شكلت الترجمة على مر العصور جسرا للتفاعل والتلاقح بين اللغات والثقافات. كما أعطت دينامية وحيوية لتملك المعرفة الفلسفية والعلمية والأدبية قصد التنافس وتحقيق الريادة والتفوق الثقافي والحضاري في عالم متعدد اللغات والثقافات. بحيث تتطلع المجتمعات إلى بناء علاقات متكافئة بالحوار والتواصل من أجل التعاون بعيدا عن لغة القوة والهيمنة. تمكن من التقارب مع الآخر قصد التفاهم، لاستدراك الفجوة العلمية والتكنولوجية. وذلك بتدبير الاختلافات اللغوية والثقافية، باعتماد الترجمة كجسر للحوار والتواصل، من أجل التعايش المشترك بتدبير التعدد والاختلاف اللغوي والثقافي. لقد أصبحت الترجمة لغة كونية لبناء عالم آخر ممكن بالحوار والتواصل الترجمي. يجعل العيش المشترك ممكنا في عالم تمزقه الصراعات والحروب. كما تفتح الترجمة بأفقها الفكري وإستراتجيتها التواصلية الأمل في بناء التفاهم بين اللغات والثقافات وتجاوز الصعوبات والتحديات، قصد الحوار والتعاون والتعايش بين الثقافات.
1 - الترجمة وتلاقح اللغات
تتطور اللغة بالاستعمال المستمر في الحياة اليومية والتفاعل بين الأفراد والجماعات. وتؤدي سيرورة التداول المستمر إلى ظهور كلمات جديدة وإضافتها إلى المعجم. كما تنقرض كلمات أخرى نظرا لتراجع استعمالها. يتطلب ضرورة تحيين المعجم الجديد بشكل دوري حتى يتضمن الكلمات والمصطلحات الجديدة وحذف الكلمات التي لم تعد تستعمل في المجتمع. وهذا يبين البعد الاجتماعي للغة الذي يجعل تطورها وانتشارها مرتبطا بالاستعمال المستمر في مختلف المجالات والأنشطة العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
أيضا، تتطور اللغة بالترجمة حين تتفاعل وتتلاقح مع باقي لغات العالم، لنقل المعرفة العلمية والفلسفية والأدبية إلى لغة الأم. وذلك بتوسيع أفقها اللغوي لاستقبال واستيعاب المعرفة العالمية في الفكر والعلوم والأدب. كما تساعد الترجمة على تداول المعرفة العلمية والفكرية والتقنية بشكل سريع. تتيح إغناء اللغات المحلية بكلمات ومصطلحات جديدة تساهم في تطورها وتحقيق التلاقح بأفق فكري وعلمي.
هذا بالإضافة إلى تطوير معجمها وأساليبها وتركيبها اللغوي. يجعلها قادرة على مسايرة التطور العلمي والفكري والتكنولوجي. وذلك باعتماد الاجتهاد والإبداع في الترجمة يتيح بناء وإغناء اللغات، باعتبارها أداة للخطاب العلمي والفكري والأدبي. تمكن المتلقي من تلقي المعرفة من أجل تملكها واستعمالها وتطويرها. حين يقوم المترجم بالترجمة من لغة إلى أخرى، فهو يقوم بتفكيك وإعادة بناء هذه اللغة ولبنياتها التركيبية والدلالية بحثا عن المعنى الترجمي. كما يجعل المترجم من القراءة والفهم سبيلا للتفاعل والتلاقح بين لغة النص الأصلي ولغة النص الهدف. وذلك لتدبير التفاهم والاختلاف وطرح إمكانية المعالجة لغويا وثقافيا، باعتماد السياق اللغوي والثقافي لترجمة المعنى النصي بمختلف أبعاده. فيصبح النص خطابا حيا ينسج علاقة جدلية مع لغته وثقافته وواقعه الذي أنتجه ، بأبعاده الفكرية والثقافية والاجتماعية. وبذلك تتيح الترجمة انفتاح اللغات على بعضها، بمعاجمها ومصطلحاتها وتعابيرها المسكوكة والأمثال، بالرغم من اختلاف أنساقها ورؤيتها للعالم. حيث تصبح قادرة على اقتراح الحلول الترجمية، سواء بملء الفراغ الدلالي في المفاهيم والمضامين أو إبداع كلمات ومصطلحات جديدة في الترجمة العامة أو المتخصصة. تجعل من التلاقح اللغوي إثراء وتطويرا للغات والثقافات.
2 - الترجمة وتلاقح الثقافات
يتميز العالم المعاصربتعدد الثقافات واختلاف رؤية العالم وفق تطور كل لغة في سيرورتها التاريخية، وشكل تمثل الواقع في بنيتها اللغوية ورموزها الثقافية. وذلك يتطلب من المترجم الانفتاح على الثقافة بعاداتها وتقاليدها وتعبيراتها المختلفة. وعدم الاكتفاء بترجمة البنية اللغوية للنص التي لا تعكس، دائما البنية الدلالية العميقة التي تمتد من سياقه الداخلي إلى سياقه الثقافي، قصد الإلمام بمختلف الأبعاد التي تساهم في بناء المعنى الترجمي. ويتحقق تلاقح الثقافات بتدبير الاختلاف بين النص الأصلي والنص الهدف، لبناء المعنى. سواء تعلق الأمر بالأمثال أو التعبيرات المسكوكة التي تتطلب البحث عن ما يعادلها بين الثقافات لتحقيق التكافؤ اللغوي والثقافي. تجعل من الترجمة عملا ممكنا تساهم في تقريب الثقافات وتلاقحها في مجالات المعرفة والعلم والفكر والأدب.
في هذا السياق، يتحقق التلاقح الثقافي بالوعي بأهمية الترجمة لمعالجة الفجوة العلمية والتكنولوجية، قصد مواكبة العصر واللحاق بالدول المتقدمة. وذلك بالاجتهاد والإبداع الترجمي الذي يقود إلى تملك العلم والمعرفة، لتطوير المجتمع العلمي القادر على خلق نهضة فكرية، قصد إيجاد الحلول للأزمات المركبة التي يواجهها المجتمع المعاصر.
لقد أصبح المترجم اليوم فاعلا مهما، لتقريب الثقافات وتدبير التفاوض اللغوي والثقافي بشكل ضمني أو صريح، قصد خلق مساحات للتفاهم والتعاون بين الأفراد والمجتمعات والدول. وذلك بقدرته وخبرته على استيعاب السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية، لتحقيق التكافؤ الترجمي بين اللغات والثقافات. ويتحقق التلاقح الثقافي بالعمل على ترجمة الإنتاج الفكري للفلاسفة في مختلف الثقافات وترجمة الأعمال العلمية والأدبية والتقنية، لإغناء الثقافة الأصلية أو ثقافة الأم قصد تحقيق التطور والتقدم وتحفيز الهوية الثقافية على التطور وانفتاحها على العالم.
3 - الترجمة وتلاقح الثقافات في عصر التواصل الرقمي
ساهم التواصل الرقمي في تقريب الثقافات، باعتماد المنصات الرقمية في التفاعل الثقافي. بحيث أصبح المترجم قادرا على الاطلاع على الكتابات الفكرية والعلمية والأدبية العالمية والعمل على ترجمة المقالات والكتب التي ستغني الثقافة الأم، واستفادة القارئ المحلي منها بخلق نقاش علمي وفكري بناء. يساهم في تلاقح الأفكار وتفاعل أشكال المعرفة المختلفة. كما أصبحت الترجمة باستعمال الذكاء الاصطناعي أكثر سرعة لترجمة النصوص والوثائق في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية على حساب الذكاء البشري ورهاناته الثقافية والعلمية. بحيث أصبح المترجم يستعمل التقنيات الرقمية في عمله لمساعدته على إنجاز عمله الترجمي، مع الحفاظ على أخلاقيات النزاهة والأمانة للنص المصدر للحصول على النص الهدف. وذلك بمراجعة النص المترجم وإعادة صياغته بلغة صحيحة وسليمة بلمسة بشرية لا يمكن للتكنولوجيا الذكية إنجازها.
بالمقابل، تواجه الثقافات في العصر الرقمي إشكالية الهيمنة الثقافية ، نظرا لهيمنة اقتصادات الدول المتقدمة على اقصادات دول الجنوب. الشيء الذي يجعل التلاقح الثقافي والمثاقفة تسير بوتيرة غير متكافئة. تكون في صالح الثقافات القوية بمنجزاتها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية. تؤدي إلى تكريس التبعية الثقافية عوض التلاقح الثقافي المتكافئ مع الآخر. لكن بالرغم من ذلك، يتطلب هذا التفاعل والانفتاح على العالم الاهتمام بالترجمة كرافعة للنهضة الفكرية والعلمية، لتطوير منجزنا العلمي والثقافي، قصد تقليص الفجوة العلمية والتكنولوجية والمساهمة في تطوير المعرفة الإنسانية بشكل بناء ومنتج.
خاتمة
أصبحت الترجمة لغة كونية تتيح تلاقح اللغات والثقافات في عالم متعدد. يحتاج إلى التواصل والحوار قصد بناء عالم أخر ممكن، بعيدا عن الهيمنة الثقافية. كما أصبح المترجم، اليوم، فاعلا مهما لتقريب الثقافات وتدبير التفاوض اللغوي والثقافي بشكل ضمني أو صريح، قصد خلق مساحات للتفاهم والتعاون بين الأفراد والمجتمعات والدول. وذلك بقدرته وخبرته على استيعاب السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية، لتحقيق التكافؤ الترجمي بين اللغات والثقافات.
لقد أتاحت الترجمة انفتاح اللغات على بعضها، بمعاجمها ومصطلحاتها وتعابيرها المسكوكة والأمثال، بالرغم من اختلاف أنساقها ورؤيتها للعالم. حيث أصبحت قادرة على اقتراح الحلول الترجمية، سواء بملء الفراغ الدلالي في المفاهيم والمضامين أو إبداع كلمات ومصطلحات جديدة، سواء في الترجمة العامة أو المتخصصة. تجعل من التلاقح إثراء وتطويرا للغات والثقافات.كما يتحقق التلاقح الثقافي بالعمل على ترجمة الإنتاج الفكري للمفكرين في مختلف الثقافات وترجمة الأعمال العلمية والأدبية والتقنية، لإغناء الثقافة الأصلية أو ثقافة الأم، قصد تحقيق التطور والتقدم وتحفيز الهوية الثقافية على التطور وانفتاحها على العالم.
* أستاذ باحث في الترجمة بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية والأورومتوسطية والإيبروأمريكية،
جامعة محمد الخامس، الرباط