المسرح عبارة عن مقهى شعبي كبير.
في الخلفية، على يسار المسرح، يوجد منزل يتكون من طابق واحد. في هذا الطابق نافذة كبيرة مغلقة، وفي الطابق الأرضي منه مقهى شعبي كبير، تتراص المقاعد والمناضد أمامه، ويجلس رواد المقهى عليها وهم يلعبون النرد ويشربون الشاي. تمتد المقاعد بعرض المسرح حتى تقترب من جهة اليمين بقليل. هناك فاصل بين المناضد يسمح بمرور النادل. في أقصى اليمين طريق سريع غير مرئي، لكننا نسمع من خلاله من آن لآخر عبور السيارات.
يجلس الأستاذ على منضدة في منتصف المسرح، هو رجل في الستين من عمره، يلبس بدلة ذات جاكيت كالح، وقميصًا أبيض متسخًا، وحول رقبته ربطة عنق باهتة اللون. يجلس بجانبه التلميذ، هو شاب في السابعة عشر من عمره، يرتدي بنطالًا جينز وقميصًا قصير الكم. على يمين التلميذ، منضدة يجلس حولها رجل رياضي ضخم الجثة، مفتول العضلات، وبجانبه رجل تبدو عليه النحافة بشكل كبير. أما المنضدة التي على يسار الأستاذ، فتجلس حولها راقصتان، نفهم ذلك من خلال ملابسهما، كلتاهما في العشرين من العمر، وأمامها ثلاث زجاجات بيرة فارغة وقنينة خمر.
الوقت مساء أحد أيام الصيف.
الأستاذ : وهكذا وكما شرحت لك؛ كل ما يسمونه "مدخل إلى" هو مخرج منه. فالمدخل إلى الفلسفة هو مخرج منها، والمدخل إلى المنطق هو مخرج منه، والمدخل إلى كل العلوم هو المخرج نفسه.
التلميذ : (بعد أن دون في دفتر بين يديه ما قاله الأستاذ) معنى ذلك يا أستاذ، أن كل الكتب التي كُتبت عن الحقيقة وذُكر فيها مدخل إليها هو مخرج منها.
الأستاذ : بالضبط، فالحقيقة لا تحتاج إلى كتب، أو حتى أن يفندها إنسان. إن الحقيقة يا صغيري هي أمر نسبي يعتمد على لون النظارة التي ترتديها.
التلميذ : معنى ذلك يا أستاذ أنه إذا كان لون النظارة أزرق فسنرى الأمور زرقاء، ولو كان لونها أخضر فسنراها خضراء، وهكذا بالنسبة لبقية الألوان.
الأستاذ : الأمر ليس على هذا النحو. (وقفة)
ما أقصده هو أنك لو كنت تنظر إلى الحقيقة من منظور الدين مثلاً، فستكون مضطرًا وقتها للنظر إليها من منظور دينك أنت، ومِلتك أنت، والمذهب الذي تنتمي إليه أنت، وتصبح الحقيقة المطلقة حينذاك وبالنسبة إليك هي حقيقتك وحدك، وما صنعته أنت لها من مفهوم لا علاقة له بها.
التلميذ : (بعد أن دون) هل تقصد بكلامك هذا، أن الحقيقة أمر نسبي أم أنك تقصد أنها في الواقع غير موجودة؟
الأستاذ : الحقيقة لو كانت موجودة، فلن تكون أبدًا ظاهرة للعيان. إن الحقيقة لها وجوه شديدة التباين. وجوه ملطخة بالألوان، أشبه بوجه المهرج في السيرك.
(يدخل النادل من عمق المسرح، يحمل بين يديه صينية كبيرة مليئة بأكواب الشاي وفناجين القهوة وزجاجات البيرة، يقوم بتوزيعها على المناضد وفقًا لطلب كل واحد في هدوء)
التلميذ : لو كان الأمر كذلك، فما الداعي للشك واليقين يا أستاذ؟!
الأستاذ : الشك عندي لا يمكن أن يفضي إلى يقين، حتى أنني صرت أعتقد وبقوة أن اليقين غير موجود.
التلميذ : ولكن هذا يتنافى مع علم المنطق.
الأستاذ : علم المنطق مستحدث، موضوع، يعتمد على مبادئ تجريدية صارمة قد لا تنطبق على الواقع المعقد والمتغير. كما أن قواعد المنطق ليست مرنة بما يكفي لاستيعاب التفاصيل الدقيقة التي تحدث في الحياة الواقعية.
التلميذ : هل تقصد الاستدلال المنطقي يا أستاذ؟
الأستاذ : الاستدلال المنطقي بالذات يعتمد على إهمال السياق والظروف المحيطة التي قد تكون ضرورية لفهمه، فالمنطق الصحيح يجب أن يعتمد على استدلال صحيح، ولو قام على فرضيات خاطئة فسوف يؤدي إلى نتائج خاطئة. وهناك ما يُعرف في المنطق بالقضايا المتضادَّة، مثل "كل البشر عادلون" و "كل البشر ظالمون"، لا يمكن للقضيتين أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه، ولكن يمكن أن تكونا خاطئتين.
التلميذ : (يدون) كل البشر ظالمون. (وقفة) لكن يا أستاذ، هل تعتقد أن السبب وراء ذلك يكمن في تركيز علم المنطق على الشكل دون المضمون؟
(يقف النادل أمام منضدة الراقصتين، ويبدأ في جمع زجاجات البيرة الفارغة ويضعهم على الصينية، تصطدم زجاجات البيرة بعضها ببعض، فيلتفت إليه الأستاذ)
الأستاذ : هذه هي مشكلة المنطق. لذلك قد يكون الاستنتاج صحيحًا منطقيًا، لكنه بلا معنى حقيقي في الواقع.
(تدخل من أقصى اليسار طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها، تبدو كالمتسولة، تحمل بين يديها باقة من زهور الفل، تبدأ في وضع الزهور على منضدة التلميذ والأستاذ، فيدس التلميذ قطعة معدنية من النقود في يدها، فتتركهما وتذهب إلى باقي المناضد وتقوم بوضع الزهور على منضدة تلو أخرى) هل طلبت لي شيئًا؟
التلميذ : أنا آسف يا أستاذ! (يخاطب النادل الذي أوشك أن يختفي في عمق المسرح) فنجان قهوة سادة وآخر سكر زيادة.
الأستاذ : القهوة في كوب كبير إذا سمحت.
التلميذ : (للنادل بصوتٍ عالٍ) القهوة السادة في كوب كبير.
(يختفي النادل في عمق المسرح)
الأستاذ : أشكرك.
(تُفتح النافذة التي في الطابق الأول على آخرها، ونرى فتاة في الخامسة عشر من العمر، تنظر الفتاة إلى الجهة التي تصدر منها أصوت السيارات في أقصى يمين المسرح)
الفتاة : (تصرخ) اوقفوا تلك السيارة! امسكوا ذلك السائق القذر. لقد صدم القطة، قطتي!
(تغلق النافذة، ونراها بعد قليل وهي تهرول بين المناضد، حتى تختفي في أقصى يمين المسرح)
الأستاذ : وما ينطبق على المنطق يمكن تطبيقه على كل شيء.
التلميذ : على كل شيء؟!
الأستاذ : على كل شيء.
(تبدأ الطفلة الصغيرة في جمع زهور الفل من فوق المناضد، متجنبة رواد المقهى الذين قاموا بالدفع لها. يظهر النادل من جديد في عمق المسرح حاملاً الصينيه الكبيرة)
إن الحياة ليس لها هدفًا واضحًا. عالم يدور في حلقة مفرغة من اللاجدوى والخِواء والعبث! عالم يدور كالأرض التي تدور حول نفسها، وحول الشمس، وحول مركز المجرة.
(يقترب النادل منهما. يضع كوبين من الماء أمام كل واحد منهما أولًا، ثم يضع كوب القهوة أمام الأستاذ وفنجان القهوة أمام التلميذ وينصرف إلى باقي المناضد. يشرب الأستاذ الماء بصوت مسموع، فينزعج التلميذ من الأمر، لذلك يقاطع الأستاذ بالسؤال)
التلميذ : أستاذ، هل تؤمن بالله؟
(تخرج بائعة الفلِّ الصغيرة من أقصى يسار المسرح)
الأستاذ : (يتوقف عن شرب الماء، ويضع الكوب على المنضدة) لماذا تسأل هذا السؤال؟
التلميذ : لا أعرف، إنه مجرد سؤال.
الأستاذ : ولكن الإجابة عليه تحمل في ذاتها إجابة على مئات الأسئلة يا بني؟
التلميذ : مثل ماذا؟
(تدخل الفتاة وهي تبكي، وخلفها رجل وامرأة وثلاثة أطفال، تضع حيوانًا أشبه بالقطة في وسط المسرح، لكنه مقطوع الرأس)
الفتاة : (تنوح) قطتي!
الرجل الرياضي : هل أمسكتم بالسائق؟
الفتاة : لا، فر الكلب دون أن نتمكن من القبض عليه.
(يختفي النادل في عمق المسرح)
الراقصة الأولى : لقد سُحقت الراس تمامًا.
الرجل النحيل : هل سجل أحدكم رقم السيارة؟
الفتاة : كانت سيارته بلا أرقام.
الرجل الرياضي : في هذه الحالة فهو جهة أمنية، حتى لو أمسكتم به فلا فائدة.
الراقصة الأولى : بل من الأفضل أنه فرّ، وإلا كانت المشاكل سترافقكم كالسيل.
الأستاذ : (يحدق في الحيوان وهو جالس) هل أنتِ متأكدة يا آنسة أنها قطة؟
الفتاة : (تقلب في الحيوان الذي أمامها) وماذا تكون إذن؟! إنها قطة! نفس لون قطتي.
التلميذ : القطة التي بلا رأس قد تكون أرنبًا!
الأستاذ : القطة التي بلا رأس قد تكون أرنبًا أو نمسًا أو ابن عرس أو حتى ثعلبًا صغيرًا.
الفتاة : إنها قطتي! أنا متأكدة من ذلك.
الأستاذ : وكيف تأكدتِ؟
الفتاة : لأن قطتي غير موجودة!
الأستاذ : هذا ليس دليلًا على أن هذا الحيوان قطتكِ.
التلميذ : وكيف عرفتِ أنها غير موجودة؟ هل فتشتِ عنها في كل مكان؟
الفتاة : أقول لك غير موجودة، قطتي غير موجودة.
الراقصة الأولى : قد تكون موجودة في البدروم.
الراقصة الثانية : (سكرانة) أو على السطح.
الرجل الرياضي : أو تعربد في الشارع الخلفي.
الرجل النحيل : هل قطتكِ كانت بها علامة مميزة؟
الفتاة : أجل، كان بها ذيل ناعم، وأربعة أرجل ذات مخالب غير مقصوصة.
الرجل الرياضي : كل القطط لها أربعة أرجل وذيل ناعم.
الرجل النحيل : ومخالب غير مقصوصة.
الراقصة الثانية : (تنظر إلى أظافرها) ذكريني ما إن نصل إلى البيت أن أقلم أظافري.
الراقصة الأولى : (تضحك بصوتٍ عالٍ) أنتِ سكرانة يا عزيزتي، إن أظافركِ الطويلة التي تنظرين إليها الأن صناعية، تركيب!
الراقصة الثانية : وأين أظافري؟!
الراقصة الأولى : موجودة، موجودة تحت الأظافر الصناعية!
الفتاة : قطتي لم تكن بها أي علامة مميزة على فرائها، وهذه القطة خالية من العلامات، إذن هذه القطة قطتي.
الأستاذ : قطة بلا رأس، خالية من أي علامة قد تكون أرنبًا أو نمسًا أو ثعلبًا أو حتى ابن عرس.
الراقصة الأولى : وقد تكون جروًا يا أستاذ.
الأستاذ : بالمعنى المجرد يمكن أن نقول ذلك (يبدأ في شرب القهوة) فالقطة والجرو اللذين بلا رأس، يتشابهان باعتبارهما قد فقدا شيئًا أساسيًا من هويتهما، لكن من حيث الرمز أو المعنى، قد تختلف الدلالات، فالقطة عادة ما ترمز للغموض والاستقلال، بينما يُرمز للجرو بالبراءة والولاء، وفقدان الرأس قد يُعبر عن فقدان هذه الصفات وتشويه جوهريهما.
(تُفتح النافذة التي في الطابق الأول مرة أخرى، ونرى سيدة عجوز تطل منها وهي تحمل قطة تشبه الحيوان المقتول في وسط المسرح)
السيدة العجوز : (تخاطب الفتاة بصوتٍ عالٍ) يا مجنونة، قطتك هنا!
(تهرول الفتاة ما إن تنظر إلى السيدة العجوز وقد شعرت بالخجل تاركة الحيوان المقتول في وسط المسرح. يعود الرجل والمرأة والأطفال الثلاثة الذين كانوا يقفون خلف الفتاة من حيث جاءوا ويختفون في أقصى يمين المسرح)
الأستاذ : ولو كنا في أمريكا ولسنا في مصر، كان من الممكن أن تكون القطة التي بلا رأس حيوانًا قوطيًا.
التلميذ : ما هو حيوان القوطي يا أستاذ؟
الأستاذ : القوطي هو حيوان من الثديات، له جسم طويل وأرجل قصيرة تشبه القطة التي بلا رأس.
(وقفة)
والآن لنرجع إلى الدرس.
التلميذ : في المدرسة، أخبرنا المعلم أن الامتحان سيكون بشكلٍ عام، أسئلة في المطلق، لكنه ذكر موضوعات بعينها تحمل بعض الأهمية.
الأستاذ : مثل ماذا؟
التلميذ : (يقلب في دفتره الذي كان يدون فيه ويقرأ) الإنسان، الطبيعة، الحب والكراهية، النجاح والفشل، هذا كل شيء.
الأستاذ : (ضاحكًا) وماذا يتبقى بعد ذلك؟!
التلميذ : هو يريد سطرًا أو اثنين على الأكثر يا أستاذ، ولنبدأ بالإنسان.
الأستاذ : الإنسان كائن غامض، معقد جدًا، غير قادر على الحب. وهو حيوان ناطق، ضاحك، مدني، متدين، وهو مخلوق قذر، بل أقذر الكائنات!
التلميذ : (يدون) أقذر الكائنات.
الأستاذ : وعلى الرغم من أن القانون الأخلاقي مجبول فيه، إلا أنه لا يتورع في حمل السلاح من أجل الحصول على بيضة!
التلميذ : (يدون) بيضة. وماذا عن الطبيعة؟
الأستاذ : الطبيعة تتبع قوانين مادِّيَّة سببيَّة خالية من الروح، وإن وجدت تلك الروح، فمن الصعب جدًا النجاة بسبب القوانين السببية.
التلميذ : (يدون) من الصعب جدًا النجاة. والآن الحب؟
الأستاذ : الحب هو الحل الوحيد لمشكلة الوجود البشري، هو الألف والياء في قصة الحياة. الحب هو أن تحب المحبوب وهو في أسوأ حالاته، حتى لو كان جيفة.
التلميذ : (يدون) جيفة. (وقفة) وماذا عن الكراهية؟
الأستاذ : الكراهية هي حالة وجودية تمثل عائقًا أمام تحقيق الانسجام والتكامل الروحي والنفسي للإنسان، هي شيء مقيت جدًا، إنها كالحيوان الأبكم الأصم الذي يخشى الفهم.
التلميذ : (يدون) يخشى الفهم. آخر شيء، النجاح والفشل؟
الأستاذ : (بمرارة) الفشل يشل إرادة المرء، إنه كالفيل الضخم الذي يهوي على عنكبوت صغير بالكاد يقوى على الحركة.
التلميذ : (يدون) بالكاد يقوى على الحركة، وأخيرًا النجاح؟
الأستاذ : النجاح أكبر كذبة طالما أن النهاية موت.
التلميذ : (يدون) طالما أن النهاية موت.
(يغلق التلميذ دفتره ويضعه على المنضدة. يُخرج حافظة نقوده ويسحب منها ورقة نقدية ويضعها في يد المدرس الذي يدسها في جيبه دون أن ينظر إليها. يعود الأستاذ لشرب القهوة بصوتٍ عالٍ، ويبدأ التلميذ في شرب القهوة من الفنجان)
الرجل الرياضي : يا أستاذ، ذكرتَ أن القطة التي بلا رأس تتشابه مع الأرنب والنمس والثعلب وابن عرس وحيوان آخر لا أعرفه.
الأستاذ : القوطي.
الرجل الرياضي : أجل، حيوان القوطي. هل يمكن أن تشرح لنا أوجه الاختلاف بينهم؟
الأستاذ : الفرق بين القطة والأرنب دون النظر إلى الرأس، يبرز بشكل أساسي في الجسم والأطراف، فالقطة لديها جسم أكثر قوة، وعضلات، وذيل طويل وكثيف، أما الأرنب فله جسم أكثر استدارة ونعومة، ولديه ذيل قصير ناعم. أرجل الأرنب الخلفية طويلة وقوية، أما الأمامية فهي قصيرة نسبيًا على عكس القطة التي تبدو أرجلها متقاربة نسبيًا. وبخصوص الفراء، فالقطة فراؤها أكثر تنوعًا من حيث اللون والنقوش، في حين أن الأرنب فراؤه أكثر نعومة ويأتي بألوان بسيطة مثل الرمادي والبني والأبيض والأسود.
الرجل النحيل : إذن، القطة يمكن أن تكون أرنبًا لو قصرت أرجلها الأمامية وكان جسمها أكثر استدارة.
الأستاذ : بالضبط.
الراقصة الأولى : والأرنب يمكن أن يصير قطة، لو استطالت أرجله الأمامية، وكان فراؤه أكثر تنوعًا من حيث اللون.
الأستاذ : تمام.
الرجل الرياضي : وماذا عن الفرق بين القطة والثعلب؟
الأستاذ : الفرق بين القطة والثعلب دون النظر إلى الرأس، يكمن في أن الثعلب له ذيل أطول من ذيل القطة، ومن حيث الجسم، فالثعلب أكبر حجمًا، ولديه مخالب غير قابلة للسحب مثل القطة. والثعلب فراؤه كثيف وخاصة في الشتاء.
الراقصة الثانية : إذن، القطة تصبح ثعلبًا في فصل الصيف!
الرجل الرياضي : لا. لا يقصد الأستاذ هذا الأمر، لكنه يقصد أن الثعلب يمكن أن يصير قطة لو كان أقل حجمًا ولديه مخالب قابلة للسحب.
الراقصة الأولى : وماذا عن ابن عرس؟
الأستاذ : جسم القطة متناسق ويعطي مظهرًا مستديرًا، أما ابن عرس فجسمه طويل ونحيف وأسطواني. أرجل القطة أطول نسبيًا، أما ابن عرس فأرجله أقصر. ذيل القطة طويل وكثيف، أما ذيل ابن عرس فأقصر وأقل كثافة. أما بخصوص الفراء، فالقطة لديها فرو ناعم وكثيف، في حين أن ابن عرس فروه أقل كثافة وملتصق بجسمه.
الرجل النحيل : وماذا عن القطة والنمس؟
الأستاذ : لو قارنا بين القطة والنمس من دون النظر إلى الرأس، فالنمس لديه جسم طويل ونحيف أكثر من جسم القطة، وأطرافه قصيرة مقارنة بطول جسمه، كما أن ذيل النمس أقل كثافة في الفرو، ويكون نحيفًا مقارنة بذيل القطة. أما بالنسبة للفراء، ففراء النمس عادة ما يكون خشنًا. ولونه يميل إلى البنيِّ أو الرماديِّ أو الأسود.
الراقصة الثانية : إذن، الأرنب هو نفسه حيوان النمس.
الرجل الرياضي : (منزعجًا من إجابة الراقصة الثانية) لا، ولكن الأستاذ يقصد أن ابن عرس هو نفسه حيوان النمس.
الأستاذ : لا، النمس وابن عرس ليسا الحيوان نفسه، لكنهما ينتميان إلى عائلة واحدة، لذلك يشتركان في بعض الصفات الشكلية.
الرجل الرياضي : (محرجًا) وماذا عن القوطي يا أستاذ؟
الأستاذ : القطة أصغر نسبيًا من القوطي، وتمتلك أطرافًا أصغر منه، كما أن أطراف القوطي الأمامية أطول. أما بالنسبة للذيل فالقوطي له ذيل طويل ومخطط وأكثر خشونة.
الراقصة الثانية : إذن القوطي هو نفسه حيوان النمس المصري.
الأستاذ : لا، ليس كذلك، فالقوطي يختلف شكلًا وموضوعًا عن النمس.
الرجل الرياضي : دعك منها يا أستاذ، فهي سكرانة.
الراقصة الثانية : أنا سكرانة يا حقير!
الرجل الرياضي : أجل، سكرانة، ولولا أنكِ أنثى لكنت الآن هشَّمت رأسكِ.
الراقصة الأولى : تهشم رأس من يا حضرة، انتبه لكلامك!
الرجل الرياضي : أهشم رأسيكما أنتما الاثنتين!
الراقصة الأولى : أيها الوغد، بل نحن من سيهشِّم رأسك.
الرجل الرياضي : (ينهض من مكانه فيمسك به الرجل النحيل من يده) دعني أذهب إليهما.
الرجل النحيل : اجلس، دعك منهما، الأمر لا يستحق.
الرجل الرياضي : (بعد أن جلس وبصوتٍ عالٍ) غوانٍ!
الراقصة الأولى : قذر!
الراقصة الثانية : اعطني مفتاح السيارة.
الراقصة الأولى : ماذا تريدين؟
الراقصة الثانية : سأحضر شيئًا منها.
(تضع الراقصة الأولى في يدها المفتاح، فتنهض الراقصة الثانية، وتسير على خشبة المسرح وهي تترنح حتى تخرج من جهة اليسار، من المكان الذي دخلت وخرجت منه بائعة الفل)
التلميذ : بعد كل هذا الحديث يا أستاذ، هل يمكننا أن نصل إلى نتيجة؟
الأستاذ : ما النتيجة التي تريد أن تصل إليها؟
التلميذ : النتيجة التي نريد كلنا أن نصل إليها هي؛ ما نوع هذا الحيوان المقتول؟ هل هو قطة أم ثعلب أم أرنب؟
الرجل النحيل : أجل، فالأرنب بدون الرأس يمكن أن يصبح قطة.
الرجل الرياضي : والقطة يمكن أن تصبح ثعلبًا.
الراقصة الأولى : والقطة يمكن أن تصبح (تحاول أن تتذكر) ذلك الحيوان.
التلميذ : تقصدين حيوان القوطي؟
الراقصة الأولى : أجل القوطي.
الأستاذ : (للتلميذ) هل تأكدت الآن؟
التلميذ : تأكدت من ماذا؟
الأستاذ : أن المنطق كله فاشل ولا يفضي إلى نتيجة، ولو لم يكن كذلك لكانوا الآن يطبقونه في القضايا العاطفية والاجتماعية والدين والأخلاق والعلاقات الإنسانية كلها!
التلميذ : وكيف يمكن حل هذه المسألة يا أستاذ؟
الأستاذ : الحل سهل جدًا يا صغيري، أسهل من كل ترهات علم المنطق وجدل الفلسفة العقيم.
التلميذ : وما هو؟
الرجل الرياضي : ما هو؟
الرجل النحيل : أجل، ما هو؟
الراقصة الأولى : ما هو الحل يا أستاذ؟
الأستاذ : الطبيب البيطري.
التلميذ : (يكرر متسائلًا) الطبيب البيطري؟!
الرجل النحيل : (للرجل الرياضي) الطبيب البيطري!
الراقصة الأولى : الطبيب البيطري! وكيف له أن يعرف؟
الأستاذ : الطبيب البيطري يمكنه وبمنتهى السهولة أن يعرف أنها قطة، ومن دون أن يقارنها بأي حيوان آخر.
التلميذ : وكيف للطبيب البيطري أن يعرف ذلك يا أستاذ؟
الأستاذ : الطبيب البيطري لن يعتمد على الشكل الخارجي، فهو لن ينظر مثلنا إلى الجسد أو الفراء أو الذيل أو الأطراف، ولكنه سينظر إلى أبعد من ذلك.
التلميذ : إلى أين سينظر يا أستاذ؟
الرجل النحيل : أجل، إلى أين سينظر؟
الراقصة الأولى : إلى أين سينظر الطبيب البيطري؟
الرجل الرياضي : (وهو ينظر إلى الراقصة الأولى) إلى الأعضاء التناسلية.
الراقصة الأولى : وغد حقير!
الأستاذ : الطبيب البيطري سينظر إلى الهيكل العظمي، فلكل حيوان شكل عظام مختلف، وخاصة في منطقة الحوض والأطراف.
التلميذ : والهيكل العظمي يوجد في الداخل، إذن الحقيقة في الداخل يا أستاذ.
الرجل الرياضي : الحقيقة في الهيكل العظمي.
الرجل النحيل : أجل، الحقيقة في الداخل.
الراقصة الأولى : (تتأمل الجملة) الحقيقة في الداخل.
الأستاذ : (بعد فترة صمت) أجل، في الداخل يا بني.
(تدخل الراقصة الثانية من أقصى يسار المسرح وفي يدها مسدس، تقترب من الرجل الرياضي وتطلق عليه ثلاث رصاصات. يسقط الرجل الرياضي على أرضية المسرح، يتقلب حتى يصل إلى الحيوان المقتول، ويموت بجانبه!
يفر جميع من في المقهى عدا الأستاذ والراقصة الثانية، تسير الراقصة الثانية تجاه الأستاذ وهي تترنح، تضع المسدس في رأسه، يظلم المسرح تدريجيًا)
الراقصة الثانية: لن أتركك حتى تخبرني عن الفرق بين هذا الحيوان (تشير إلى الرجل الرياضي المقتول) والقطة!
الأستاذ : الفرق بين الإنسان والقطة، ودون النظر إلى الرأس، يكمن في تركيب الجسم والبنية التشريحية، فالقطة تتميز بجسم مرن ورشيق، ولديها أربعة أرجل. أما بخصوص الفراء....
إظلام