يكشف الشاعر السوري في هذه القصيدة التي يتضافر فيها السردي مع الدرامي عن استحالة الهروب من شقة الجسد / الوطن / الهم العربي المقيم.

هروب من شقة الجسد

منير محمد خلف

مرَّةً..
قال لي صاحبي:
مِنْ هنا لا تمرَّ..!
المناديلُ مغبرَّةٌ بالبكاءِ
الشوارعُ ملتفّةٌ حول بعض النساءِ
اللواتي نسجْنَ من الفجر قاماتِ حزنٍ
يزخرِفْنَ أحلامَنا بصقيعِ الجهاتِ..
حماماتُنا فوق سطحٍ غريبِ الصباحاتِ.
تنغرسُ المرحباتُ
بطينِ الفراقِ
وتنقرضُ الأغنياتُ على آخرِ الفرحِ
المتورّطِ في عشقنا الآدميِّ
.أنا..!
يا أنا..!
هل تَرى غيرَكَ اليومَ يبكي
على جثّةِ الوردِ،
يفتحُ نافذةً لطيور الغيابْ؟

هل أنا واحدٌ لا رفيقْ..؟
أم أنا شرفةٌ
تتوزّعُ بين شبابيكِ موتٍ.. حريقْ؟
أَمْ لنا أنْ نُدخِّنَ أحزاننا
أو نغادرَ أحلامنا
كي نشتِّلَ في آخر العمرِ زهرَ بداياتنا
ونكسِّرَ أغلالَ مَنْ ربطونا بصخرِ النّواحْ.

إننا نملك الماءَ والطينَ
نفتحُ أبراجنا للحمامِ،
نُعلِّبُ أدمغةً
قد تكلَّسَ فوقَ سطوحِ قبائلها
سُلَّمُ العاطفَهْ
ثُمَّ نُطلِقُ أطيارَ صرختنا،
ونحاربُ مَنْ لا يحارب أكفانَهُ السُّودَ،
نُغلِقُ باب الفضاءِ
أمامَ ادّعاءاتهمْ وخرافاتهمْ وأقاويلهمْ
ثم نُشعِلُ في قاعِ أحلامهمْ
حَطَبَ الذكرياتِ
ودنياهمُ الزائفَهْ.

إنّنا إنّهم..
إنهم يحملونَ توابيت أحزانهم،
يخرجونَ من الموتِ،
قاماتُهم من دخانٍ
تعرَّى من الأفقِ..
لا يتركونَ أناشيد غربتهم
عند أيٍّ من العتباتْ.

ربّما خانني بعضُهم،
ربّما تُعلنُ الأرضُ توبتَها،
ثم تُبكي قرنفلةَ النّهرِ
نارُ القصيدةِ
لم تُشْعِلِ الماءَ في ركبةِ الموجِ
لم يعرفِ الراحلونَ طريقَ دمي
ونشيدَ عصافيره الخائفَهْ

كنتُ طفلاً
(يرى ما يريد)
ويقطفُ ممّا يراهُ ثمار التّعبْ.

ليس عندي من الموت حتّى أموتَ
أسدِّدَ فاتورةَ الجرحِ
لكنَّ عندي من الحزن
ما يجعل القلبَ
نافورةً من خيول البكاءْ.

ارأفي بالطيور
التي رفعتْ أُفقَها عن حقول دمي،
ارأفي بي،
أنا أرضُكِ الـ تشتهي غيمةَ الضوءِ
كي تسكبي صوتَكِ الحُلْوَ
في شهقاتي الجريحةِ
في زيزفوني القتيلِ
على جثّةِ الأرضِ والكائناتْ.

صادري الهمَّ!..
هذي حدودُ يديَّ
ملطّخةٌ بالرحيلِ.
.. انزعي من شقوقِ دمي شوكَ يأسٍ،
تحاصرُهُ دمعةُ الرّيحِ
كم تتحجّر في مقلةِ الوردِ!
لا أشتهي غيرَكِ اليومَ..
يا اااااااهْ..!
كم تكون التشابيهُ أقزام من ورقٍ
عند باب حضوركِ
يا رحلتي.. يا حنيني
ويا زهرَ حسرتيَ النازفَهْ!!

أَملي أنْ تصيرَ يداكِ يَدِيْ
ثمّ تصبحَ كلّ الأصابعِ
داليةً تسترُ القلبَ
ممّا تُعاني البلادُ
وممّا أعاني أنا
من قساوة هذي المدينةِ والناسِ
والكلّ في كلِّهم
محضُ عارٍ،
وخطْواتُهم نحو نهرِ الحياةِ
تظلُّ مقيّدةً واقفَهْ.

حُلُمي أنتِ
يا كلَّ آماليَ الطالعاتِ
من الشرقِ والغربِ
والغربِ والشرقِ
والجهة المستحيلةِ
من كلّ أطرافِ عمري،
ومن جهةٍ جهلَتْها القوانينُ،
لم يكتشفْها سوى العاشقينَ
الذين رأوا ما روته البلادُ
من الليلِ والويلِ
والرحلةِ التالفَهْ.

قال لي صاحبي:...
ومضى..
صاحبي أخذوه بصمتٍ من البيتِ
صاروا يصبّونَ فوقَ يديهِ جحيمَ السّؤالِ
ومازال مثلي
يُلقِّنُ نزْفَ أصابعِهِ: أنّهُ خضرةٌ
لفساتين هذي البلادْ،
سُكَّرٌ في حقائبِ أطفالها.
ينحني في خشوعٍ.
أمام قداسةِ أنهارِها،
يتشيَّأُ في نفسهِ
ثم يخنقُ فينا هبوبَ الأرقْ.

أقفلتْ وردتي صوتَها،
ودمي راحَ يُطفِئُ أفراحَهُ؛
صاحبي صار مثلي
يُقشِّرُ أشواقَهُ المُحرقاتِ.
أنا كنتُهُ،..
كان يمشي،
وكنتُ الطريقَ،
... أنا ضيَّعتني المنافي
وصادَرَني اليأسُ.
حطَّتْ على كتفِ الرّوحِ
قبَّرَةٌ من صراخٍ.
توضَّح كلُّ الذي بيننا،
 حنَّطَ الحزنَ فينا..
وغيَّبنا اليأسُ
في بركةٍ من غَسَقْ،

سرقَ الماءَ والطّينِ
من شفةِ الماءِ والطينِ
ثمّ انطلقْ.

شاعر من سوريا