فى الثامن عشر من فبراير القادم، يكون الضابط والروائى يوسف السباعى قد مر على إغتياله من قبل بعض العناصر الفلسطينية ما يقرب من النصف قرن على تلك الواقعة. إلا أن بعض تلك العناصر تُصر على الإساءة للقضية الفلسطينية، فقد آثر الكاتب المصرى أن يقدم هذه القراءة لإحدى رواياته، ولمشروعه الكتابى، فى هذا العدد.

وجفت الدموع .. يوسف السباعى

شوقي عبدالحميد يحيى

 

فى رواية "إنى راحلة" والتى كتبها يوسف السباعى فى العام 1948, لتخرج للنور 1950، أى بعد نكبة فلسطين فى العام 1948، وقبل أن تقع أحداث يوليو 1952 بمصر. كتب يوسف السباعى (17 يونيو 1917- 18 فبراير 1078) الرواية المستغرقة فى الرومانسية، ليقرأها القارئ، ويبكى على بطلتها، التى نافس بها السباعى إحسان عبد القدوس، فى كتابة الرواية الرومانسية، التى كانت سمة الفترة. ويكتفى بتلك الرؤية، التى تجذب البنات أكثر، المحرومات من الخروج أو معايشة الحياة، إنتظار لابن الحلال الذى يأخذهن على الحصان الأبيض، والذى وقع عليه إختيار الأهل. فقد كانت تلك تقاليد المجتمع، ولا يخرج عنها إلا عاص أو شاذ. وهو ما حرص يوسف السباعى أن يبرزه كرؤية إجتماعية.

إلا أنه هو الذى إلتحق بالكلية الحربية منذ العام 1935- وعين مدرسا بها فى العام 1952- أى منذ أن كان يبلغ من العمر نحو سبعة عشر عاما، ولم تكن تلك الفترة الهامة فى عمر الإنسان أن تمر دون أن تترك بصمتها عليه. خاصة أن تلك الفترة قد شهدت إرهاصات، ما سيحدث، ويوسف السباعى فى أحد معاقل تخريج الضباط الشبان، الذين اعتمد عليهم مخططى الحركة المباركة فى 1952. الأمر الذى يدعونا للخروج عن الرؤية الرومانسية، التى كانت على وشك التغير، والدخول إلى مرحلة الواقعية، وتحديدا الرؤية السياسية.

فإذا كانت "عايدة" قد نشأت فى بيت أحد الطامحين إلى الأعلى، وحصل على الباشوية، التى رآها ستنقذه من الخسارة التى أصيب بها فى البورصة، فقد نشأت "عايدة" فى بيئة الباشوات، الذين كان لهم وضع أعلى من الطبقة العادية. إلا ان الحب الذى كانت تسخر منه، وتراه مزحة، حتى أنها عندما تحادثت مع أحمد، ابن خالتها، الذى أحبته بعد ذلك، وجاءت سيرة الحب: قالت {حب .. إنه مصاب الذين لا راد لهم، وداء أشبه بالخمر أو الميسر.. يقبل عليه الناس للهو والتسلية. ثم يمسك بهم فيدمر حياتهم، ويقضى عليهم. أو هو كالجواد يمتطيه الإنسان ليتنزه به برهة. فيجنح به ويورده موارد العطب} ص24. وتقع العقدة الأساسية عندما أخبرها والدها (الباشا) أنه قرأ الفاتحة مع رئيس الوزراء(السابق) على خطبتها لإبنه، فغضبت ولكنها لم تُبد إعتراضا صريحا، لتسمع أن والدها، بعد أن علم بحبها لابن خالتها "أحمد" هدد بما لا يُستحب بالنسبة لأحمد، خاصة من رئيس الوزراء، مكررا أنه تساءل كثيرا، إنتم مش عايشين فى مصر؟!. فتستسلم "عايدة" للزواج من ابن رئيس الوزراء- حفاظا على مستقبل الحبيب- لتشاهد بيئة غير التى توقعتها، فالفساد يعم الجميع، والخيانة، علنية- ولا ننسى أن مسألة الأسحلة الفاسدة قد تفجرت فى تلك الفترة-  فتهرب مع أحمد إلى مكان مهجور، ويعيشا معا، لكن أحمد يصاب بمرض يؤدى به إلى الوفاة، فتقرر هى أن تلحق به. معلنة أنها راحلة.

وهو ما يدعونا إلى الرؤية الرمزية لـ"عايدة" والتى يمكن أن تكون مصر فى تلك الفترة، وأنها فضلت الانتحار –المعنوى- بالهروب إلى الحب، ثم الانتحار الفعلى، وكأن مصر لا ترى للبعد عن كل تلك الموبوءات سوى الانتحار، ففضلت الانتحار لتبعد عن الفساد والخيانات العلنية، إلى الحب الرومانسى، القائم على الود والتفاهم والتوائم. فالرؤية السياسية، يمكن هنا استخلصها من الرؤية الرومانسية، إعمالا لمقولة السباعى نفسه، فى مقدمته لرواية "جفت الدموع" والتى يمكن فهمها على أنه من خلال الشخصيات، يمكن أن نصل إلى الرؤية المستترة وراء الظاهر.

 وفى العام 1954 كتب يوسف السباعى، أى بعد الحركة المباركة بعامين فقط روايته الأشهر "رد قلبى" والذى أعتبر أيقونة الثورة فيما بعد، حيث الحديث عن تصفىية الإقطاع والرأسمالية، والصراع بين "إنجى" ابنة البكوات، و"على" ابن الجناينى.  ليوضح ذلك اين يقف يوسف السباعى، والذى يجد المرء نفسه فى حيرة، أين يضعه الكاتب، في خانة قبل. أم فى خانة بعد؟!!  خاصة إذا ما قرأ ما كتبه الشاعر فاروق جويدة بجريدة الأهرام {كان هناك شبح لا يطيقه يوسف السباعى وهو طائفة الشيوعيين، وكان يطاردهم فى كل مكان. طلبنى ذات يوم وذهبت إليه فى مكتبه، وقبل أن أصافحه وأجلس قال: «أنت شيوعى؟ آخر ما كنت أتخيله أن يقال لى إنك من فصيل الشيوعيين فى الأهرام، جاءنى كشف بالأسماء ورأيت اسمك فى المقدمة} ، فضلا عن أن بطلى الروايتن "إنى راحلة"، "رُد قلبى" كان ضابطا شابا، حديث التخرج من الكلية الحربية، وهو ذات يوسف السباعى وحياته الفعلية- وكان أخوه ضابطا فى الشرطة- وفى الوقت الذى نعلم فيه أن مصر قد تغيرت، نتيجة هذه الثورة من الليبرالية، إلى الاشتراكية، غير أننا إذا عدنا لهذه الفترة، سنجد أن رجال النظام الجديد، كانوا يؤيدون الاشتراكية، التى نصّبوا رسول الله إماما لها، كنوع من إرضاء الشعب الذى لا يقبل شيئا سيئا عن الرسول، بينما كانوا يحاربون الشيوعية، بإعتبارها، معادية للدين، ولنفس الغرض.

فيوسف السباعى، بحكم كونه ضابطا، وبحكم كلمة فاروق جويدة، كان متماشيا مع الضباط (الأحرار)، بل نعتبره أحد مؤرخى الثورة التى سار معها، وتدرج فى مسئولياتها، خاصة بعد خروجه من السلك العسكرى، إلى السلك المدنى، فكان سكرتيرا عاما لمؤتمر الوحدة الأفروأسيوية فى العام 1959. وتولى تقديم فكرة إحسان عبد القدوس لإنشاء نادى القصة لدى الرئيس – وهو ما يكشف العلاقة التى كانت بينه وبين قيادات هذه المرحلة-، ورئيسا لمجلس إدارة دار الهلال فى عام 1971 ووزيرا للثقافة فى 1973، ونقيبا للصحفيين. وقد كتب بعضا من تلك المهام فى روايته "جفت الدموع"، الصادرة فى العام 1961 . الأمر الذى يؤكد أن الكاتب لا يمكن أن يتناسى تجاربه الحياتية فيما يكتب. وقد كتب فى بداية روايته (الضخمة) "جفت الدموع" فى جزأين، متناولا أحداث الوحدة بين مصر وسوريا التى امتدت من الفترة 22 فبراير 1958 إلى 28 سبتمبر 1961- فقط-، بل كتب فى أول الجزأين مقدمة، والتمهيد لتلك الوحدة، مؤجلا ما انتهت إليه هذه الوحدة لرواية أخرى تحت عنوان "ليل له آخر" -والتى كتبها أيضا فى جزأين-. وحيث نرى أن هذه الرواية تمثل-أكثر من غيرها- لأدب وفكر ودور يوسف السباعى فى الحياة الإبداعية، والمعبرة عن رؤيته للفترة، وموقفه منها. مستخدمين ما كتبه فى مقدمته لها، نبراسا، ومصدر ضوء يهدى لمسيرته ورؤيته، حيث يقول فى تلك المقدمة لهذه الرواية"جفت الدموع" :

ومن خلال هذه القصة"جفت الدموع" تنعكس أحداث كبار أخرى.. هى أحداث الوحدة الكبرى بين مصر وسوريا، التى جعلت من أحلام التاريخ حقيقة واقعة.. والتى جمع الشعبين فيها، انفعال من شعور كان أغلب من كل حقبة، وأقوى من كل حائل. ومفهوم بداهة.. أن القصة لا تؤرخ.. ولا تسجل وقائع، وإنما تعكس أحداثا كبارا من خلال حياة أبطال القصة، وأنها تعرض قطاعا من حياة ناس.. يشعرون ويحبون.. ويعيشون فى تلك الفترة.. كما يعيش البشر}. فإذا اردنا أن نطبق قول السباعى فى هذه المقدمة، سنرى أن الكاتب بدأ روايته فى 18 نوفمبر 1957أى عندما كانت الثورة قد تمكنت من الأمور الداخلية، وبدأ الفكر فى النظرة الأوسع، والتى تشمل الوحدة العربية. خاصة – كما تقول الرواية- كانت الحشود التركية على الحدود السورية، وهو ما يدفع التفكير السليم نحو الوحدة السورية المصرية. وكان "سامى" بطل قصتنا شخصية صحفية وسياسية بالدرجة الأولى، وعضو بارز فى حزب الأحرار وعضو المجلس النيابى بسوريا. بينما كانت "هدى" فنانة ملأت حياتها بالصخب والسهرات والصداقات، والتف حولها الصحفيون. إلا أن القدر جمع بينهما فى قصة حب مشتعلة، فكان كلاهما شخصية عامة، أى أنه من الضرورى –فى مجتمعاتنا- أن تكون العلاقة بينهما سرية، رغم المغامرات والسفريات وزياراته المتكررة لبيتها، الأمر الذى أدى إلى تسرب الخبر لمن حولهما ، وبدأت تتسع دائرة المعرفة لتصل إلى رئيس الحزب، فينضم إلى مجموعة من يحذرونه من تلك العلاقة، والتى انتهت بالفعل لقطع العلاقة نهائيا

فإذا ما بدأنا بالعنوان "جفت الدموع"  ذلك الذى هو أول ما نقرأه فى بداية أى عمل، وخاصة الرواية، لنظل نبحث عما يقود إليه هذا العنوان، لنجد أننا نقرأ فى طول الرواية البالغة ما يقرب من الستمائة صفحة، دون أن نعرف أى دموع تلك التى جفت، فإذا أخذنا الجانب السياسى، سنجد أن الرواية انتهت بقرب قيام الوحدة، بينما الحشود التركية، والمحاولات الأمريكية، لازالت كما هى، فلا مجال لجفاف الدموع. وإذا أخذنا الجانب الرومانسى، سنجد البطل والبطلة، كان الحل فى انفصالهما، وهاجرت "هدى" إلى خارج البلاد، مع اللوعة وحسرة الفراق بينهما، فضلا عن لوعة "سامى" وتقلبه على جمر الفراق. فلا مجال أيضا لجفاف الدموع. وإذا أخذناها على أن المقصود بها "فايزة" سكرتيرة "سامى" وحبها المكتوم، وأملها الصامت، وبعد فراق الحبيبة "هدى" وبزوغ بصيص الأمل فى قلبها بأن محبوبها "سامى" قد يعود إليها، إلا أنها تعلم أنه يطلب الورق والقلم ليكتب خطابا لمحبوبته "هدى"، فلا مجال هنا أيضا، لأن تجف الدموع. الأمر الذى يضعنا فى النهاية أمام تساؤل، لا نجد له إجابة، ما المقصود بالدموع التى جفت؟.

أما من حيث تكنيك الرواية، فقد نجح الكاتب فى أنه اعتمد كثيرا على منولوج الشخصيات الأساسية فى العمل، وهم "سامى" وهدى" أو بمعنى أكثر وضوحا، الشخصيات التى تمثل أولا الجانب الشخصى، أو الجانب الفردى، فنقرأ كثيرا، هواجس وأحلام، ونقاشات التفس مع النفس، الأمر الذى يتناسب كثيرا مع العواطف المستترة، والكامنة داخل النفس البشرية.

فضلا عن التميز فى رسم شخصية "سامى" وكيف أنه كان شخصا يعيش من أجل القضية العامة، ونسى ما يحتاجه الإنسان السوى {إنه يعرف هذا النوع من النساء.. هى بالذات.. قد سمع عنها كثيرا. إنها تحتاج للرجل ذى تجارب.. تحتاج لرجل اعتاد السهر، والسكر.. والعربدة.. لا رجل يضيع ثلاثة أرباع عمره فى كفاح سياسى.. بين قاعات مجلس النواب.. وأروقة الحزب.. ومطبعة الجريدة}ص47.

كما كان التحول فى شخصيته، معبرا، ونابضا بالحياة، وما يجعله إنسانا من لحم ودم، وأنه إنسان يعيش مثلما يعيش الآخرون: {شئ ما جعله يحس.. أن إنسانا آخر يعيش داخل الإنسان المكافح المناضل .. إنسانا آخر، بباطنه شئ يذوب من فرط الرقة والحساسية، إنسانا آخر، أقل اتزانا وروية، وأكثر نزقا وطيشا. إنسانا آخر، يريد أن يعدو، ويغنى، ويفعل الأشياء التى كان يفعلها بسهولة منذ سنوات خلت، قبل أن يشعر بمسئولية أمام الناس} ص50.

كما جاء تسلس التمهيد، لبدء المقاطعة، والذى سار وئيدا، مشحونا بالقلق، ولكن جرثومة الشك قد بدأت، بالاستماع إلى الآخرين، الذين كان يرفض السماع لهم من قبل. حيث بدأ صديقه المقرب "سليم" يحذره من علاقته ب"هدى" مشيرا إلى أنها استغلالية، حيث بدأ مساعدتها ماديا حتى أنه استدان ليسدد لها الإيجار المتأخر، بما يعبر عن القلق النفسى الذى عاشه الشخص، أو الإنسان السوى:{رغم هذا التسليم، لم يستطع التخلص من إحساس القلق الذى دفعه فى نفسه، حداثة عهده بمثل هذا الوضع ومثل هذا النوع من العلاقة، وسابق نفوره منه وإنكاره له، فضلا عن أن موارده  لن تفى بإلتزاماته الجديدة حيالها، ولاشك فى أنه سيعجز عن الاستمرار فى منحها ما يمكنها من المحافظة على مستوى الحياة الذى تعيش فيه.. اللهم إلا إذا اختلس أو ارتشى .. أو... وأحس بشئ يلتوى فى أمعائه}ص 164.

وعندما يحدث الفراق الفعلى، يعيش "سامى" كل الألم النفسى الذى ينتاب الإنسان عندما يشعر أنه فقد شيئا مهما فى حياته، فيغوص داخل أعماقه ويتساءل {فقد أعزاء كثيرين، أورثوه بفقدهم، احزانا وألما.. ولم ينج من آلام المرض، ومرارة الهزيمة عبر مراحل حياته، ولكن شيئا لم يصبه، بمثل هذا الذى أصابه. لم يشعر فى حياته قط أن شيئا يمكن أن يوجعه بمثل هذه القسوة، والاستمرار، والعجز عن برئه أو تخفيفه. وجيعة لا يملك لها علاجا، ليس لها تخدير، ولا تسكين ولا بتر. بل إن شيئا يبحر فى باطنه، بلا توقف.، ينام ويصحو عليه، علاجه مرفوض من مبدئه، ويستمر فيه} ص559.

ذهب إلى القاهرة مرتين، وإلى موسكو مرة، وظن فى كل مرة أنه يهرب منها. إنه يبتعد عن موطن العلة، ولكنه لايكاد يبتعد ، حتى يحس بالعلة تطارده، وإذا باليأس الموجع يلازم تفكيره، الذى ى يمكن أن يكون إلا جزءا منه.. فى دمشق، أو فى القاهرة، أو فى موسكو}ص261.

ومن كل ذلك، يشعر القارئ أنه يعايش إنسانا من لحم ودم، يعشر كما يشعر الآخرون، ويصيبه ما يصيبهم، وهو ما لا نستطيع أن نجده فى الخط الآخر، الموازى تماما، حيث يفقد السرد الحرارة، والدفئ الذى يجده القارئ فى متابعة الخط الأول، فى القراءة، وفى التلقى، والمعايشة.

 حتى أننا إذا ما أبحرنا فى الرواية، سنجد أنها تسير على خطين متوازيين، لا يلتقيان إلا عندما تكلم "عبد الوهاب بيك" رئيس الحزب مع "سامى" الشخصية البارزة فى الحزب، محاولا الربط بين الشيوعية ومعناها، ومنها دلف إلى الرغبة الشخصية ل"سامى" ويكاد يكون قد أقنعه برؤيته فى التخلى عن الرغبة الشخصية لمصلحة الرؤية المجتمعية. فكان التداخل الوحيد –تقريبا- بين الخطين، خط السياسة أو الخط المجتمعى، وبين خط الرومانسية، أو خط الحب، أو الخط الفردى، وكأن بينهما خصام وأقاويل، فلا يمكن أن يلتقيا، فكان انفصلهما يعنى غلبة الجانب المجتمعى، على الجانب الفردى، وهى الرؤية التى ينتهجها الفكر الشيوعى، فالفرد فيه ليس إلا ترس فى مكنة لاتتوقف، وهى المجتمع. بينما فى الفكر المناهض للشيوعية ، هو الفكر المعترف بحرية الفرد، ويجعله هو أساس المجتمع، فكانت مسيرة بطلى الرواية خضوعا للفكر المجتمعى، وموتا لفكر الفرد وحريته فى أن يحيا حياته وفق ما أراد، طالما لم يضر الغير. وهو أول تناقض بين سلوك الشخصيات وما يدعو إليه -أحدهما ولم يعترض الآخر- بل تعايش معه، وتمنى ألا يأتى الفراق أبدا. وقد كانت  الشيوعية، ورفيقتها الأخف "الاشتراكية" كانت هى حديث تلك الفترة، حيث كانت شعار المرحلة. وعلى قدر إيمانهم بالاشتراكية، كانت عداوتهم للشيوعية، لسببين أساسيين، الأول منهما، أنهم وإن كانوا يرفضون التبعية للغرب، وإسرائيل، فإنهم يرون أن الشيوعية ليست سوى محاولة منهم لاستبدال التبعية الغربية بالتبعية الشيوعية. إلى جانب أن الإسلام، الذى هو الدين الأساسى فى البلاد، ينظر إلى الشيوعية على أنها الإلحاد، وهو ما يرفضه الدين الإسلامى رفضا باتا. وقد خرج الكاتب من الجو الرومانسى، للدخول فى الرؤية السياسية، والتى جاءت أقرب إلى الأحاديث السياسية الإذاعية، ليتضح أن الكاتب  يلجأ إلى افتعال الحوارات الطويلة لمحاولة توصيل (الفكرة) أو رؤيته السياسية، فجاءت كما الزيت فوق الماء، فلا امتزاج بينهما، ولكن يظل كل خط منهما مستقل بذاته.

ففى الحوار بين "سامى" رئيس التحرير و "سليم" مدير التحرير، والذى يكشف عن إختلاق المناسبة، للتعبير عن قضية القومية، والهجوم على الشيوعية، حيث{قال سليم: فيم كتبت؟

-     كتبت عن إضطراب مفاهيم الأمريكان للقوى الدافعة فى البلاد العربية. وخلطهم بين القوى العربية والقوى الشيوعية. ورفع فؤاد حاجبيه .. وتساءل فى شبه استنكار: وأى فارق عندنا بين القوتين؟

-     فارق فى الجذور والفروع .. فارق فى الوسائل والنوايا.. فارق فى الطرق والأهداف.

-     أبعد كل هذه النوايا الطيبة والمعونات التى قدمتها الدول الشيوعية للعرب.. تأييد لهم ضد المستعمر.. ما زلنا نسئ النية بالشوعيين ليس هناك سوء نية .. وإنما حُسن فهم.

-     حسن فهم لماذا؟! أنت تعرف أن الدول الشيوعية قد عززت القوى القومية.. دائما وأنهما قد اندمجا فى الاتجاهات والأهداف.

-     إلى متى؟!

-     إلى ما لا نهاية؟

-     تقصد إلى أن يرتمى العرب فى أحضان الشيوعية.. وتصبح البلاد العربية إحدى مناطق النفوذ الشيوعى!

-     الشيوعية تقف إلى جانب كل مكافح من أجل حريته حتى يستخلصها من براثن الاستعمار،

-     ويسلمها لها؟

-     أقوالك مسممة .. أنت تسمم أفكار الوطنيين.

-     إنما اعبر عن أفكارى أنا.

-     يجب ألا تكفر بتأييد أصدقائنا، الذين يعملون معنا من أجل الحرية والسلام.

-     أنا لم أكفر بهم أبدا، واكون غبيا، إن رفضت اليد الممدودة إلىَّ لتعاوننى فى فك وثاقى، وأكون اكبر غباء إن استسلمت لها حتى تشدنى بوثاق جديد

-     ولكنها لا تهددك بوثاق جديد، إنما تمنحك العون بلا ثمن.

-     لا تكن غبيا ، ليس هناك شئ بلا ثمن

-     ما هو الثمن إذن الذى قبضته الشيوعية؟!

-     الموقف الحيادى، مجرد ابتعادنا عن الغرب، وتحررنا من تبعيته وإمتلاكنا حرية التصرف فى سياستنا.

-     هذا ربح لنا

-     ولهم أيضا؟! }ص57، 58.

فإذا كانت الرواية فى أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين قد جنحت للمعلوماتية، حتى اعتبرت أحد عناصر الرواية الجيدة، فإنها تعنى من يتفهم استخدام تلك المعلومات، ليضفرها فى سياق الحدث الرئيس، إلا أن كاتبنا هنا، قد أرتقى بالحدث الرومانسى، وجعله أقرب للشعر، فى لغته وأحاسيسه، بينما جاء حديثه عن الجانب السياسى خبريا، أى أنه يخلو من العاطفة، التى هى سلاح الرواية، ووسيلتها لإحداث تأثيرها، الذى بتراكمه، يتحرك القارئ نحو التغيير. فضلا عن أنه لايضيف جديدا يؤثر على الشخصة، فنجد على سبيل المثال

أن "هدى" تقول عندما بدأت الأمور تسير نحو وأد الحب الحقيقى بين قلبين، وكأن القلب تتقاطر منه الدماء، فيصعد الصدق الحقيقى {هذه الدنيا العجيبة.. هل أُصبح لأعز الناس عندى عبئا على كتفيه. وتذكرت ما قاله لها "سليم" و"فايزة" و "أم حبيب" .. وتذكرت نواياها من أجل الخلاص، النوايا التى أطارها مجرد لقائه، وإحساسها به بين ذراعيها.. وانفاسه الدافئة تلفح وجهها. وأحست بأن عليها أن تتنحى لتحمل عبء الخلاص، وتسير به فى طريق الفُرقة الشائك الدامى}ص525. ويرد "سامى" بينه وبين نفسه، ما يبين صعوبة التخلص من الاحتياج الشخصى، والوجود الفردى {وأحس "سامى" أن حديثه آلمها، وتمنى لو لم يقله، لاسيما وهو يعرف أنه لن يلقى عبئها أبدا من على كتفيه، وأنه لا يستطيع أبدا أن يُقدم على فراقها}ص525. بينما نجد الصورة الإخبارية المقحومة على السياق، وكأن الكاتب يبحث عن ثغرة يمرر من خلالها ما يسعى لقوله. ففى جلسة المقهى بين سامى وسليم والحديث حول اجتماع المجلس فى ذات اليوم ، نجد سامى يقول:  {لقد كنا دائما عرضة لهذه القوى الطامعة فينا، كان مشروع سوريا الكبرى حلم "عبد الله" يهددنا من الجنوب، والهلال الخصيب من الشرق، ومطامع تركيا من الشمال، واطماع أخرى تتحفز لنهش جسدنا من الغرب.

-     لم يكن بها غير مفاجأة الأحلام والمطامع، كانت مجرد أشباح، ولكننى أحسست اليوم فى المجلس إحساسى بها كقوة متآلفة، وتيارات موحدة، ضدنا.

-     والشيوعيون موقفهم غير واضح.

-     بل واضح جدا، إذا اعتبرنا أهدافهم الحقيقية  ولم ننخدع فى مظهرهم.

-     كيف؟! إنى لم أعرف أبدا، هل هم معنا أم علينا؟

-     معنا ما دمنا نتحرك فى اتجاههم.. وما دمنا نترك لهم الحرية للتضخم والنمو، إنهم يتسللون إلى الجيش، وإلى المقاومة الشعبية، وغالبا الوظائف الحكومية، وهم فى نظرى أخطر من كل قوى الرجعية متكتلة}ص140.

ويواصل الكاتب إختلاق الفرص للحديث عن الشيوعية، وكأنها العدو الوحيد، حيث كان رجال الحكم فى ذلك الوقت، يبحثون عن الشعبية ، ومحاولة إفهام البسطاء من الناس، أنهم ضد الإلحاد، فيصطف الجميع خلفهم. كذلك الحديث الذى جرى بين "سامى" رئيس التحرير، "سليم" مدير التحرير بعد خروج "فؤاد" أحد الرموز الشيوعية:

 {وخرج فؤاد ، وقال سليم لسامى: مناقشتك معه عبث، لماذا تضيع وقتك؟

-     إنى أعرف أنه يؤيدنا الآن.، لأن اتجاهنا يتفق مع الشيوعية، ويوم أن نختلف، سيكون أول من يتنكب طرقنا، ويحمل علينا}ص60.

ويستمر توصيل الرسالة المباشرة بين نفس الشخصيتين، وكأن الكاتب قد صنع شخصية "سليم" خصيصا للحوار مع "سامى" وجعل الحوار فرصة الجهر بالجانب السياسى:

قال "سليم" ل"سامى" فى الطريق إلى غرفة الاجتماعات:

{إن الشيوعيين  يحاولون كسب أراض جديدة كل يوم

-إن واجبنا أن نحذر منهم دائما، يجب ألا ننسىى ماضيهم بيننا وموقفهم العدائى للقومية العربية منذ عام 1940عندما حاولنا معاونة ثورة رشيد الكيلانى.

- ولكنهم استطاعوا خداع الكثيرين.

واجبنا دائما أن نكشف خداعهم، وألا نجعل مساعدات الاتحاد السوفيتى وصداقته وسيلة لسيطرة  الشيوعيين على الشعب وتمكينهم منه، ومن تنفيذ خططهم فيه، وواجبنا أن نضرب على كل يد تحاول العبث بمقدراتنا وسلب مكاسبنا التى أخذناها بدمائنا من الاستعمار}ص95.

وفى المقابل، محاولة تكريس فكرة القومية، التى تبناها  رجال الحكم، حيث فى الاجتماع يحاول البعض الدفاع عن الاتحاد السوفيتى، لكن سامى ينبرى بحماس للدفاع عن القوميين{هذا كلام خطير لا نقبله، إنى أعلن بينكم أنى اسئ الظن دائما بالشيوعيين فى بلادنا. وتاريخهم يؤيد دائما سوء ظنى، منذ أن دلفو إلى بلادنا على يد المستعمر فى 1930بواسطة الأكراد والأرمن الشيوعيين، وهم يقاومون القومية العربية تحت ستارمن الإنسانية..}ص 97. ويواصل سامى تعديد تاريخ الشيوعية فى البلاد {وأتحدى من يتهمنى بأنى لسان الاستعمار الأمريكى}.

وتصل الدعاية، فيما يشبه المكايدة، حين يحاول فؤاد –الشيوعى- إفشاء سر العلاقة بين سامى وهدى، حيث يتصدى له "سليم":  

{أجل أصحاب مبادئ، ومثل، إننا على الأقل لا ندعى الشيوعية، ولا نحيا حياة البذخ والسفه التى تحياها، نحن لا نحتقر الشعب، ولا نسوم أتباعنا الحرمان، نحن نؤمن بما نقول، ونفعل ما ننادى به، نحن لا نستورد مبادئ لا نؤمن بها، وأنت تعرف أنك كاذب مخادع منافق، أنت تعرف جيدا، من هم أسيادك، وتعرف جيدا ماذا تريد من الشيوعية التى تدعيها، أم تري أنى لا أعرف حقيقتك؟!}ص115.

وبينما يحاول "سليم" أن يُقنع "هدى" بضرورة الابتعاد عن "سامى" فى رحلة العودة إلى دمشق، وكأن القارئ يقرأ نشرة الأخبار التى تذيع المنشورات الواردة إليها، دون أن يقدم معلومة محديدة:

{إذن دعينى أعطيك فكرة عنها، إننا نمر فى هذه الفترة من تاريخنا بأدق مرحلة، إننا نقف فى مفترق طرق، او فى مهب ريح، وعلى الدفعة التى ستندفعنا لا فى هذه المرحلة إلى أى أحد هذه الطرق  العديدة  التى يمكن أن ندفع إليها ، طريق واضح مستقيم، يحقق لنا الوصول إلى كل ما نرجو من أهداف طيبة، وكل ما نأمل من مستقبل مشرق، ملئ بالرخاء والطمأنينة والسلام}ص395.

كما يتحدث "فؤاد" الشيوعى عن بداية تعارفه على بعض الشبان، وبما يعكس، ويشوه وجه الشيوعية، التى يحاربها الحكام الجدد ويتحدث فؤاد الشيوعى الذى يعيش فى القصر {وهو ما زال يذكر بضعة الشبان الذين التقى بهم أول ما بدأ يمارس الشيوعية، سألهم عما حدا بهم إلى إعتناق الشيوعية فقال أحدهم: لم نعرف ماذا نفعل، كنا نعيش فراغا طويلا عريضا، وكنا نجتمع فى بيت أحدنا لنشرب الخمر، ونلتقط إحدى فتيات الليل لتشاركنا ليلنا المخمور. واحتقرنا أنفسنا وكرهنا مجتمعنا، وحقدنا على كل من حولنا، والتقطتنا الشيوعية، لتجعل منا ساسة، وتملآنا بالأوهام والأحلام، وتنثر أمامنا الزهور والأمانى، وتؤكد لنا أننا زعماء المستقبل. كانت زعامة المستقبل، هى أهم ما يجمع ذلك الخليط العجيب من الناس. وكانت الشيوعية فى نظرهم، طريق الحقد.. والمجد}ص181.

ويصل الافتعال ذروته، عندما يشعر القارئ أنه يقرأ موضوعا للإنشاء التقريرى عندما يمر "سامى" فوق بورسعيد، وكأنه مصرى لا سورى، فى طريق الطائرة إلى القاهرة أعلنت المضيفة الطيران فوق مدينة بورسعيد ، ليقول "سامى" لنفسه {وهذه الأرض قد صدت قوى الطغيان، لم تصدها فقط عن نفسها، بل صدتهاعن العالم المكافح، الذى يتنسم بعضه أنسام الحرية، والذى يهفو إلى تنسمها البعض الآخر الذى ما زال يرسف القيد. إن المعركة  ليست معركة بلد واحد، بل معركة عالم باتساعه، معركة قديمة مستمرة، يخوضهاكل بلد بوسيلته، وعندما حدث الاصطدام هنا، فى هذه الأرض، تطلعت الأبصار، وأرهقت الأحاسيس، وأحس العالم ىالمكافح أن مصيره يتقرر هنا فى المعركة، وأن تحطيم القيد هنا، إيذانا بتحطيمه فى كل مكان يرسف الإنسان بأغلاله، فصمم على أن يعاون الشعب  المكافح، وانتصرت الحرية}. 

ومن كل تلك الاستشهادات، والمواقف التى لا نحس فيها بالتجاوب أو التفاعل معها، ما يجعلنا ننظر إلى الرواية على أنها تقوم كليا على الجانب الشخصى وقصة الحب المشتعلة بين "سامى" و"هدى" – رغم الاستفاضة فى الكثير من مواضعها-  وبين الحين والآخر، الإشارة الإنشائية إلى الرؤية المجتمعية التى تطبق الشيوعية، بسحق الفرد لصالح المجتمع، ورغم أن الشيوعيين يعيشون حياة الترف ، بعيدا عن العامة، على الرغم من أن الحكام الجدد يطبقون ديكتاتورية المنهج الشيوعى، فكأنهم يعيشون الشيوعية، رغم محاربتهم للشيوعية. ويؤكد تلك الرؤية الحوار التالى:

{سيحاربونها بكل قواهم

- ولكنهم يؤيدونها الآن

- تقصد  أنهم يتظاهرون بتأييدها، لأنهم لا يستطيعون أن يجهروا بعداوتهم لها، حتى لايكشفوا أنفسهم، وحتى تأييدهم لها قد بدءوا يضعون له اشتراطات معينة.

-     تقصد مطالبهم بالديمقراطية؟!

-     ديمقراطية الأحزاب طبعا، ديمقراطية الفوضى التى تسمح لهم بالتكاثر والتوالد

-     معك حق،لا أظنهم يقبلون الوحدة أبدا، إذا كان فيها القضاء على الأحزاب }ص141.

خاصة إذا ما علمنا أن ثوار يوليو قد بدأوا حياتهم السياسية بإلغاء الأحزاب، وهو ما يعنى غياب الديمقراطية، على الرغم من أن المبدأ الرابع فى المبادئ الستة التى أعلنوها كانت "إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وهو ما أكد التناقض الذى وقع فيه حكام الفترة، ووقع فيه أيضا يوسف السباعى فى"جفت الدموع".

ويزداد التناقض عندما يصل إلى الشخصية الرئيسية فى العمل، حيث تفكر بالمنطق الليبرالى، بينما التصرفات تنطق بالفكر الاشتراكى القومى. فرغم أن الموقف هنا يؤكد أن الحالة التى يشعر بها الحبيبان" سامى" و"هدى" إلا اننا –تجاوزا- يمكن أن ننظر إليها على عمومها، حيث يقدر الأنسان ويضعه فوق كل شئ على الأرض، الأمر الذى يقرب السباعى من الرؤية الماقبليه، اى الرؤية الريبرالية { ألا يعجبك جمال الطبيعة؟

-     إعجابى بجمال الإنسان أكثر. ألم تقرئى قول الكاتب المصرى "ما ألذ الآدمى كالآدمى". ما قيمة هذا المنظر الرائع الذى يبدو أمامى بدونك؟

-     ومل قيمته بدونك أنت !!

-     إننا نمنح ما حولنا قيمة، اكثر ما يمنحنا ما حولنا، إننا دائما مصدر الشعاع المشرق، تلك قيمة الإنسان، الإنسان أقيم من أى شئ على ظهر هذه الأرض}ص330.

كما يؤخذ على الرواية، انها تدور فى سوريا، ولم يبدو فيها من سوريا غير أسماء الشوارع، اما اللغة وتصرفات الأفراد، وحتى أسماؤهم مصرية، خاصة "هدى" و "سامى" لم يبدو عليهما غير أنهما مصريان مائة بالمائة، وهما عنوان ومضمون الرواية. خاصة أن المرأ يقرأ كثيرا من الأعمال للأخوة أو الأخوات العرب، فيشعر المرء كما لو كان فى احتياج للقاموس.

 

       فإذا ما علمنا شخصية يوسف السباعى، الإنسان، أنه شخص ليس صداميا، أى أنه لا يعترض، وأنه يؤمن بأن الفن رسالة، يجب عليه تحملها، وأن عليه ترسيخ مهام كبيرة كالسلام، وأن يكون معاصرا لما يدور داخل مجتمعه، فهو فرد من ذلك المجتمع، لذا فعلى الرغم من أنه عايش فترة الخمسينيات والستينات، مؤرخا لما يدور ومواكبا لكل أحداثها، فإنه أيضا من آمن بالسلام مع إسرائيل، وذهب مع السادات – الذى انتهج سياسة غير ما كان متبعا فى الخمسينيات والستينيات- إلى تل أبيب، فى الزيارة التاريخية لعقد سلام معها، وكان سببا لاغتياله من القوى الرافضة للسلام، فاستشهد فى 18 فبراير 1978