لا!
يتثاقلُ خَطوي، ويرتخي جذعي، فيرسلُ رسائلَ للجدار، يستندُ عليه. قدمي المتحجرة قطعت مسافة لا بأسَ بها نحو الكرسي المقابل لمكتبي. أقلب في الرزنامة، لقد مرَّ الكثيرُ من الوقتِ ولم ينزعْ أحدٌ عنها ورقةً، سبع ليالٍ لم يمسسها بشرٌ. كانت وعكتي الصحية من ذاك النوع الثقيل، لم أنتحرْ، لم يدُس لي أحدهم السُّم، لم أفقد وعيي إثر حادثٍ ما، فقط أكلتُ لحمَ حمار، هذا كلُ شيء، أخبروني أن هذا الحمارَ يستحقُ أن يؤكل، ثمةَ حمارٌ يختلفُ عن أخيه الحمار.
حين هاتفني رئيس التحرير أخبرني أن أكثر من خمسين رأس حمارٍ مقطوعة ممددة على إحدى الطرق المهجورة، ذهبتُ، كان الدود قد نخَر عظامها، رأيتها تستلقي على طُنفُسةٍ مهترئة، لحق بمخيلتي تساؤل: لماذا الحمار ولا سواه؟! عدتُ عن شرودي بغتة على صوت نهيق، ظننته يبكي، أو ربما هكذا خُيِّل إليّ.
نهار هذا اليوم شديد التلكؤ، أردتُ النزوح إلى القرية المجاورة المشكوك في أمرِها، لم تتوافر أيّ وسيلة مواصلات لسبرِ أغوارها سوى أن أمتطي ظهر حمار، بيد أنه في منتصف الطريق أنهكه التعب، فترفقتُ به، وأخذنا قسطًا من الراحة.
- قال الحمار: إن أخي الحمار مات بعد أن قال كلمة لا..
- كيف؟..
- نأكلُ قليلًا، ننامُ قليلًا، لا نستريح، ومن يقولُ "لا" تجزُّ رقبته، ويأكلُ البشر لحمه على أنه لحمُ بقرٍ شهي، فنحنُ - معشر الحمير- كائناتٌ صدئة، نموتُ بغيرِ طقوسٍ جنائزية، لا بكاء، لا حزن يُخيمُ على مساءِ أحدنا، لا إناث تولولُ عند الصباح، وكان أخي الحمار زعيمًا بين قطيعِ الحمير، رَحبَ المَباءة، خطبَ في جمعنا بأنه سيقولُ لا غدًا عندَ شروقِ الشمس، وأنه لا يرنو لشيء سوى أن يتكئ علينا فنكون له من الساندين، فلما كانَ الصباح مضى في طريقه زاعقًا "سأقولُ لا، سأقولُ لا"، مشى وحيدًا لا يرافقه سوى صوتُه الأجشُ، وظله، لقد قال لا واجتُزّت رقبته، بينما نحنُ - قطيعَ الحمير- متفرجون..
_ أنا سأقولُ لا.. قلتُ مقاطعة
_ وأنا أيضًا سأقولُ لا..
أكملنا المسير، ثم استردوا الحمار عندَ بابِ الباحةِٰ العظيمة تلك التي تُجزّ فيها رؤسُ الحمير، دلفتُ للمضايفة، قلتُ لسيدهم:
- لا يعجبني أمرُ الحمار..
- من عاداتنا لا نتناقش إلا بعد الاستضافة، الاستضافة أولا يا آنستي.
قدموا لي وجبة لحمٍ فاخرة، أغرتني لتناولها، كما أنستني العقد الشفهي الذي أبرمته مع الحمار على قول كلمة لا، تناولتُ الطبق فبدأ بطني يتلوى، تماسكتُ وطلبتُ الحمار حتى أعودُ مجددًا إلى مدينتي، فأتوا بحمارٍ شبه الحمارِ الذي كان.
- قلت: أريد الحمار ذاته..
- قالوا: لقد مات..
- قلتُ: كيف هذا؟!..
- قالوا: لأنه قال لا..
***
بلا وجه
اعتاد زوجها أن يطلبني في الصباح؛ حتى يصير بمزاجٍ رائق، وأزوّده بالسعادة التي يريد، كم كنت أحب لهفته عليّ بينما يرى وجهي ماثلًا أمامه، وأشاركه جلسات الرسم، جلسات التفكير، جلسات الفراغ، أرمقه يحدق في اللا شيء، وحدي شاركته تلك الأوقات. ولأنه فنانٌ يميل إلى تكعيبِ الأشياء، يرسم الأوجه بزوايا حادة، الأنوف مثلثة، والأعين مربعة، لا يضع لونًا في الخلفية، يرى أن الخلفية ذات اللون كاذبة لا تشبه الحقيقة، لم أكُ أفهمه تمامًا، رأًسه اليابس معبَّأ بالكثيرِ من الأفكار الجامدة، تدريجيًا بدأت تتقلَّص لديه مرونةُ التشكيل، لتصيرَ اللوحةُ جلها مجموعةً من الزوايا المترامية الأطراف، لا تلبث وأن تجمع بعينيك شكلًا حتى يتداخلَ مع شكلٍ آخرَ، فتكون اللوحةُ أوَّل الأمر لوجهٍ تعِس أظنه لامرأة، وبعد قليل ألمحُ غزالةً تركضُ بحيوية، كم تمنيت أن يعطي مساحة دائرية لتلك الخطوط، المنحنيات أحيانًا مبهجة، قلت له بصوتٍ خافت: - الشمس دائرية، البحر أمواجه غير منتظمة، الخطوطُ الحادةُ مساحتُها ضيقةٌ يا سيدي، يا سيدي ألا تسمعني !.. أبدًا لم يعِرني انتباهًا، كما لو لم أكنْ هنا، أنزعجُ كثيرًا، فأمدُّ بصري نحو زوجته لأجدها أيضًا منزعجة، هذه المرة الأولى التي تشاركني شعورًا واحدًا، في العادة لسنا على وفاق، أظنها بائسة، مرة دلقتني على فخذيه، فاحترق، صار يصيحُ بوجهها صيحاتٍ وعرة، فتطوف بالبيت كله ذهابًا وإيابًا بحثًا عن مرهمٍ لتلطيف الجلد، الارتباك يفقدها بعض إدراكها، فتنسى أماكنَ الأشياء، ويزيدُ هو في زعقاته وصياحه. مجددًا شردتْ قليلًا، فسقط وجهي بداخلي، اختلط بالنسيج البني، صرتُ بغير كُنه، ضاعت ملامحي المعتادة، ارتجفت كفاها وهي تقدمني لزوجها بوجهٍ ساقط، وما إن فعلتْها حتى سقطتُ رغمًا عنها فوق الطاولة، فسالت فحواي ما بين المنضدة ورجل الكرسي، أنطلقُ في مسيري نحو الأسفل متدفقًا، لا أحد يشعر بي، فقط السيدة ذاتها اهتمت لأمري، مسحت وجهي بمنديل، أزالتني تمامًا، كمن لم يكن، تساءلت: أين أنا، أين أثري؟ أنا لا وجود لي.. نشيجها المكتومة أومأت لي بأن أربّت على كتفيها، لكني لا أستطيع، كل ما فات قد ينسى، سوى فعلتها هذه الليلة، كسرتني، حطمت ما تبقَّى مني، وأودت ببقايايَ في سلة المهملات، يجاورني الآن فنجانٌ آخر من القهوة، حالته أيضًا خطرة، المسكين تناثر كحبات السكر، لملموه من كافة أنحاء الغرفة، لقد سمعت صاحبة المنزل تتحدَّث إلى عرافة تقرأ الفنجان، وتلح في طلبها لقراءة فنجان زوجها. قالت العرافة: ثمة خطان متعرّجان في أقصى يسار الفنجان، ازدادا تقاربًا في الآونة الأخيرة.. - وماذا أيضًا؟.. - أعتقد أ نـ ـهـ ـمـ ـا.. - أنهما ماذا ؟.. - قد صارا متلاصقين.. - ها وماذا بعد؟.. - لقد تزوَّج زوجك.. قالتها العرافةُ ثم ما لبثت تستأنف الحديثَ حتى باغتتها برمي الفنجانين على الأرض، الأمر الذي أدَّى إلى تهشمي تمامًا. أما الفنان فلم ينزعج لكسري، كل ما أثار سخطَه الضجيجُ الناتجُ عن هذا الكسر، وفي ثباتٍ عجيب أمر الخادمة ألا تلقي جميع أجزائي في حاوية المهملات، قسمني نصفين، نصفًا مهملًا وحيدًا يجاور فناجين عديدة متكسرة، ونصفًا آخر أتى به وكوَّمه بطريقةٍ احترافية، وكعادته في الرسم رسمني هذه المرة بخطوط وزوايا حادة. كادت تجرحه تلك الخطوطُ لفرطِ قسوته لا قسوتها.