تتتبع هذه القصة للقاص الليبي في سردها العفوي الدقيق وتفاصيلها الدالة مختلف تجليات الجدب والجفاف في الصحراء / الحياة الليبية، أم تراها في الحياة اليومية للإنسان عامة.

كان يمكن للسماء أن تمطر

محمد العريشية

كان يمكن للسماء أن تمطر.. لكنها لم تفعل، لم يكن العجوز راضيا عن رؤية السماء شاحبة مغطاة بقشرة كالرماد، بيد أنه تقبل الأمر على مضض. فإذا كان ما تصبو إليه الأرض نزرا يسيرا من المطر، فما يصبو إليه هو أن يستبدل فؤوسه ومحراثه عديم الفائدة بصواعق تنزل حانقة لها ضوضاء وجلبة على مساحة الأرض الخشنة التي أماتتها الشمس وحولتها إلى حجارة، فتنبشها.. تخددها.. تحفرها.. وتجعل عاليها سافلها. الشتاء قارص، تساعده الرياح على نفث سمه صباح مساء لغزو المفاصل والظهور المنحنية. كانت القرية مقفرة لا أحد أو شيء يتحرك. نهض العجوز، واستمر بالمشي قليلا، حتى وصل شجرة أثل. مد ّ بصره بعيدا. الأرض المخددة تكسوها الحجارة، واكوام من شجيرات رتم يابسة، ضرب يديه بحسرة وعاد إلى حيث كان يجلس، تدثر بعباءته، فتح كفيه إزاء حفرة النار وتمتم مغمض العينين:

إنه الجفاف، غمر كل شيء، حتى الأرض اكتسبت سحنته، وأثخنها بجراح مفتوحة الشفاه. لا شك أن المطر ماتت أو أنها رحلت إلى مكان ما، دون أن تخبر أحدا بذلك، ودون أن تلقي قطرتها الآخيرة على الأرض. أين الأعشاب؟ إنها لا ترى على مسيرة يوم، أنظري إلى نباتات القرضاب الهزيلة أو تلك العوسجة الشاحبة، لقد ارتشف الجفاف نسغها حتى الجذور، ولا تخدعك وريقاتها المصفرة إنها تحتضر، لا يمكنك أن تلمحي أي أثر للحياة، حتى الغبار لم تذكره الرياح.

اتكأ على مرفقه. نظر إلى الصخرة النائمة جواره وقال:

ـ سوف يجفّ صمتك أنت الآخرى، كم عمرك الآن؟ خمسين؟ ستين؟ أنت في مثل عمري لكني أكبرك بفاجعة ورغبة في البكاء ليلا. الحياة مقرفة أليست كذلك؟ مرة رأيت امرأة في "سرت" ينبت في وجهها شعر، لم تدمي كرامتها نظرتي، إنما ابتسمت بكبرياء، ربما أدركت بحسها الأنثوي أني في أحوج ما أكون إلى من يسندني بابتسامة، مشيت خلفها، توقفت، نظرت إليّ طويلا وقالت أخيرا:

ـ وسمت وجهي الحياة بعلامة لا تمحى، البعض يعتبرها عاهة، وأنت ماذا ستقول؟ يبدو أن الكلام يملأ رئتيك أكثر من الهواء.

وضع يده على الصخرة، داعبها برؤوس أصابعه قليلا ثم قال وقد تغضن وجهه:

ـ لم أنبس بكلمة، ربما لأن عاهتها ظاهرة وعاهتي مستترة، تحجر الكلام في حنجرتي ولم استطع أن أخبرها. لكني تزوجتها فيما بعد. نعم، لقد تزوجتها، وكانت روحها جميلة كالصبر. الحياة قاسية في القرى والقروي ما أن يفطم حتى يزدرد نصيبه من الكآبة والتجهم الإ أنها تمكنت من زرع شتلة البهجة في نفسي، والمؤسف أنها ماتت عندما حملوا ابننا الوحيد للحرب، انفطر قلبها.

زحف بكاؤه دون دموع. ولا يُُسمع للريح لا لهاث ولا صفير. كانت الشمس قد غربت وما يزال العجوز طريح الصمت وذاكرته المدماة. أدخل ذراعيه في عباءته وقال بصوت متهدج:

ـ يتهمونني بالثرثرة. ولو يصغون إليّ الأن وأنا أبث شكواي إلى صخرة، لن تنبت السخرية في وجوههم، لكنهم سيقولون عني أنني مجنون. لقد شحذ موته أعصابي حتى انهارت واتلفها الحزن، وما عدت أكترث بما يقولونه عني، كيف يمكنني أن انسى؟ إنه ابني، وحيدي، أملي.

سكت برهة. مسح وجهه بيده وما لبث أن تابع:

ـ لأبد أن ملامحه قد أختفت الآن وصارت ترابا، إن عشر سنوات كفيلة بأن تختفي "أبّشا" نفسها، ما يحزنني أنه لم يذهب إليها بمحض ارادته، لقد تربصا به لأيام غير أنه لم يغادر البيت، لكن في ذلك اليوم المشؤوم يبدو أنهما قاما بإخفاء العربة هناك خلف شجرة الأثل الكبيرة، وما أن ظهر قرب حضيرة الغنم حاملا إبالة التبن حتى ظهرا، لمحتهما بينما كنت أتهيأ للركوع ولست أعرف إن كنت أتممت صلاة الصبح أم لا. حاول الركض بعيدا لكن حين رآني أتوجه نحوهما توقف. إنه ذئب وطالما نصب الفخاخ للذئاب وتمكن منها، الإ أنه القدر..

التقط عودا وضعه بين أسنانه وظل يعضه ساهما مصوبا بصره نحو الشمس وهي تنحدر إلى أسفل ببطء وعندما اختفت قال:

ـ صرخت بعصبية وأمرتهما بالعودة، تجاهلا صراخي، فصرخت مرة آخرى وحاولت اعتراضهما فركلني أحدهما بعنف، حذرته بأني لن أسكت على هذه التصرفات المشينة. لكنه كاد أن يقتلني. حينذاك نشب عراك بين ابني والعسكري الآخر. بدأت زوجتي بالصراخ وحاولت فصلهما بحثو التراب على وجه العسكري، الإ أن ابني أمسك بخناقه، ووضع أصابعه في رقبته فبدأ بالصراخ. لكن لا أعرف كيف حدث ذلك، فقد انشقت الأرض فجأة عن خمسة آخرين، يبدو أنهم كانوا مختبئين في عربتهم أمسكوا به وحملوه، وفي اللحظة التي تحركت فيها العربة تهاوت زوجتي كحجارة على الأرض.

حرك الجمر بعود وأخرج جمرة تصدر دخانا دفنها في التراب وقال:

ـ ما يقلقني أنني أصبحت وحيدا. فقدت زوجتي وإبني بسبب حماقات. نعم، بسبب حماقات لا مبرر لها. وما يقلقني أيضا أن السماء لم تمطر، ولا يوجد طوال هذه السنوات ما يسترعي الانتباه أو الرؤية، حتى الهواء يخيل إليّ أحيانا أن لونه كاخيا، لقد اكتسب لون العربة التي حملته للحرب.. 


كاتب ليبي
sefarune@hotmail.com