يسعى هذا المقال إلى سبر آليات الخطاب السينمائي وكيف يستطيع العمل على بناء تاريخ مضاد للتاريخ القائم الذي صنعه المستعمر. فهذا التاريخ المضاد لا يراد به إلا استعادة الهوية المسلوبة للمجتمع المغربي وعاداته وتقاليده، ومحاولة الجهر بها سينمائيًا في إطار نوع من التقابل البصري الذي يعطي قيمة لكل ما هو محلي ووطني.

السينما الديكولونيالية ومنحى تفكيك المتخيّل الاستعماري

أشرف الحساني

 

يطرح مفهوم السينما الديكولونيالية العديد من الأسئلة الفكرية المعلقة داخل الفيلموغرافيا العربية، ذلك أن النقد السينمائي المغربي لم يقرب جماليات السينما الديكولونيالية، فهو في مجمله ما يزال يعتبر أن وظيفة النقد السينمائي تجد خلاصها الوجودي في القراءة الفيلمية. مع العلم أن هذه الأخيرة هي مجرد جزء صغير من عمل الناقد السينمائي في المرحلة المعاصرة، إذ أصبحت القضايا والإشكالات متشابكة في ذهنية الناقد منذ الطفرة التكنولوجية التي اجتاحت عالم الصورة السينمائية، حيث أصبح الناقد مطالبًا بتجديد صنعته ومفاهيمه وأفكاره ومواقفه، من أجل مسايرة هذه التحولات الإبستمولوجية. لذلك فإن الممارسة النقدية العربية يحكمها منطق التقييم الذي يحوّل العملية النقدية إلى عبارة عن انطباعات تقرأ الفيلم بحسب أهواء الناقد، وليس انطلاقًا مما تطرحه الصور السينمائية من حمولات فكرية وما يقترحه أداء الممثلين وانسيابية الموسيقى التصويرية من آثار جمالية. فهذه العناصر الفنية لا تأتي إلا بشكل عرضي داخل الممارسة النقدية، بما يجعلها تغدو ضربًا من التعميم الذي يصبح بموجبه ما يُكتب عن فيلم قابلًا لأن يُطبّق على باقي الأفلام الأخرى.

لكن في مقابل ذلك، سعت العديد من التجارب النقدية إلى تجديد خطابها ومحاولة الاشتغال على قضايا ومفاهيم تتعلق بالصورة ومتخيلها، بعيدًا عن قراءات الأفلام و"تحليلها"، فأنتجت هذه الفئة القليلة مجموعة من الخطابات التي تشرّح بعض القضايا مثل الفلسفة والمدينة والجسد والمتخيل والمقدس وغيرها من المفاهيم الهامة التي تحتل ناصية كبيرة داخل الثقافة المغربية المعاصرة. بيد أن هذه المؤلفات، على أهميتها على مستوى الكم والكيف، ظلت حريصة على تحليل الموضوعات والقضايا وفق آلية تقوم على تفكيك "الجميل" في الصورة، أي إنها كتابة ظلت أمينة لمفاهيم النقد الفني والصناعة الثقافية، ولم تقرب مجال الفكر. لا نعني هنا بالفكر إسقاط مفاهيم فلسفية ومحاولة تسويغها لتتماشى مع سياقات فنية، رغبة من صاحبها في إعطاء بعض من العمق الفلسفي على خطابه النقدي، وإنما محاولة العمل على استنبات الفكر من داخل العمل السينمائي، حيث تصبح الكتابة من المنظور الدولوزي عبارة عن إبداع للمفاهيم وقدرة رهيبة على الدفع بالخطاب إلى أراضٍ غير مفكّر فيها.
هنا تصبح الكتابة النقدية عملية فكرية لا يُنظر لها باعتبارها وسيطًا بين الفيلم والجمهور، وإنما كخطوة منهجية تقوم على تفكيك المفاهيم واستشكال القضايا وتهشيم السياقات التاريخية وتحليلها، بغية تقديم خطاب نقدي متحرر من ربقة التجريد الشعري المستند في عمومه على مفاهيم كلاسيكية تمتح معينها من الريبرتوار الفلسفي للجمال، وتزج بنفسها داخل فضاء فكري أرحب، حيث يغدو الخطاب شكلًا من أشكال التفكير المضاد للفيلم وصناعته.
إن مقاربة المفهوم تفرض على الناقد استيعابًا دقيقًا للمراحل التاريخية التي يدور في فلكها الفيلم، وقدرة أصيلة على التفكير خارج براديغم الخطاب المكتوب، بل وسياحة طويلة في الفكر البشري، فهو موضوع فكري جدلي، لأن مقاربته لا تقف عند تحليل الصورة السينمائية، بل الخوض في ثنايا الخطاب المشكّل لهذه الصورة، كما أنه في نفس الوقت يحمل أنفاسًا أيديولوجية بالنسبة للمخرجين الذين برزوا بأفلامهم وتجاربهم السينمائية بعد استقلال المغرب عام 1956.

يبرز الوعي بشكل أقوى حيال السينما الديكولونيالية داخل المباحث التاريخية، حيث يشرع العديد من المؤرخين (الغربيين) في تحليل المنجز السينمائي الذي ظهر بعد المرحلة الكولونيالية، لكنهم لا يتعاملون معه كأفلام قابلة للمشاهدة بحكم ما تخلقه من متعة وترفيه، بل بوصفها أرشيفات سينمائية يتم الاعتماد عليها لكتابة التاريخ، وهو ما نسميه هنا بـ "سردية التاريخ المضاد". إن هذا الأرشيف السينمائي المغيب مغربيًا يمنح المؤرخ المعني بالفترة المعاصرة ملاذًا علميًا آمنًا للاحتماء به من قسوة غياب الوثائق التاريخية المتصلة بالتاريخ المعاصر والراهن، إذ يحوّل المؤرخ الأرشيف السينمائي إلى أفق فكري لكتابة تاريخ وطني يفكك الاستعمار ويمنح شرعية القول إلى المستعمَر. إن هذا الارتكاز على الصورة بدل الوثيقة في كتابة تاريخ وطني يعد بمثابة ثورة معرفية راهنت عليها مدرسة الحوليات مع لوسيان فيبر ومارك بلوك، وساهم في بلورتها المؤرخ الفرنسي مارك فيرو من خلال مؤلفاته النيّرة التي أعادت الاعتبار لبراديغم الصورة السينمائية وجعلتها تدخل مدارات البحث التاريخي وفق آليات مختلفة من الاشتغال.

يقول مارك فيرو: "الانطلاق من الصورة يعني ألا نرى فيها مجرد زخرفة للأشياء، مجرد تأكيد أو تكذيب لعلم آخر وهو المأثورات المكتوبة. اعتبار الصورة كما هي ولما هي عليه، وحتى إن لزم الأمر اللجوء لمعارف وعلوم أخرى لفهمهما بشكل أفضل. لقد أعاد المؤرخون بالفعل إلى موضعهم الشرعي المصادر ذات الجذور الشعبية المكتوبة أولًا، ثم غير المكتوبة فيما بعد، مثل الفولكلور والفنون والتقاليد الشعبية. تبقى ضرورة دراسة الفيلم لربطه بالعالم الذي ينتجه. إن الفيلم، سواء كان صورة حقيقية أو العكس، سواء كان مبنيًا على وثيقة أو خيال، سواء كان حبكة أصلية أو مبتكرة، هو أيضًا تأريخ". تنبثق السينما الديكولونيالية من ثنائية التاريخ والسينما ومن تفكيك السرديات الاستعمارية المهيمنة ونقدها، إذ يصعب تأمل المفهوم خارج هذا الإطار الفكري الذي يقرأ ويشاهد ويحلل السينما في خضم السياق التاريخي للمغرب، وذلك لأن خطابها مبني على سياق تاريخي بامتياز. كما أنها سينما تُصنع من داخل تجربة الشعوب المُستعمَرة وبنفسها، وهو أهم عنصر بالسينما الديكولونيالية.

هنا يتحول الحديث عن السينما الديكولونيالية إلى حديث عن السينما والتاريخ ومدى قدرة الفن السابع - في الدول المستعمَرة سابقًا- على بناء سردية تاريخية مناهضة للخطاب التاريخي الاستعماري. لذلك يرى لوسيان فيبر أن "التاريخ يُكتب بوثائق مدونة، هذا مؤكد، وعندما تتوافر، لكن أن يكتب ويجب أن يكتب من دون وثائق مدونة إن لم تتوافر. يكتب بالدهاء كله الذي يستطيع المؤرخ أن يوظفه ليصنع عسله إن افتقر إلى الأزهار المألوفة".

إن الخطاب الديكولونيالي يفكك التمثلات السياسية والفكرية والثقافية المترسبة في بنية اللاوعي في إطار نوع من "المثاقفة المفروضة" من لدن الاستعمار. هنا يصبح الخطاب السينمائي يسعى إلى بناء تاريخ مضاد للتاريخ القائم الذي صنعه المستعمر. فهذا التاريخ المضاد لا يراد به إلا استعادة الهوية المسلوبة للمجتمع المغربي وعاداته وتقاليده، ومحاولة الجهر بها سينمائيًا في إطار نوع من التقابل البصري الذي يعطي قيمة لكل ما هو محلي ووطني. ورغم البساطة التي تبدو عليها العملية، فإن الخطاب الديكولونيالي يظل في عمقه عبارة عن خطاب فكري يفكك الثقافة الغربية، وينزع عنها عباءة المركزية التي ترى في الغرب مركزًا لصناعة الحضارة وشكلًا من الوجود السياسي الذي يحرر الشعوب، ويجعلها تخرج من سياق التقليد صوب اعتناق الحداثة ومذاهبها.

أدركت التجارب السينمائية التي ظهرت بعد الاستقلال سلطة الخطاب الكولونيالي الذي ما زال آنذاك مترسبًا في بنية الخطاب البصري المغربي. لذلك حاولت أفلام من قبيل "السراب" (1979) لأحمد البوعناني، و"44 أو أسطورة الليل" (1981) لمومن السميحي، و"بامو" (1983) لإدريس المريني، و"وقائع سنين الجمر" (1975)، أن تنتقد الخطاب الاستعماري وأن تعمل على تفكيك بنياته وفق آليات متباينة من التخييل السينمائي. بيد أن السينما الديكولونيالية، على أهميتها الجمالية وعناصرها الفكرية، بدت وكأنها سينما أدت وظيفتها الأيديولوجية بعد استقلال المغرب، فتوقفت عن إنتاج خطاب وطني مناهض للاستعمار. ففي الوقت الذي طرد فيه المغرب الاستعمار الفرنسي، ظل الخطاب الكولونيالي متمركزًا في أشكال أخرى من الخطابات الثقافية والممارسات الاجتماعية، فكانت هذه الأفلام، بقدر ما تعمل على كتابة تاريخ وطني جديد، فإنها عملت بشكل قوي على تفكيك اليقينيات التي خلفها الاستعمار حول مفاهيم السيادة والحداثة والتحديث والتحرر.

 لذلك يصعب اليوم العثور على فيلم ينسجم خطابه مع تلك الأفلام، وهو أمر عادي لأن حساسية المخرج أو كاتب السيناريو تجاه الموضوع تتحكم فيها ميكانيزمات جمالية ودوافع فكرية تختلف من شخص إلى آخر. فهناك أفلام جديدة تطرق باب الاستعمار، لكنها لا تصل إلى الأصالة السينمائية التي تطالعنا داخل أفلام مغربية أنجزت بين 1970 و1985، ويحضر فيها المستعمر لا باعتباره إكسسوارًا أو عنصرًا مساعدًا على تمطيط الحكاية أو تخييل القصص، بل كضرورة وجودية تشكل المدخل الحقيقي لنقد الآخر، ولبناء خطاب سينمائي وطني مختلف.

 

عن (ضفة ثالثة)