يقدم هذا التقرير قراءة قانونية ودستورية في قرارات الحكومة اللبنانية خلال العدوان على جنوب لبنان، من انسحاب الجيش وتجريم العمل المقاوم، إلى مسؤولية الدولة عن حماية المدنيين والمعونات المشروطة. الى عملية أعادة تشكيل الضمير الجمعي العربي خلال العقود الخمسة الماضية، وانعكاس ذلك على موقع فلسطين والمقاومة وصعود التطبيع في المجال العربي.

من ادّعاء «الواقعية» إلى تجريم المقاومة

وإعادة تشكيل مجال الوعي العربي من المقاومة إلى التطبيع

جـاد طعـمة

 

عندما تجتمع السلطة التشريعية في بداية عدوان مسلّح يهدف إلى احتلال أجزاء من أراضي الدولة، يفترض بها، من منظور دستوري، أن تعزز الضمانات القانونية لحماية المدنيين وصون مبدأ سيادة القانون. وعندما تعطي السلطة التنفيذية الأوامر للجيش اللبناني بالانسحاب من مواقعه في مناطق توغل جيش العدو في جنوب لبنان تحت حجة «الواقعية» وعدم القدرة على مواجهته، في نفس الوقت الذي تعلن فيه نفس السلطة أن السلاح الذي يواجه العدوان هو «سلاح ميليشيوي وغير شرعي»، فإننا لا نكون أمام مجرد قرارات سلطوية ذات طابع سياسي، بل نكون أمام انهيار منهجي ومتراكم للأسس الدستورية والقانونية التي يقوم عليها مفهوم الدولة. هذه التصرفات بالتحليل الموضوعي والقراءة الهادئة قد تثير مسؤوليات قانونية داخلية ودولية.

الأخطاء المرتكبة من قبل الحكومة اللبنانية

الحكومة اللبنانية التي يرأسها قاضٍ لديه خلفية قانونية، تثير بأدائها تبايناً في التقييم بين المقاربات المختلفة. الحقيقة أن هذه الحكومة اتخذت قرارات خطيرة جداً بالنسبة لمفهوم الدولة التي عليها حماية المواطنين اجتماعياً في زمن السلم وأمنياً في زمن الحرب. فهذه الحكومة أصدرت قراراً قضى باعتبار الأعمال العسكرية التي تقوم بها «المقاومة» أعمالاً محظورة، مؤكدةً على قرار حصرية السلاح بيدها، علماً أنه وتزامناً مع مسار الأحداث المأساوية اتخذت القرار بسحب الجيش اللبناني من الحافة الأمامية ومن البلدات والقرى الجنوبية التي تتعرض للعدوان ومحاولات التوغل من قبل جيش العدو، تاركةً المدنيين وهم مواطنيها الذين قرروا الصمود في قراهم لمصيرهم المجهول ومن دون حماية.

قرار سحب الجيش اللبناني من الجنوب تحت حجة «الواقعية«:

في اتفاقية جنيف الرابعة هناك موجب أساسي بحماية المدنيين في جميع الأوقات ضد أعمال العنف أو الترهيب، والدولة التي يتبع لها مواطنيها مسؤولة عن توفير هذه الحماية. أكثر من ذلك، إذا ما تمت مراجعة قرارات المحكمة الجنائية الدولية، فإنه يُستفاد من اجتهاداتها المستقرة أن قيام مسؤولية الدولة ترتبط بتوافر القصد والعلم بالنتائج، وعليه فإننا نجد أنه تمّ تحميل المسؤولية لأحد الضباط في دولة أفريقية نتيجة قرار انسحابه من نقطة عسكرية أمامية ما أدى إلى التسبب بجريمة حرب بحق مواطنيه، ويُستفاد من اتجاهات الاجتهاد الدولي لا سيما في إطار المحكمة الجنائية الدولية، أن انسحاب القوات المسلحة الشرعية لا يشكل بحد ذاته انتهاكاً، لكنه قد يثير مسؤولية قانونية إذا اقترن بغياب تدابير معقولة لحماية المدنيين.

الواقعية لا تشكل بحد ذاتها مبرراً قانونياً كافياً للتخلي عن واجب الحماية للمواطنين والدولة التي تنسحب يُمكن أن تُعتبر متخلية عن أحد أبرز مظاهر سيادتها أما عن الواقعية، فلا يُعتد في القانون الدولي الإنساني، بمجرد تفوق العدو عسكرياً، كتبرير للتخلي عن واجب اتخاذ تدابير معقولة لحماية المدنيين، ويُفهم من قواعد هذا القانون أن الدولة ملزمة باتخاذ جميع التدابير الممكنة ضمن قدراتها المتاحة. سواء في زمن الانهيار الاقتصادي أو في زمن النزاع المسلح، فإن «الواقعية» لا تشكل بحد ذاتها مبرراً قانونياً كافياً للتخلي عن واجب الحماية للمواطنين. والدولة التي تنسحب دون خطة واضحة ومسبقة لحماية مواطنيها، يُمكن أن تُعتبر متخلية عن أحد أبرز مظاهر سيادتها، وهذا يفتح الباب أمام شرعية أي جهة أخرى (حتى لو كانت «مقاومة عفوية من مواطنين» أو من «ميليشيا مسلحة») لملء الفراغ. إن انسحاب الجيش اللبناني من المناطق الجنوبية دون توفير حماية بديلة بناءً على أوامر حكومية، قد يشكل، في حال توافر عناصره، انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى، في ظروف معينة، إلى جريمة حرب إذا ثبت أن الانسحاب كان متعمداً ونتج عنه قتل أو تهجير للمواطنين المدنيين.

قرار اعتبار العمل المقاوم «غير شرعي» في زمن العدوان

تُظهر اجتهادات المحكمة الجنائية الدولية، بما فيها تلك المتعلقة بيوغوسلافيا السابقة، أنه «إذا كانت الدولة غير قادرة على حماية مواطنيها من عدوان خارجي، فإن تشكيل جماعات مسلحة مدنية للدفاع عن النفس قد لا يُعد مخالفاً للقانون الدولي في ظروف معيّنة، شرط ألا ترتكب هذه الجماعات جرائم حرب».في حالتنا الحاضرة قررت الحكومة اللبنانية إعطاء الأوامر للجيش اللبناني بالانسحاب على قاعدة أنه «غير قادر» على الدفاع نظراً لعدم امتلاكه المعدات العسكرية اللازمة لحماية أفراده أو منع التوغل من قبل جيش العدو، والحكومة نفسها أصدرت قراراً وصفت فيه دفاع الأهالي عن أرضهم، بأنه أعمال تقوم بها «ميليشيات غير شرعية»، وقد صدرت قرارات قضائية بتوقيف عناصر تابعة للمقاومة وتمّت ملاحقتهم أمام المحكمة العسكرية الدائمة بغضّ النظر عن ماهية القرارات التي صدرت بحق هؤلاء الموقوفين، وهذا يعني أن الحكومة اللبنانية قررت حرمان المواطنين من حقهم الطبيعي في الدفاع عن أنفسهم. إن هذا السلوك يثير إشكاليات في ضوء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فضلاً عن وجود مخالفات دستورية في القرارات المتخذة بما قد يتعارض مع الاتجاهات العامة في الاجتهاد الدولي.

إن ترك المدنيين لقمة سائغة للعدو فيه خرق لمبادئ القانون الدولي الإنساني وممكن التدقيق بكيفية اتخاذ القرار حوله، لأنه قد يثير مسألة المسؤولية في حال ثبوت القصد والعلم بالنتائج من وجهة نظر بحت قانونية تستند الى اجتهادات المحاكم الدولية.

المعونات والهبات الدولية المشروطة

وفقاً للمبادئ العامة فان المعونات الإنسانية (الغذاء، الدواء، المأوى) تخضع للبروتوكول الإضافي الأول الذي هو جزء من القانون الدولي الإنساني، ويُحظر تقييد المساعدات الإنسانية بشروط سياسية بينما تختلف القواعد بالنسبة للمساعدات المرتبطة بإعادة الإعمار.

أما فيما يتعلق بالمعونات والهبات المتعلقة بمواضيع اعادة الإعمار (وليس الاغاثة) نجد أن الفقه القانوني يصبح أقل حزماً. فمن الممكن للمانحين ربط الهبات أو المعونات المتعلقة بإعادة الإعمار بشروط مثل الإصلاحات الاقتصادية، ومكافحة الفساد، وإعادة هيكلة الجيش، شرط أن تكون الشروط موضوعية وقابلة للتحقيق وألا تستهدف فئة بعينها على أساس هويتها (طائفية، سياسية، عرقية) إضافة إلى وجوب عدم حرمان المدنيين من حقوقهم الأساسية في السكن والتعليم والصحة.

فإذا كانت الشروط المفروضة على الحكومة اللبنانية للنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار في لبنان تتمثل في «إلغاء فئة من الشعب اللبناني» واعتبار المواطنين الذين فرضت عليهم الجغرافيا موجب المقاومة للدفاع عن حياتهم وأرضهم، فإن هذه الشروط تُعتبر شروطاً غير موضوعية فضلاً عن كونها غير أخلاقية. ولا يجب القبول بعقاب يستهدف فئة سياسية محددة مما يرقى إلى عقاب جماعي محظور في ضوء أحكام اتفاقية جنيف الرابعة ومما يخرق مبدأ «المساواة»، وفي هذا أيضاً انتهاك لأحكام العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

في الواقعية السياسية هناك أمور قد لا ترتبط بالأخلاقيات تُفرض على الدولة في زمن تسود فيه الغطرسة العالمية ونعود فيه تدريجياً إلى فرض السياسات على الحكومات المستضعفة، لكن لا بد من العودة الى جادة تطبيق الاتفاقات الدولية والقوانين التي استنبطت مندرجاتها من مقاربة تأمين العدالة والمثالية في التعاطي الانساني.

أستاذ في كليّة الحقوق وباحث في قضايا الحوكمة والامتثال القانوني

الأخطاء المرتكبة من قبل السلطة التشريعية في لبنان

يثير إقرار قانوني الموازنة وتمديد ولاية مجلس النواب في لبنان جدلاً دستورياً واسعاً حول شرعية التفويض التشريعي ودورية الانتخابات وحدود السلطة في ظل الظروف الاستثنائية. أقر مجلس النواب اللبناني قانونين يثيران إشكاليات دستورية جوهرية، الأول يتعلق بقانون الموازنة، حيث جرى تفويض صلاحيات فرض الرسوم والضرائب في كل ما يتعلق بالقضايا الجمركية الى السلطة التنفيذية، وقانون آخر يتعلق بالتمديد للمجلس النيابي فور بدء العدوان على لبنان، ما يطرح تساؤلات حول سلّم الأولويات للعمل التشريعي اللبناني في ظل الظروف الاستثنائية.

وعلى الرغم من وجود اقتراح قانون معجل مكرر لتعليق المهل في زمن الحرب، وهو من شأنه تأمين استقرار نفسي للمواطنين كل المواطنين، إلا أن المجلس النيابي لم يكّلف نفسه عناء إقرار هذا القانون على عجالة صوناً لحقوق الجمهور اللبناني، ولا حاول سنّ قوانين من شأنها مؤازرة الناس كل الناس في زمن المحنة التي يمرّ بها وطنهم، بل كان جلّ اهتمام السلطة التشريعية التمديد لأعضائها مدة سنتين اضافيتين.

قانون تمديد مجلس النواب لنفسه مقابل الشرعية الدستورية

ينصّ الدستور اللبناني على أن مجلس النواب هو السلطة التشريعية في لبنان ويمارس هذه الصلاحية وفقاً للأصول الدستورية، وولاية المجلس النيابي محددة بأربع سنوات. إن أيّ تمديد لهذه المهلة، ولو كانت قد صدرت سابقاً قوانين تمديد بشكل مخالف للدستور، يوجب قانوناً حصول تعديل دستوري صريح يجري وفق الأصول، أي عبر اقتراح من الحكومة أو من عشرة نواب، ثم يحتاج إلى موافقة من ثلثَي المجلس، ثم إحالة للتعديل إلى مجلس الوزراء ثم نشره. بالتالي فإنه لا يجوز بأيّ حال من الأحوال للمجلس النيابي أن يسارع إلى التمديد لنفسه عبر وضع مشروع القانون على جدول أعمال الهيئة العامة والتصويت الداخلي عليه، لأن ذلك قد يشكل مساساً بمبدأ سموّ الدستور وقاعدة دورية الانتخابات. في الأنظمة الدستورية المقارنة كفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، يخضع أيّ مساس بمدة ولاية السلطة التشريعية لقيود دستورية صارمة. إن مجلس النواب، متى قرر التمديد لنفسه، ففعله هذا إنما يثير إشكالية مفادها أن الشعب مصدر السلطات وأن السلطة مُنحت لفترة محددة الأجل، كما يثير إشكالية تَعارض المصالح. وتمديد السلطة ولايتها لنفسها يُعتبر أمراً مرفوضاً في كل الأنظمة القانونية المقارنة، وقد كرّست المحكمة الدستورية العليا في مصر مبدأ دورية الانتخابات واعتبرت المساس به استثناءً ضيقاً. وحتى إذا ما عدنا إلى قرارات صادرة عن المجلس الدستوري في لبنان سابقاً، فإن المجلس حذّر من خطورة اعتماد هذا الاجراء كنهج، وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول مدى اتساق هذا التوجه مع دور المجلس الدستوري الذي دأب على إيجاد التبرير للتجاوزات الدستورية سابقاً وحاضراً، وفتح للسلطة التشريعية اللبنانية باباً لاستسهال استغلال الأحداث والظروف من أجل المسّ بمبادئ لها القوة الدستورية الكاملة.

في الأنظمة الدستورية المقارنة كفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، يخضع أيّ مساس بمدة الولاية التشريعية لقيود دستورية صارمة، وغالباً ما يتم ذلك عبر تعديل دستوري صريح أو ضمن آليات دستورية محددة منها الاستفتاء الشعبي، لكن الدستور اللبناني لا إشارة فيه إلى هكذا آلية، لذا فهي مستبعدة في لبنان. الأمر الأكيد والثابت من وجهة نظر قانونية، حتى لو غلبتها وجهة النظر السياسية، أن أيّ تمديد دون تعديل دستوري يُعتبر انحرافاً عن القواعد الدستورية، وقد اعتبر المجلس الدستوري اللبناني سابقاً أن «أيّ تمديد للولاية النيابية بغير طريق التعديل الدستوري يُعتبر باطلاً»، لكنه رغم ذلك لم يُبطل القانون، تحت حجج الضرورة واستمرارية المرفق العام، وهي مخرجات قانونية قد تقنع البعض وقد لا تقنع البعض الآخر.

كما أنه لا جدال في وجود قوة قاهرة حاليا من شأنها أن تمنع التحضير للانتخابات النيابية حاضراً، لكنه كان من واجب أعضاء المجلس الدستوري المنتهية ولايتهم، إعطاء توجيه حاسم وحازم في مسألة ضرورة إجراء الانتخابات النيابية خلال 6 أشهر من انتهاء حالة القوة القاهرة على سبيل المثال، وعدم التساهل في رد الطعن والاكتفاء بتوجيه النصح الدستوري الاختياري بوجوب إجراء العملية الانتخابية فور انتهاء الحالة الاستثنائية.

وكان حرياً بالمجلس الدستوري التنبه إلى أن توافر النية المبيتة لدى نواب لبنان بالتمديد لأنفسهم، حتى ما قبل بدء العدوان على لبنان، والاشارة إلى ذلك كسبب وجيه لتقييد المدة التي تعادل نصف الولاية أو تقصيرها، خاصة مع وجود اقتراح قانون مقدم للأمانة العامة لمجلس النواب من النائب أديب عبد المسيح في هذا الاتجاه، فضلا عن عدد وافر من التصريحات المثبتة لحالة من التوافق السياسي لتمرير هكذا قانون.

العدوان جاء لاعطاء الذريعة القانونية لمجلس النواب الحالي والتي لا خلاف على صوابيتها، ولا أحد يمكنه إنكار حسن التعليل الوارد في قرار المجلس الدستوري لا سيما فيما يتعلق بتداعيات الظروف الاستثنائية القائمة، لكن النوايا السيئة المضمرة لدى أعضاء في السلطة التشريعية بالتمديد لأنفسهم، كانت تستوجب التوقف أمامها أو الاشارة إليها، دون انكار أن القدر لعب إلى جانب تحقق رغبة الطبقة السياسية اللبنانية.

في تفويض الحكومة صلاحيات تشريعية

ينصّ الدستور اللبناني على أن إقرار القوانين منوط بالسلطة التشريعية أساساً، وعلى السلطة التنفيذية، أي مجلس الوزراء، تنفيذها وفقاً للأصول. إذا ما حاولنا التدقيق في الدساتير المقارنة، نجد أن المجلس الدستوري الفرنسي يجيز التفويض التشريعي ضمن شروط محددة، أبرزها تحديد المدة والموضوع، ولا يمكن أن يشمل التفويض المواد الدستورية أو الحريات الأساسية. كما أكدت المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية ضرورة تحديد نطاق التفويض ومضمونه.

الدستور اللبناني لا نص صريح فيه يسمح بالتفويض التشريعي، ولكن الأعراف الدستورية دأبت على تقبّل فكرة «المراسيم الاشتراعية» في حالات الضرورة القصوى، علماً أن مجلس النواب سعى جاهداً للحدّ من صدور هذه المراسيم المرتبط أمر صدورها بوجود تفويض لمدّة محددة، وأن يتم تحديد موضوعها بدقة وألا يشمل التفويض المواد الدستورية الأساسية (كالانتخابات، والحريات العامة، وحقوق الإنسان، وفرض الضرائب التي تشمل الرسوم بمفهومها وتعليلها)، وهناك شرط آخر وهو خضوع المراسيم لمصادقة مجلس النواب فور زوال حالة الضرورة.

إن مجلس النواب اللبناني الذي مدد لنفسه مؤخراُ، منح حين أقر قانون الموازنة الأخير، الحكومة صلاحيات تشريعية في فرض الرسوم والضرائب في القضايا الجمركية بشكل عام تحت حجة الضرورة، وهذا ليس تفويضاً عادياً، بل يُعتبر تفويضاً واسع النطاق عن السلطة التشريعية في إحدى القضايا الأكثر ارتباطاً بحقوق المواطنين المالية، مما يثير شبهة جدية بعدم دستورية هكذا قرار. المحكمة الدستورية الإيطالية قضت بأن «التفويض التشريعي العام غير المحدد المدة هو غير دستوري، لأنه يفرغ البرلمان من وظيفته الأساسية».

إذا ما حاولنا التدقيق في الدساتير المقارنة، نجد أن المجلس الدستوري الفرنسي يجيز التفويض التشريعي ضمن شروط محددة أما في القانون الدولي، فغياب الرقابة التشريعية يعني أن الحكومة يمكنها أن تشرّع قوانين تنهك المواطن وتؤثر على حقوق كل المواطنين الأساسية دون أي رادع، بهدف إرضاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو ما قد يثير إشكاليات في ضوء الالتزامات الناشئة عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. إن تفويض الحكومة بالصلاحيات التشريعية في القضايا الجمركية دون تحديد مدة هذا التفويض ودون وضع قانون جمركي عام يحدد الضوابط في تحديد الرسوم كان إجراءً غير دستوري، من شأنه جعل حكومة لبنان صاحبة سلطة مطلقة لا رقابة تشريعية عليها، ما يشكل «اختلالاً في مبدأ التوازن بين السلطات»، وهو أمر لا ينسجم مع المبادئ العامة التي كرّستها الأنظمة الدستورية الحديثة.

فالرسوم الطارئة والمستعجلة يمكن تحديد قيمتها من خلال المراسيم التطبيقية التي تتخذها الحكومة أما الاطار العام الضابط لفرض الرسوم فكان لزاما إبقائه ضمن الصلاحية الحصرية لمجلس النواب.

كيف تغيّر الضمير الجمعي العربي خلال نصف قرن:

كيف وصل العالم العربي إلى اللحظة التي بات فيها التطبيع ممكناً سياسياً، ومقبولاً أو قابلاً للنقاش اجتماعياً في بعض البيئات العربية، بعد أن كان يُنظر إليه لعقود طويلة باعتباره خروجاً على الإجماع القومي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من الاتفاقيات السياسية، بل من التحولات العميقة التي أصابت المجتمع العربي نفسه.

من المواطن المقاوم إلى المواطن القَلِق

في النصف الثاني من القرن العشرين نشأ المواطن العربي داخل منظومة فكرية كانت تمنحه شعوراً بأنه جزء من قضية كبرى. كانت فلسطين حاضرة في المدرسة والجامعة والإعلام والخطاب السياسي والثقافة العامة. وكان الصراع مع إسرائيل يُقدَّم بوصفه جزءاً من معركة تاريخية تتعلق بالتحرر، والسيادة، والكرامة، والهوية. أما المواطن العربي في العقود الأخيرة فقد وجد نفسه داخل عالم مختلف تماماً. عالم فيه: حروب أهلية، انهيارات اقتصادية، بطالة متزايدة، هجرة جماعية، أزمات مالية، دول متعثرة، ومجتمعات تبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار.

لقد دخل المواطن العربي العقود الأخيرة وسط تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. فبينما كانت الأجيال السابقة تنظر إلى نفسها بوصفها جزءاً من مشروع جماعي يرتبط بالتحرير والوحدة والنهضة، وجدت الأجيال الجديدة نفسها أمام تحديات أكثر مباشرة تتعلق بالعمل، والدخل، والهجرة، والاستقرار. ومع صعود العولمة الاقتصادية واتساع ثقافة النجاح الفردي، تراجعت القضايا الجماعية تدريجياً داخل الحياة اليومية لمصلحة هموم الفرد ومصالحه المباشرة. ولم يكن ذلك نتيجة تبدل أخلاقي في القيم بقدر ما كان انعكاساً لتحول البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.

في مثل هذه الظروف لم يعد السؤال الأول لدى كثير من الناس: كيف نغيّر المنطقة؟

بل أصبح: كيف نحمي أنفسنا من الانهيار؟

هنا بدأ التحول الأعمق في الضمير الجمعي العربي.

الربيع العربي وإعادة ترتيب الأولويات

عندما اندلعت الانتفاضات العربية عام 2011 بدا للحظة أن المنطقة تدخل عصراً جديداً.

لكن السنوات اللاحقة حملت مسارات أكثر تعقيداً. ففي عدد من الدول تحولت الانتفاضات إلى حروب. وفي دول أخرى تحولت إلى أزمات سياسية واقتصادية طويلة. وفي دول ثالثة عززت الدولة حضورها الأمني خشية الانهيار. خلال هذه المرحلة انتقلت الأولوية في وعي قطاعات واسعة من المجتمعات العربية من القضايا الخارجية إلى المخاوف الداخلية. لم تعد فلسطين تختفي من المشهد، لكنها أصبحت تتقاسم المساحة مع أسئلة أكثر إلحاحاً تتعلق بالأمن والعمل والهجرة ومستقبل الدولة نفسها. ولعل أحد أعمق التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة يتمثل في انتقال مفهوم الكرامة نفسه من المجال الجماعي إلى المجال الفردي. فبعدما ارتبطت الكرامة لدى أجيال سابقة بالتحرير والوحدة والسيادة الوطنية، باتت ترتبط لدى قطاعات واسعة من الأجيال الجديدة بالعمل والدخل والاستقرار وفرص الحياة الكريمة. ولم يكن هذا التحول تعبيراً عن تراجع القيم الوطنية بقدر ما كان انعكاساً لتغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الإنسان العربي المعاصر.

من الصراع العربي الإسرائيلي إلى شبكة صراعات متداخلة

خلال عقود طويلة كان الشرق الأوسط يُقرأ من خلال عنوان واحد تقريباً: الصراع العربي الإسرائيلي. اليوم فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً. فهناك: الصراع الإيراني الإسرائيلي، الصراعات المذهبية، الحروب الأهلية، المنافسات الإقليمية، الأزمات الاقتصادية، والتحولات الدولية. كل هذه الملفات دخلت إلى الوعي العربي وأعادت ترتيب سلم الأولويات داخله. هكذا انتقلت فلسطين من موقع القضية الوحيدة تقريباً إلى موقع القضية المركزية ضمن مجموعة واسعة من القضايا المتنافسة.

التطبيع: نتيجة أم سبب؟

غالباً ما يُقدَّم التطبيع باعتباره سبب التحول الذي أصاب الوعي العربي.

لكن القراءة السوسيولوجية تقود إلى استنتاج مختلف. فالتطبيع لم يكن بداية المسار بقدر ما كان أحد نتائجه. ذلك أن المجتمعات لا تنتقل فجأة من الرفض المطلق إلى القبول النسبي.

بل تمر بمراحل طويلة من إعادة تعريف المفاهيم والقيم والأولويات.

فحين تراجعت الهوية العربية الجامعة، وحين أعادت الحروب تشكيل الخوف الجماعي. وحين تغير الإعلام والجامعة ووسائل التواصل، وحين تحولت الدولة الوطنية إلى المرجعية العليا في التفكير السياسي. أصبح المجال العام العربي مختلفاً عما كان عليه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. ومن داخل هذا المجال الجديد وُلدت أشكال جديدة من التفكير السياسي، وكان التطبيع أحد تعبيراتها. فحين تتغير أولويات المجتمعات، تتغير معها الحدود الفاصلة بين الممكن والمستحيل في السياسة.

هل خسر العرب فلسطين في وعيهم؟

ربما تكون هذه هي أكثر الأسئلة إثارة للجدل. الجواب، أكثر تعقيداً من نعم أو لا. فلسطين ما تزال حاضرة في الوجدان العربي، وتظهر استطلاعات الرأي وموجات التضامن الشعبي المتكررة أن القضية لم تفقد مكانتها الأخلاقية والرمزية. لكن ما تراجع بالفعل هو موقعها بوصفها المرجعية الوحيدة أو المركزية التي تنتظم حولها بقية القضايا. لقد تغيرت البيئة التي كانت تمنح فلسطين هذه المكانة الاستثنائية، وتغير معها موقعها داخل الوعي العربي.

المقاومة بين الذاكرة والواقع

الأمر نفسه ينطبق على المقاومة. فالمقاومة لم تختفِ من الضمير العربي، لكنها لم تعد تحظى بالإجماع الرمزي الذي تمتعت به في مراحل سابقة. فقد أصبحت تُقرأ في ضوء الانقسامات السياسية والإقليمية والطائفية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة. هذا لا يعني أن صورتها انهارت، بل يعني أن البيئة الاجتماعية التي كانت تنتج الإجماع حولها لم تعد موجودة بالصورة نفسها. بعد نصف قرن من التحولات المتراكمة يبدو السؤال الحقيقي مختلفاً عما اعتدنا طرحه. فالقضية ليست فقط كيف تغيّرت فلسطين في الوعي العربي، ولا كيف تغيّرت صورة المقاومة، ولا حتى كيف ظهرت موجات التطبيع. لكن القضية الأعمق تبقى: كيف تغيّر العربي نفسه؟

كيف انتقل من فضاء كانت تحدده السرديات الكبرى؛ العروبة والتحرير والوحدة والمقاومة، إلى فضاء تحكمه الدولة الوطنية والهواجس الأمنية والأزمات الاقتصادية وأسئلة النجاة الفردية.

من هنا فإن فهم التطبيع أو فهم تراجع مركزية القضية الفلسطينية لا يكتمل بالبحث في السياسات وحدها، بل يقتضي البحث في التحولات الاجتماعية والثقافية التي أعادت تشكيل الضمير الجمعي العربي خلال العقود الخمسة الماضية.

فربما لا يكون السؤال الأهم اليوم: ماذا حدث لفلسطين؟ بل: ماذا حدث للعرب أنفسهم؟

بعد ثلاثة أرباع قرن على النكبة، لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كانت فلسطين قد خرجت من مركز الوعي العربي، بل أصبح السؤال أكثر عمقاً: ما الذي تغير في الإنسان العربي نفسه؟ وما الذي جعل أولوياته ومخاوفه وصورته عن المستقبل تختلف إلى هذا الحد عما كانت عليه لدى الأجيال السابقة؟ فربما كانت الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح لفهم كل ما سبقه؛ من تراجع الهوية الجامعة، إلى انقسام الموقف من المقاومة، إلى صعود التطبيع بوصفه أحد تجليات التحول الأوسع في الضمير الجمعي العربي. فالقضية، في نهاية المطاف، ليست فقط ما الذي حدث لفلسطين، بل ما الذي حدث للعرب أنفسهم

 

عن (الأخبار) اللبنانية