رسالة الجزائر

تاريخ ثورة.. سيرة رجل.. ملحمة شعب: في فيلم «مصطفى بن بولعيد»

عبدالناصر خلاف

الفيلم السينمائي الملحمي «مصطفى بن بولعيد» ليس سيرة رجل إنما ملحمة شعب. فيلم عن التاريخ وليس فيلما تاريخيا. تم عرضه مؤخرا بقاعة الموقار بحضور رئيس الجمهورية الجزائرية، وهذا بعد مصاعب مادية وعملية كبيرة، كادت تعصف بهذا الإنتاج السينمائي الذي يعتبر الأضخم في تاريخ السينما الجزائرية والتي أرخت لهذه الثورة بصريا بداية بفيلم "معركة الجزائر" للمخرج الايطالي الكبير جيلو بونتيكورفو حيث أنتج سنة 1965 وكان باللون البيض والأسود وكان في أصله فيلما ايطاليا عن الثورة الجزائرية وبتمويل جزائري، ثم فيلم "الأفيون والعصا" للمخرج الجزائري: احمد راشدي وفيلم "دورية نحو الشرق" للمخرج الجزائري عمار العسكري. وهناك تجارب كثيرة في إنتاج نوع من هذه الأفلام ولكن السينما الجزائرية توجهت مؤخرا إلى الاشتغال على الراهن والمتاجرة بدموية المرحلة وأيضا بإنتاج خطاب جديد مغاير، يجعل من "العدو حميما" بل هناك من الأفلام من استفادت من تمويل جزائري لتنتج صورة مشوهة توضع في مرتبة الشتم، وهذا ما دفع الكاتب والصحفي حميد عبدالقادر الى إثارة هذه المسألة بدقة وبشجاعة كبيرة قائلا: هذا يؤدي بنا للعودة إلى إشكالية تمويل الأفلام الجزائرية في السنوات الأخيرة، ومناقشة مسألة صورة الشخصية الوطنية في السينما التي تسمى "جزائرية"، وهي تنتج بدعم فرنسي، وتعرض في قاعات السينما حاملة علامة فيلم جزائري. إن القاعدة المتفق عليها في مجال الإبداع، معروفة، وهي أن من يتلقى الدعم المادي من جهة ما، يجد نفسه مضطرا ومجبرا لتقديم سيناريو يستجيب لبعض المتطلبات. وتنطبق هذه القاعدة على كل مجالات الإبداع، بما في ذلك الأدب، حيث يجد الروائيون الجزائريون أنفسهم مضطرين لتقديم تنازلات مخيفة وغير مشرفة البتة، لدور النشر التي يرتبطون بها بعقود تحمل بنودا صارمة في ما يتعلق بالوطنية الجزائرية وتاريخ حرب التحرير. وتعمل هذه الدور وفق قاعدة تجارية لا تتغير، وليست في صالح الجزائر، وهي أن مخزون قراءها، يوجد في أوساط لوبي الأقدام السود? ?الذي? ?ما? ?يزال? ?يحن? ?للجزائر? ?الفرنسية. كما ناهض المخرج الكبير عمار العسكري هذا التوجه وصرّح أنه يناهض بشدة تصوير أفلام جزائرية بإنتاج فرنسي.

هذا الفيلم الملحمي «مصطفى بن بولعيد» كما يقول المنتج يحاول نقل الكثير من المحطات المهمة في التاريخ الجزائري والتقط لحظة محورية سجلت ذهاب الجزائر إلى الثورة وتاريخا. وهو فيلم جزائري فكرة وكتابة وتمويلا، مما جعلتنا نقصد إدارة مؤسسة: بلقيس وميسون لنتوقف عند محطاته الكثيرة التي دامت أكثر من سنتين و تسليط الضوء على ظروف إنتاجه ومن البداية.

الفكرة
كان الفيلم هاجسا قديما ومتجددا ومرتبطا بثورة الشعب الجزائري ضد الظلم والاحتلال والتوحش. هو هاجس وفكرة سكنت عقل وقلب الكاتب الصادق بخوش ونداء ملح بضرورة انجازه الكثير من الأعمال عن كافة الرموز نساء ورجالا بمن فيهم الشهيد البطل: مصطفى بن بولعيد واشتغال على سيرة غير مدونة لهذه الشخصية التاريخة عمل خطير وملغم، ربما هذا ما جعل إنتاج هذا الفيلم مغامرة حقيقية كادت تعصف به. وهذا محاولة جمالية لبناء ذاكرة جماعية محصنة والقيم الخالدة في التاريخ للأجيال القادمة مهما تغيرت الرؤى والمفاهيم.

المخرج والطاقم الفني
لم يكن من السهل اختيار مخرج لعمل كبير مثل فيلم بن بولعيد فبعد بحث واتصالات مع العديد من المخرجين تم اختيار المخرج الجزائري أحمد راشدي لهذا المشروع نظرا لخبرته ومعايشته الثورة الجزائرية المسلحة حيث أخرج أول أعماله الوثائقية الطويلة "فجر الملاعين"، ثم شارك في عام 1969 بإنتاج فيلم "زد" مع كوستا غافراس الذي رشّح لجائزة الأوسكار. كما اخرج فيلم "الأفيون والعصا" و "الطاحونة" حيث ادى البطولة فيها الفنان القدير عزت العلايلي كما تحصل "راشدي" بالجائزة الخاصة في مهرجان موسكو السينمائي عام 1981 عن فيلمه "علي في بلاد السراب". كما يسجل هذا الفيلم عودة المخرج سينمائيا بعد سنوات من الغياب.

أما الطاقم الفني فقد تم اختياره من أفضل ماهو موجود في الجزائر وهذا حسب المنتج الأستاذ صادق بخوش الذي راهن منذ البدء على "جزائرية الإنتاج" وهذا اكبر تحد واجه الإنتاج برمته، إلا انه نظرا لاحترافية العمل اضطر إلى الاستعانة ببعض المختبرات غير المتوفرة في الجزائر والتي تم جلبها أساسا من ايطاليا وتونس وكندا وفرنسا.

أماكن التصوير
نظرا لتنوع الأحداث والأمكنة تم تصوير هذا الفيلم في غرب الجزائر (وهران) الوسط الجزائري، قسنطينة الوادي بسكرة ومنطقة الأوراس تحديدا. مما اعطى هرمونيا وتنوعا خاصة خلال تصوير المشاهد خارجيا.

السينوغرافيا
لقد تمت دراسة الديكور بدقة بالعودة إلى ما كان سائدا في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي اضافة الى اللباس والتجهيزات والآليات والمساكن...بحيث تم إقامة استديو كاملا في غابة حديقة الوئام بضواحي الجزائر العاصمة وتم تصميم فيه زنزانة سجن الكدية من جديد بكل مواصفاتها وكذلك الفيلا التي اجتمع فيها الاثنان والعشرون التاريخيون بحي المدنية بالجزائر العاصمة وتم تأجير السيارات القديمة والشاحنات وما اليها بحيث سعى الفريق الفني الى استحضار روح وشكل ذلك العصر حفاظا على صدقية التاريخ والفيلم بغض النظر عن مادار فيه من احداث كان فرصة لابراز جماليات الطبيعة الجزائرية الخلابة ومعالمها التراثية والمعمارية وتنوع مناخاتها فمن حر الصيف بمدينة واد سوف الجنوبية الى ثلوج شتاء الأوراس الى ربيع سهول متيجة.

الصعوبات
لقد قضى المنتج ست سنوات من العمل الذي اعتبره مجاهدة يومية منذ بدأ يكتب السيناريو حتى إتمام كافة مراحل الإنتاج. وبحكم طبيعة الأفلام الحربية وما تستوجيه من جهد شاق وارتياد الآفاق الوعرة في مختلف الفصول لا سيما وان فريق العمل مكون من عدد هائل من التقنيين والممثلين الأساسيين وأصحاب الأدوار الثانوية. وهنا يعترف المنتج الصادق بخوش فضل المؤسسة العسكرية التي تكفلت لوجستيكيا بوضع آليات وجنود وطائرات وما إليها لحماية الفريق العامل ولتصوير المشاهد العسكرية الخاصة بالطيران..ان اكبر مشكلة واجهت هذا الإنتاج الضخم هو مرض الممثل الرئيسي: حسان قشاش، حيث تعرض إلى كسر خطير ألزمه إجراء عملية جراحية معقدة مما عطل عملية التصوير 07 أشهر كاملة.

الميزانية
بلغت ميزانية الفيلم إجمالا ثلاث ملايين اورو دون حسبان مساهمة المؤسسة العسكرية التي رصدتإمكانيات مادية هائلة لتنفيذ هذا الفيلم ميدانيا من قوات ومعدات حربية وهو ما أفضى ثراءً فنيا على الصورة السينمائية، وظهوره في صورة تتلاءم مع طبيعة الفيلم الحربي.

التركيب
اعتمد الهيئة المنتجة بخبيرتين فرنسيتين إضافة الى مركب جزائري لانجاز عملية تركيب الصورة علما أن الفيلم استهلك 90 كلم من البيليكيل واستغرقت هذه العملية أربعة أشهر وبعدها جئنا بخبيرين كنديين لأداء التركيب الصوتي وسبب هذا الإجراء من اجل الإبقاء على المادة في الجزائر وتمكين التقنيين والفنيين الجزائريين من اكتساب تجربة وخبرة من الكفاءات الأجنبية وقد تمت عملية التركيب الكلي والتحميض والمؤثرات الصوتية والصورية الاصافية والترجمة وما إليها في مخابر روما.

العرض الشرفي
حضور الرئيس: عبد العزيز بوتفليقة يحمل أكثر من رسالة وهذه أول مرة في تاريخ السينما الجزائرية، يحضر رئيس الجمهورية الجزائرية عرضاً شرفيا لفيلم سينمائي وهو الفيلم الذي تم تحت رعايته وتتحدث بعض المصادر عن دعمه وتدخله الشخصي لإنهائه والذي أنقذه حتما من مصير مأساوي يجعل من هذه الملحمة السينمائية مجرد سيناريو وحلم كاتب يدعى الصادق بخوش.. كما حضر أعضاء الحكومة وقيادات الثورة وعدد كبير من الشخصيات الوطنية وكان للجميع انطباع هام وقيلت في الفيلم الكثير من الأراء ويرى الكاتب والمنتتج ان نجاح هذا الفيلم الذي دام 163 دقيقة من خلال تأثيره في العيون الدامعة للعديدين من الحضور. وتم بعدها عرض الفيلم على المثقفين والصحفيين والنقاد وقد تم عرضه في نادي الجيش الوطني الشعبي وسيخرج قريبا إلى الجمهور العريض. 

حوار مع الكاتب والمنتج صادق بخوش
هذا الفيلم فاتحة لأعمال سينمائية متعددة المشارب والموضوعات، ومشروعي القادم العقيد لطفي. التقينا المنتج والكاتب صادق بخوش بعد عودته مباشرة من المشاركة بفيلمه في مسابقة مهرجان المهر العربى دبي بدولة الإمارات العربية للحديث عن هذه التجربة الجبلية الصعبة وبكثير من الصراحة. 

ـ أخيرا.. بعد رحلة بروموثسية ظهر فيلم مصطفى بن بولعيد..

* (يتنهد ويبتسم) فيلم مصطفى بن بولعيد ينبجس من رحم معاناة ذاتية وتاريخية عسيرة، إذ نزفت في سبيل كتابته والبحث عن المبالغ لتمويله، وجلب الخبرات الوطنية والأجنبية، وايجاد التجهيزات الحديثة وصولا إلى عرضه على الجمهور، نزفت ست سنوات من حياتي تعبا وعذابا أعددتها ضريبة البدن، وزكاة للنفس في سبيل بعث قيم خالدة لرجل خالد في ذاكرة الجزائريين والعرب وكل محبي الحرية والعدل والجمال في الأرض. 

ـ قبل هذا التوجه السينمائي اشتغلتم مسرحيا على إنتاج وكتابة الكثير من الملاحم.. هل من الممكن ان تحدثوننا عن هذه التجربة؟

* لدي تجربة متواضعة في العمل المسرحي والأوبرات الثورية، بدأتها منذ السبعينات من القرن الماضي بكتابة مونولوجات بعضها كتبتها وبعضها اشرفت على انجازها، لتتطور إلى أعمال عرضت في العديد من المناسبات بدء بملحمة الجزائر الكبرى 1993، وملحمة العربي بن مهيدي 1996، وملحمة البطلة لالة فاطمة نسومر 1997، وتلتها أعمال أخرى عن العقيد الشهيد عميروش، والعقيد الشهيد لطفي دغين وغيرها. 

ـ لم هذا التوجه؟

* كان هاجسي في تخليد مواقف ومسيرات هؤلاء القادة وغيرهم متأججا متحينا الفرص ليطفو إلى الوجود نظرا لما حملوا من القيم، وتجشموا من المخاطر، وكابدوا من الآلام في سبيل تطهير الجزائر من لوثة احتلال استيطاني، أقام خططه على الإبادة الجماعية للإنسان وللذاكرة، ولما فشلت مساعيه تفنن في أساليب توحيش المجتمع، ثم في تهجير الجزائريين وأبدالهم بشعوب من قارتي إفريقيا وآسيا وهي حقائق مثبتة في وثائق للمحتلين. 

ـ كيف؟ وماهي مرجعيتكم؟

* على مدى 130 عاما اخترق الاحتلال المفاصل المركزية في الذات الوطنية، كمنع تعلم العربية وتحريف الدين الإسلامي عن مظانة الحقة، وطمس كافة معالم الشخصية الوطنية، وفصل القطر عن عمقه العربي فضلا عن التفقير والتجويع والتفتيت للأنساق الاجتماعية السائدة، حتى ظن دهاقنته ومخططوه، انه قد ذاب واندثر، فإذا الله ملهم فئة من نساء ورجال من رعيل نوفمبر 1954 فرابطوا في فلول الحق وارتهنوا أرواحهم وأسرهم وأموالهم، في سبيل تغيير المنكر، بتحرير إرادة النزال في النفوس، وقلب معادلة القوة الظالمة بمشروعية الحق المهضوم، وأعلنوها ثورة غيرت مجرى التاريخ الوطني والقومي، وأسهمت في تصحيح العديد من المفاهيم، وتقويم العديد من المواقف في مسيرة الشعوب الظلومة في العالم.

إذن فمرجعيتي في تناول هؤلاء الرواد الثوريين، منشأه دورهم في التاريخ، ومكانتهم في سلم القيم وحاجتنا لتأصيل أنفسنا، وأجيالنا، في تلك المثل التي بدونها تفقد الحياة جل معانيها. 

ـ لماذا اخترتم شخصية بن بولعيد تحديدا؟

* إن اختياري لشخصية بن بولعيد ليس تفضيلا له عن رفاقه، فلكل واحد وواحدة من هؤلاء مكانة رفيعة ولعل ميزاته الكثير هي إحدى دوافعي لأن أبدأ به رحلة سينمائية واعدة في المستقبل، فبن بولعيد شخصية مركبة ومتناسقة، ومتكاملة فعلى المستوى الاجتماعي، هو واحد من ميسوري الحال له أرزاق كسبها بجده وعمله، وعلى المستوى النفسي، شخصية كاريسمية مقنعة ومؤثرة وجذابة وذكية، وعلى المستوى السياسي مناضل صلب، أمين على قضية شعبه في صفوف الحركة الوطنية شجاع وكتوم. 

ـ ممكن معرفة الوجه الآخر لبن بولعيد الذي حاولتم إبرازه للمتلقي؟

* ابرز مواصفاته الحكمة في القيادة، ومنازلة الأعداء والجمع بين السياسي والعسكري في إدارة شؤون الثورة. بحيث باستشهاده فقدت منطقة الأوراس، بل والثورة كلها، واحدا من أعظم رجالاتها القادرين على امتصاص الخلافات الناشئة عن القيادة، وجمع كلمة الجميع حول هدف التحرير. 

ـ صراحة هناك الكثيرمن راهن على فشل هذا الإنتاج الضخم وحسب اعتقادي يعود هذا الرهان الى سببين حساسية الموضوع وضخامة هذا الإنتاج؟

* بقدر ما من هنالك من المراهنين على فشل الفيلم لعدة أسباب، أكثر منهم أولائك الذين راهنوا على نجاحه وهما لا شك فيه، انه مشروع يحمل من المخاطر والمصاعب، ومن ثم التحديات، فالسينما الجزائرية شح عطاؤها، الذي عرفت به في النصف الثاني من القرن العشرين، وغابت السينما الثورية بصفة نهائية إلا من إنتاج مشترك مع الشريك الفرنسي بصفة خاصة، الذي عادة ما يفرض شروطه، التي تخدم وجهة نظره المعلنة رسميا، بان للاحتلال الفرنسي في العالم ايجابيات، ولأن العنف كان من الجانبين، وهي حيلة كل الغزاة الذين يساوون بين الضحية والجلاد. 

ـ هل هذا الفيلم هو عن التاريخ ام فيلم تاريخي؟

* لقد بدأت رحلة إنتاج هذا العمل بسيناريو من مائتي صفحة، كان علي أن اقنع، بمدى جدواه المؤسسات الخاصة والحكومية والبحث له عن مخرج، وتجهيزات وممثلين وخبراء داخل الجزائر وخارجها، فاستغرقت العملية برمنها ست سنوات طوال. إن التعامل مع المادة التاريخية، ومع رموز كبار منهم من قضى حبه ومنهم منذ ينتظر، ليس بالأمر الهين ومن البدء قررت أن أنجز فيلما عن التاريخ وليس فيلما تاريخيا محضا، فبحثت في كل ما توصلت إليه من المكتوب واعتمدت إلى شهادات مع الأحياء، ممن عرفوا مصطفى بن بولعيد قبل وإبان الثورة.

وليس أعسر على الكاتب في هذا المجال، من عملية غربلة المعلومات، ومقارنتها وتركيبها، ثم بناء شخصية البطل دراميا، وإبراز معالمها النفسية، والقيادية والإنسانية، إلى جانب كافة الشخصيات الهامة والثانوية الأخرى، ممن جايلوه وشاركوه النضال تحضيرا للعمل المسلح، وتفجير الثورة وقيادتها. 

ـ ماهو ماقع هذا الفيلم في ريبرتوار السينما الجزائرية؟

* فيما يتعلق بموقع هذا الفيلم في الخارطة السينمائية الجزائرية، وفي الأعمال الثورية تحديدا، يعتبر علامة متميزة لكونه يتعاطى مع شخصية بعينها، على غير ما جرت به العادة، وقد ابرز الكثير من المواقف بدقة وبحسم والتي كانت إلى وقت قريب، إما مسكوت عنها، وإما غامضة، بل ذهبت بعض الأطراف إلى استغلالها لأغراض غير تاريخية، فقدم النص نقدا موضوعيا لبعض الأخطاء، وأعطى لكل ذي حق حقه في النظال والجهاد، وأزاح أسطورة لا بطل في الثورة إلا الشعب، وهي الملاحظة التي تفضل بها علينا فخامة رئيس الجمهورية، الأستاذ عبد العزيز بوتفليقة، ويعتبر الفيلم عملا جزائريا في كتابته وإخراجه وتمويله.

ـ هل كان هذا الفيلم هو مصدر خوف جهات معينة؟

* فيما ذهبتم إليه من أن الفيلم أي الجهات يخيف، لم نقصد بانجاز مثل هذه الأعمال إخافة احد.. فمن خاف الحقيقة جانب الصواب. أما عن الأطراف التي مولت هذا الفيلم، فهي مؤسسات الدولة الجزائرية، بتوجيه من فخامة رئيس الجمهورية، واعتمدنا في انجازه على كفاءات وإطارات جزائرية وأجنبية متعددة، ويعد هذا الفيلم فاتحة لأعمال سينمائية متعددة المشارب والموضوعات، بما فيها رموز الجزائر، عبر كافة مراحلها ولا سيما مرحلة المقاومة والحركة الوطنية وثورة التحرير. 

ـ ماذا عن مشاركة هذا الفيلم في المهرجانات السينمائية خاصة وانتم تعودون من مهرجان دبي؟

* لا اعتقد ان فيلم بن بولعيد من أنواع الأفلام التي تلقى رواجا في المهرجانات السينمائية... 

ـ لماذا؟

* أولا: لطوله حيث تبلغ مدة العرض 163 دقيقة، ثانيا: لكون موضوعه ثوريا يستهوي المهتمين بالتاريخ اكثر من غيرهم ورواجه أكثر في الجزائر والبلاد العربية ولابد من إعادة النظر في صيغته الحالية. 

ـ كيف؟

* وضع صيغة مختصرة لاتتجاوز 120 دقيقة على اكثر تقدير. وبقدر ما ان المهرجانات هامة ومحمسة للمبدعين وفرصة للتسويق وتبادل الخبرات وحوار الثقافات... الا ان معظمها لم يتخلص من الاعتبارات السياسية والحسابات المصلحية. 

ـ بعد هذا السفر الشاق هل يفكر الأستاذ الصادق بخوش انتاج فيلم يوازي او يتجاوز فيلم بن بولعيد؟

* (يبتسم) نعم.. 

ـ هل يمكن ان تخص مجلة الكلمة بالحديث عن هذا المشروع؟

* العقيد لطفي.. صراحة لم أتخلص بعد من عذاب العمل الأول، حتى ابدا في الرحلة البروميثوسية لأن فسحة العمر اقصر من القصر.. ولا يضمن احد ليومه إذا، إنني مدين ومدان بحكم أمثالهم علينا ومدان في التاريخ إن لم تحاول جهدا أو تموت دونه. ثم ان العقيد لطفي هو من الجيل الثالث من الرواد، وميزاته الذاتية والوطنية واثارة ذكاءه وشجاعته ونباهته وشهامته لاتترك لديك حيادا. فهو الطفل الذي كان يرفض الذهاب الى السوق مع والده، حتى لايصافح المعمرين في السوق.. هو الذي وقف في صف المتوسط يعارض أستاذه الفرنسي، مذكرا إياه بأن الاستعمار الفرنسي ما جاء ليحضر "الهمج" بل لسرقة قوت الشعب الجزائري، وإخراجه من دائرة تاريخه، وإبادته وتوحيشه. وذكر على مسامعه ومسامع الحضور قائمة من رجالات التاريخ بدء من: ماسينيسا ـ يوبا ـ يوغرطا ـ عبدالمؤمن بن علي ـ الأمير عبدالقادر... وكان ينام وهو طفل وتحت وسادته كتب لطفي المنفلوطي، لذا خلال الثورة اختار اسمه الحركي "لطفي"

في سنة 1960 والثورة مشتعلة طلب منه عبدالحفيظ بوالصوف ومن العقيد هواري بومدين أن يتريثا حتى يدخلا إلى الجزائرمعا، ريثما تستقل الجزائر، فيكونا أول جنرالين في الجزائر المستقلة فأجابه لطفي: أفضل أن ادخل اليوم ـ عريفا ـ واقود المعارك بجانب جنودي على ان ادخل جزائر الاستقلال برتبة جنرال. وهو كتب كتابا تحت الرصاص وفي صهاريج النار عن المستقبل الجزائر الاجتماعي والاقتصادي. وتنبه فيها إلى قضايا متطورة كالعلاقات الاقتصادية الدولية وتسيير الثورة النفطية والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة وغيرها. هل أمام هذه الظاهرة يملك المرء أن يقف موقف الحياد؟ 

بطاقة تقنية  
ـ العنوان: مصطفى بن بولعيد
ـ تأليف: صادق بخوش
ـ إخراج: أحمد راشدي
ـ إنتاج: صادق بخوش, ميسان ـ بلقيس فيلم
ـ تصوير: سيد علي هالو، طارق بن عبدالله، يوسف بن يوسف
ـ موسيقى: سليم داد، صافي بوتيلا
ـ مونتاج: محفوظ بو جمعة
ـ بطولة: حسان قشاش، رشيد فارس، سليمان بن عيسى
ـ مدة العرض: 163 دقيقة

algeria13@gmail.com