كعادته، يكشف لنا الكاتب الكبير في هذا الحوار معه عن أن لديه دائما ما يضيفه وما يدهشنا ببساطته وعمقه، وقدرته على توصيف الداء الذي يتفشى في جسد الوطن، ويوشك أن يستلب روحه بالتدريج. لولا تلك الإضاءات التي يقدمها هنا، فتمنحنا قدرا من الأمل في وجود بنية مشاعر عميقة وعصية على التشويه في مصر.

محمد المخزنجى: حلمى البسيط صار يبدو مستحيلًا

«أتمنى ألا يموت الناس فرادى فى عالم بلا أسرة«

بشـرى عبدالمؤمـن

 

«الأحلام في مراحل العمر المتقدمة تصبح أكثر بساطة وصدقًا، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر ارتباطًا بالهمّ العام».

بهذه الكلمات أعرب الكاتب والروائي الكبير محمد المخزنجي عن قلقه العميق تجاه التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الشباب اليوم، مؤكدًا أن حلمه الشخصي في هذه المرحلة من العمر لم يعد متعلقًا به وحده، بل أصبح مرتبطًا بمصير الأجيال الجديدة وقدرتها على أن تعيش حياة إنسانية مستقرة وطبيعية، موضحًا أن أكبر ما يشغله اليوم هو مستقبل الشباب الذين يواجهون واقعًا بالغ القسوة والتعقيد.

وأضاف «المخزنجي»: «في سني، ومع الظروف التي نعيشها، أصبح حلمي الآن حلمًا شديد الخصوصية، لكنه مرتبط أيضًا بالشأن العام. كل ما أتمناه لجيل الشباب أن يكون أمامهم أفق حقيقي للحياة، وأن يستطيعوا، بجهد إنساني طبيعي، أن يجدوا لأنفسهم مساحة يعيشون فيها، لا أن تتحول الحياة كلها إلى مطاردة مستمرة وراء لقمة العيش فقط».

وأشار إلى أن الأجيال السابقة حظيت بقدر من التوازن الإنساني الذى أتاح لها أن تختبر المعنى الحقيقي للحياة، سواء من خلال الثقافة أو العلاقات الإنسانية أو الإحساس بالأمان الاجتماعي، معتبرًا أن هذا التوازن يتآكل اليوم بصورة مخيفة.

وقال «المخزنجي»: «أتمنى أن تتاح لهم تلك المساحة التي عرفناها نحن وأجيال سابقة، مساحة لتذوق جمال الحياة نفسها، لا مجرد البقاء على قيد الحياة. أخشى أن يتحول الإنسان إلى كائن مستنزف بالكامل في صراع يومي من أجل الأساسيات، دون أي قدرة على الحلم أو الاستقرار أو بناء المستقبل».

وتوقف مطولًا عند ما وصفه بالخطر الاجتماعي الصامت، وهو تزايد معدلات العزوبية القسرية نتيجة الأوضاع الاقتصادية، معتبرًا أن القضية لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أزمة تهدد التكوين النفسي والإنساني للمجتمع بأكمله. وأوضح: «أنا خائف جدًا مما أراه قادمًا، وأكاد أراه ببصيرة لا بمجرد نظر. نحن مقبلون على حالة مروعة من اتساع دائرة العزوبية بين الرجال والنساء، ليس لأنهم لا يريدون الزواج، بل لأنهم غير قادرين على تحمّل أعبائه». وأكد «المخزنجي» أن عدم القدرة على تكوين الأسرة لا يمثل فقط حرمانًا من تجربة شخصية، بل يؤدى إلى شعور عميق بالنقص والعزلة وفقدان المعنى، مضيفًا أن تكوين الأسرة يمثل أحد الامتدادات الطبيعية للوجود الإنساني.

وقال «المخزنجي»: «مسألة الزواج والإنجاب ليست مجرد رغبة شخصية أو فرحة خاصة، بل هي غريزة إنسانية موجودة في الكائنات كلها. نحن بطبيعتنا نسعى إلى استمرار الحياة وتسليم وجودنا لأجيال أخرى، وعندما يُحرم الإنسان من هذا الامتداد يشعر بشيء من الانكسار الداخلي». وحذّر من التداعيات النفسية والاجتماعية الممتدة لهذه الأزمة، مشيرًا إلى أن المجتمعات التي تتآكل فيها الروابط الأسرية تصبح أكثر هشاشة ووحدة، وقد تصل إلى مراحل قاسية من التفكك الإنساني. وتابع: «أخشى أن نصل إلى زمن تتكاثر فيه حالات البشر الذين يموتون فرادى، ولا يُكتشف موتهم إلا بعد أيام أو فترات طويلة، فتتحول الوحدة نفسها إلى مأساة إنسانية حتى في لحظة الموت». ورأى أن الأزمة لا تتعلق فقط بالأرقام أو المؤشرات الاقتصادية، بل بما تتركه من أثر عميق في روح الإنسان وشعوره بالأمان والانتماء، مؤكدًا أن الخوف الحقيقي لدى قطاع واسع من الشباب اليوم لم يعد مرتبطًا بالأحلام الكبيرة، بل بالقدرة على بناء حياة طبيعية ومستقرة. وقال «المخزني»: «هناك خوف حقيقي عند جيل كامل من الشباب من عدم القدرة على تحمّل أعباء الزواج والمعيشة، ولذلك يحرمون أنفسهم، ويحرمون المجتمع أيضًا، من أحد أجمل وأهم معانى الحياة الإنسانية».

ورغم هذه النظرة القلقة، شدد «المخزنجي» على أنه لا يزال متمسكًا بالأمل، مؤمنًا بأن المجتمعات قادرة على تجاوز أزماتها إذا استعادت إنسانيتها ووعيها بقيمة الإنسان نفسه. واختتم حديثه قائلًا: «لا أعرف إن كان الوقت قد فات لتحقيق هذا الحلم أم لا، لكنني أؤمن أن فوق إرادات البشر إرادة الخالق، الذى لا يرضى لهذا الكائن الإنساني، وهو أشرف الكائنات وأكثرها تطورًا، أن ينزلق إلى هذا المصير القاسي».

رجلٌ عاش يطارد أحلام الصحو ما حلم به في قصصه ومقالاته وحواراته. لم يكن الدكتور محمد المخزنجى من الكُتّاب الذين اعتادوا الحديث عن أحلامهم الشخصية بوصفها سيرة ذاتية مباشرة، لكنه تركها متناثرة في قصصه ومقالاته وحواراته وتأملاته، حتى يمكن للقارئ أن يعيد تركيب صورة كاملة لرجل ظل يحلم بالعالم أكثر مما اشتكى منه، وينشغل بما يمكن أن يكون عليه الإنسان أكثر من انشغاله بما آل إليه. ففي الوقت الذى اتجه فيه كثير من أبناء جيله إلى السياسة أو الأيديولوجيا أو الأسئلة العامة الكبرى، انشغل المخزنجي بأسئلة تبدو أكثر بساطة، لكنها أكثر عمقًا: كيف يحتفظ الإنسان بقدرته على الدهشة؟ كيف يظل رحيمًا وسط عالم قاسٍ؟ كيف يبقى متصلًا بالطبيعة رغم صخب المدن؟ وكيف يحافظ على الطفل الذى يسكن داخله رغم مرور العمر؟

لهذا لا تبدو أحلامه منفصلة عن مشروعه الإبداعي، بل تبدو هي المشروع نفسه، فالطبيب النفسي الذى جمع بين العلم والأدب لم يكن يكتب الواقع كما هو، بل كان يحاول دائمًا إعادة تخيله بصورة أكثر إنسانية وجمالًا واتساعًا. ولعل العبارة الأكثر تعبيرًا عن هذه الرؤية جاءت في حواره مع جريدة «الأهرام» بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢١، حين قال: «المنصورة هي أرض أحلامي الأولى، وما الأدب إلا أن يكون أحلام صحو لا منام، ثم يبقى الحلم وإن تشوه الواقع». وهى عبارة لا تكشف فقط نظرته إلى الأدب، بل تكشف أيضًا طبيعة حياته الفكرية كلها؛ فالحلم عنده ليس انسحابًا من الواقع، بل محاولة دائمة لمقاومته وإعادة تشكيله.

الغزالة والمهر .. الحلم ومن يطارده:
ففي عالم المخزنجي، تبدو «الغزالة» أقرب إلى الحلم منه إلى الحيوان، حيث تظهر في كتابه «حيوانات أيامنا» وسط الركام الذي خلفه «أفراد المارينز» كإمكانيةٍ نادرة للحياة، ففي قصة «غزلان» لا تظهر الغزلان بوصفها طرائد أو حيوانات برية عادية، بل ككائنات هشة نجت وسط الخراب والقصف والجوع، فالغزالة الصغيرة التي يعثر عليها المهاجرون وسط الدمار تتحول تدريجيًا إلى نقطة ضوء في عالم ينهار، وإلى وعدٍ ضمني بأن الجمال يمكن أن يبقى حيًا حتى في أقسى الظروف.

وإذا كانت «الغزالة» عند المخزنجى تمثل الحلم، فإن «المهر» يمثل الحالم نفسه، ففي قصة «مهر»، بدا أن المهر الصغير ليس مجرد حيوان، بل شخصية متمردة على الخوف والخضوع، فمنذ اللحظات الأولى يندفع نحو العالم مدفوعًا بغريزة الاكتشاف والحرية، ثم يصطدم بقسوة البشر ومحاولاتهم إخضاعه، ومع ذلك يظل محتفظًا بطاقة الاندفاع الأولى، وكأن داخله قوة ترفض أن تُروَّض بالكامل، ربما بهذا عندما «قيل لبعض الحكماء أي المال أشرف؟ قال: فرس يتبعها فرس في بطنها فرس» كما نقل المخزنجي عن «الدميري» من كتاب الأخير «حياة الحيوان الكبرى».

أحلام الطيران والتحرر:

ومن بين الصور التي تتكرر في حديث المخزنجي عن نفسه صورة الطيران، ففي حواره مع «الأهرام» بتاريخ ١٣ أغسطس ٢٠٢١، يستعيد أحلام طفولته قائلًا: «كنت أستحضر الأحلام التي أحبها باستغراق التفكير فيها قبل النوم فتأتيني، خاصة أحلام الطيران الذاتي منفردًا أو مع من أحب». وقد تبدو هذه العبارة مجرد ذكرى شخصية، لكنها في الحقيقة مفتاح أساسي لفهم عالمه كله، فالطيران عند المخزنجي لم يكن مجرد حلم طفولي، بل رمز دائم للتحرر من القيود، من الخوف، ومن الجسد، ومن القوالب الجامدة التي تحاصر الإنسان. وليس من المصادفة أن تحضر الطيور في كتاباته بهذا الزخم، وأن تبدو السماء دائمًا فضاءً للانطلاق والنجاة، فالمخزنجي كان يرى أن الإنسان يحتاج باستمرار إلى نافذة يطل منها على ما هو أبعد من حياته اليومية الضيقة، وأن الحلم هو إحدى هذه النوافذ. وفى كثير من قصصه، تبدو الشخصيات محاصرة بالوحدة أو المرض أو الاغتراب، لكنها لا تكف عن البحث عن منفذ إلى عالم أكثر رحابة، وكأن الكاتب يعيد إنتاج حلم الطيران ذاته بصور سردية متعددة.

الدهشة .. الحلم الأكبر:
إذا كان هناك حلم واحد يمكن اعتباره القلب النابض لمشروع محمد المخزنجي كله، فهو حلم الدهشة، فالعبارة الأشهر المرتبطة باسمه، «اندهشوا تنتعشوا»، لم تكن مجرد شعار لطيف، بل كانت فلسفة حياة كاملة. وقد وصف الدهشة في مقدمة كتابه «مساحة صغيرة للدهشة» بأنها «قيمة معنوية ووجدانية كبرى، بناءة وثورية دائمًا». كان المخزنجى يرى أن الاعتياد هو العدو الحقيقي للإنسان، فالخطر لا يكمن في الفقر أو المرض أو الشيخوخة فقط، بل في أن يفقد الإنسان قدرته على الانبهار، أو أن تصبح الأشياء كلها مألوفة إلى درجة التبلد، وأن يتحول العالم إلى مشهد مكرر لا يثير فضولًا ولا سؤالًا. ولهذا كرّس جزءًا كبيرًا من مقالاته للحديث عن غرائب الطبيعة، وعجائب الكائنات وأسرار العلم. لم يكن يفعل ذلك بوصفه كاتبًا علميًا فحسب، بل باعتباره حارسًا للدهشة الإنسانية.

وفى قصصه تظهر الفكرة نفسها بصور مختلفة، ففي مجموعة «رشق السكين» تتحول الأحداث اليومية العادية إلى لحظات كشف وتأمل، وتصبح التفاصيل الصغيرة بوابات لفهم أعمق للحياة، فالمهم عنده لم يكن الحدث ذاته، بل ما يوقظه الحدث من إحساس أو سؤال أو اكتشاف.

الحلم بعالم أكثر رحمة
وربما كان هذا هو الجانب الأكثر إنسانية في عالم المخزنجي، فبحكم عمله طبيبًا نفسيًا لسنوات طويلة، عاش قريبًا من الألم البشرى والهشاشة الإنسانية، ولذلك جاءت كتاباته منحازة دائمًا إلى الضعفاء والمنسيين والمهمشين. ففي قصة «في حضرة الجذام» لا يرى المرض بقدر ما يرى الإنسان المختبئ خلف المرض، وفى نصوص كثيرة أخرى لا يتوقف عند القبح الخارجي أو الاختلال أو العجز، بل يبحث عن جوهر الإنسان الكامن خلف كل ذلك، هذا الحلم بعالم أكثر رحمة لا يقتصر على البشر فقط، بل يمتد إلى الحيوانات والكائنات الأخرى، فالمخزنجي من أوائل الكُتّاب العرب الذين تعاملوا مع الحيوان بوصفه شريكًا في الوجود لا مجرد مادة للمعرفة أو الفرجة. ولهذا تبدو أعمال مثل «حيوانات أيامنا» أقرب إلى بيان أخلاقي يدعو إلى احترام الحياة في كل صورها، لقد كان يحلم بعالم أقل عنفًا، وأكثر تعاطفًا، وأقرب إلى الانسجام مع الطبيعة.

العودة إلى الفردوس الأول:
في كثير من نصوصه، خصوصًا في «أوتار الماء»، يظهر حلم آخر لا يقل أهمية عن سابقيه، وهو حلم العودة إلى البدايات، فالطفولة عند المخزنجي ليست مجرد مرحلة عمرية مضت وانتهت، بل حالة وجودية كاملة تتمثل في الزمن الذى كان فيه العالم أكثر اتساعًا، والأشياء أكثر إشراقًا، والأسئلة أكثر براءة. ولهذا يعود باستمرار إلى الأماكن الأولى والذكريات القديمة والوجوه التي غابت، لا بوصفها موضوعًا للحنين فقط، بل باعتبارها مفاتيح لفهم الذات، وحين يتحدث عن المنصورة باعتبارها «أرض أحلامه الأولى» فإنه لا يتحدث عن مدينة فحسب، بل عن عالم كامل من المعاني والتجارب والمشاعر التي شكلت وجدانه، ومن هنا يمكن فهم كثير من كتاباته باعتبارها رحلة دائمة للبحث عن الفردوس الأول، ذلك المكان الرمزي الذى خرج منه الإنسان وظل يحاول العودة إليه طوال حياته.

السماء المفتوحة والطبيعة الملاذ:
في مقال له بعنوان «كل هذا الكربون فينا!» نشر بجريدة «الشرق الأوسط»، بتاريخ ٧ ديسمبر ٢٠١٨، يشير المخزنجي إلى علاقته بالقراءة والكتابة، حتى ولو كان يتحدث عن فكرة علمية بشكل أدبى كعادة مقالاته، حيث يقول المخزنجي: «إذا لم يُلبِّ الكتاب أشواقه الدائمة إلى ما يدهش، يتسلل هاربًا إلى الوجود الطلق تحت السماء المفتوحة». جملة تكفى وحدها لرسم صورة كاملة للرجل، فالمخزنجي لم يكن ابن الغرف المغلقة ولا المدن الإسمنتية، ربما لهذا حينما ضاقت به منطقة «الدقي» انتقل إلى مدينة -للمصادفة يشير اسمها مصادفة على دلالة الانتقال وهي- «الرحاب»، لأنه ابن الحقول والأنهار والطيور والهواء الطلق، ولذلك لم تكن الطبيعة في كتاباته مجرد خلفية للمشهد، بل كانت شخصية أساسية في النص.

لقد وجد فيها ملاذًا روحيًا ومصدرًا للسكينة، كما وجد فيها النموذج الذي يحلم بأن يستعيد الإنسان علاقته به، ولذلك تحضر الأشجار والمياه والطيور والكائنات المختلفة في عالمه بوصفها رموزًا للحياة المتوازنة التي يفتقدها الإنسان الحديث.

أحلام لم تتوقف:
اللافت أن محمد المخزنجي ظل حالمًا حتى سنواته الأخيرة، ففي حواره مع الكاتب الصحفي محمد شعير بجريدة «أخبار الأدب»، يوليو عام ٢٠٢٣، تحدث بحماس عن مشروعه الذى كان يتمنى إنجازه تحت عنوان «أقاصيص العنبر الجواني»، مستلهمًا سنوات عمله الطويلة في قسم الأمراض النفسية بمستشفى المنصورة العام. كان يتحدث عن المشروع وكأنه ما زال في بداية الطريق، لا فى نهاية رحلة طويلة من الكتابة، وهو ما يكشف جانبًا مهمًا من شخصيته؛ فالحلم بالنسبة إليه لم يكن مرحلة عمرية تنتهى، بل طاقة دائمة للتجدد والاستمرار. وعندما نجمع خيوط أحلام محمد المخزنجي المتناثرة في قصصه ومقالاته وحواراته، نجد أنها تعود في النهاية إلى حلم واحد بأشكال متعددة: أن يبقى الإنسان حرًا كطائر، ومندهشًا كطفل، ورحيمًا كطبيب، ومتصلًا بالطبيعة والذاكرة والجمال.

 

عن (المصري اليوم)