفوظ فى هذا النص أسلوب وجهة النظر متعددة الأصوات من خلال شخصية "مرى مون" الشخصية الذى ربطت بين العديد من الشخصيات التى أدلت بدلوها حول شخصية "أخناتون"، ومن هذه الشخصيات على سبيل المثال شخصية "كاهن آمون" الذى كان يقود الحملة المناوئة لفرعون مصر "أخناتون"، والحكيم "آى" أبو "نفرتيتى" ومعلمه فى نفس الوقت، القائد "حور محب" صديقه وقائد جيشه والذى انضم إلى كهنة آمون فى صراعهم معه، والفنان المثّال "بك" الموالى لسيده أخناتون، و زوجة أبيه "تادو خيبا" التى ورثها أخناتون بعد وفاة والده وكانت من المناوئين له بحكم وضعها الإجتماعى فى حاشية الملك، ووزير الرسائل "توتو" الذى كان عين كهنة آمون فى قصر أخناتون، و زوجة الحكيم "آى"، "تى" والدة نفرتيتى وكانت من الشخصيات الحيادية فى تعبيرها عن شخصية "أخناتون"، و"موت نجمت" شقيقة "نفرتيتى" التى كانت كثيرا ما تنعت أخناتون بالجنون، وكثيرا ما كانت تتشاجر مع أختها "نفرتيتى" لهذا السبب، والكاهن الأكبر للآله الواحد ويدعى "مرى رع" وكان من حاشية أخناتون والمقربين إليه، وقد أفرد نجيب محفوظ لشخصية "نفرتيتى" زوجة "أخناتون" التى عزلت فى قصرها فصلا خاصا بها أوضحت فيها وجهة نظرها حيال كثير من القضايا التى صاحبت علاقتها بزوجها أخناتون منذ زواجها به وحتى فراقها وعزلتها فى قصرها بمدينة "أخت آتون" بتل العمارنة التى أصبحت أثرا بعد عين بعد رحيل اخناتون واعتزال نفرتيتى بقصرها بالمدينة الخربة.
وقد أعتمد عادل كامل فى سرده لرواية "ملك من شعاع" على السرد المباشر فى تجسيده للحياة الفرعونية القديمة من خلال لغة سردية شاعرية مموسقة تتناسب مع جوهر الموضوع وصوفيته وتجسيد الشخصية المحورية للنص وهى شخصية الفرعون الشاب " أخناتون " الذى كان ينادى بعقيدة التوحيد وترك عبادة آلهة متعددة. كما أن الصور الشاعرية التى استخدمها فى نسيج النص كانت أيضا انعكاسا لماهية النص ذاته، حتى أن العنوان وهو أحد العناصر الفنية له قد خرج من ذات المضمون ليعبر عن جوهر الشخصية. والقارئ لهذا النص يجد أنه لا يتبع المنهج الواقعى فى التحليل، إنما يستعين الكاتب بوسائل الشعر المنثور، والمناجاة الذاتية، والمونولوج الداخلى، وبث المناخ الغرائبى فى بعض الأحيان، حتى يبرز التطور النفسى، وخلق الجو الصوفى المصاحب لهذا التطور فى بنية السرد، ويكاد الوصف يستحوذ على جزء كبير من وضعية السرد لارتباطه بمناخ النص والمضمون وطبيعة الشخصيات المتحركة فى نسيجه، ومن هذا الوصف الشاعرى وصف السماء : " كان القمر يهبط متثاقلا إلى مضجعه الغربى حيث يستريح من طول ما عاناه فى سفرته الليلية، هناك يسلم قيادة الكون إلى زميلته الشمس لينعم بالنعاس إلى مساء اليوم التالى، ولعله يستطيع أن يستثير شفقة زميليه فتوصى بأن تقوم بدورته إلى جانب دورتها ولو ليلة واحدة ". إن هذا السرد الشاعرى هو المكوّن الأساسى لنسيج النص فى رواية " ملك من شعاع ". لقد كانت التجربة فيه تجربة فريدة فى نوعها لنظام المأساة الدقيق الذى استلهمه عادل كامل لطبيعة الموضوع، والرؤية الذى أراد التعبير عنها لإبراز النزعة النفسية عند الشخصيات المتصارعة بين التقاليد والمثل الأعلى الفطرى، ولشدة تباين رسالة أخناتون يبدو وكأنه قد وصل فى مسعاه إلى حد الجنون. إلا أن نجيب محفوظ فى روايته " العائش فى الحقيقة " قد استخدم أصداء السيرة فى تجسيده لشخصية أخناتون فهو لم يفرد له فصلا مثلما أفرد لكل شخصية متحدثة عنه فصلا مستقلا، ولكنه كان داخل النص كالحاضر الغائب. ويقول نجيب محفوظ عن كتابته للعائش فى الحقيقة : "عندما كتبت الروايات الفرعونية الثلاثة فى بداية رحلتى مع الأدب، كان فى نيتى أن أواصل السلسلة، وأكتب التاريخ الفرعونى كله بنفس الطريقة.. ولما حدث التحول ولم أواصل العمل فى هذا الاتجاه، بقيت فى وجدانى شخصية "اخناتون" بكل ما تحمله من ثراء وغموض. وبعد سنوات طويلة وقع فى يدى كتاب باللغة الفرنسية عن "اخناتون" يتضمن آراء غريبة ومتناقضة لم أسمع بها من قبل. أثار الكتاب ما أحمله فى وجدانى من تقدير لهذه الشخصية، وقررت التوقف عند "أخناتون" والكتابة عنه.. فجاءت رواية "العائش فى الحقيقة" لا تتضمن رؤية درامية بقدر ما هى عرض لوجهات النظر المختلفة فى هذه الشخصية التاريخية المثيرة للجدل. خاصة أننى أضفت للرواية شخصيات من صنع خيالى ليس لها أصل تاريخى. و"أخناتون" كما تصورته هو شخصية سابقة لعصرها، مثيرة للتعاطف معها، مضحية فى سبيل فكرتها وما تؤمن به من مبادئ، فهو رجل يدعو إلى السلام والتوحيد فى عصر كان يرفض هذه الأفكار. ومن الثابت تاريخيا أن الكهنة هم الذين تآمروا عليه ليقضوا على أفكاره التى كانت تمثل ضررا شديدا على مصالحهم ونفوذهم. ومن خلال قراءاتى للتاريخ الفرعونى لفتت نظرى ملاحظة هامة، وهى أن سيطرة الكهنة على الحكم كانت تشتد وتظهر أكثر وضوحا فى فترات الضعف التى تمر بها البلاد، وكان حكمهم مرتبطا دائما بالتدهور وانتشار الفساد.
وعلاوة على ما قاله نجيب محفوظ حول كتابته لـ"العائش فى الحقيقية" فإن هذه الشخصية المثيرة للجدل قد استمرت فى وجدانه فترة طويلة، وكثيرا ما كنت تلح عليه فى بعض الأحيان، ظهر ذلك فى بعض أعماله القصصية. ففى قصة "صوت من العالم الآخر" من مجموعة "همس الجنون" يطل أسم أخناتون ليكرر دعوته إلى وحدانية الله. وفى قصة "السماء السابعة" من مجموعة "الحب فوق هضبة الأهرام" تظهر شخصية أخناتون أيضا لترشد الناس إلى نفس الطريق، طريق الوحدانية بأسلوبه الذى تميز به حال حياته. وفى كتابه "أمام العرش" تتجسد شخصية أخناتون فى محاكمة نجيب محفوظ لحكام مصر منذ فجر التاريخ لإبراز جوانب تاريخية مستقيمة من الماضى إلى الحاضر.
ومن ناحية البناء الفنى، فقد عرض عادل كامل روايته مستخدما النزعة التقليدية للقص فى الرواية الكلاسيكية من خلال القاعدة الأرسطية المبنية على نظام البداية والوسط ثم النهاية، فقد عرض لحياة اخناتون منذ كان طفلا وليدا، ثم وليا للعهد فملكا على مصر خلفا لأبيه "امنحتب الثالث"، وتركزت عدسته الروحية، ومجاهدته فى سبيل اكتشاف حقيقة الآله والصراع الذى نشب بينه وبين كهنة "آمون" الذين رأوا فى ديانته الجديدة خطرا عليهم، ونذيرا بزوال سلطانهم ومكانتهم الاجتماعية بين الشعب، فانضموا إلى أعدائه الذين أغاروا على أطراف مملكته فى سوريا. وقد نهج الكاتب فى بناء روايته نهج الكتابة التاريخية من حيث الاعتماد على الحقائق التاريخية التى استقاها من مصادر مصرية وأجنبية، ثم ضمنها بعض الأحداث التاريخية، وقد أشار الكاتب فى مقدمة الرواية واستدل ببعض الحقائق التى قالها بعض المؤرخين المعاصرين حيث يقول العلامة " برستيد " أكبر عمداء التاريخ المصرى القديم : " إن لهذا الملك مركزا ظاهرا وشخصية بارزة بين ملوك العالم على توالى العصور، فهو أعظم الفراعنة فلسفة وأكبر الملوك شخصية على مدى التاريخ البشرى. لم يكن أخناتون فردا عاديا.. فهو إلى أنه سليل بيت المجد والشرف. كان صعب المراس، قوى الشكيمة، لا يتردد أبدا فى إنجاز مشروعاته وإجبار أكابر مملكته على الإنقياد لأوامره. أما شجاعته المعنوية فلا مثيل لها. إذ أستطاع فى غير وجل أن يناهض بمفرده صرح التقاليد المتناهية فى القدم، لكى ينادى بأفكار غاية فى السمو كانت فوق مستوى فهم البشر فى هذا العصر. لقد توصل هذا الملك العظيم بثاقب فكره إلى معرفة إله العالم خالق الكون، وإلى الإيمان برحمته ورأفته بمخلوقاته ". أما " أرثر ويجل " المفتش العام للآثار بالحكومة المصرية، والذى اشترك فى الكشف عن مقبرة أخناتون، فلم يكن أقل إعجابا به وحماسة له، فقد أفرد لهذا الملك الشاب سفرا جليلا نسب إليه فيه أروع الصفات التى يمكن أن يتحلى بها بشر. فهول يقول : " إن حكم إخناتون الذى دام سبعة عشر عاما. يبرز كأعظم حقبة لافتة للنظر على مدى التاريخ المصرى الطويل الأمد. إننا نرقب القافلة اللانهائية للفراعنة الغامضين، يتألق نجم كل منهم لحظة سريعة فى الشعاع الخافق لمعرفتنا بهم، دون أن يترك معظمهم سوى أثر هين فى الخاطر. إنهم محجبون بالضباب، بعيدون فى الأحقاب.
كما حقق عادل كامل من خلال روايته "ملك من شعاع" التقاء المؤثرات الأوربية بالمؤثرات المعاصرة للنص الروائى، حيث استهوى الكاتب الجانب الرمزى من الأدب الغربى، كما صوره بعض الشعراء الرمزيين، وكما صور فى القصص الدينى بنوع خاص، واجتمعت فى هذا النص ألوان صوفية ورثتها مصر منذ عصر الفراعنة، فأختار حقبة من تاريخ مصر اقتصرت على تصوير تجربة روحية لها خصوصيتها ألا وهى تجربة المنادة بالتوحيد، ووحدانية الخالق، وقد عرض الكاتب لمضمون روايته لصراع دار بين عالمين مختلفين، عالم روحانى يتمسك بالمثل العليا، وعالم واقعى لم يستعد لهذه التجربة، ووجد فيها بداية انهيار لواقع نفعى خاص، ويظهر عالم النص بشقيه الصوفى والواقعى فى تناقض حاد من خلال هذا الصراع الذى نشأ داخل النص، وينفصل أخناتون بالتدريج عن العالم الثانى لكهنة آمون، وتتسع الشقة بينه وبين هذا العالم، حتى يشرف اخناتون على نهايته ويفشل فى التكيف مع هذا العالم المتعدد الآلهة، والمتعدد النوايا والمصالح.
فى الجانب الآخر عكس نجيب محفوظ خاصية " إشكالية الحقيقة التاريخية " المطلقة فى روايته "العائش فى الحقيقة"، وهى تعالج البحث عن "الحقيقة التاريخية" فى "المادة التاريخية" الخاصة بهذا الفرعون : ماذا كان حقا ؟ وكيف تحكم عليه من خلال واقعه ؟ أمجنون هو، كما نعتته بعض الشخصيات ؟ أمارق هو كما قيل عنه داخل النص؟ أم هو نبى أمته وحكيمها التى عجزت عن فهمه فأساءت به الظن ؟.
ويستخدم نجيب محفوظ – لتكثيف هذه الإشكالية – تكنيكا تمثل فى اختيار عدد من الأشخاص الذين عاصروا إخناتون وأحداث عصره. وترك لكل منهم أن يعكس حقيقة الواقع التاريخى لإخناتون وفقا لرؤيته التفسيرية التى يتبناها فى الأمر، فكأن لكل واحد منهم " منهج تفسير " مختلف عن الآخر، ويظهرنا على الكيفية التى بها ينتهى كل " تفسير " – لنفس المادة – إلى حقيقة مغايرة لما تنتهى اليه وجهة النظر الخاصة لهذا التفسير. ثم، مع الشاب " مرى مون " الباحث عن الحقيقة التاريخية – ذلك الروح الحائر ينتهى إلى أن " الحقيقة " فى التاريخ وهو مطلب إشكالى داخل هذا النص الذى وظف نجيب محفوظ فيه كل خبرته الروائية. بأن جعل كاهن آمون يلجأ إلى تفسير نفسى لواقع إخناتون التاريخى إنطلاقا من علاقته – كإبن ذكر – بأمه الملكة " تيتى ". إذ يرى كاهن آمون كتفسير وموقف عدائى خاص، حيث بدأ ينتهك ذات أخناتون الشخصية نفسها وطبيعته النفسية، بأن جعله لم يحب فى الواقع إلا أمه، ولم ير أمامه إلا هذه المرأة المتسلطة، أعطته الحياة والأفكار، ولشدة التصاقه بها شعر بوحدتها، وآلامها، فحنق على أبيه حنقا دعاه إلى الانتقام منه بعد موته فمحا اسمه من الآثار بحجة اقترانه باسم آمون، أما الحقيقة فهى أنه أعدمه بعد موته بعد أن عجز عن قتله فى حياته ". وقد عكست الأم رغباتها الطموح على ولدها الضعيف، فقد أخذ عليها كاهن " آمون " نهمها للسلطة ذلك النهم الذى سول لها أن تستغل الدين بنعومة ودهاء لتستأثر بالقوة للعرش دون الكهنة أجمعين ". فكاهن آمون يرجع بالأصل فى أفكار إخناتون الجنونية من وجهة نظره إلى هذه الأم الداهية. ففى رأس هذه الأم دارت فكرة عن التوظيف السياسى للدين، فإن " آمون سيد آلهة مصر، وهو يقوم أمام رعايانا فى الإمبراطورية رمزا للسلطة وربما الهزيمة، أما آتون إله الشمس فإنه يشرق فى كل مكان وبوسع كل مخلوق أن ينتمى إليه "، وهكذا فإن الأم هى الأصل فى فكرة إله جديد واحد يرضاه كل رعايا الإمبراطورية التى قهر الداخلون فيها على التخلى عن ألهتهم المحلية لحساب إله الظافرين الفاتحين. فكان لا بد من إله آخر لا يقترن فى وعى، الرعايا من غير المصريين بالهزيمة، فكان رمز الشمس آتون.
يواصل كاهن آمون إكمال الصورة، فيرى أنه بعد أن قامت الملكة الأم بوضع بذرة الدين الجديد – لبواعث سياسية – فى عقل و روح ابنها إخناتون، راح يتفاعل مع الفكرة لحسابه الخاص، فى إطار من ضعفه وخنوثته، فإخناتون، ما كان رجلا وما كان امرأة.. وقد اخترع إلها على مثاله فى الضعف والأنوثة، تصوره أبا وأما فى وقت واحد، وتصور له وظيفة وحيدة هى الحب، فكانت عبادته، تعتمد على منظومة من السلبية المطلقة فى كل الأمور.
وفى تفسير آخر لحالة أخناتون، يلجأ نجيب محفوظ إلى منطق التفسير العقلى على لسان " آى " فى تفسيره العقلى التأملى من واقعة الموت التى ألمت بتحتمس – الشقيق التوأم لإخناتون -، فقد حملت هذه الحادثة روح وعقل إخناتون على مراجعة فكرة " العلاقة بين الإله والإنسان "، فهى يرى أن أخاه " كان يزور معبد آمون، ويتلقى الرقى والتعاويذ ولكنه مات ". لقد قامت فى وعيه موازنة جديدة لهذه العلاقة ترى أن يكون حب الإنسان للإله سبيلا للخلود وليست للموت. أما وأن واقعة موت أخيه " تحتمس " قد دفعته إلى اختلال العلاقة فى ظل هذا الإله، لذا فقد انفتح أمام وعيه باب واسع للمراجعة النقدية لكل شئ يظله هذا الإله " آمون " غير العادل بظله، وقد جاء ذلك صراحة على لسان اخناتون حين تحدث عن طيبة عاصمة آمون واتباعه، " : فطيبة " تقولون إنها المدينة المقدسة.. إنها وكر التجار الجشعين والفسق والعهر، ومن هم هؤلاء الكهنة الكبار يا معلمى ؟ ألا أنهم من يضلون البسطاء بالخرافات، ويشاركون الفقراء فى أرزاقهم المحدودة، ويغوون الفتيات باسم البركة، فجعلوا من معبدهم مرتادا للدعارة والعربدة، عليك اللعنة يا طيبة ". هو يرى – إذن – الأسباب موصولة بين النقد الدينى والنقد الإجتماعى، فصلاح الأخير رهن بصلاح الأول، إذ " لا كرامة لعرش يقوم على الكذب والفجور ".
وفى منطق هذا النقد – الدينى والإجتماعى – بدا آمون إلها ماديا أرضيا يرتبط بالمصالح وأصحاب المصالح، إن " آمون إله الكهنة، أما آتون فهو إله السماء والأرض ".
هكذا، وباتساق عقلى ومنطقى، أحتاج الأمر إلى إله جديد، فكان آتون، وإلى مجتمع جديد، فكانت مدينة إخناتون الجديدة " أخت أتون " ( تل العمارنة ).
وهو – من بعد ذلك – يستنبط منطقية البناء للدعوة الجديدة، فهو بناء يعتد بالضمير فى الإنسان : " أليس لنا قلوب نميز بها بين الحق والباطل ؟ ".ويدعو للسلام ونبذ الحرب : " لا أدرى كيف يعين إله على ذبح مخلوقاته ؟ ". ويؤكد على مبدأ المساواة : " الشمس لا يفرق نورها بين مخلوق وآخر ".
إنها صورة مغايرة للأولى تماما، وإنه تفسير مباين للأول تماما. كل ذلك و " المادة " التاريخية واحدة، ومع ذلك يختم " آى " حديثه مؤكدا لسماعه أن " هذه هى قصة إخناتون ".
بذلك – وفى ظل هذا التفسير – يكون إخناتون إنسانا ذا عقل راجح، هزه موقف معين، رده إلى أفكار كان قد درج عليها تقليدا، فراجعها مراجعة نقدية استدل بها – عقلا – على الإله الواجب، استدلالا يرضاه المنطق ويصادق عليه العقل السليم. لقد كانت هذه الآراء التى اعتمد عليها نجيب محفوظ فى بنائه الفنى لرواية " العائش فى الحقيقة " هى وجهات نظر متباينة حول الجدل الدائر حول هذه الشخصية التاريخية التى عاشت وأثارت جدلا كثيرا حولها، وتحولت على يد كثير من المبدعين إلى مادة ثرية للتعبير والإبداع.
المراجع
- ملك من شعاع ( رواية )، لجنة النشر للجامعيين، القاهرة، 1945
- العائش فى الحقيقة ( رواية )، مكتبة مصر بالفجالة، القاهرة، 1985
- الفن القصصى فى الأدب المصرى الحديث 1800 – 1956، د. محمود حامد شوكت، دار الفكر العربى، القاهرة، 1956
- اتجاهات الرواية المصرية منذ الحرب العالمية الثانية إلى سنة 1967، د. شفيع السيد، دار المعارف، القاهرة، 1978
- نجيب محفوظ، صفحات، ومذكرات، وأضواء جديدة على أدبه وحياته، رجاء النقاش، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1998
- صورة المرأة فى الرواية المعاصرة، د. طه وادى، دار المعارف، القاهرة، 1980
- فكرة التاريخ فى أدب نجيب محفوظ، د. وفاء إبراهيم، ندوة الثقافة والعلوم، دولة الإمارات العربية، دبى، 1995