قد تنتج الدراما عملًا يبدو متعاطفًا مع الضحايا، ويقدّم نفسه بوصفه اختراقًا جريئًا للصمت، ومع ذلك يساهم في تفريغ الجريمة من معناها السياسي. هنا لا تكون المشكلة في وإنما في في الطريقة التي تُفصل بها التجربة عن أسبابها، وفي الكيفية التي تُحوَّل بها بنية سلطوية منظمة إلى حكاية إنسانية عامة، تصلح للبكاء أكثر من المساءلة.

الدراما وإعادة إنتاج المأساة بمجتمعات ما بعد الصدمة

عن السجون والتعذيب بسورية أمام امتحان دقيق

فـارس الذهـبي

 

تنشغل الدراما في المجتمعات الخارجة من الحروب الأهلية والمجازر الجماعية بمسألة شديدة الحساسية، تقع عند تقاطع الذاكرة والعدالة والسلم الأهلي. ففي هذا السياق تتجاور حاجتان متواترتان: حاجة الشهادة والتوثيق وفتح المجال العام أمام سرديات الضحايا والمظلومين، وحاجة الحد من إعادة إنتاج الألم والخوف والرغبة في الانتقام عبر تمثيل العنف على نحو قد يفاقم الانقسام الاجتماعي ويهدد إمكانات التعافي. ومن هنا لا يعود السؤال محصورًا في إنتاج أعمال فنية عن الجرائم من عدمه، بل ينتقل إلى شروط هذا الإنتاج، وإلى صلته بمسارات العدالة الانتقالية، وكشف الحقيقة، والاعتراف المؤسسي، والمعايير المهنية والأخلاقية لمراعاة الصدمة. ففي غياب الحد الأدنى من المساءلة وكشف المصير والاعتراف، قد ينقلب التمثيل العنيف إلى شكل من أشكال الإيذاء النفسي المتجدد، وقد يتحول إلى مادة إضافية للاستقطاب. أما حين يستند العمل الدرامي إلى مرجعيات توثيقية وقضائية واضحة، ويتصل بإدارة رشيدة للذاكرة العامة، ويخضع لمعايير تحد من الضرر، فإنه يغدو أكثر قدرة على أداء وظيفة الشهادة العامة والمساهمة في بناء وعي جماعي أكثر اتزانًا. ضمن هذا الأفق تبرز الحاجة إلى إطار يميّز بين الدراما التي تسهم في التعافي والاعتراف، والدراما التي تعيد تدوير العنف أو تستثمر في الجراح المفتوحة.

تقتضي الصرامة الواقعية توضيح أن ما يوصَف هنا بمجتمع "ما بعد الصدمة" هو شبكة اجتماعية تحمل خبرة عيشية مباشرة تفترض وجود: ناجين، وأهالي مفقودين، ومجتمعات محلية مرتبطة بأماكن القتل والسجن والاختفاء. وليس جمهورًا محايدًا؛ لذلك لا تكفي استعارة أرسطو بوصفها وصفة جاهزة. صحيح أن قراءة "فن الشعر" تجعل التراجيديا قادرة على تحريك الخوف والشفقة وتنظيمهما، وأن تاريخ التفسير الحديث للكاثارسيس (أو التطهير النفسي ما بعد الفعل الدرامي) يضعه بين التفريغ المنظم والتهذيب والإيضاح المعرفي للانفعال، لكن هذا الأثر ليس ميكانيكيًا ولا مضمونًا بمجرد عرض العنف. الفارق الحاسم هو وظيفة العنف داخل السرد: هل هو عنصر معرفي يشرح آليات الجريمة والمسؤولية والعلاقة بين الفعل ونتيجته، أم أنه صدمة حسية تُستخدم كاختصار للواقعية أو ذروة تشويق؟ في الحالة الثانية ترتفع احتمالات إعادة تنشيط الصدمة، ويتحول الفن إلى مجال لإعادة إنتاج الألم بدل تنظيمه.

يُبنى العرض الجدلي على مجموعتين من الحجج. الحجج المؤيدة للتمثيل أو إعادة إنتاج المأساة المتعلقة بالإبادة في شكل فني (مسلسل أو مسرحية أو فيلم) تنطلق من أن الفن يصبح أحيانًا نمط اعتراف عام حين تتعطل الدولة أو تتواطأ أو تتباطأ في العدالة الانتقالية؛ فالمجتمع يحتاج إلى فضاء يثبت وقوع الجريمة ويحميها من التمييع أو الإنكار، ويعيد للسردية الحقّة أن تُسمّى وتُرى. هنا يكون التمثيل رفضًا لعمليات محو الذاكرة وإعادة كتابة التاريخ لصالح الجلاد أو لصالح تسويات رمزية تساوي بين الضحية والجلاد باسم "المصالحة". إضافة إلى ذلك، حين ينجح العمل الفني لا يقتصر على تقديم مشاهد الرعب، بل يوضح آليات إنتاجه: البيروقراطية، وسلسلة الأوامر، وخطاب الشرعنة، وتواطؤ الصمت الاجتماعي؛ أي أنه يحرر الوعي من اختزال الجريمة في "شر أفراد" ويعيدها إلى منطق نظام أو بنية؛ وهذا يفتح بابًا لتكوين حكم أخلاقي عملي لدى المتلقي دون وعظ مباشر. في المقابل، ترتكز حجج التجنب أو التأجيل على أن الصور الصريحة للتعذيب والقتل قد تكون "مُفَعِّلات" نفسية لدى الناجين وأهالي الضحايا، وأنها قد تُدخلهم في حلقة إعادة عيش الألم في ظل غياب العدالة وكشف المصير، بما يضاعف ظلمهم بدل أن يخففه. كما أن تصوير مواقع الجريمة على أنها أماكن إنتاجية قد يُعد انتهاكًا لحرمتها وتحويلًا لها إلى ديكور، خصوصًا إذا لم توجد موافقة مجتمعية واضحة أو إطار تذكاري يفسر المكان ويصون كرامته.

وتضاف إلى ذلك إشكالية إعادة إنتاج سلطة الجلاد رمزيًا عبر منح المنبر لمن مارس الإنكار أو التبرير أو كان جزءًا من ماكينة السلطة، بحيث يبدو كأنه انقلاب أخلاق أو كأنه استمرار لمنطق الهيمنة، فتتبدل السردية وتبقى البنية الرمزية ذاتها. ويُخشى كذلك من أن يتحول تمثيل العنف إلى بورنوغرافيا صادمة أو إلى تطبيع مع الرعب حين يُستخدم العنف كمواد جذب وتسويق، فتُختزل الضحية إلى وظيفة درامية ويُستدرج الجمهور إلى استهلاك الألم لا إلى فهمه. البرهان المقارن عبر تجارب دول عانت من نماذج مشابهة للواقع السوري، مثل: البوسنة ورواندا والأرجنتين، يتيح تفكيك الثنائية وتحديد الشروط.

في البوسنة، تمتلك الذاكرة سندًا قضائيًا دوليًا؛ فوثائق المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة تشير إلى قتل ما بين سبعة آلاف وثمانية آلاف من الرجال والفتيان من مسلمي البوسنة في سربرنيتسا في تموز/ يوليو 1995، وتصفها بوصفها أسوأ فظاعة في الحرب، وتعرض مسارًا قضائيًا تراكميًا مرتبطًا بتوصيف الإبادة أو المشاركة فيها في قضايا بارزة مثل قضية كرستيتش. كما أن الأمم المتحدة تعرّف يوم إحياء الذكرى وتقر توصيف الإبادة ضمن موادها الرسمية، وقد صدر قرار الجمعية العامة الذي يكرّس 11 تموز/ يوليو يومًا دوليًا لإحياء ذكرى إبادة سربرنيتسا، مع بيان صحافي أممي يوضح سياق اعتماد القرار. غير أن وجود التسمية القضائية والدولية لا يعني انتهاء النزاع الرمزي؛ فالقرار نفسه يُقرأ ضمن سياق مواجهة إنكار أو مقاومة سياسية للتسمية، ما يجعل الذاكرة في البوسنة حقلًا منقسمًا. في مثل هذا السياق، يستطيع الفن أن يسند الحقيقة ضد الإنكار، لكنه قد يصبح أيضًا مجال صدام جديد إذا انزلق إلى الاستفزاز أو إلى ادعاء امتلاك التجربة بدل احترام حدودها، وهو ما تناقشه دراسات حول إعادة تمثيل مذبحة سربرنيتسا بوصفها اختبارًا أخلاقيًا لحدود التمثيل بين الشهادة المحايدة والاستحواذ على الألم. دلالة البوسنة إذًا أن الفن يمكن أن يكون ضرورة، لكنه يبقى عالي المخاطر في مجتمع منقسم حتى مع وجود مرجعية قضائية، لأن صراع الذاكرة قد يستمر جيليًا.

في رواندا، يقدم مسار الغاتشاكا - وهي محاكم مجتمعية محلية في رواندا أُعيد تفعيلها بعد إبادة 1994 للنظر في العدد الكبير من قضايا القتل والمشاركة في الإبادة، واعتمدت على مشاركة المجتمع المحلي وكشف الوقائع والاعتراف، وكانت جزءًا من مسار العدالة الانتقالية إلى جانب القضاء الرسمي - نموذجًا مختلفًا، إذ شكلت محاكم مجتمعية واسعة النطاق لمعالجة تركة إبادة 1994، وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أن الغاتشاكا نظرت في أكثر من 1.2 مليون قضية منذ 2005، بما يعكس كثافة مشاركة مجتمعية غير مألوفة في سياقات العدالة الانتقالية. لكن التقرير ذاته يسجل مشكلات جوهرية، منها تدخلات وضغوط وتخويف شهود وإشكالات ضمانات، وقد وصفت هيومن رايتس ووتش إرث الغاتشاكا بأنه مختلط لا مثالي. أهمية هذا المثال للدراسة أن وجود عملية عدالة واسعة يخلق سياقًا يسمح بالكلام العام ويخفف العبء عن الفن بوصفه مصدر الحقيقة الوحيد، لكنه لا يلغي المخاطر ولا يمنع إعادة إنتاج صدمات جديدة أو صمت جديد تحت ضغط اجتماعي أو سياسي. في هذا الإطار تظهر الفنون والأداء أحيانًا داخل فضاءات تذكارية واضحة الوظيفة، مثل مهرجان Ubumuntu الذي يُقام ضمن فضاء Kigali Genocide Memorial، بما يضع التلقي داخل إطار ذاكرة حقيقي بدل سوق ترفيهي عادي، ويحوّل الفن إلى ممارسة تذكارية مؤطرة لا إلى صدمة مبعثرة. تجربة رواندا تفيد أن الفن قد يساند إعادة بناء الروابط والاعتراف، لكنه يحتاج إلى يقظة مزدوجة تجاه ضغط السياسة وإزاء اختزال التجربة في سردية واحدة تذيب تعددية الألم.

أما الأرجنتين فتقدم أكثر الأمثلة وضوحًا على تكامل الذاكرة القضائية مع الذاكرة الثقافية ومع إدارة مواقع الجريمة بوصفها مواقع ذاكرة لا "لوكيشن". إن إدراج "متحف وموقع ذاكرة إيسما" ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو يثبّت معيارًا دوليًا لفكرة أن مركز احتجاز سري وتعذيب سابق يمكن أن يتحول إلى مؤسسة ذاكرة وتعليم وكرامة، مع وصف رسمي للموقع ووظيفته التاريخية والممارسات التي كانت تجري فيه، وتقييم تقني يربط الموقع مباشرة بجرائم الاختفاء القسري وإرهاب الدولة ويؤطر قيمته ضمن معيار حقيقي. كما أن اليونسكو أدرجت السجل السمعي البصري لمحاكمات جرائم ضد الإنسانية في الأرجنتين 2006–2023 ضمن ذاكرة العالم، وهي خطوة هامة للتجربة الإنسانية في مواجهة الشمولية والطغيان، بما يرسخ الأرشفة القضائية كمرجعية عامة ويخفف ضغط تحويل الدراما المسرحية والتلفزيونية والسينمائية إلى "وثيقة" نهائية، وتذكر اليونسكو أن استئناف المحاكمات ارتبط بإلغاء قوانين الإفلات من العقاب. تجربة الأرجنتين هنا تثبت أن حضور المحاكمات والأرشفة ومواقع الذاكرة يخلق بيئة تقلل احتمالات تفجر التمثيل وتزيد قدرة الفن على العمل كمساحة إنسانية وأخلاقية بدون أن يصبح سوقًا للألم أو بديلًا قسريًا عن القضاء.
تسمح المقارنة الثلاثية باستخلاص نتيجة مركبة لا تختزل النزاع السوري إلى طرفين متساويين. يتبين أن الفن ينجح أكثر حين لا يُستخدم كبديل عن العدالة، وأنه يصبح أخطر حين يُدفع ليقوم مقام الحقيقة والإنصاف في غياب المؤسسات. يتبين أيضًا أن "مسارح الجريمة" ليست فضاءات محايدة؛ النموذج الأرجنتيني يحوّل المكان إلى موقع ذاكرة منضبط بقواعد كرامة وتعليم ومقاومة إنكار، ما يجعل تصويره بوصفه ديكورًا إنتاجيًا فعلًا مُشكِلًا أخلاقيًا. كذلك يتضح أن تمثيل العنف لا يُقاس بعدد المشاهد أو حدتها، بل بوظيفتها والسؤال الذي تطرحه: هل تعمل على كشف البنية والسببية والمسؤولية والآثار الطويلة، أم أنها صدمة حسية تُنتج التبلد أو تعيد الصدمة وتفجّر الغضب بلا أفق؟

انطلاقًا من ذلك، يمكن تطبيق الاستنتاجات على الحالة السورية عبر نموذج تشغيلي لا يضيف أفكارًا جديدة، بل يعيد صياغة الشروط التي تفرضها المقارنة. جوهر هذا النموذج أن الدراما في سياق بلا عدالة انتقالية فعالة وبلا كشف مصائر المفقودين يجب أن تميل إلى سرديات تشرح أثر ما تقدمه قبل مشهدية ما تقدمه، وإخضاع تمثيل العنف لبروتوكولات مراعاة الصدمة المعروفة في الممارسة السردية، بما يقلل التفاصيل الفجّة غير الضرورية ويحترم كرامة الضحايا ويمنع وصول العائلات إلى "خبر وإعادة تمثيل موتها" عبر مشهد تمثيلي صادم. كما يستلزم النموذج مشاركة تمثيلية للناجين وأهالي المفقودين عبر آليات استشارية واضحة تضمن الشرعية الأخلاقية بدون تحويلها إلى رقابة سياسية فجة نمطية. ويستلزم كذلك احترام حرمة المكان، بحيث يُستعاض عن المواقع الحساسة بالاستوديوهات والمحاكاة حين تكون الجراح مفتوحة، أو يربط استخدام المكان بإطار ذاكرة وموافقة مجتمعية واضحة، على نحو يقترب من معيار متحف إيسما الذي يعيد تعريف المكان كذاكرة عامة لا مادة إنتاج عنفي. ويستلزم أخيرًا منع آليات إعادة إنتاج سلطة الجلاد رمزيًا عبر التبييض والإنكار والمساواة الزائفة، عبر تبرير ما يقوم به الجلاد عبر طرح وجهة نظره الأيديولوجية، لأن مشكلة "التبرير" ليست تفصيلًا فنيًا بل شرطًا من شروط العدالة الرمزية.

بناءً على ما سبق، لا يعود مطلب طيّ الصفحة حلًا بقدر ما يمكن أن يتحول إلى إنكار منظّم، ولا يعود مطلب "عرض كل شيء" حلًا بقدر ما يمكن أن يتحول إلى إعادة إيذاء واستثمار في الجرح. كنتيجة، نتبين أن الدراما يمكن أن تكون وسيطًا للتعافي حين تتحول من مجرد إعادة تمثيل للعنف إلى بناء معرفة ومسؤولية واعتراف داخل شروط رعاية صارمة، وحين تُفهم بوصفها جزءًا من منظومة أوسع تضم العدالة والأرشفة وجبر الضرر وإدارة الذاكرة، وليس بتقديمها كبديل عنها. في المقابل، حين يُنتج الفن خارج هذه الشروط، خصوصًا في مجتمع لم ينجز حدًا أدنى من الاعتراف والحق في الحقيقة، يصبح الفن نفسه مادة قابلة للاشتعال، وقد يكرّس ما يريد علاجه أساسًا، وهو الخوف والشك والانتقام.

غير أن هناك خطرًا آخر، أكثر خفاءً من عرض العنف المباشر. قد تنتج الدراما عملًا يبدو متعاطفًا مع الضحايا، حافلًا بالبكاء والمشاهد المؤثرة، ويقدّم نفسه بوصفه اختراقًا جريئًا للصمت، ومع ذلك يساهم في تفريغ الجريمة من معناها السياسي. هنا لا تكون المشكلة في وجود السجن على الشاشة، ولا في ظهور الضحية، ولا في استعادة التعذيب كذاكرة مؤلمة. المشكلة في الطريقة التي تُفصل بها التجربة عن أسبابها، وفي الكيفية التي تُحوَّل بها الجريمة من بنية سلطوية منظمة إلى حكاية إنسانية عامة، تصلح للبكاء أكثر مما تصلح للمساءلة. تبدأ آلية التمييع حين يُفصل الألم عن سببه. يظهر التعذيب كتجربة قاسية، ويظهر السجين كجسد منهك، وتظهر الأم بوصفها صورة للفقد، ويظهر الغياب بوصفه جرحًا عائليًا مفتوحًا. كل ذلك صحيح ومؤثر وضروري من حيث المبدأ. غير أن الخطورة تبدأ عندما تختفي البنية التي أنتجت هذا الألم: الأجهزة الأمنية، سلسلة الأوامر، القضاء المسخّر، الطبيب الذي يغطي آثار التعذيب، الإعلام الذي يشيطن الضحية، المخبر الذي يراقب الحي، الحزب الذي يصنع لغة الطاعة، والخوف العام الذي يحوّل المجتمع إلى شبكة صمت.

في هذه الحالة، تصير المأساة قدرًا غامضًا. يتألم المشاهد، لكنه لا يرى الفاعل بوضوح. يتعاطف مع الضحية، لكنه لا يصل إلى حكم سياسي متماسك حول المسؤولية وكيفية تجنبها. ينتقل السؤال من: مَن فعل هذا؟ كيف سُمح له أن يفعله؟ كيف تتكرر الجريمة حين تبقى بنيتها حية؟ إلى سؤال عاطفي محدود: كم كان هذا مؤلمًا؟ بهذا المعنى، قد تنجح الدراما في إنتاج التأثر، وتفشل في إنتاج المعرفة. وقد تفتح باب الدموع، وتغلق باب المحاسبة. الآلية الثانية هي استبدال العدالة بالانفعال. تمنح الدراما جمهورها لحظة تنفيس قوية: صدمة، بكاء، غضب، تعاطف، شعور بأن الصمت قد كُسر أخيرًا. غير أن الانفعال وحده قد يعمل كبديل زائف عن الاعتراف. يشعر المتفرج بأنه أدى واجبه الأخلاقي لأنه تأثر، بينما تبقى الأسئلة الصعبة معلقة: من المسؤول؟ أين الأسماء؟ أين سلسلة القرار؟ أين المؤسسات التي حمت الجريمة؟ كيف تحول الإنسان العادي في هذه البلاد إلى جلاد؟ ما مصير المفقودين؟ كيف تُبنى ذاكرة عامة من دون تحويل الضحايا إلى مادة موسمية؟

هنا يصبح التعاطف نوعًا من الاستهلاك الأخلاقي. يشاهد الجمهور العذاب، يتأثر به، يتداوله على وسائل التواصل، ثم يخرج من التجربة من دون معرفة إضافية، ومن دون موقف أوضح، ومن دون ربط الألم بالنظام الذي أنتجه. تبدو الدراما في هذه اللحظة جريئة لأنها اقتربت من المحظور، لكنها قد تكون، في بنيتها العميقة، قد خففت الثقل السياسي للجريمة. فقد نقلتها من مستوى المسؤولية إلى مستوى التأثر، ومن مستوى البنية إلى مستوى المشهد، ومن مستوى المحاسبة إلى مستوى الدموع.

أما الآلية الثالثة، وهي الأكثر حساسية في الحالة السورية، فتتصل بالوجوه التي تؤدي الحكاية. الممثل في المجتمعات الخارجة من العنف ليس جسدًا فنيًا محايدًا تمامًا. وجهه يحمل تاريخًا عامًا، وموقعًا رمزيًا، وصورة متراكمة في ذاكرة الجمهور. حين يؤدي أدوار الضحايا أو شهود العذاب فنانون ارتبطوا سابقًا بخطاب التبرير أو الاصطفاف مع السلطة، يتحول الأداء إلى مسألة تتجاوز جودة التمثيل. يصبح الأمر سؤالًا أخلاقيًا حول من يملك حق الكلام باسم الألم، ومن يُمنح موقع الوسيط بين الضحية والجمهور. الوجه الذي أدى شهادة سلبية، أو برّر، أو شارك في صناعة المناخ الرمزي الذي جعل القمع مقبولًا، يعود عبر الشاشة في هيئة شاهد على العذاب أو حامل لذاكرة الضحايا. من دون مراجعة علنية، أو اعتراف، أو مساءلة، يبدو هذا الانتقال كأنه إعادة تدوير للشرعية الرمزية. فالجمهور لا يرى الشخصية وحدها؛ يرى الشخصية والوجه وتاريخه معًا. يرى الدور داخل العمل، ويرى خارجه أثر سنوات من الاصطفاف أو الصمت أو التبرير. وهنا يتحول التمثيل من مجرد حرفة إلى أن يصبح دخولًا جديدًا إلى ذاكرة الجريمة.

هذه النقطة لا تعني إنشاء محاكم فنية، ولا تحويل كل ممثل إلى ملف سياسي. إنها تعني أن الذاكرة العامة في المجتمعات الممزقة تتعامل مع الوجوه كما تتعامل مع الوثائق. فالشاشة لا تمحو التاريخ السابق لصاحب الوجه. وحين يُمنح شخص ارتبط رمزيًا بشرعنة القمع موقعًا داخل حكاية الضحية، من دون عبور أخلاقي واضح، يشعر جزء من الجمهور بأن الدراما تطلب منه مصالحة قسرية. كأن العمل يقول للضحايا وأهاليهم: اقبلوا هذا الوجه وسيطًا لألمكم، حتى لو كان جزءًا من المجال الذي ساهم في تطبيع أسباب هذا الألم. عند هذه النقطة يمكن للدراما أن تقوم بعملية غسل عاطفي للجريمة. فهي لا تنكر التعذيب، ولا تهاجم الضحايا، ولا تمجد السجان مباشرة. لكنها تعيد ترتيب المجال الأخلاقي بطريقة تسمح بعودة وجوه التبرير إلى مركز التعاطف. يتحول من كان جزءًا من بيئة الصمت أو الاصطفاف إلى راوٍ للمأساة. وتتحول الشاشة إلى فضاء يغفر بلا اعتراف، ويعيد توزيع البراءة بلا مساءلة، ويمنح الماضي فرصة للذوبان داخل مشهد مؤثر.

الآلية الرابعة هي تحويل الجريمة من بنية إلى تجربة شخصية. الدراما بطبيعتها تحتاج إلى شخصيات، وبيوت، وعائلات، وحبكات فردية. هذا ضروري فنيًا. غير أن التركيز على الفرد وحده قد يختزل الجريمة في محنة خاصة. يصبح السجن مأساة عائلية، ويصبح التعذيب جرحًا نفسيًا، ويصبح الغياب حكاية أم تنتظر ابنها. كل ذلك يمثل جزءًا من الحقيقة، لكنه لا يكفي لصناعة ذاكرة سياسية. فالجريمة المنظمة تحتاج إلى تمثيل شبكتها: من كتب التقرير؟ من أصدر الأمر؟ من نفذ؟ من غطّى؟ من استفاد؟ من صمت؟ من بنى اللغة التي جعلت الضحية خائنًا قبل أن تصل إلى الزنزانة؟ حين تُهمل هذه الشبكة، تكتسب الحكاية طابعًا إنسانيًا عامًا. تبدو قابلة للحدوث في أي بلد، وفي أي زمن، وعلى يد أي سلطة غامضة. هذه الكونية قد تبدو نبيلة، لكنها قد تمحو خصوصية الجريمة السورية. الألم الإنساني مشترك، أما المسؤولية فمحددة. الضحية إنسان قبل كل شيء، لكنها أيضًا ضحية نظام بعينه، وأجهزة بعينها، وسياسات بعينها، ولغة بعينها. الفن الذي يكتفي بكونية الألم يخاطر بمحو اسم المرتكب، حتى وهو يرفع صورة الضحية.

ثم تأتي آلية خامسة تتعلق بتحويل العنف إلى ذروة تشويق. في بعض الأعمال، يصبح التعذيب مشهدًا منتظرًا، والسجن فضاءً بصريًا جذابًا، والصرخة علامة تسويق، والجسد المعذب مادة لشد الجمهور. هنا تنتقل الدراما من الشهادة إلى استهلاك الصدمة. الضحية تفقد تعقيدها الإنساني، وتتحول إلى وظيفة درامية، جسد يتألم كي يتحرك السرد، أو كي يبلغ العمل ذروة تأثيره. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الجمهور معتادًا على الرعب، مستعدًا لتلقيه كجزء من المتعة الدرامية، فينخفض أثره الأخلاقي بدل أن يتعمق.

في مقابل هذه المخاطر، لا يعني الحذر الدعوة إلى الصمت أو الطيّ. الذاكرة تحتاج إلى الفن، والضحايا يحتاجون إلى فضاء عام، والمجتمعات التي نجت من العنف تحتاج إلى سرديات تساعدها على فهم ما حدث. لكن الدراما التي تقترب من السجون والمجازر مطالبة بالانتقال من عرض الألم إلى بناء معرفة حوله. عليها أن تسأل عن البنية، لا عن المشهد وحده، عن المسؤولية، لا عن التعاطف وحده، عن الضحية كإنسان كامل، لا كجسد معذب، عن المكان كذاكرة، لا كديكور، عن الوجه المؤدي كحامل لتاريخ عام، لا كأداة فنية محايدة تمامًا.

يمكن، في الحالة السورية، وضع مجموعة معايير عملية لأي عمل يقترب من هذا الحقل. أولها أن تبدأ الدراما من الأثر قبل المشهد: انتظار المفقود، حياة الأسرة بعد الاعتقال، المعاملات القانونية العبثية، الخوف المزمن، تبدل العلاقات بعد السجن، العجز الاقتصادي، تفتت الثقة بين الناس. هذه الموضوعات تكشف عمق الجريمة من دون تحويل التعذيب إلى فرجة مباشرة.

ثانيها أن تُبنى الأعمال وفق بروتوكول مراعاة الصدمة: تجنب التفاصيل الفجة غير الضرورية، احترام كرامة الضحايا، تحذيرات محتوى دقيقة، مراجعة نفسية للمشاهد الحساسة، وحذر خاص في عرض الجثث والتعذيب والاعترافات. فالمتلقي في السياق السوري قد يكون قريبًا مباشرًا لضحية، وقد يتلقى المشهد كاستعادة حية لا كحكاية فنية.

ثالثها إشراك الناجين وأهالي المفقودين في العملية الاستشارية، ضمن لجان واضحة ومدفوعة الأجر، مع حق الاعتراض على استخدام شهادات حقيقية أو أماكن أو أسماء أو تفاصيل يمكن أن تؤذي أصحابها. المشاركة هنا شرط أخلاقي يمنع الاستحواذ على الألم، وليست رقابة على الفن.

رابعها احترام حرمة المكان. السجن أو موقع المجزرة ليس "لوكيشن" إنتاجيًا عاديًا. المكان حامل لذاكرة الناس ولغيابهم ولحقهم في الحقيقة. حين يغيب إطار تذكاري شرعي وموافقة مجتمعية واضحة، تصبح المحاكاة أو الاستوديو خيارًا أكثر احترامًا من استعمال المكان الحقيقي كخلفية تصوير.

خامسها التعامل بجدية مع مسألة الوجوه والتاريخ الرمزي للعاملين في العمل. المطلوب وضوح أخلاقي، لا قوائم إقصاء. حين يشارك من ارتبطوا سابقًا بخطاب تبريري، تحتاج المشاركة إلى مراجعة صريحة أو مسافة نقدية واضحة. الذاكرة السورية مثقلة بما يكفي كي لا تُفرض عليها مصالحة جمالية فوقية باسم الفن.

سادسها ربط الحكاية بسؤال المسؤولية. يمكن للعمل أن يكون إنسانيًا وعميقًا من دون أن يصبح خطابًا مباشرًا. غير أن الإنساني العميق لا يحتاج إلى محو السياسة. يمكن للدراما أن تكشف النظام عبر التفاصيل: ورقة، ختم، حاجز، عبارة في نشرة أخبار، طبيب يزور الزنزانة، قاضٍ يعرف الحقيقة، جار يخفض صوته، أم تخاف من السؤال. هكذا تظهر البنية من داخل الحياة، لا عبر خطاب خارجي.

الخلاصة أن الدراما عن السجون والتعذيب في سورية تقف أمام امتحان دقيق. قدرتها على كسر الصمت لا تكفي وحدها. شجاعتها تقاس بقدرتها على تسمية البنية التي صنعت الألم. العمل الذي يقدم التعذيب كسردية إنسانية عامة، ويمنح أداء الضحية لوجوه ساهمت سابقًا في شرعنة منظومة القمع، يخاطر بأن يتحول من شهادة على الجريمة إلى آلية لغسلها عاطفيًا. أما العمل الذي يربط الوجع بسببه، والانفعال بالمساءلة، والذاكرة بالعدالة، فيستطيع أن يفتح بابًا حقيقيًا للتعافي. ليس التعافي بوصفه نسيانًا، وإنما بوصفه معرفة مسؤولة بما حدث، ورفضًا واضحًا لشروط تكراره.

 

عن (ضفة ثالثة)