تقدم الباحثة الثقافية في جامعة هومبولت- ببرلين هذه القراءة لرواية أحد أبناء المهجر اللبناني (الفرنسي)، والتي تدور في المجتمع الفرنسي، حيث تتيح مجلة الكلمة لقارئها، صورة لحياة العربي في العالم الغربي، وكأنها تعيد" موسم الهجرة إلى الشمال" و"عصفور من الشرق" و"الحى اللاتيني"، التي كانت الضوء الجاذب للقارئ في النصف الأول من القرن الماضي.

السرد البيئي كأداة نقد ومقاومة

في رواية «غابة» لسمير يوسف

أماني الصـيـفي

 

ماذا يبقى للجمال حين يصطدم بجبروت رأس المال؟ وهل يظل مجرد مظهر خارجي، أم يتغلغل في نسيج العلاقات الإنسانية والقيم الاجتماعية؟ ثم ماذا يعني أن نعيش في عصر "ديجتال" تحكمه الشاشات والخوارزميات؟ هذه الأسئلة تُشكّل جوهر رواية غابة للكاتب اللبناني سمير يوسف، الصادرة عام 2025 عن دار هاشيت أنطوان في 156 صفحة.

تدور أحداث  هذه  الرواية الواقعية في قرية فرنسية صغيرة تدعى "ميتسا"، حيث تتصادم قيم الجمال مع استغلال التجارة عبر مشروع استثماري يهدف إلى تحويل البلدة إلى مركز تكنولوجي يضاهي "وادي السيليكون"، مما يهدد الغابة التاريخية للمنطقة. من هذا الصدام تنطلق الرواية، لتربط بين البيئة والطبيعة من ناحية، والقيم الإنسانية والاجتماعية في المجتمع المعاصر من ناحية أخرى، في بناء سردي متكامل.

في قلب هذا الصراع نتعرّف إلى توماس، رئيس البلدية المرتبط بأرضه بروابط عاطفية ووجودية، وإلى آري، الناشطة البيئية الشابة التي توظّف وسائل التواصل الاجتماعي لكشف مخاطر المشروع. وفي المقابل، يقف فريق يرى في المشروع فرصة لتطوير المنطقة وتنميتها، بينما يجد آخرون مثل ماكس وإيلينا أنفسهم على حافة التردّد، بين إغراءات خطاب التنمية ومخاوف فقدان الجمال.  فهل ستبقى الغابة مجرد مساحة طبيعية مهدَّدة، أم ستغدو مرآة تكشف التوتر العميق بين القيم والرؤى في المجتمع المعاصر، وما يطرأ على العلاقات الاجتماعية من تحوّلات في ظل هذا السياق الاقتصادي والسياسي؟

الغابة كرمز للصراع حول الهوية معنى التطور:
الغابة ليست مجرد مساحة طبيعية، بل هي رمز للذاكرة والهوية والانتماء. بالنسبة إلى توماس، الغابة تمثل الأرض التي دُفن فيها والده، وهي أيضًا آخر مساحة للجمال النقي الذي لم تلوثه يد الرأسمالية. حين يسأل المدافعين عن المشروع الاستثماري: "علّش أهلنا في هذه الجبال وهذا الوادي قروناً، بنيت فيها قرى وخربت وتهدمت، ولد فيها أطفال وكبروا وشاخوا وماتوا ودفنوا فوق "( يوسف 27)، فهو لا يتحدث عن ملكية، بل عن جسد جماعي تحمله الأرض، عن ذاكرة حية تتجسد في كل حجر وشجرة.

في المقابل، يعكس المشروع الاستثماري تحالفًا بين رأس المال والسياسة، يُقدَّم باسم "التنمية" و"خلق فرص العمل"، لكنه يهدف في جوهره إلى تحويل الطبيعة إلى سلعة. وهذا الصراع يتجلى في خطاب توماس، حين يخاطب صديقته إيلينا متسائلًا: "إنه لأمر عظيم أن نكون وصلنا إلى هذه التكنولوجيا الذكية والصغيرة... لكن أين الجمال في هذه العلبة؟ ألا يخيفك اندثار الجمال؟" ( يوسف14). ويشير السرد إلى أن هذه الآلية تبدأ وتتجذ في تحديد اختيارات الفرد المعاصر وسلوكه منذ مراحل مبكرة، ما يجعلها تبدو طبيعية كما ترد  إيلينا: "هناك معايير جمالية فرضها العالم الاقتصادي، وأنت قادر على رؤية الجمال الأصيل خارج ذلك، لكن غيرك لا يراه، لأن نظرته عُلّبَت سابقًا. لأنه خرج من  بطن أمه أعطوه هاتفا او وضعوه في  تيك توك!"( يوسف 71).

من خلال  هذا الحوار بين توماس المدافع عن قيم الجمال ومن حوله، يسلط السرد الضوء كذلك على تأثير النزعة الاستهلاكية في تشكيل مفاهيم الجمال والتنوع والفردانية حتى في المجتمعات "الديمقراطية" المعاصرة . يصور النص واقعاً يفقد فيه كل شيء فرادته: "الهواتف تنتشابه، السيارات تنتشابه، الألبسة تنتشابه، الفيديوهات على وسائل التواصل تنتشابه، النساء يتشابهن، حتى القطط تنتشابه"( يوسف 71). هذا التشخيص يلخص أزمة الرأسمالية الحديثة في خلقها عالماً متجانساً يقضي على الاختلاف ويستبدل التنوع بالتنميط، مما يؤدي إلى تآكل الحس الجمالي وإضعاف قدرة الأفراد على تبني ما يخرج عن المعايير السائدة.

تتجلى هذه المفارقة في مشهد مؤثر حين يرى توماس أبواب الإسكافي والنجار وبائعة الزهور ومصلح الساعات مفتوحة، فيغمره شعور بأن الجمال ما يزال حاضراً في التفاصيل الصغيرة: خشب النوافذ الملون، روائح الخبز الساخن، ومذاق الجبن والحبق والصنوبر في لقمة واحدة تعيد إليه إحساس الانتماء. لكن هذا الجمال، كما تشير السيدة العجوز لتوماس بسخرية مؤلمة، مهدد بالزوال أمام أجيال الشباب التي تستهويها الوجبات السريعة المتشابهة، والتي تصفها العجوز بـ"الأعلاف الجاهزة في ماكدونالد" ( يوسف 88)، في تلميح صارخ إلى خطر استبدال الروائح والنكهات الأصيلة بالمعايير الصناعية المكررة وما يترتب على ذلك من تآكل للحس الجمالي والتميز الفردي. هذا المشهد لا يكتفي برسم صورة نوستالجية للماضي، بل يكشف التناقض بين جمال التفرد وتنميط الاستهلاك المعاصر، مؤكداً أن الرأسمالية لا تفرغ الطبيعة من معناها فحسب، بل تجرد العلاقات الاجتماعية من فرادتها وحميميتها.

الإنسان الفارس والمفترس: أبعاد الصراع الوجودي:
يغوص السرد في أعماق كينونة الإنسان الحديث، مستعيدًا ثنائية "الإنسان الفارس" و"الإنسان المفترس" كما صاغها المفكر التونسي منصف المرزوقي، في إطار نقده لتعامل الإنسان غير المسؤول مع بيئته وللهيمنة المتزايدة للشركات الاقتصادية الكبرى. يمكن تعريف الإنسان المفترس بأنه الإنسان الذي يمارس العنف والقسوة لتحقيق مصالحه الخاصة، مستندًا إلى غريزة السيطرة والهيمنة على الآخرين، كما يشير الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبر: "إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان". لكن هذا المفترس لا ينجح إلا بوجود الإنسان "الفريسة"، أي الشخص الخانع الذي يرضى بالقهر ويعيش على الفتات دون احتجاج. في المقابل، هناك نموذج الإنسان "الفارس"، وهو الشخص الذي يمتثل للقيم والأخلاق الحميدة، ويسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية والإخاء، ليصبح بذلك قوة موازنة للإنسان المفترس، ومدافعًا عن المبادئ الإنسانية والطبيعة والكرامة.( المرزوقي 2022).

في هذا السياق، تجسد رواية غابة شخصية توماس بوصفه نموذجًا للإنسان الفارس: حامي المكان وروحه، والمدافع عن إرثه الطبيعي والإنساني برؤية متوازنة، بينما يظهر أنصار المشروع كمثال على الإنسان المفترس الذي يضع الربح فوق أي قيمة أخرى. وهكذا يتّسع الصراع في الرواية من نقاش بيئي إلى بعد أخلاقي ووجودي، يربط بين عنف الإنسان تجاه الطبيعة وعنفه تجاه الإنسان نفسه. ومع ذلك وأمام شبكة معقّدة تهيمن عليها قيم السوق وسلطة المال، ووسط غياب الدعم المؤسسي، يلجأ توماس إلى العنف كفعل يائس بعد فقدان الثقة بالمؤسسات. هنا يطرح النص سؤالًا صادمًا:
أحقًا يصبح العنف وسيلة مبرّرة حين تفشل المؤسسات في حماية ما هو ثمين؟

ويتعمّق هذا السؤال حين نقرأ تحذير المرزوقي: "الحرية بدون كوابح أخلاقية وضوابط قانونية هي السم وليس الدسم" ( مرزوقي  (24 ، مشيرًا إلى حرية الشركات الكبرى في استغلال الموارد وفرض مصالحها على البيئة والمجتمع، لا الحرية الفردية العامة. وهكذا يصبح تصريح توماس: "سلطة عود ثقاب بحجم إبرة تفوق في هذه اللحظات سلطة مئة محكمة ومئة محامٍ وقاضٍ" تعبيرًا عن عجز الفرد أمام القوى الاقتصادية الضخمة، ورمزًا للتوتر الأخلاقي بين الدفاع عن القيم واللجوء إلى القوة في غياب العدالة. وبذلك تتحوّل الرواية إلى تأمل نقدي في حدود الفرد أمام الرأسمالية، متسائلة:
هل يمكن لغابة الحياة أن تصمد أمام آلة الرأسمالية الجشعة؟
الجواب ممكن، إذا تحوّل الإيمان بها إلى فعل جماعي، سياسي وإعلامي.

التكنولوجيا بين التمكين والاقصاء
تتجلى شخصية آري في الرواية كرمز للناشطة البيئية التي توظف الإعلام الرقمي للتوعية والمناصرة، لتصبح صوتًا مقاومًا في مواجهة تحالف رأس المال والسياسة. لكنها في المقابل تتعرض لحملات تشويه وتهديدات مباشرة عبر الفيسبوك والبريد، كما يظهر في رسالة أحد المعارضين، حيث يروي النص: "تفتح صندوق البريد بعد أيام من تلقيها رسالة تهديد في فايسبوك، لم تنسها أبدًا، فتجد رسالةً ثانية تستكملها، مكتوبة بخط اليد هذه المرة: أعرفك جيدًا أيتها العاهرة. أعرف لون الصدرية التي تلبسين. أعرف جامعتك والصف الذي تُتابعين فيه دروسك... سأقطع لسانك يا قحبة". وختمت الرسالة بتوقيع صاحبها الشفرة" (يوسف 52).

لا تحضر آري في السرد كامرأة تختلف في الرأي فحسب، بل كامرأة تواجه العنف الرقمي المباشر عبر الرسائل المسيئة والفيديوهات الإباحية المفبركة المصممة لإسكاتها. ويكشف النص بذلك أحد أخطر ملامح واقعنا الرقمي المعاصر: فالتكنولوجيا التي نلجأ إليها للتواصل ونشر الوعي يمكن أن تتحول بسهولة إلى أداة للضغط والمراقبة، خاصة حين تُستغل من قبل جهات سياسية أو اقتصادية نافذة، لتصبح شبكات الاتصال وسيلة للسيطرة على الأصوات المعارضة. وهكذا ترسم الرواية صورة قريبة من حياتنا اليومية، وتوضح أن الفضاء الإلكتروني ليس ساحة مثالية لحرية التعبير والديمقراطية، بل ميدانًا تتقاطع فيه إمكانات الصوت الحر مع أدوات الرقابة والمنع.

ويواصل السرد هذا الخط من خلال تصوير رد الفعل المؤسساتي تجاه التهديدات الرقمية، حيث تبدو الجهات الرسمية عاجزة، كما يتضح في حوار الشرطي مع آري: "أليس عندكم على الأقل موظف لمتابعة الجرائم السيبرانية في هذا المخفر؟» فيرد الشرطي: "لسنا مجهزين لمكافحة الجرائم السيبرانية. نمضي وقتنا في فضّ مشاكل بين قرويين يختلفون على صياح الديَكة" ( يوسف 53-54). تكشف هذه المفارقة بطء مؤسسات الدولة في مواجهة التكنولوجيا مقارنة بسرعة وفاعلية الشركات الكبرى، ما يزيد شعور الفرد بالعجز أمام هذه القوى الاقتصادية الضخمة. كما يعزز هذا المشهد البعد النقدي في الرواية، متماشيًا مع دعوة المرزوقي إلى عودة قوية للدولة كضامن لتحجيم استغلال الشركات الرأسمالية الكبرى ، ضمن إطار ديمقراطي يكفل الكرامة والعدالة للجميع.( المرزوقي 2022)

من السياق الأوروبي إلى العالمي: غابة كمرآة كونية
رغم أن الرواية تتخذ من قرية فرنسية مسرحاً لأحداثها، إلا أن أزمتها تتخطى الحدود الجغرافية. يشهد الواقع العربي والعالمي تقلصاً مقلقاً للمساحات الخضراء؛ فبحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة، يفقد العالم سنوياً نحو ٤.١٢ مليون هكتار من الغابات بين ٢٠١٥ و ٢٠٢٥. على المستوى العربي، خسرت دول مثل لبنان والمغرب عشرات آلاف الهكتارات من غطائها الشجري بين ٢٠٠١ و ٢٠٢٢. أما على الصعيد الكوكبي، فقد بلغ صافي خسارة الغابات بين ١٩٩٠ و ٢٠٢٠ حوالي ١٧٨ مليون هكتار. هذا التدهور البيئي لا يعني مجرد فقدان للمناظر الطبيعية، بل خسارة للهوية والتنوع البيولوجي وقدرة المجتمعات على مواجهة التغير المناخي. وفي خضم هذه الأزمة، يواجه الإعلام البيئي العربي تحديات إضافية، من بينها التهميش ووصفه بـ"غير المربح"، إلى جانب شبكات المصالح والفساد التي تدعم اقتصاد الربح السريع على حساب البيئة. هذا السياق يجعل "غابة" رواية تتجاوز حدودها الجغرافية، لتصبح مرآة لأزمة عالمية تطال الإنسان والبيئة في آن.

كما أن حضور القضايا البيئية في الرواية يذكّر بموروث عريق في الثقافة العربية. فقد كان الجاحظ في كتابه "الحيوان" من أوائل من أشاروا إلى تشابك الإنسان والطبيعة. وفي الأدب الأندلسي يتجلى حضور الطبيعة باعتبارها مصدرًا للجمال والمعنى. ويشير الباحث محمد عبد الله سرحان في كتابه "الرواية العربية: دراسة نقدية إيكولوجية" إلى أن الأدب العربي سبق في وعيه البيئي ظهور المصطلح الإيكولوجي نفسه في الغرب، ما يمنح الرواية جذورًا أعمق في التراث.

نحو مشروع نقدي متجدد: إعادة تخيل العلاقة مع العالم
لا تظل الأزمة في "غابة" مجرد أزمة بيئية، بل تتحوّل إلى قراءة أنثروبولوجية لإنسان فقد علاقته العضوية بالعالم. من خلال شخصياتها المتعددة، تكشف الرواية هشاشة الإنسان المعاصر أمام قيم السوق، لكنها في الوقت نفسه تفتح أفقًا للمقاومة. إذ يتحول الجمال إلى قيمة وجودية، وإلى فعل يومي يحمي العالم من التنميط ويفتح المجال أمام التعددية والحرية.

وبهذا تنتمي غابة إلى تيار أدبي حديث يجعل البيئة في صلب مشروعه النقدي. فالغابة هنا ليست مجرد مساحة طبيعية، بل هي نسيج من العلاقات وذاكرة حية وقوة مقاومة. وفي زمن يتهدد فيه النموذج الرأسمالي التقني كل معنى، تأتي الرواية لتذكّرنا بأن الإنسان، كما يقول المرزوقي، هو "المشكلة والأمل الوحيد". فالحفاظ على الغابة ليس مجرد مهمة بيئية، بل قضية إنسانية جوهرية تتعلق بحفظ الجمال، والاختلاف، والتنوع. وتبرز الرواية كمرآة للفكر النقدي، تؤكد أن الفن والأدب قادران على إشعال وعي حقيقي، وإعادة تخيّل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبينه وبيئته الاجتماعية، خصوصًا في عالم يهيمن عليه الاستهلاك والتكنولوجيا، حيث تصبح مقاومة التجانس الثقافي والاجتماعي فعلًا ضروريًا للحفاظ على إنسانيتنا.

 

المصادر:

المرزوقي، منصف. المراجعات والبدائل: أي أسس لفكر سياسي مجدّد؟ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022.

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO). 2025. Global Forest Resources Assessment 2025: Forests and sustainable development. متاح على: https://www.fao.org/newsroom/detail/global-deforestation-slows--but-forests-remain-under-pressure--fao-report-shows/en

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO). 2020. Global Forest Resources Assessment 2020. متاح على: https://www.fao.org/interactive/forest-resources-assessment/2020/en

Global Forest Watch (GFW). بيانات عن خسارة الغطاء الشجري في لبنان والمغرب. متاح على: https://www.globalforestwatch.org/dashboards/country/LBN/

يوسف، سمير. غابة. بيروت: دار هاشيت أنطوان، 2025