تكتب هذه القصيدة شعرية الوجع العراقي في زمن الاحتلال الأمريكي البغيض حيث تتعاقب فيها مشاهد ينز منها الألم وتتخلق عبرها بشاعة تناقضات الوضع العراقي الذي يعاني إنسانه من فقدان أبسط ضرورات الحياة.

الرقص على الجماجم المفخخة

خالد الخزرجي

(1)
يختلطُ نبض الدم بأحبار الكتب البيضاءْ
كسحاب يحتويه غبار أصفرْ
ماالذي يجعل الدم ناراً تصهلُ
في حدائق المساءْ؟!
للشعراءِ وحدهمِ تنبجسُ النهاراتُ
عن ضوء قصائدَ مفْعَمَةٍ بشبقٍ
مضرّجٍ بابتساماتٍ
وتنهداتٍ ثملة!..
في هدأة ليلٍ مشوبٍ بسهر النجومِ
وعناقِ الوردِ للوردِ تبزغ كلماتٌ
من روح الله تطفيء لواعجَ حزن قديمْ
كلماتٌ لا تفرّطُ بالعطش الآدميّ
أو تحجبُ عن البشر معنى كينونته
خطواتنا تطأ أرضاً تشوبُها اللذةُ
والكآبة والمجاعاتُ التي
حفرتْ في جلودنا
خرائطَ من التقرّحات والآلامْ...
هم يقتلوننا قسْراً،
يأكلون لحومنا كالخنازير بلا جرائر...
لأننا نرفضهم
بمعنى نرفضُ بقاءَهم بيننا
نصرخ من أعماقنا:
          ـ نكرههمْ
صرخاتنا في الصحارى مهووسةٌ كالبركانْ
يطفحُ في وطن جائعْ
يحتاج الخبز أكثر من أيّ حاجات الحياة
همْ يسلبوننا كل ما يحبون من متعٍ
وشرابٍ لنبقى مشرّدينَ
قانعين بفقرنا، وبؤسنا
حتى يبينَ العظمُ من الجلد

*     *     * 

(2)
تعلنُ ال BBC عن مزايدة في عدد الهاربينَ
من جحيم بورصة القتل في بغداد
وتنشر «الصنداي» أخبار المتفاوضين
على تسعيرة البترول بعد
اسقاط الفروقات السعرية التي
تدخلُ إلى جيوب أصحاب شركات السلاحِ
في «ديترويت» و «واشنطن»
هم يقبضون على أعناق العنادل البريئة
في وضح النهارْ
من غير أن يسألهم أحد
كيف؟ ولماذا؟
في العراقِ، لا أحَدَ يسألُ
متى يأكلُ... ومتى ينامْ؟
في أية لحظةٍ نحسُّ فيها
بالنعاسِ، نخلد للنومْ
لا تعرفُ متى يدركنا النومْ؟
لا نحسّ بطعم الأكل؟
فكلّ ما ناكله سواءٌ بسواءْ
الخبز الأسمرُ «والفلافلُ»، بعضُ الخُبّازِ
قليلٌ من العدسِ والكرّاثِ والبصلِ والبقدونس
تلك وجبة طعام شهيّ يلتهمها الصغار
وهم يبكرون إلى مدارسهم الباردة
يقرف من روائحهم أبناء الذواتْ
فالثومُ والبصلُ أصبحا جزءاً
من مائدة اليتامى الذين لا أحَدَ يرعاهم
في دولةٍ تضجّ بالبترولَ والدقيقْ...

*     *     * 

(3)
نسألُ... يجيبنا الرصاص
نبكي، والسياطُ تحفر في أضلاعنا
أخاديدَ مخدَّدَةً
نصمتُ.. يهرشنا الدودُ
ويقضمُ أظفارَنا الجوع
نبكي، نتودّد إلى قاتلنا
نطلبُ رحمتَهُ...
نبكي كالعجائز التي سقطت
أسنانهنَّ مبكراً...
كيف هو شكل الأرض بعد أنهيار أقاليمها
على أرصفةٍ موبوءةٍ
بالأرامل والشحّاذينْ؟!
كيف أنفلتتْ مداراتها؟
وأختلف أنين مرضاها ومتسوّلوها
وعجرفةُ النسوةِ البائراتِ
بعد طمثِ أربعينَ عاماً
بلا خصوبة أرحامٍ
أو شبقِ الزهرة بعسل النّحل؟

*     *     * 

(4)
أيتها الانثى التي أفتقدت بعْلَها المخضرم
في عصرين من الحرب الدموية
إنفلتت الروحُ من بين يديكِ
واستدرج الغاصبونَ قتلاكِ
إلى مضاجعهم...
وانطفأت الأنفاسُ في حلبات الرقص
هل أقشعرّت أناملكِ الفضيّة؟
وهي تتلمّسُ جَمْرَ السياط في سجنٍ
أعدَّ لكِ سلفاً قبل مخاضِ
خمسةٍ وثلاثين عاماً
أيتها المشبوبةُ فتنةً وهَوَىً
كيف رأيتِ بيتَكِ يغرقُ
بطوفان جيوش متعددة الجنسيّاتِ
والألوانِ، والأشكالِ، ومفرداتٍ
يعسرُ علينا فهمها!...
كيف ضاجعكِ الأبعدون وأنتِ
في خدركِ المنيعِ وأزالوا حصوناً مانعاتٍ
ما بينك وبين الغزاةِ أميالٌ من المحيطاتِ
والبحار والجبالِ والثلوجْ !...

*     *     * 

(5)
من وجهكِ استعَرْتُ ضوءاً
في سُدْفة عالمي المطفأْ...
أوقَدْتُ سراجي من عينينِ زنجيّتينِ
يمشي بهُداهُ الحطّابون
يلمّون سلالَ التعب ألواناً
من فاكهةٍ
ودرناتٍ مثقلةٍ بماء العيون
ومغسولةٍ بالمطر النوراني
من يديكِ المثقلتين بالتّبْر والبَرَدْ
لأجلكِ جُبْتُ صحارى قائظةً
 وتجشّمْتُ التعَب المخضلّ بدمعي
لأهبطَ في قارّاتكِ
أفتحها ليدخل إلى ذرّات مدائنها
غيمٌ يغسلُ عنكِ صدأ الأزمانِ
ومحْلَ السنوات الرديئة...
قعدت النّسْوةُ المترهلاّتُ
يندبْن أولادَهنّ الغائبين عن الوطنْ
يتضرّعنَ إلى اللهِ
أن يعيدَ لهنَّ ابتساماتٍ غابت
عن شفاه الورودْ
وضحكاتٍ أفلت من وجوه الصّبايا
ونجماتٍ غطستْ في (جُبّ) النيرانْ
وقُبّراتٍ نفقن في جحيم الحرب
في زمن الضجيج والمقاولات الخاسرة
يتنهّدُ القلبُ ويعتمد الجرح
ويكبو جواد في الرهانْ...
في الزمن القادم من دماء الشاعر الأسيانْ
تنطُفُ غيماتٌ من نسيج عيون الغزلانْ
ولا نمكث عند يسار
من عبد شمسٍ أو عند يمينٍ
في فضّة!....

*     *     * 

(6)
في مدينتنا الموحشةِ الكثيرةِ الألغامِ
والحافلات المفخّخَة...
نبحث عن رؤوسٍ مقدّدةٍ كاللحم المهروس
نسأل عن القتلة...
تموت أسئلتنا في حناجرنا
ومن العبث أن نستردّ ما فقدناهُ
في حربٍ سلبتنا ما جمعناهُ
في سنوات الحرمان والعوز والفاقة
أيّةَّ حَيْرةٍ نعيش؟
وأيَّ بؤسٍ نحيا!
في مدينتنا الغجرية لا نلمحُ شمساً
تشرق كعادتها كل يوم
نفتقدُ إلى المسرّاتِ والحياةِ المفعمةِ
بالفرح المعقول والحب...
في مدينتنا البدوّيةِ
علينا أن نعطي قبلَ أن نأخذ
هم يأخذون منا كل شيء
ولايعطوننا أيّ شيء
نضطرّ أن نضحي بأعزّ ما نملك
حتى تحظى بآدميتنا
ولو مرةً واحدةً على الأقلْ
وبالكاد نحصلُ على طعامنا،
وما يحتاج إليه أطفالنا
ونسيرُ إلى شيخوخة مبكرة
في مدينتنا التي تتقلّب
بين رياح الجحيم والموت الخرافي
نبقى محرومين من لذائذ العيش
بينما ينعم الغاصبون والطفيليونَ
براحة بالٍ يفتقدونها في أوطانهم
ليس عدلاً
أن تلدَ أمهاتنا الأبناءَ
وتهبَ المحتل ذكورَها الآتينَ
بعد وحام عشرٍ من السنواتِ
فداءً لوطن يتوكأ على عكازته
يتسوّلُ في الحاراتِ وفي الباراتِ
وفي الشوارعِ المصفّدةِ
بالحديد، والخراساناتِ المسلحةْ
ليس ذلك عدلاً 
          أبداً

بغداد