يرصد الناقد المغربي هنا عبر دراسة سيميائية استراتيجية تمثل وتمثيل العنوان في القصة القصيرة المغربية، لا بوصفه عتبة نصية، بل تحاول الدراسة تبين الجهة التي يموضع فيها الكاتب العنوان قياسا إلى النص والعالم. في أفق صياغة قوانين سيميائية لإنتاج وتلقي العنوان.

استراتيجية تمثل وتمثيل العنوان

دراسة سيميائية في القصة القصيرة المغربية

عبداللطيف محفوظ

0 ـ تقديم: عن العنوان من وجهة نظر سيميائية:
يعتبر العنوان دليلا مركبا مزدوج الموضوع والوظيفة، ينتمي إلى أنساق متعددة وأنواع سننية ثقافية مختلفة. وذلك لأنه قدر مفروض على كل نص، مهما كان انتماؤه الأجناسي، بفعل ضرورة نابعة دونما شك من نظامنا العقلي، الذي لكي ينظم خزانته الموسوعية المتعالية عن كل ذاكرة فردية، يسعى إلى اختزال النصوص في أدلة مكثفة جدا. ليجعلها بذلك تخضع، وفق شكل مخصوص، للقانون الذي يحكم الموجودات بفضل الأسماء. ومن الواضح أن هذا البعد العام للعنوان يجعله، بما هو معطى سابق على كل تصنيف أجناسي أو نوع خطابي، مدار حديث واهتمام كل الأنساق المعرفية الممكنة. وعلى الرغم من كونه يبدو بالنظر إلى مستوى وجوده العام، مجرد مؤشر بسيط على نص معين، فإن ذلك لا يمنع من ملاحظة كونه يخضع في تركيبه وبناء دلالته إلى إرغامات تقليد وضع العناوين من قبل أجناس الخطاب التي يعنون نصوصها. إذ لن يجد الدارس صعوبة في ملاحظة أنه يأخذ مع كل حقل معرفي شكلا معينا تؤثر فيه التقاليد وخصوصيات العوالم الدلالية وأنماط الطوبيقات. ويعتبر الاهتمام بهذا المستوى العام اهتماما غير مقصور على الأدب، إذ يقبل أن يكون موضوع مقاربات سياسية واجتماعية وتاريخية، ومن ثمة يصير جزءا من موضوعات تاريخ الأدب والعقليات وتاريخ المنشورات أيضا. وبالتالي يصبح آلية لتحديد العلاقة المحايثة دياكرونيا وسانكرونيا بين البنية التصورية لعنونة نسق الأجناس الخطابية، وحساسية التلقي الموسومة بأوفاق معلومة. ولأن انشغالنا في هذه الدراسة محصور في العنوان بوصفه عتبة نصية في جنس القصة القصيرة المغربية، الصادرة حديثا، فسنتجاوز المستوى العام، محاولين تبين الجهة التي يموضع فيها الكاتب العنوان قياسا إلى النص والعالم، ونقصد جهات الإمكان والوجود بالمجاورة والوجود بالإشارة. وهادفين إلى صياغة قوانين سيميائية لإنتاج وتلقي العنوان. 

1 ـ العنوان وسيرورة الإنتاج:
يشكل العنوان منارة النص التي تحدده وتدل عليه داخل نسق العناوين العامة، والخاصة المقيدة بعتبة الإشارة إلى المحدد الأجناسي، وهو مشروط بقوانين خاصة أهمها التكثيف والجمالية واختزال المعنى النصي، وقد يتجسد في دليل أحادي أو دليل مركب. غير أن هذا الدليل بفعل كونه مؤشرا على عوالم متراكبة، تتأسس على العالم الفعلي بما هو شكل سيميائي، والعالم الممكن للنص بما هو منجز سيميائي، يمتلك محدداته الدلالية من سياقين مختلفين، يعود الأول إلى العالم الخارجي للنص الذي تتشكل وحداته الدلالية من معطيات القاموس والموسوعة، والذي يشكل مرجعا لانتقاء الكاتب للدليل ـ العنوان. إن هذا العالم بوصفه مرجعا لمختلف مكونات الموسوعة يسمح للكاتب ـ مثلما يسمح فيما بعد للمتلقي ـ بأن يقتطع من العالم حالة الأشياء التي تناسب تمثله لعالم النص قبل أن يجسدها في العنصر اللغوي الذي يتصور أنه يمثلها، وتشكل هذه العودة جزءا من سيرورة التمثل. ويعود الثاني إلى تمثل الكاتب لنصه ولشكل العلاقة التي يتغيا تشييدها مع النص ومع المتلقي لكي يؤشر عليه. ومن الواضح أن سياق العالم الداخلي للنص، وهو يخضع بالضرورة لإرغامات توجه الكاتب الذي بإمكانه التأشير على مضمون النص وفق إحدى آليات التأشير البلاغية، أو فقط تحديده لكي يميزه عن بقية العناوين المحددة لنصوص أخرى، محاولا جعل العنوان محايدا لمضمون النص، يعتبر جزءا مهما وأساسيا في سيرورة التمثل، لأنه مسؤول في واقع الأمر عن الجزء الأول الذي ليس سوى تأويل له. وفق هذا التصور فإن المعنى الممكن تبلوره يظل حاضرا في مفصل العلاقة الجدلية بين جزأي سيرورة التمثل الذهنية التي يعتبر الدليل اللغوي المشكل للعنوان تجسيدا لها، إن نقطة الضوء الأساسية تتماهى مع نقطة تقاطع الجزأين، مع هيمنة السياق الداخلي في مستوى الإنتاج، وفيض السياق الخارخي الموسوعي على إمكانات المعنى في سيرورة التلقي. لكن سيرورة التمثل المركبة، وهي تنتهي باختار الكاتب للدليل اللغوي الذي يصبح عنوانا، تتحول في نفس الوقت إلى سيرورة مضاعفة للتمثيل، حيث يأخذ العنوان مكان ممثل لموضوع دينامي يحل محل تلك السيرورة، ومعنى هذا أنه يصبح بالنسبة للمتلقي مؤولا لتقاطع سيرورتي التمثيل، ولذلك غالبا ما نجد محاولات تفكيكه تتراوح بين السياقين الداخلي والخارجي.

إن السيرورة التركيبية التي تنتج العنوان وتسم وظائفه، هي التي تمنحه أهميته وبعده الإشكالي، وتؤهله لأن يكون دائما مدخلا مغريا للدراسة النقدية. ويقتضي ذلك الوعي بشروط دراسته الموضوعية، ومن أهمها أيضا العلاقة بين اللغة والفكر والعالم، وهي تتراكب في دليل لغوي مكثف، تتصل أبعاده بعوالم مختلفة وسياقات معرفية متعددة، يختزلها ويضمرها ويطالع المتلقي كما لو كان غضا بريئا. ولهذا يتعين مقاربته أيضا من وجهة نظر سيرورة الإنتاج. 

2 ـ العنوان وسيرورة التلقي:
إن سيرورة التدلال (سيميوزيز) التي ينجزها ذهن المتلقي، لا تستطيع إلا الانطلاق من الدليل اللغوي، آخذة بعين الاعتبار القوانين السيميائية لصياغة العنوان ولإمكانات تمثيله البلاغية ولقيود الجنس الذي يحدد نوع النص، ويعبر ذلك عن مصاحبة الإدراك الأولي لفرضيات مختلفة المرجع، الشئ الذي يفرض التفكير منذ البداية في علاقات شتى ممكنة رابطة بين العنوان والنص من قبيل السخرية والتورية والتكثيف الشفاف والإنجازي وغيرها، وأخرى رابطة بين الكتاب والمتلقي من قبيل الإثارة والإغراء عن طريق التعميم المعتم وغيرهما.

وبما أن الحالات الأكثر ورودا ومقبولية تتمثل في كون الدليل ـ العنوان هو آخر دليل يضعه المبدع، وأنه آخر دليل يتمثله الدارس والمتلقي عامة، فإن سيرورة التلقي تصبح أكثر تعقيدا من سيرورة الإنتاج، حيث يكون على القارئ النموذجي مثلا، أن يعمل ما أمكن على أن يعيد في وعيه الخاص ما جرى في ذهن الكاتب، أي أن يتمثل وفق تصور ممارسي سيرورتي التمثل والتمثيل المفضيين إلى العنوان، ومن الواضح أن هذه العملية التي نمارسها بشكل يكاد يكون تلقائيا نتيجة ترسبات عادة التلقي غير المفكر في آلياته، تجعل سيرورة إدراك المتلقي بالغة التعقيد، لأنها وهي تنطلق من تمثيل الكاتب للعنوان، تحاول أولا، تصور تراكب سيرورتي تمثل وتمثيل المنتج له، ثم تحاول ثانيا، إخضاعه أو على الأقل تكييفه مع تمثلها الخاص لما تتصور أن الكاتب قد تمثله. بمعنى أن الذات مكان سيرورة التلقي تنجز تمثلا فريدا ومضاعفا.

بيد أن هذه السيرورة المركبة، إذا ما نظر إليها بعيدا عن مفهوم القارئ النموذجي غير الواقعي، لا تفرز في النهاية إلا حالة عالم ماثلة في دليل آخر يمثل مؤولا ما لسيرورتي تمثل وتمثيل مخصوصين، هي بدورها تتطلب نفس السيرورة لتمثلها وهكذا دواليك. فالعنوان بوصفه دليلا مؤولا، هو في نفس الوقت دليلا ممثلا بالنسبة لكل قارئ. وبما هو كذلك فإنه يصبح قابلا لأن يكون مجرة محصورة من الدلالات المساوقة لتمثلات السيرورة المنتجة له، وما يدعم هذا القول هو الخفاء الذي توفره تلك السيرورة نفسها، واختلافنا في تقييم الأدلة والسياقات ورموز العلامات المعطاة من قبل النصوص والعالم، وتجريدية المسارات المفضية بالأدلة إلى موضوعاتها الدينامية. حيث تتدخل إرغامات الأفعال التذاوتية، المعمورة بالخلفيات المعرفية واستعدادات الذوات للتعاون.

يتبن من خلال ما سبق كيف أن سيرورة تلقي العنوان مركبة وبالغة التعقيد في جوهرها، وأنها بفضل ذلك تقتضي مراعاة مكونات مختلفة من أجل الخلوص إلى توجيه معنى ما من بين المعاني الممكنة التي لا بد من تنويمها. ولن يكون هذا المعنى من وجهة نظر منطقية وموضوعية سوى المعنى الذي يبدو للذات (مكان سيرورة التأويل)، أكثر مناسبة لسيرورة تمثل وتمثيل الكاتب للعنوان.  

3 ـ الإمكانيات المنطقية لموضع العنوان وفق مقولات الموضوع عند بورس:
يحدد بورس الأدلة بالنظر إلى جهات وجودها ومستوى تدلالها ووجهات النظر إليها، وتفرز هذه المقاربة تسعة أنواع متميزة، لكن بما أن موضوع دراستنا سينحصر في رؤية كيفية وضع كتاب القصيرة المغربية لعناوينهم، سنكتفي بأنواع الأدلة المشكلة لمقولة الموضوع، وهي أولا الأيقونة التي تُعَرَّفُ بكون الدليل المحقق لها يكتفي بوصف الموضوع الذي يوجد دائما خارج الدليل الممثل لها. وأنها ترتبط به عن طريق المشابهة خاصة. وهي وفق شكل وجودها تنتمي إلى مقولة الممكنات. وثانيا المؤشر الذي يُعَرَّفُ بكون الدليل المحقق له يحدده انطلاقا من علاقة المجاورة، ويرتبط بمقولة الموجودات، ويحدد بدوره موضوعا ديناميا خارجا عنه. إلا أن مقولة المؤشر تقبل التمفصل إلى مقولتين متمايزتين، هما المؤشر والإشارة، وحيث هذه الأخيرة، تؤشر على موضوعها بشكل مباشر، وتشكل من ثمة انحلالا للرمز المشكل للمقولة الثالثة الموصفة لأبعاد الموضوع، لأن ما يميزها عن المؤشر هو كونها تؤشر على الرمز الذي يأخذ عند بورس موضع الدلالة المجردة على الشيء المحدد في مستوى اللغة المجرد، باعتباره يحل مباشرة محل موضوعه. وثالثا الرمز ويحدد بكونه يحل محل موضوعه، إلا أنه مجرد ومتعال عن الاستعمال الزمني بفعل كونه يشغل مقولة الضرورة التي تتولى الربط، ولذلك فإن كل وروداته الوجودية، المنحلة عنه تتبوأ مكانة الإشارة.

وهكذا يتبين أن أنماط التمثيل الكبرى تتحدد في المقولات الثلاثة التالية: الأيقونة والمؤشر والإشارة. وتشكل آليات لتشكل وتلقي الدليل ـ العنوان، وسنعمل على توضيح المسارات الممكنة للتدلال المؤسس على كل نمط تمثيلي من خلال انتقاء ثلاثة عناوين، لثلاثة قصص كتبها كتاب ينتمون إلى أجيال واتجاهات مختلفة وهي سوء الظن لعمر والقاضي وترانتسيس لمليكة مستظرف وتفاح الظل لعدنان ياسين. 

"سوء الظن" وسيرورة التمثيل الإشاري:
لقد وضحنا كيف أن الأدلة الإشارية المنحلة مباشرة عن الرمز والمشكلة لنسخة وجودية منه، تنتمي إلى فئة الملفوظات الشفافة التي تعبر بشكل مباشر عن موضوعاتها، ولكنها مع ذلك باعتبارها ورودا متميزا للرمز، يحكمها التواجد الفعلي المقيد بإرغامات الزمن والمكان وشروط التواصل خارج السيميائية، الشيء الذي يمنحها بدورها غلالة من الضباب الذي يمرر خفاء ما، يتيح للمعنى أن يكون مشوبا بالتباس طفيف. إن الدليل "سوء الظن" الذي يعنون القصة الأولى في مجموعة سوء الظن، هو في مستوى الممثل دليل مفرد منحل عن دليل قانون، ولذلك فموضوعه بسيط يتألف من جماع دلالتي السوء والظن، وهو تركيب يسمح للعرف الاستعمالي بأن يضيف إلى الدلالة اللغوية، سمات معيارية ناتجة عن ترسبات الاستعمالات الأخلاقية، يجعلنا ذلك من جهة نستحضر بالضرورة سياقات تتصل بالريبة والشك والتوجس وسوء التقدير، ومن جهة أخرى نستحضر على الأقل إطارين مرجعيين لتلك السياقات، وهما: الخلل النفسي والذكاء الاجتماعي. يرتبط الأول بالذات المسيئة للظن بإطلاق، ويرتبط الثاني بوعي إمكانات رياء كلام وسلوك الآخر، باعتبار الرياء ممارسة ممكنة في التواصل الاجتماعي عامة. وإذا كان الإطار الأول يحيل على خبايا الذات وخلفياتها الخفية، فإن الثاني يؤشر وفق المعرفة باللغة والعالم، على حالة ذهن مترددة إزاء حالة أشياء مريبة.

لكن بما أن العنوان محروم من الاستناد إلى ذات معينة، فإنه يميل إلى الدلالة على حالة ذهنية منحطة من وجهة نظر أخلاقية، إنه يدل على قيمة ذهنية سلبية، كلما أسندت لذات بعينها وَصَّفّتْهَا بسمات مدمومة، رغم أنها قد تكون أحيانا من حسن الفطن. بناء على هذا التحديد، فإن أفق الانتظار الذي يحضر في ذهن المتلقي المفترض للنص، يتخيل مسارين متضادين، يتجسدان في عالمين ممكنين وبرنامجين سردين متضادين أيضا. مع افتراض كون الأول مُوَجَّهًا وزائفا، وكون الثاني مجسِّدا للحقيقة ومفندا للأول. إن العنوان بوصفه إشاريا، يرسم منذ البداية الدلالة، ويعد بخيوط نسيجها، ولا يترك للمتلقي من خفاء سوى المسارات السردية المميزة لتصادم وتشكيل وتقاطع البرنامجين السرديين، وتفاعل الذوات معهما..

عنوان "سوء الظن" إذن بوصفه تمثيلا إشاريا، يعد بعالم من التوجس المرضي أو المعقول ومن انكشاف الوهم، لكنه جراء الخفاء الطفيف الممكن، يمكن أن يخيب أفق انتظار المتلقي. حين نقرأ نص القصة القصيرة نكتشف أن الأمر يتعلق، من جهة، بكاتب أو سارد قصة قصيرة جدا، كلما رأى الرئيس الأمريكي متوجها إلى منصة الخطابة، يضع يده على خريطة وطنه، ويرفعها حين ينهي خطبته، ويتعلق من جهة ثانية بزميل له من على نفس منصة القراءة، يعقب عليه واصفا إياه بالتخلف لأنه يكتب عن الرئيس الأمريكي، ناصحا إياه بالكتابة عن مؤخرة جارته.

يسيء كاتب القصة الظن بالرئيس الأمريكي متوجسا من إصداره قرارا ضد بلده، لذلك يحاول حمايته استعاريا بوضع يده عليه. إن سوء الظن هنا يؤشر على تمثل مباشر وبسيط لواقع الأوضاع السياسية في ظل هيمنة وحيدة القطب. بينما يدل سوء الظن في المقطع الثاني المرتبط بالزميل، على قصور الكاتب في إيجاد موضوع فعال للكتابة. ملمحا إلى أن الكتابة ذات النسغ السياسي مثل الكتابة الساذجة عن الجنس، تمويه وإخفاء لغياب الموهبة الأدبية. لكن ما أن ينتهي القارئ من القراءة حتى يسيء الظن بدوره، إما بالكاتب إذا تماهى تقييمه للقصة مع موقف الزميل، أو بالزميل إذا اتفق مع موضوع القصة، وخصوصا إذا أخذ بعين الاعتبار، إلى جانب المعرفة باللغة المعرفة بالعالم، حيث سيادة الرياء وتبخيس أعمال الآخرين في الوسط الافتراضي للمجتمع الأدبي. وبذلك نكون أمام ثلاثة ذوات سيئة الظن. ويعني ذلك غنى العنوان واستطاعته رغم إشاريته توجيه المعنى الأكثر مناسبة للنص الذي يعنونه. 

ترانت سيس والتمثيل المؤشري
إن عنوان قصة المرحومة مليكة مستظرف وعنوان مجموعتها "ترانت سيس" وإن كان يدل على العدد العربي ستة وثلاثون، فإن العدد العربي لا يأتي إلى ذهننا نحن المغاربة، حين يتلفظ في سياقات معلومة، بل يمضي ذهننا مباشرة إلى معنى مجازي علاقته المحلية، وهو الحمق والاختلال النفسي وما إليهما، وذلك لكون المعرفة بالعالم تؤطر المعرفة باللغة وتتجاوزها. ويعود ذلك إلى كونه رقمَ الجناح الخاص بالأمراض العقلية بمستشفى بمدينة الدارالبيضاء. وقد انتشر وتسرب إلى اللغة العامية حتى فقد بعده المجازي وأضحى دليلا عاديا في اللغة العامية. مضيفا إلى الحمق سمات دلالية من قبيل القدح والسخرية والمشاكسة والدعابة أحيانا. إن الدليل المجسد في العدد ترانت سيس، ليس أيقونة للحمق لأنه ببساطة لا يشبهه، بل يؤشر عليه بفضل سياق منطقي خاص. ومن هنا يستعد المتلقي لتعرف عالم ممكن للحماقات والانحرافات السلوكية. وبالفعل فإن العالمين الممكنين المشكلين لحكاية القصة يجسدان أفعالا وانطباعات تجاه الذات والآخر والأشياء والأفكار تنتظم في سياق التناظرات المتصلة بالسمات التابعة لدليل ترات سيس. فالبنت التي لا تعرف شيئا عن المظاهر البيولوجية لذاتها كأنثى، وهي تفاجأ بالعادة الشهرية لأول مرة في حياتها، تصاب بنوبة ذهول، وتفرض على الأب تصرفات خرقاء غير مراعية لظروفها. والأب الذي دأب كل ليلة سبت على استضافة امرأة يضربها في الصباح ويطردها دون أداء المبلغ المتفق عليه ثم يرمي لها بمحتويات حقيبتها لتصبح غنيمة للأطفال الذين دأبوا على ذلك السلوك، والنساء المطرودات بلا حقوق ولا ممتلكات حميمية يملأن الزقاق بالصراخ. والأب الذي حالما يخرج من نوبة الغضب والطرد يدخل في نوبة ضحك ثم يأخذ السجاد ويصلي ركعتين شكرا لله.

إن عالم القصة الحافل بانحرافات سلوكية متناقضة ومؤسسة على سوء الفهم والتقدير ومترجمة لعقد نفسية شتى، تشكل في تضافرها عالما لاختلال السلوك الذي يستحق وفق التمثيل المجازي للغة العامية المغربية الدليل "ترانت سيس". 

تفاح الظل والتمثيل الأيقوني
إن عنوان قصة ومجموعة الشاعر المغربي الشاب عدنان ياسين "تفاح الظل" مركب من دليلين هما التفاح والظل. ولا يفيد موضوعهما المباشر بالضرورة التفاح الموجود في الظل، أو العالق بشجرة في الظل، بل يميل بفعل تركيبه إلى صورة تتصور في الذهن أكثر مما تتصور بوصفها تمثيلا لحالة عالم. غير أن هذه الصورة المركبة من أدلة كثيرة الورود في النصوص الإبداعية، تنحو نحو المعاني الاستعارية، التي تخلق سياقات مناسبة تحدد ممكنات الدلالة. الشيء الذي يحتم على المتلقي منذ البداية تطوير إدراكه لها، وذلك بالبحث عن طريق الجولات الاستنتاجية المؤسسة على المعرفة باللغة والعالم، عن موضوعها الدينامي الخاص بها بوصفها تَمَثُّلٌ لحالة عالم قبل أن تكون تمثلا وتمثيلا لعالم نص ما: إن التفاح جمع تفاحة، والتفاحة فاكهة تشتهى فتؤكل أو لا تؤكل، وهي أيضا بالاستناد إلى المعرفة الموسوعية أيقونة للخطيئة الأولى، وللغواية. ومن ثمة أيقونة للعلاقات المحرمة، وقد تكون أيضا وفق سياقات التمثيلات السائدة في بينما يصاحب الظل بسمات دلالية تابعة توفرها المعرفة باللغة والعالم، تسود أغلبها نتيجة كونه انعكاسا لحاجز يمنع انتشار الضوء ومصدره الأكثر رسوخا أي الشمس. وبغض النظر عن معناه الفلسفي المؤشر على السيميلاكر، فإن من بين أهم السمات التي تستحضر: الجزء المحجوب عن الضوء، والطيف والشبح، مع الدلالة على شيء من الغموض والبرودة والزيف، لكن الظل وإن كان يقترب من العتمة فإنه لا يكون إلا بوجود ضوء يخفيه، ولذلك فحضوره متلازم دوما بحضور افتراضي للضوء.

وهكذا فإن الموضوع الدينامي المركب لهذا الدليل الصورة، ترتبط دون شك بغواية مصدرها الأنثى وبمتعة محضورة، بعيدا عن الوضوح وغارقة في الظلال المعتمة التي تجعلها متوهمة وغير مكتملة يتصادم دفؤها المفترض ببرودها الفعلية، وحقيقتها الجسدية بزيفها الروحي. لكن بالعودة إلى النص نجد كل هذه السياقات موجودة بدقة في العالم الممكن، فالقصة تنطلق بفعل إغراء تمارسه تلميذة في الثانوي على استاذها، الذي حالما يستطيب هذه العلاقة، يسلمها مفاتيح شقته، لتمارس دورها كاملا كزوجة في الظل، غير أن هذه التلميذة لم تكن تأتي وحيدة بل كانت دائما مصحوبة بصديقتها التي تشاهد كل شيء وكأنها غير موجودة وعند كل فراق يعانق حبيبته بحرارة ويمد يده في احترام وخجل لصديقتها، لكن حدث أن تعرضت لمرض فرض عليها لزوم الفراش مدة طويلة، وخلال هذه المدة، سلمت صديقتها المفاتيح، حتى تزور الشقة بانتظام وتنوب عنها في ترتيب البيت.. إلى أن طلبت رجاء من حبيبها ذات مرة أن يمارس كل الذي كان بينهما مع صديقتها على مسمع منها عبر الهاتف، وهكذا أصبحت الصديقة المخلصة تقوم بدورها السابق ودور صديقتها، لكن في عتمة كاملة وعلى مسمع صديقتها عبر الهاتف. وبعد اكتفاء رجاء ووضعها السماعة، تنسل الصديقة إلى خارج الغرفة وتأتي خجولة بالقهوة كما لو كانت رجاء موجودة، وفي الموعد تغادر الأستاذ الذي يمد لها يده كالعادة أيضا بوقار وحياء. وحين شفيت، عادت حياتهم إلى سابق عهدها مع تغير طفيف، حيث أصبحت الصديقة تندس بصمت في فراشهما، حتى أصبح يلتبس الأمر على السارد أين ينتهي جسد رجاء ويبدأ جسد صديقتها، وكل ذلك وفق تواطؤ خفي يساهم فيه الجميع، ثم تنسل في الوقت المناسب، لتمارس دورها الأول.

إن العلاقة التي تربط الموضوع الدينامي للعنوان بالنص هي علاقة ممكنة وحسب، قائمة على المشابهة، لاتؤشر على الموضوع الدينامي الغني للقصة، بل توجه إحدى دلالاته الممكنة. وهكذا يتبين أن العنوان في القصة القصيرة المغربية، مهما اختلفت أشكال تمثله للعالم وتمثيله للنصوص، ومهما تنوعت فضاءات النصوص، يظل مبنيا بشكل واع مفكر فيه بدقة متناهية، كما أنه يظل ذا أهمية قصوى في توجيه فعل القراءة نحو معنى ما من بين المعاني الممكنة للنصوص. 

ناقد من المغرب

مصادر الدراسة:
عمر والقاضي، سوء الظن، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب 2004.
مليكة مستظرف، ترانت سيس، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب 2004.
ياسين عدنان، تفاح الظل، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب 2006.

مراجع الدراسة باللغة العربية:
عبد اللطيف محفوظ: وظيفة الوصف في الرواية، دار اليسر، البيضاء. 1989
شعيب حليفي: هوية العلامات: في العتبات وبناء التأويل، دار الثقافة، البيضاء، 2005.
عبد اللطيف محفوظ: آليات إنتاج النص ، منشورات القلم المغربي، البيضاء، 2006.

مراجع الدراسة باللغة الأجنبية:

Eco (U), Lector in fabula, Traduit de l Itallien par M. Bouzaher, ed: Grasset, Paris, 1985. Eco (U), Sémiotique et philosophie du langage, Traduit de l Itallien par M. Bouzaher, ed: P.U.F. Paris, 1988.
Peirce (C.S) Texes Fondamentaux De Sémiotique, Traduction et notes de B. Fouchier ـ Axelsen et C.Fox, ed: M.K. Paris, 1987.
Searle (A.R) Sens et expression, Traduit par: J. Proust, Ed: M INUIT? 1982.



由于民间相传酒酿蛋的做法有很多种产后丰胸产品,质量有层次之分,所以喝不同质量层次的酒酿蛋,作用差异也会很大。粉嫩公主酒酿蛋创始人刘燕,祖上就自有一套很好的酒酿蛋的做法,代代相传,通过多年的沉积和堆集,相传到刘燕这一代产后丰胸方法,传统手艺做法与现代科学相结合,通过7年超长周期的研制,发明出了粉嫩公主酒酿蛋,发挥出了酒酿蛋的成效,成果了健康丰胸和内生养颜的必需品丰胸食物,赢得了万千亲们的力捧,获得了广阔丰胸界的共同认可,也因而发明晰粉嫩公主酒酿蛋的品牌专利粉嫩公主酒酿蛋