يتبع الباحث تاريخ الأدب الاميركي وتطوره، وأهم أدبائه، وطبيعة الكتابات الإبداعية، وسيرورة التحولات في الأشكال والمضامين والمواضيع والمدارس التي تواكبت على تاريخ الشعر والمسرح والرواية بعد تأسيس الدولة الحديثة إثر المرحلة الاستعمارية القديمة.

الأدب الأمريكي في القرن التاسع عشر

أشرف زيدان

مقدمة
لقد سبق كلُ من الأسبان والبرتغإلىين والفرنسيين الإنجليزَ في اكتشاف واستعمار العالم الجديد. ولكن اختلفت أسباب هذه الحملات حيث أتي الأسبان بحثا عن الذهب، والفرو كان الشغل الشاغل للفرنسيين، وجاء الإنجليز ولَديهم الرغبة في الاستقرار والتمكين في الأرض. وهذه النزعة الاستعمارية للانجليز أشعلت نار العداء المستمر بينهم وبين الأمريكان الأصليين من ناحية، وكذلك بين المستعمرات الإنجليزية نفسها التي أعلنت استقلالها فيما بعد من ناحية أخرى، وخاصة في الجنوب. ولقد أٌجبر الانجليز على الاستقرار على الساحل الشرقي في أول مائة عام من ميامي Maime إلى فلوريدا Florida. وبعد ذلك وصلوا إلى الساحل الغربي على المحيط الهادي في نهاية القرن الثامن عشر. ويرجح بعض المؤرخين سبب هذا التباطؤ إلى الرغبة في إرساء قواعد راسخة، ونظم مستحدثة تُعين هذا المجتمع الجديد على الرقي والتقدم. ولذا كان إصلاح التعلىم العام أول وأهم هذه الاهتمامات، والذي أدى بدوره إلى تسليط الضوء على الأشكال الأدبية المختلفة المتأثرة بالطبع بالثقافة الأوربية.

البداية
بينما كانت تعتبر المستعمرات الانجليزية الجديدة نقطة انطلاق الأدب الأمريكي، إلا أن استقرار الأوربيين الأوائل في أمريكا قد اكتشف قبل ذلك بسنوات: هناك العديد من المدن أقدم من بوسطن مثل Saint Augustine, Jamestown, Santa Fe, Albany وNew York. وبالإضافة إلى ذلك لم تكن اللغة الانجليزية اللغة الوحيدة التي كتبت بها النصوص الأمريكية الشمإلىة حيث وجدت اللغة الاسبانية والفرنسية جنبا إلى جنب مع الانجليزية. وهذا يدل على زخم التقإلىد الأدبية الشفهية التي كانت موجودة بالفعل في القارة الجديدة من بين المجموعات الأمريكية الأصلية المختلفة.

وهناك الكثير من الأسباب ساهمت في إعطاء شكل جديد للقارة الجديدة، ومنها: 1 الهجرة بأعداد ضخمة، 2 وهيمنة المثل الثقافية البيورتانية (Puritanism، جماعة بروتستانتية في انجلترا ونيو انجلند New England في القرنين الـ16و17، وقد طالبت بتبسيط طقوس العبادة، والتمسك الصارم بأهداب الدين والأخلاق الفاضلة)، 3 وتأسيس أول جامعة ومطبعة في كمبردج Cambridge، 4 ولكن الأحداث السياسية- ومنها الغزو الانجليزي على Amsterdam New أمستردام الجديدة 1664، والتي سميت بعد ذلك بـ نيويورك New York جعلت اللغة الانجليزية لغة التواصل بين هذه المستعمرات بالإضافة إلى كونها الوسيط الأدبي للاختيار.

وطبع أول كتاب في بنسلفانيا Pennsylvania -عنوانه غير معروف- باللغة الألمانية، ويعد أكبر كتاب مطبوع في كل المستعمرات قبل الثورة الأمريكية. ولقد نشطت حركة الطباعة في مناطق متعددة، ولكن اعتبر ذلك عددا ضئيلا مقارنة بما تصدره المطابع في لندن في الوقت نفسه، ولم تكن الطباعة مسموح بها في كل بريطانيا حيث تركزت في أربع أماكن فقط: London, York, Cambridge، وOxford، وكان هذا السبب وراء التحاق المستعمرات الجديدة بركب العالم الحديث أسرع من نظرائها الانجليزية الرئيسة.

الأدب الاستعماري
ولقد اهتمت باكورة الإنتاج الأدبي الأمريكي من كتيبات pamphlets وكتابات بتمجيد فوائد المستعمرات لكل من الأوربيين والمستعمرين. ويعتبر كابتن جون سميثCaptain John Smith (1850-1631) من أوائل الكتاب الأمريكيين الذين نقلوا خبراتهم على صفحات الأدب في المستعمرات الجديدة مستخدما أساليب نثرية مفعمة بالحيوية vivid prose ومن أهم أعماله:

A True Relation of Such Occurrences، وAccidents of Noate as Hath Happened in Virginia (1608).

وهناك العديد من الكتاب قد ساروا على دربه: دانيال دِنتون Daniel Denton وتوماس أش Thomas Ashe وآخرون.

ولقد نشبت الصراعات الدينية بين الطوائف المختلفة فأحدثت العديد من القلائل، والاضطرابات، وعدم الاستقرار، وهذا ما ناقشه جون وينثرُوب John Winthrop في كتابه الجديد (تاريخ انجلترا الجديد) The History of New England. ولقد ظهرت النزعة العنصرية في أعمال مورتن (1579-1647) Morton في كتابه (الكنعاني الانجليزي الجديد) The New English Canaan مستهزأ برجال الدين المستقرين في أمريكا من أجل تأسيس مملكة دينية مثل ويليام برادفورد وونثروب. وقد أعلن أن الأمريكيين الأصليين أفضل من الانجليز مؤكدا أنه يفضل أن يستمتع بالحياة قدر المستطاع.

واتسم الشعر البيورتاني (1640-1700) puritan poetry بالصبغة الدينية: ولقد ظهر من أجل إرساء قواعد المسيحية الكالفينية الأرثوذكسية. ويعتبر كتاب The Bay Psalm Book عبارة عن ترجمات للمزامير الإنجيلية Biblical Psalm. ومع ذلك، لم يكن هدف المترجمين إثراء الناحية الأدبية، وإنما لاستخدام تلك الأناشيد والترانيم hymns في العبادة ووصف الآخرة:ويبدو ذلك جليا في القصائد التي كتبها إدوارد تيلور Edward Taylor تحت عنوان"تأملات تمهيدية"، وتعتبر آن برادستريت (1612-1672) Anne Bradstreet من أهم الشعراء الغنائيين حيث كتبت العديد من القصائد عن نفسها ووطنها: آن ابنة حاكم ولاية ماسوتشوتس، وقد أنجبت من الأطفال ثمانية، ومع ذلك تعد في المرتبة الثانية بعد تيلور. وقد استخدمت في قصيدتها المشهورة "بالإشارة إلى أطفالها" In Reference to her Children فكرة أن أبنائها الثمانية طيورٌ لتصف حياتهم تحت رعايتها. واعتقد البعض أن ذلك غريب على الشعر البيورتاني حيث لجأت إلى الصورة العائلية لتظهر الأمومة ومدي أهميتها.

واهتمت بعض الأعمال بقضية الصراع والتفاعل مع الهنود الحمر- لقد قام الأمريكيون بإبادة الهنود الحمر مروجين الإشاعات بأنهم قبائل همجية!. وتمت ترجمة الإنجيل إلى اللغة Algonquin. وكتب اللاهوتي والمؤرخ قطن مَزر (1663-1728) Cotton Mather تاريخ المستعمرات معلىا من شأن البيورتانيين موضحا إسهاماتهم في خدمة الدين المسيحي. ومن أشهر كتبه "عجائب العالم الغيبي" The Wonders of the Invisible World. كُتب لُيبرر حكم المحكمة الذي أوصي بإعدام 19 امرأة لأحترفهن مهنة السحر والشعوذة witchcraft. ولقد جاهد مزر من أجل الطهارة والنقاء والمبادئ المثلى، إلا أن المادية والنعيم الدنيوي كسبا المعركة. وألف أكثر من 450 كتاب، واعتبرت مكتبته الأضخم في زمانه (أكثر من 7 أو 8 ألف كتاب). وفي 1713، قد تم انتخابه عضوا في الجمعية الملكية The Royal Society في لندن لشغفه البين بالعلم.

ولم تكن انجلترا الجديدة الممثل الوحيد للأدب الأمريكي، وإنما كان للجنوب دوره البارز، وإسهاماته المتميزة. فعل سبيل المثال لا الحصر كتب بيرد (1674-1744) William Byrd المذكرات السرية لوليلم بيرد في فيرجينيا The Secret Diary Of William Byrd Of Westover، وكذلك "تاريخ الخط الفاصل"The History of the Dividing Line. وتناول الكتاب الأول رصد وتحديد مساحة المستنقعات بين فيرجينيا وكإلىفورنيا،وعلق أيضا على أسإلىب حيوات الأمريكيين الأصليين المختلفة، وكذلك حياة البيض المستقرين هناك.ولم يتناول هذا الكتاب التفاصيل الدقيقة لحياته،وإنما أستخدم لغة محايدة ساخرة. ولقد تعلم بيرد تعلىما خاصا في انجلترا، وورث إقطاعية كبيرة تبلغ مساحتها 179 ألف فدان،ولذا عاش حياة النبلاء. ويُعد زميلاً للعديد من كتاب المسرح مثل كنجريف Congreve وويتشلي Wycherley ورو Rowe. وأكد بيرد في كتابه الثاني أن الفرق بين مجموعة من البشر وأخري يكمن في مدي توفر الفرص والإمكانات المختلفة التي تعين على التطوير والرقي.

ولقد شهدت نفس الفترة ميلاد الأدب الأمريكي الأفريقي من خلال أشعار فيليس وِيتليPhillis Wheatley (1753-1784). وصلت ويتلي إلى أمريكا -جاءت من السنغال أو جامبيا- وهي طفلة، وتم بيعها في سوق النخاسة لأسرة ويتلي التي اكتشفت الموهبة الشعرية عندها. وبدأت في كتابة ونشر قصائدها في سن الثالثة عشر. وأُعيد طباعة أشعارها في الأيام الأولي لإلغاء العبودية. ولذا تعتبر وِيتلي أول وأهم ورائدة الكتاب السود. وكحال غالبية المبدعين ماتت وهي فقيرة، وخاصة بعد وفاة من اهتموا بها، وحبس زوجها. ولقد تأثرت بأعمال كل من مِلتون Milton وبوُب Pope والكلاسيكية الجديدة. ولقد تنوعات الموضوعات في أعمالها مثل: فكرة الخلاص، والحرية السياسية، وجمال الطبيعة، والاعتزاز بقيمة الأدب الأفريقي الأمريكي.

ولقد شهدت نفس الفترة بداية الأدب الأمريكي الأصلي مع نشر أعمال سامسون أوكم Samson Occom موعظة أثناء إعدام بولس النبي A Sermon Preached at the Execution of Moses Paul ومجموعة من الأغاني الدينية Collection of Hymns and Spiritual Songs. والكتابات السياسية لكل من فرانكلين (1706-90) Benjamin Franklin وتوماس بيـن (1737-1809) Thomas Paine أثرت على تكوين الشخصية الأمريكية الناشئة.

ولقد نال فرانكلين شهرة واسعة في العالم الغربي قبل وفاته بخمس سنوات 1 لتنوع انجازاته، 2 وقدرته الفائقة على التفاوض فيما يخص الشئون الداخلية والخارجية للمستعمرات، 3 ومشاركته في كتابة مسودة الاستقلال عام 1774، وكان سفيرا في فرنسا أثناء الثورة، وعاد على الفور وشارك في كتابة الدستور، وأخيرا 4 اكتشافه بعض الانجازات العلمية المشهورة مثل مانعة الصواعق lightning nod وموقد فرانكلين Franklin stove. وكتب فرانكلين الأدب من أجل إرشاد وتوجيه مواطنيه مؤكدا أن السلطة يجب أن تكون في يد الفرد بعيدا عن الحكومة أو الدين. وقد ساعده عمله في بداية حياته في أحد المطابع على تكوين نبرة ساخرة في أعماله وانخراطه في العمل السياسي.

إن توماس بين Thomas Paine كاتب وفيلسوف أمريكي، ولد في انجلترا، وأيد الولايات المتحدة في حقها في الاستقلال والانفصال عن انجلترا، وكذلك شجع الثورة الفرنسية مناديا بإلغاء نظام الإقطاع، وبالعصيان المدني ضد ادموند بيرك Edmund Burke، ولذا هرب من انجلترا إلى فرنسا خوفا من تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضده. وأهم كتبه: "حقوق الإنسان"The Rights Of Man و"زمن العقل" The Age Of Reason، و"الذوق العام" Common Sense. وُلِدَ لأبوين فقيرين في لندن، وتقابل مع فرانكلين عندما كان الآخر في انجلترا، ووصل فيلادلفيليا Philadelphia عام 1774، وساهمت كتاباته الثورية radical في اشتعال الثورة. وفي كتابه "زمن العقل" فسر المبادئ الدينية والعقيدة المسيحية تفسيرا عقليا، وبناءا علىه أعلى من شأن الإلحاد Deism. وكان الفقر والعزلة النهاية الحتمية لهذا المفكر.

وأثناء القرن الثامن عشر ظهرت بوادر تغيير بعضٍ من أيديولوجيات المجتمع الأمريكي، حيث تقلصت سلطة رجال الدين إلى درجة كبيرة. وذلك بسبب التغيرات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والفلسفية. وتم تفسير الظواهر على أساس علمي لا ديني. ولم يعد العقل البشري يستوعب فكرة أن الأحداث البشرية والطبيعية رسائل من الرب، ولا جدال فيها، وأن الكاهن أو الحاكم ممثل الرب على الأرض، ولا يجوز التمرد علىه. ولذا اعتقد الكثير من المفكرين أن العقل البشري لديه القدرة على فهم وتقييم الكون، وخاصة بعد اكتشافات نيوتن Newton في الفيزياء. وظهور الديمقراطية وزيادة عدد السكان -وصل عدد السكان إلى 1.600.000 عام 1760- قد ساعدا على تأجيج الحراك/ الصراع الديني والسياسي، وبدا ذلك واضحا في أدب تلك الفترة. وسعي الكتاب الأمريكيين إلى التميز والاستقلال فكريا ومنهجيا عن أوربا، لدرجة أن بعضهم أعتقد أن الأسإلىب الأوروبية الفنية دون المستوي. ولقد بدا ذلك واضحا في أعمال كل من ايرفنج Irving وبراينت Bryant وسيبا سميث Seba Smith.

بداية الرواية الأمريكية
نشرت الرواية الأمريكية في أواخر القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر. وكانت هذه الأعمال طويلة جدا، ولذا لم تُطبع على هيئة مخطوطات أو للقراءة العامة. ولقد أستغل الناشرون هذه الروايات آملا في بيعها، وإعادة طباعتها. ويعد هذا رهانا جيدا لأن معدلات القراءة والكتابة قد ارتفعت بين الرجال والنساء. وصدرت أول رواية أمريكية "قوة العاطفة"The Power of Sympathy للكاتب وليام هِل براون William Hill Brown عام 1791. وهذه الرواية تراجيدية من الطراز الأول، فهي تلقي الضوء على أحداث قصة حب عاطفية بين الأخ وأخته sibling دون أن يعرفوا صلة القرابة فيما بينهم. وتنتمي هذه الرواية إلى ما يسمي بتقإلىد الرواية الوجدانية.

وفي العقد التإلى قامت العديد من الكاتبات الفريدات بنشر أعمالهن الروائية. وخير مثال على ذلك، الكاتبة البريطانية الأمريكية سوزانا روسون Susanna Rawson (1762–1824) التي نشرت روايتها تحت عنوان "تشارلوت: حكاية حقيقية" Charlotte: A Tale of Truth في لندن عام 1791. وأعيد نشر هذه الرواية في ولاية فيلادلفيا عام 1792 تحت عنوان Charlotte Temple. وتحكي هذه الرواية قصة طالبة بريطانية سقطت في الرذيلة مع أحد الجنود الأنيقين. ولقد انتقلت معه إلى أمريكا، ولكنه تخلي عنها، وهي حامل ومريضة. ومن ثم توصي النساء جميعا بعدم الاستجابة إلى صوت العاطفة، وأن تُحكم العقل في جميع أمورها، والدعوة إلى المقاومة فيما يتعلق بحق النساء في أن يعشن حياة مساوية تماما للرجال وخاصة في ظل التجربة الديمقراطية الأمريكية الجديدة. ولقد كتبت هذه الرواية بضمير الغائب. وتصنف هذه الرواية إلى ما يسمى بـ"روايات الإغراء" Seduction novel وبالإضافة إلى تلك الرواية، كتبت روسون تسعة روايات، وستة أعمال مسرحية، مجموعتين شعريتين، وستة كتب، والعديد من الأغاني الجديدة.

ولقد كتبت حنا ويبستر فوستر Hannah Webster Foster (1758- 1840) سيرتها الذاتية "الفاتنة" (1797) The Coquette على شكل رسائل Epistolary Novel. ويعطي هذا التكنيك الفرصة للقراء أن يشاركوا في أحداث الرواية بمعرفة ما يدور مباشرة في عقول الشخصيات.

وتُستخدم هذه الرسائل كنوافذ نتطلع من خلالها على الأفكار المختلفة للمؤلف. وتعد قراءة هذه الرسائل الموجهة للآخرين نوع من استراق السمع eavesdropping. ونشرت رواية "الفاتنة" في بداية الأمر بدون ذكر اسم المؤلفة. وقد نشرت بعد وفاتها بست وعشرين عاما وعلىها اسم المؤلفة الحقيقي فوستر. وقد أعيد طباعتها ثمانية مرات بين 1824 و1828. ولقد نالت إعجاب الكثير من النقاد لتصويرها الذكي للتناقض بين: الفردية/ الأعراف الاجتماعية والعقل/ العاطفة.

وتلقي هذه الرواية الضوء على الظروف الاجتماعية التي أدت إلى سقوط إلىزا ويتمنEliza Whitman الشخصية الرئيسة في الرواية ذات الوضع الاجتماعي، والتعلىمي المرموق، في براثن الرزيلة. وقد تقدم لخطبتها راجلان مختلفان بعدما توفي خطيبهُا، وأُجهض جنينُها: الخطيب الأول Rev. J. Boyer رجل مأمون ومتواضع وممل عرض علىها الاستقرار، والثاني Peter Sanford رجل مغرم بالنساء، رفضته لأنه لم يظهر التزاما بالمستقبل. ومع ذلك استمرت على علاقة به، وخاصة بعد زواجه من أخري. ولذا فشلت في الاختيار، فكانت العزوبية هي النهاية الحتمية لها.

ويدين الأدب الأمريكي بالفضل إلى الأدب الأوربي، حيث أقتبس العديد من الأسإلىب، والأنماط الأدبية السائدة في ذلك الوقت. فعلى سبيل المثال، نجد روايات تشارلز بروكدن براوين Charles Brockden Brown (1771-1810) تقليدا واضح لروايات الرعب ذات الشهرة الأدبية في أوروبا Gothic novels. وسارت على نفس الدرب روايات واشنطن ايرفنج (1783-1859)Washington Irving ، إلا أنه استخدم أماكن أخرى خاصة بالعالم الجديد.

ويعد واشنطن ايرفنج كاتب أمريكا الكلاسيكي الأول، حيث بدأ العالم يتعرف على الأدب الأمريكي من خلال أعمال مثل: Rip Van Winkle، وThe Legend of Sleepy Hollow. ونالت أعماله شهرة أدبية للأسباب الآتية:1 الإخراج المتميز، 2 وقوة التعبير، 3 ورسم لوحة فنية عإلىة الذوق، 4 والدعابة الخفيفة و5 وأعاد صياغة الروايات الشعبية الأسبانية والألمانية معطيا إياها صورة رائعة ذات نزعة إنسانية عإلىة بالإضافة إلى 6 العناية الفائقة في استخدام الأسلوب المناسب الذي يميز أعماله (العقاد في مصر). وفي الرواية الأولى، ذات الأصول الألمانية، والتي تعود إلى العصور الوسطي، يرمز Zip إلى الرجل الأمريكي الذي وصل إلى مرحلة عمرية متأخرة، ومازال سلوكه صبياني، وغير مسئول حتى النهاية. وتؤكد الرواية الثانية -ذات أصول ألمانية أيضا- انتصار المادية، والأعراف الأرستقراطية على العقل والروح، ويبدو ذلك واضحا في اختيار كاترينا Katrina الرجل المادي القوي ليكون زوجا لها، وغير مبإلىة بالأخر المتعلم المثقف الفقير بالطبع. ولقد أقام فترة طويلة في انجلترا، وعندما عاد إلى نيويورك اجتمع حوله العديد من رجال الأدب وأسسوا رابطة أطلق علىها مدرسة النيويوركيون Knickerbockers.

ويعتبر ادجر ألن بو Edgar Allan Poe (1809-1849) الكاتب الأمريكي الأول الذي كتب روايات وأشعار ذات صبغة أمريكية تختلف إلى حد كبير عن النمط الأوربي السائد في حينه. وبدأ حياته الأدبية بكتابة القصة القصيرة التي تلقي الضوء على المستويات الخفية للحالة النفسية البشرية، والدفع بحدود الرواية تجاه الغموض والفنتازية.

ولم ينل ادجر ألن بو شهرة واسعة كشاعر، ويبدو ذلك واضحا في تأثيره الطفيف على الشعراء. وأما رمزية بو فلها تأثير واضح وملموس على الفرنسيين، ومن ثم على الحركة الأدبية المعروفة بالحداثة modernism التي ظهرت في بدايات القرن العشرين يرى البعض الذين اتخذوا موقفا معاديا للحداثة بأنها ذات نزعة فردية. ويرى البعض الآخر بأنها متعلقة بالبارود "النزعة الاستعمارية". وعلى غرار معاصريه اهتم بالقيمة الجمإلىة على حساب الأخلاقيات، حيث كان مهتما بمبدأ "الفن للفن" art for art's sake الذي أرست قواعده مع نهاية القرن التاسع عشر. وتعد هذه الجزئية سبب النظرة العدائية لبعض الكتاب للفنون الأدبية الذين يؤكدون على ضرورة القيمة الأخلاقية أولا، ثم الناحية الجمإلىة ثانيا. ويعد ادجر ألن بو أيضا رائد للرواية البوليسية detective story، وأول ناقد يقوم بتحليل العمل الأدبي بطرقة دقيقة. واعتقد بو أن الأعمال الأدبية الطويلة تفقد تأثيرها على القراء، ولذا نجد كل شئ كتبه يمكن قراءته في جلسة واحدة حيث يسعي كل عمل أدبي إلى إحداث تأثير واحد فقط يأتي مع الذرة ونهاية العمل. أهم أعماله:The Masque of the Red Death و The Murders in the Rue Morgue، وThe Fall of the House of Usher.

وبالتزامن مع بو Poe جمع ناثنيل هوثورن Nathaniel Hawthorne (1804-1864) بعضا من قصصه في مجلد سماه Twice-Told Tales. واستمر هوثورن على نفس المنوال حيث كتب العديد من الرومانس romance والروايات الرمزية التي تتحري الذنب والكبرياء والكبت العاطفي في انجلترا الجديدة. وتعتبر رواية "الشارة القرمزية" (1850) The Scarlet Letter أشهر أعماله: امرأة منبوذة اجتماعيا لأنها سقطت في براثن الرذيلة. وتدور أحداث الرواية في القرن السابع عشر في مدينة بوسطن المتزمتة. وتحكي قصة هستر براين التي أنجبت بعدما ارتكبت خطيئة الزنا، ثم تتوب وتحاول أن تعيش حياة كريمة. ويُحاول هوثورن استكشاف مواضيع جديدة حول القانون law، والخطيئة. وتعد أعمال هوثورن بداية الأعمال الإبداعية الناضجة فيما يسمى بعصر"النهضة الأمريكية". وكتب أكثر من مائة قصة ومقالة ومشاهد هزلية وأربعة روايات متميزة.

وتعد الرمزية والأحداث الغيبية occult incidents السمة الرئيسة لهذه المجموعة القصصية. يعد هوثورن صاحب نظرة مستقلة جعلت النقاد يصنفون أعماله بالأعمال الهادئة الإتقان cool perfection. ويبني أعماله بناءا هندسيا محكما، وأسلوبه راق وموجز ومصقول. واستخدم أيضا عددا محدودا من الشخصيات المحددة والموضوعات في مواقف متعلقة بالقضايا الأخلاقية الغامضة عن قصد أحيانا. ولجأ أيضا إلى المجاز والرمز لكشف بعض الأمور إلى تسدل الستار على نزعته الإنسانية العالمية بعيدا عن النظرة اللاهوتية والدينية. ويري أيضا أن الماضي قوة تعيش في الحاضر، وأن الشر عند الرجال والنساء جزء من حياتنا لا يمكن التخلص منه.

إن روايات هوثورن ذو تأثير ملموس على أعمال هيرمن ملفل Herman Melville (1819-1891). ولقد تميز هيرمن عندما قام بنقل خبرته وسيرته الذاتية كبحار إلى أعمال روائية غريبة الأطوار. واتسمت أعماله بالطابع الفلسفي كما هو الحال في ملحمته الأمريكية "موبي ديك"Moby Dick (1815). ومغامرة اشماعيل على ظهر حوت تكشف النقاب عن أمور متعددة مثل فكرة الاستحواذ، وطبيعة الشر الكامن في النفس البشرية. وفي روايته الثانية Billy Budd (1924) "بٍلي بَد" نجد فكرة الصراع بين الواجب والعاطفة أثناء فترة الحرب. وللأسف نجد كتبه الأكثر عمقا لم تحقق نسبة مبيعات عإلىة، وقد تم نسيانه تماما عند موته، ولكن أعيد اكتشافه في العقود الأولى من القرن العشرين 1920.

ولقد عالجت أعمالهُ العديدَ من القضايا منها:1 ظهور الديمقراطية كسمة أساسية للحكم في أمريكا، 2 وقيمة العمل والإنسان العادي (غياب النزعة العنصرية)، 3 وضرورة المحافظة على المؤسسات التقليدية للثقافية الغربية، 4 وعالمية الشر، 5 وخطر دمج شخصية الفرد المستقلة في الكل، 6 وإحداث توازن بين الفلسفة المتعالية transcendentalism (كل فلسفة تقول بان اكتشاف الحقيقة يتم بدراسة عمليات الفكر لا من طريق الخبرة أو التجربة. وتناهض هذه الفلسفة التشاؤم الكالفيني، وتدعو إلى التفاؤل، ومضمونها مثإلى أخلاقي أكثر منه تأملياً، ورغب أصحاب هذه الحركة تحرير الفرد من التقإلىد والعادات، وإتباع ضميره وبصيرته الشخصية). والحقيقة التجريبية empirical، 7 وكبرياء البحث في الطبيعة عن حلول نهائية لقضايا ميتافيزيقية، 8 واستحالة عودة الإنسان إلى براءته الأولى، 9 وعطفه على الحياة، 10 وضراوة العالم. وأسلوبه مُحكم elaborate ورفيع elevated ومكتوب على هيئة مقاطع بلاغية منمقة. وكل ذلك بالإضافة إلى استخدامه المتميز أيضا للتلميحات allusions التاريخية والأدبية والفلسفية والعلمية واللاهوتية مكنه في إيصال فكرته بسهولة.

وفي عام 1836 نشر رالف وولدو اميرسون Ralph Waldo Emerson (1803-1882)، الوزير السابق، كتابه الأول تحت عنوان "الطبيعة" Nature. وناقش فيه إمكانية الاستغناء عن الدين، وإمكانية تحقيق حالة روحانية سامية عن طريق دراسة العالم الطبيعي والانسجام والتفاعل معه. وأثر عمله هذا على أيديولوجية هذه الفترة، وبناءا علىه ظهرت فلسفة جديدة أطلق علىها اسم "الفلسفة المتعالية" transcendentalism. وكذلك وصل تأثيره إلى العامة الذين هرعوا إلى محاضراته. ويبدو ذلك جليا في أعمال المفكر هنري ديفيد ثُورو Henry David Thoreau (1817-1862) الذي دعى في كتابه Walden إلى مقاومة الأعمدة الديكتاتورية للمجتمع التقليدي مؤكدا على مبدأ الفردية للشخصية الأمريكية individualism، مذهب يقول بأن مصالح الفرد هي أو يجب أن تكون أخلاقيه فوق كل اعتبار. واهتم ثورو في أعماله الأدبية بقضية الصراع من أجل الاستقلال الأخلاقي في مجتمع تجاري يفضل التطابق.

ويعد مارك توين Mark Twain (1835-1910) أول كاتب أمريكي يولد بعيدا عن الساحل الشرقي حيث ولد في ولاية Missouri. وتعبر رواية Life on the Mississippi "الحياة على ضفاف الميسيسيبي" أفضل أعماله بالإضافة إلى Adventures of Huckleberry Finn "مغامرات هكلبري فن". ويتخلف أسلوبه عن أقرانه الأمريكيين متأثرا بدرجة كبيرة بالصحافة، ولغته أقرب إلى العامية حيث تستخدم شخصياته لهجات محلية، واستخدامه مفردات جديدة، ونبرات إقليمية، وأسلوبه أيضا مباشر،وبسيط ، ومرتب تريبا زمنيا (أحيانا يستدعي بعض الحكايات والنوادر anecdote الخارجية مخالفا بذلك الإطار الزمني العام للرواية)، وبعيدا عن الزخرفة، ولكنه في الوقت نفسه مثير للذكريات والعواطف والشجن.

ولقد تناول مارك توين العديد من التيمات في رواياته مثل:1 إعلان قيمة العاطفة، 2 وتأكيد الثقة في إمكانيات القلب المتعددة، 3 والانحطاط الأخلاقي المتزامن مع النضوج، 4 ومتعة مرحلة الطفولة الريفية، 5 والإحساس بالضياع عندما يفقد الإنسان براءته، 6 ومدي تأثير الفكاهة على الرياء والادعاء، 7 واحترام المرأة، 8 وأهمية الوعظ الديني في مواجهة الإغراء، 9 وخطيئة العبودية.

واجه هنري جيمز Henry James (1843-1916) الأزمة العالمية القديمة والجديدة، وكتب عنها مباشرة. ولد في أمريكا في مدينة نيويورك، إلا أنه قضي معظم حياته في أوربا، ولذا اهتمت رواياته بالأمريكان الذين عاشوا وسافروا إلى أوربا. وتتميز رواياته بـ: 1 التعقيد، 2 والتشريح الدقيق للفروق العاطفية الطفيفة، 3 والبناء الهندسي للتراكيب (يعده البعض مهندس الرواية)، 4 وتثبيط الهمم. وأشهر أعماله: Daisy Miller، The Turn of the Screw، وThe Portrait Of A Lady.

ولقد وصلت الرواية الأمريكية والانجليزية في عهد هنري جيمز إلى مرحلة النضوج والكمال. وعالجت رواياته ثلاثة أمور أساسية:

1- الموضوعات العالمية:البراءة الأمريكية، وقلة الخبرة، والجهل الثقافي في مجابهة مبدأ النسبية الأخلاقية الأوربية، وروح التقالىد، والتكلف الاجتماعي، والتعرف على الثقافات الثرية.

2- طبيعة الفن:العملية الإبداعية وصراع الفنان مع الأعراف الاجتماعية، والقيم الزائفة، وضيق الأفق.

3- وأخيرا، بحث الإنسان عن حياة أفضل.

لقد أنهك الخيال الجامح عند جيمز العمليةَ السردية حيث يزدحم السرد في أعماله بالتفاصيل، والفروق،والمعاني المختلفة،وهلم جرا:ولذا الفهم الجيد لرواياته يتطلب تركيز عال، وسرده متواصل دون فواصل، ولكن الحوارَ أحيانا يحدُ من كثافة السرد فيستطيع القارئ متابعة أحداث العمل الأدبي، ويلجأ جيمز إلى تقنية تيار الوعي stream of consciousness ليعزز مبدأ الواقعية حيث يعطي لأحدي شخصياته مسئولية سرد الأحداث مباشرة دون تدخل منه.

بداية الشعر الأمريكي
لا يختلف الشاعران الأمريكيان ولت ويتمن Walt Whitman (1819–1892) وايملي ديكنسون Emily Dickinson (1830–1886)، كثيرا في الأسلوب أو في النزعة الثورية.

ولقد أحتفي ويتمن Whitman في بأعماله بالولايات المتحدة الأمريكية لأنها دولة ديمقراطية من الطراز الأول، وبحق المواطن في أن يسمو إلى النضج الروحاني من أجل الوصول إلى الحقيقة بعيدا التحليل العقلي والمفاهيم القديمة. ولقد نادي بالمساواة بين الرجال والنساء، وكذلك بين جميع الأعراق والأنساب والألوان، وبين الجسد والروح -وهذا ما ذكره لورانس D. H. Lawrence في كتابه "دراسات في الأدب الأمريكي الكلاسيكي"Studies in Classic American Literature مؤكدا أن ويتمن أول من ضرب بالمفهوم القديم عرض الحائط القائل بأن"الروح تسمو على الجسد".

ولقد عكست أعمال ويتمن الشعرية نظريات المفكر رالف ولدو اميرسون في الأمور التإلىة:

1- أن ينشأ الشعر متناسق الأجزاء كالنمو الذاتي لثمرة الشاعر،

2- وأن لا يستمد الشعر الحر أشكالهَ من الأوزان التقليدية traditional meters، وإنما مع ما يتوافق مع المعني العام للقصيدة meter-making argument،

3- وأن يستمد الشعر موضوعاته من الحياة إلىومية الأمريكية. ونجد كل أعماله الشعرية يضمها مجلد واحد "أوراق العشب" The Leaves Of Grass، والذي نشر في حياته في تسع طبعات كبيرة ومنقحة ومعاد ترتيبها، ولقد طبعت على حسابه الخاص، وتعرضت إلى موجات ساخنة من النقد اللاذع بسبب موضوعاتها الجنسية وشعرها الحر.

وهناك بعض الأسباب أثرت بطريقة ملحوظة على أعمال الشاعرة ايملي ديكنسون Dickenson، ويمكن إيجازها في النقاط التإلىة:

1- الحرب الأهلية حولت المناطق المتميزة إلى أمة/ مناطق يسيطر علىها الشمإلىون من أهل المال والتجارة.

2- وشجعت القوانين الجديدة الصناعة على نطاق واسع.

3- وزيادة السكان والنمو السريع للسكك الحديدية التي ربطت جميع المدن ببعضها.

4- والوعي المتزايد والاختلافات الإقليمية والتوسع الجغرافي أثروا على الكتاب الإقليمين والرسامين المحليين في المدن الصغيرة.

5- وزعزعت أفكار تشارلز دارون Darwin وهيربرت سبنسر Herbert Spenser الأسس الثابتة للأخلاقيات والمبادئ الأمريكية.

6- واعُتبرت الواقعية، ومن بعدها الطبيعية، أدوات مناسبة لتفسير وتشريح المجتمع المادي.

7- وفي النهاية، خسر الكتاب والقراء المنادون بالقيمة الأخلاقية للأدب معركتَهم.

ولدت ديكنسون في قرية صغيرة في مدينة آمست/ آمهيرست Amherst في ولاية ماساتشوتس Massachusetts الغربية. ولقد قضت معظم حياتها في هذه القرية باستثناء بعض الزيارات القصيرة إلى واشنطن وبوسطن بالإضافة إلى عام قضته في مونت هوليوك Mount Holyoke. ولقد نُشر من قصائدها سبعة قصائد في حياتها من إجمالي 1.775 بالرغم من خبرتها البسيطة، وبالرغم من عدم كونه تقليديا في حينه. وفي بداية عملها الأدبي-أول ثلاث سنوات تقريبا- كانت تكتب كل يوم قصيدة واحدة متميزة. عالجت ديكنسون الكثير من الموضوعات في أعمالها الشعرية مثل: الطبيعة، والله (شخصية الرب في العقيدة الأرثوذكسية)، والموت، والخلود.

ويتميز شعرها بالبساطة والتكرار، ويعود سبب ذلك إلى تأثرها بالترانيم الدينية congregational hymns التي اعتادت أن تغنيها مع أقرانها في الكنيسة. ونجد أحيانا أن كثافة العاطفة وقوة التفكير تحطما البنية الأساسية للجملة syntax عن طريق حشو الكثير من التفاصيل في مقاطع شعرية مضغوطة tight stanzas ويبدو ذلك واضحا في استخدامها لعلامات الترقيم ذات الخصوصية المتميزة. ويُجبر القارئ أحيانا إلى القفز مجازيا imaginatively من وقت لأخر بسبب التباين الكبير في المعاني الغير متوقعة للقصيدة. وشعرٌ بهذا التركيز والقدرة العقلية الفائقة والسخرية جعلها تشارك الكتاب الحداثيين تمردهم في القرن العشرين.

المسرح الأمريكي
يعتبر النصف الثاني من القرن التاسع عشر فترة ازدهار المسرح الأمريكي. ولقد ساعدت الكثير من العوامل على ذلك:

1 النمو السكاني،

2 وارتفاع مستوي المعيشة،

3 وتطور المواصلات التي ساعدت الممثلين على التنقل والتجوال،

4 ونمو العديد من المشروعات التجارية التي خدمت صناعة المسرح،

5 وزيادة عدد المسارح في جميع الولايات،

6 وأخيراً انتخاب أندرو جاكسون Andrew Jackson رئيسا للولايات المتحدة عام 1828. ولقد ألهب ذلك الرجل مشاعر القومية عند المواطنين، وعكس المسرح الأمريكي مبادئ تلك الحركة القومية التي اتسمت بالبطولة، والتفاؤل، والمثإلىة. وكانت الرومانسية الحركة الأدبية السائدة في أوربا وأمريكا في تلك الفترة، ولكن المسرح الأمريكي صبغها بصبغة قومية مقدما موضوعات أكثر شعبية وقومية ووطنية.

ولقد تغير أيضا تصميم المسارح بفضل التكنولوجيا الحديثة:

-1 تم استبدال أضواء الشموع بالغاز وأنوار الكلس Limelight (ضوء يسلط على شخص أو شيء أو جماعة فوق خشبة المسرح).

-2 وتحسن البنية الداخلية للمسرح (ديكورات مزخرفة، وتركيب مقاعد مريحة، وتصميم مقصورات خاصة، وتركيب ستائر، وتهوية مميزة...).

-3 وأخيرا، دور الصحافة في الإعلاء من شأن المسرح شكلا ومضمونا [ولقد ظهرت الصحف في بداية القرن الثامن عشر1704، وكانت أول صحيفة هي Boston News-Letter ولقد شجعت تلك التحسينات الطبقاتَ الأرستقراطية والمتوسطة على الحضور متسما ذلك بالازدحام والهدوء والاستمرار حتى نهاية العرض less prone to cause disruptions .

قدمت العروضُ الأولى المسرحياتَ الكلاسيكية العالمية، إلا أن كتاب المسرح الأمريكيين قدموا أعمال مسرحية معاصرة تعكس حياتهم الجديدة مثل: الزواج، والقضايا العائلية، والمشاكل الاجتماعية. ولقد تأثر المسرح الأمريكي مع بداية الحرب الأهلية الأمريكية، فأغلقت بعض المسارح في العام الأول من الحرب، ولكن أعيد فتحها في الشمال والجنوب. وبالإضافة إلى ذلك تطوع الكثير من الممثلين في تلك الحرب. وللأسف لم يسترد المسرح عافيته تماما في الجنوب بعد انتهاء تلك الحرب. وأهم المسرحيات الأكثر شعبية في تلك الفترة: كابينة العم توم Uncle Tom's Cabin.

وفي القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر اعتبرت مهنة التمثيل خطيئة، ومن ثم تعرض الممثلون إلى النبذ الاجتماعي- كان لا يؤخذ بشهادة الممثلين في المحاكم المصرية. ومع ذلك نالوا نصيبهم من الاحترام والتقدير في منتصف القرن التاسع عشر حيث احتفي بهم المتميزون اجتماعيا وأدبيا وسياسيا (نجح الممثل، وبقي معاه فلوس، يبقي محترم وزى الفل).

ولعب الأطفال دورا بارزا في المسرح الأمريكي، وتعتبر أمريكا رائدة في ذلك، حيث لعبوا أدوارا كاملة في مسرحيات شكسبير وغيره. وعلى العكس من ذلك، نجد أدوار المرأة على المسرح متواضعة جدا، بل وسيئة للغاية: مرتباتهم معدومة، واستخف بهم الجمهور لأن التقإلىد والأعراف فرضت على المرأة سمات معينة مثل أن تكون رقيقة وضعيفة وتابعة للرجل. ولذا نسيهم التاريخ في البداية، ولكن أصبحن الآن في المقدمة.

الواقعية والطبيعية
لقد هيمنت الواقعية Realism على النثر الأمريكي مذ عام 1865 إلى 1900، ويعود الفضل في ذلك إلى الفرنسي فلوبيرت Flaubert، الانجليزي جورج إلىوت George Eliot. ولقد خالفت الواقعية المبادئ الرومانسية تماما، بسبب الإفراط الواضح في استخدام العاطفة والخيال. ولذا ابتعدت الواقعية عن العاطفة والمثإلىة، وبدأت تعطي صورة أمينة، ومخلصة للحياة. وتهتم الواقعية الأدبية الأمريكية ب الحاضر، والبيئة المحيطة بنا، والوضع الاجتماعي المتوسط للأفراد. ولذا تناضل هذه الشخصيات (المتفائلة) من أجل حل تلك المشاكل التي يعاني منها المجتمع. ويري بعض النقاد المعادين لكل ما هو غربي أن الواقعية مذهب أدبي فكري مادي ملحد، إذ يقتصر في تصويره الحياة والتعبير عنها على عالم المادة، ويرفض عالم الغيب والإيمان بالله، ويصور الإنسان بالحيوان الذي تسيره غرائزه لا عقله!

ولقد خرجت الطبيعية Naturalism من رحم الواقعية. ومن ثم هناك بعض السمات المشتركة بينهما: التصوير الدقيق للحوار إلىومي، وللأحداث، وللعادات، والتقإلىد، والبواعث النفسية الشرعية بالإضافة إلى عدم اهتمامها بالأحداث الماضية historical أو المستقبلية futuristic (فهي تهتم فقط بما يدور من أحداث أثناء فترة الكتابة). وهذا ما جعل الدكتور طه محمود طه يقول عنهما: توءمان أنجبتهما مادية القرن التاسع عشر.

وتختلف الطبيعية في الأمور الآتية: تدرك الطبيعيةُ الأسس الفلسفية القائمة على العلم، وخاصة نظريات دارون، ورؤيته للبشرية (الإنسان في نظرها حيوان تسيره غرائزه، وكل شيء فيه يمكن تحليله، فحياته الشعورية والفكرية والجسمية ترجع إلى إفرازات غددية)، بالإضافة إلى أعمال ايميل زولا Emile Zola. وتري مي كمال الدين أن زولا ظهر في عصر ازدهرت فيه العلوم الطبيعية، وقام فيه الباحثون بالإقبال على دراسة الحياة، وتسجيل ظواهرها، وإجراء التجارب، وتدوين النتائج والملاحظات، فرفضوا الخيال وتمسكوا بالحقائق الملموسة، وكما تمسك الباحثون والعلماء بالحقائق الطبيعية الثابتة. و فعل الأدباء مثلهم فابتعدوا عن الخيال والشعر، واتجهوا نحو الحقائق والطبيعة والبيئة التي يحياها الإنسان، ويتأثر بها ويؤثر فيها. ومن هنا امن زولا بأهمية بناء الرواية على التفكير العلمي، والوصف الحقيقي، والدقيق للمجتمع والواقع، ويرى أن من واجب الرواية أن تدرس الطباع الإنسانية والتكيفات العميقة الأثر للعضوية البشرية تحت ضغوط البيئة والأحداث.