فجائعي المتسلسلة الناتجة عن تأثري بتضليل الإعلام الفرنسي حينما يتعلق الأمر بفلسطين، لا تتوقف فحسب، بل تزداد من يوم لآخر في وطن فولتير القائل: "قد اختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أدفع حياتي ثمنًا لحقك في التعبير عن رأيك". الحرية التي يتبجح بها قادة أميركا وأوروبا داخليًا في بلدانهم، أضحت أكبر وهم وأبعد عن الحقيقة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023، وعليه من حق فولتير أن يتمرغ في قبره صارخًا في وجه الذين ورثوا فكره بازدواجية معايير تنتصر للأقوى من السياسيين والمثقفين والإعلاميين اللاعبين بالخير والشر، وبالحضارة والتخلف، وبالحرية والاستعباد على مقاسهم الأيديولوجي. نحن العرب والمسلمين، وغيرنا من الملل الحاكمة الفاقدة للشرعية السياسية في معظم الحالات، أصبحنا نتساوى مع معظم السياسيين والمثقفين والإعلاميين الغربيين الذين تفوقوا مهنيًا علينا في التعتيم على الحقائق، وفي مصادرة الحرية التي تتوقف في فرنسا عند الحديث عن إبادة فلسطين على حد تعبير آلان غريش، الإعلامي والكاتب اليهودي وابن هنري كوريال، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي المصري.
الصامتون من السياسيين والمثقفين والإعلاميين الفرنسيين حيال غزة ـ أشهر السجون في الهواء الطلق بأصغر مساحة بالعالم ـ هم أنفسهم الذين يتسابقون عبر قنوات تلفزيونية خاصة تابعة أيديولوجيًا وماليًا للملياردير فانسان بولوريه (موردوخ فرنسا)، للربط ثقافيًا بحرية غير محدودة يسمح بها الصحافيون المتواطئون معهم، بين "همجية" أقلية من الشبان الفرنسيين المنحدرين من أصول مغاربية وجزائرية بوجه خاص، وبين "همجية إرهابيي" حركة حماس، رافضين الخلط تكتيكيًا من حين لآخر بين الإسلاميين الراديكاليين والمسلمين المسالمين الخادمين لفرنسا. هؤلاء أنفسهم يُلِحّون على الخطر الوجودي الذي يهدّد صفاء الأمة الفرنسية العلمانية والعرقية المسيحية البيضاء دينيًا وثقافيًا بسبب هجرة مسلمين وعرب لا يمتون بصلة للحضارة الغربية.
موران أو التعتيم المزدوج:
التخبط السيكولوجي والأيديولوجي المرضي الذي أضحى جليًا في صفوف معظم السياسيين والمثقفين والإعلاميين الفرنسيين بسبب عقدة فلسطين، أفاض كأس الإنكار لما يعانيه الشعب الفلسطيني بمناسبة التكريم الوطني الذي خصته فرنسا لفقيدها المفكر الكبير الراحل إدغار موران. كما كان منتظرًا، لم يتردد الكاتب باسكال بونيفاس (1) الذي راح ضحية إلغاء قناة "فرانس 24" استضافته المبدئية آخر لحظة - حسب ما صرّح به -، في التنديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالسياسيين والمثقفين والإعلاميين الذين لم يهمهم عدم حديث الرئيس الفرنسي ماكرون عن وقوف الراحل الكبير إدغار موران إلى جانب الشعب الفلسطيني. موران الذي دافع عن الثوار الجزائريين كما دافع عن الفلسطينيين، تجنّب ذكره الرئيس الفرنسي في علاقته بهذا المنعرج التاريخي الذي يؤكد وقوف الراحل مع الشعوب المستعمَرة مثل الشعب الفلسطيني، واختزل تأييد موران للثورة الجزائرية في الزعيم مصالي الحاج بخلفية غير عفوية لمن يعرف ما حدث بينه وبين أنصار جبهة التحرير الوطني من اقتتال يعرف معناه المتخصصون في الثورة الجزائرية أحسن من كاتب هذه السطور. موران الذي تعرض للملاحقة القضائية ولكن أقل من التي تعرض لها فرنسوا بورغا بكثير مؤخرًا (انظر حديثنا معه في حلقتين)، رغم يهوديته واعترافه بإسرائيل وتنديده بمعاداة السامية في كتابه "إشاعة أورليان" (2)، لم يسلم من التعتيم السياسي على أعلى المستويات الفرنسية الرسمية تكريسًا لتعتيم تقليدي قديم انفرد به إعلاميون يتعايشون أيديولوجيًا حينما يتعلق الأمر بإنكار إبادة غزة. بونيفاس نفسه - الذي يفلت من رقابة المكارثيين الفرنسيين عبر فيديوهات يبثها دوريًا منتقمًا منهم ومتحديًا رقابتهم التي لم تعد ناعمة -، كان بالمرصاد في إطلالته الأخيرة لدفاع ليا سلامة (3)، صحافية القناة العمومية الثانية، التي راحت تحمي في برنامجها الأسبوعي كارولين فوريست الناكرة لإبادة غزة، وصاحبة تحليل يُكرّس خطاب اليمين المتطرف عبر قنوات مملكة بولوريه الإعلامية الخاصة في الوقت الذي تدّعي فيه تمثيلها لتيار النسوية المتحررة من كل قيود المحافظة.
التعتيم كثمن يجب دفعه
التعتيم الإعلامي (قبل المطاردة القضائية) كعقاب يستحقه كل من يدافع عن فلسطين حتى وإن كان يهوديًا معاديًا تاريخيًا للسامية مثل موران قبل المثقفين الفرنسيين التلفزيونيين ـ الذين تناولهم دونيه شيفار في كتابه "القضية السيئة... المثقفون والدعاية الإسرائيلية في فرنسا" ـ استحقه الفقيد كما يجب في كلمة الرئيس الفرنسي خلال الحفل التأبيني الوطني، والتعتيم عليه كأكبر مفكر فرنسي وقف إلى جانب الشعب الفلسطيني في العقود الأخيرة، أضحى فجيعةً لا تقل فداحة أيديولوجية عن رحيله الذي طوى عهد اليقينيات والدوغمائيات الفكرية التي تحولت مع مرور الوقت إلى "أديان أرضية" يصعب مناقشتها والطعن فيها كما فعل موران مع الشيوعيين والستالينيين والنازيين والوطنيين الشعبويين والعنصريين على السواء راقصًا على الشطط والمبالغة في نظر منتقديه كما رقص بمقر اليونسكو في احتفال ذكرى ميلاده المائة بطريقة تخترق الشيخوخة، وتُثبت تبنيه للحياة السعيدة بأجمل التجليات. القنوات التلفزيونية الخاصة الأكثر إصرارًا على الدفاع عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في أرض فلسطينية تحتلها منذ عقود بشهادة كبار القانون الدولي من غير العرب والإسلاميين، تنافست فيما بينها منذ السابع من أكتوبر على خلفية إظهار الوجه البشع لإسلاميي غزة وكأنهم وحدهم الذين حاربوا إسرائيل منذ تاريخ النكبة الأولى ـ على حد تعبير إدوي بلينال في حديث لم أنشره بعد ـ، وكأن الشعب الفلسطيني كله أسيرهم فعلًا.
موران الذي أدان إبادة غزة رافضًا الانتقام الوحشي من مدنيين وصحافيين ـ ليسوا كلهم من حركة حماس كما يقول المحامي جيل غولدانال الضيف الأبدي لقناة "سي نيوز" ـ لم يُذكر فحسب على لسان الرئيس الفرنسي كمناصر للقضية الفلسطينية رغم أنه اعتبره مفكر القرن (وفلسطين محتلة منذ قرن)، بل راح ضحية تعتيم كل نشرات أخبار القنوات الفرنسية العمومية والخاصة تقريبًا من المنطلق نفسه. وقناة "بي أف أم" التي انتزعت مؤخرًا صدارة القنوات التلفزيونية الأكثر مشاهدة من قناتي "سي نيوز" و"أل سي إي" بسعيها إلى الاهتمام بالأحداث السياسية الدولية وبعدها عن التهريج والإثارة قدر الإمكان، لم تتوقف هي الأخرى عند موران كأحد أكبر مفكر ندد بإبادة غزة. لقد تم استغلاله بروح وطنية شوفينية ضيقة ومقيتة تتنافى مع فلسفته الإنسانية، وتؤكد مناهضته لشعبويين يرون في التعددية الثقافية التي آمن بها الراحل خطرًا على الصفاء العرقي الأوروبي، وهو المبدأ نفسه الذي انطلق منه النازيون لإبادة أبناء جلدة موران.
لم تنقل قناة "فرانس أنفو" الإخبارية العمومية التي أصبحت تصطاد في حقول القنوات الخاصة مراسيم تكريمه مباشرة كما كنت أنتظر، وأعطت الأولوية للأحداث الاجتماعية المتفرقة. من جهتها، أطلقت القنوات الخاصة المذكورة العنان لمعلقين مؤيدين لإسرائيل بدون شرط أو قيد بغرض تحويل شغب قلة من أنصار فريق "باريس سان جرمان" إلى حرب أهلية بعد دخول بعضهم رواق إحدى الشقق السكنية أثناء مشاداتهم مع رجال الشرطة. معظم صحافيي ومعلقي القنوات التلفزيونية والإذاعية الخاصة الذين يربطون بين شغب مناصري الفريق الباريسي الشهير وبين هجرة العرب والمسلمين ـ حتى وإن كانوا لا يجيدون التحدث باللغة العربية ولا يصلون، وعلى رأسهم باسكال برو الذي افترض قبل اليوم علاقة بين المهاجرين العرب والمسلمين وبين انتشار ظاهرة بق الفراش ـ، هم أنفسهم الذين اضطروا إلى الإشادة بدعوة ناصر الخليفي، المسلم العربي الأسمر، بعد دعوته بلغة فولتير مناصري فريقه إلى الاحتفال بالانتصار التاريخي بدون تخريب الممتلكات العمومية. أشادوا به بدون أن يتحدث أحدهم عن خدمته للعرق الأبيض ولو بالأقدام، وأشادوا بقطر ليس كدولة ترعى الإرهاب وتلعب ورقة حماس كما يقولون في الوقت نفسه، وهو الكلام الذي تجاوزوه عندما أصبح رجل عربي مسلم مصدر خير وسلم بلغتهم. ناصر الخليفي إنسان، وموران قال: "أنا إنسان قبل كل شيء"، والإنسان قادر على فعل الخير والشر في الوقت نفسه، عربيًا كان أو مسلمًا أو فرنسيًا غربيًا مؤمنًا أو غير مؤمن. والمجرم الجنسي الذي قتل الطفلة الوديعة ليانا التي أثّر رحيلها في الحجر والبشر لم يكن عربيًا ولا مسلمًا مثل ناصر الخليفي.
هوامش:
1 ـ باسكال بونيفاس هو صاحب كتاب "هل من المسموح انتقاد إسرائيل"؟.
2ـ نشرت دار "ساي" عام 1969 كتاب "إشاعة أورليان" الذي ألفه الراحل إدغار موران.
3 ـ الصحافية الشهيرة ليا سلامة هي زوجة رفائيل غلوكسمان إبن الفيلسوف الراحل أندريه. وهو صحافي سابق ونائب أوروبي منذ عام 2019. اشتراكي ليبرالي ومؤسس حركة "ساحة عمومية" عام 2018 التي تهدف إلى توحيد اليسار الأوروبي. عُرف بانخراطه في صفوف حركة "البديل الليبرالي عام 2007" وبمواقفه الأطلسية.
عن (ضفة ثالثة)