يقدم الفيلسوف الفرنسي هنا قراءته لذلك الذي «قام، لوحده، بقلب ألفيتين من الفلسفة المثالية»، مُرَحِّباً بقوة بإنجازاته، ومعربا عن مُوافَقَة مفكر اختار الزائل ضد الأزلي، يكتشف العمق في السطحي، ويلقي نظرة مرحة على المأساوي ذاته. من خلال حوار أجري معه هنا.

مفخرة نيتشـــه

كليمون روسيه

أجرى الحوار: ألكسندر لاكروا ترجمة : الحسن علاج

* سوف أضع بين يديك، في هذا الحوار الذي هو بمثابة مدخل إلى نيتشه، استشهادات لهذا الأخير. الاستشهاد الأول مأخوذ من الكتاب الرابع من [كتاب]المعرفة المرحة (Le Gai Savoir): " أرغب في أن أتعود أكثر فأكثر على اعتبار الضرورة في الأشياء كالجمال في ذاته : حينئذ سوف أكون واحدا من أولئك الذين يزخرفون الأشياء. حُبٌّ قَدَرِيٌّ (amor fati): فليكن هذا هو حبي من الآن فصاعدا ! سوف لن أقوم بأي حرب على القُبح ؛ لن أتَّهِمَ قط، وحتى المُتَّهِمين فإني لن أتَّهِمَهُم"
كليمون روسيه: إن الكتاب الرابع للمعرفة المرحة، والموسوم ب"يناير المقدس" ـ «sanctus januarus»، كتبه نيتشه أثناء شتاء اغتباطي قضاه بـ[مدينة] جينوة Genes الإيطالية. في تلك الفترة حيث أكد الفيلسوف استعادة عافيته من جراء انهيار عصبي طويل. آنذاك، يعلن لنا نيتشه بإقلاعه عن الهجوم. وسوف يكتفي، منذ الآن، بالثناء، بقول ما هو حسن في هذه الحياة. "لن أتهم قط، وحتى المُتَّهِمين فإني لن أتهمهم": وبالفعل، فإن نيتشه قضى جزءا مهما من حياته في اتهام المُتَّهِمين أو، بالأحرى، اولئك الذين يدرك أنهم "مُوَافِقِينَ مُزَيَّفِينَ" على الحياة؛ منافحين عن المثالية والأخلاق اليهودية المسيحية الذين لا يمجدون قيمة الحقيقة، الخير، الحياة الأبدية أو الله إلا من أجل تبخيس دنيانا. حينما كتب نيتشه المعرفة المرحة، كان في الثامنة والثلاثين من عمره. ها هو ذا قد بلغ قصده ؛ فقد صار ما هو عليه ويعتزم إظهار قوته في الإثبات في عمله.

* إننا نضع اليد هنا، على جوهر قراءتكم المبتكرة لنيتشه. على النقيض من غالبية الشُّرَّاح، تقولون أنه أوَّلاً إثباتيٌّ وثانيّاً نقديٌّ.
نعم، فهكذا قَرَأتُهُ وَفَهِمتُهُ دَائِماً. لم يكن نيتشه حقودا على الإطلاق. حينما تُقرأ نصوصه لَمَّا كان مراهقا، حينما كان لا يزال مسيحيا، يدرك المرء أنه على الدوام سلك سبيل الافتتان. من بين كل الفلاسفة، فهو الذي يعبر عن عشق الحياة بشدة، مع سبينوزا Spinoza من جهة أخرى، صحيح أن نيتشه يتمتع بقدرة لا تصدق على النقد. فقد شرع في، ولادة التراجيديا، بمهاجمة النزعة السقراطية والتَّعَقُّلية الأفلاطونية ـ حتى ولو أنه كان يعترف بكون أفلاطون كاتبا عبقريا، فقد لامه لكونه لم يحمل على محمل الجد، على خلاف الكتاب المسرحيين الإغريق، مأساة الشرط الإنساني. وبعد ذلك، وسع نيتشه نقده للتوحيد والأخلاق الدينية، حينما بخست هذه الأخيرة من القوة، الغريزة، الجسد، الطبيعة. لماذا؟ لأنه يعتبر أن الدافع الأول للأخلاق الدينية هو الضغينة le ressentiment، بمعنى كراهية الحياة. وقد حكمت الأحداث الراهنة لصالحه. مسكينة [صحيفة] شارلي إيبدو Charlie Hebdo! لقد ذهبت للاحتفال بالذكرى الثلاثين لهذه الصحيفة، وقد قدموا لي هدية لقميص والذي قمت بالاحتفاظ به.

(ذهب كليمون روسيه يبحث عن ذلك القميص في خزانة: فظهر عليه رسم لويلام Willem الذي يمثل أسامة بن لادن يستل سيفا مبللا بالدم وجورج بوش الابن George W.Bush ممسكا برشاش وسط حقل مغطىً بالجثث.) لاحظوا الأسطورة: "اللهُ مَحَبَّةٌ" هذا كل ما يقال. ليست المحبة المزعومة التي يمجدها الدين، دائما، سوى مهزلة الكراهية الأكثر استبدادا.

باختصار، من النادر جدا أن يتجاوز نيتشه الخط الأحمر، ثم أن يبرهن من ناحيته على ضغينته. قلما يمثل نقيض المسيح هذا الاعوجاج. حينما كتب الفيلسوف: "لا يملك المرء براهين ضد القس، يملك الأشغال الشاقة"، لا يكون الجنون بعيدا. وبالطريقة ذاتها، فإن [كتاب] قضية فاغنر يرتهن إلى الانتقام. على أنه باستثناء تلك النصوص التي سبقت بقليل انهياره العصبي بـ[مدينة] تورينو Turin ، تَمَسَّكَ نيتشه بجانب الإثبات. ما يوضحه هذا الاستشهاد المذهل، الذي يتم اقتباسه دائما من المعرفة المرحة: "كل الوقائع التي تحدث لنا، تصب باستمرار في مصلحتنا."

نعم، فقد ذهب نيتشه هنا أبعد من ليبنز Leibniz في التفاؤل. إذن، فما الذي يقوله لنا ليبنز؟ إننا نعيش في أفضل العوالم الممكنة، ولهذا السبب فإن الشر ملازم للخير. ففي نسق ليبنز، فقبل أن يكون الله طيبا للغاية أو جبارا، يتم تعريفه مثل ذكي غاية في الذكاء ـ بل هو نوع من حاسوب متفوق. وبصحبة هذا العقل المتفوق، فقد نظم عالما كاملا بقدر المستطاع، والذي لا يشكل فيه الشر جزئية ضرورية. نحن نعرف إلى أي درجة استخف فولتير Voltaire من التفاؤل الليبنزي في [كتاب] كانديد candide، إن نيتشه، والحالة هذه، يمتلك تفاؤلا أكثر تطرفا: إن الشر، بالنسبة إليه، ليس شرطا، حيث يمكننا الاستغناء عنه نسبة إلى الخير، على أنه يشكل في ذاته تكملة للخير.

إذا كنا قادرين على مقاومة أسوأ الشرور، فإننا نقوي عزيمتنا في الوجود، قدرتنا في السعادة، نصبح أكثر قوة ـ باطنيا، نفسيا. وفي هذا الاتجاه يؤكد نيتشه، في [كتاب] أفول الأصنام: "مَا لاَ يَقتُلُنِي يُقَوِّينِي." ينسجم هذا القول المأثور مع الحكمة القديمة؛ يجد المرء على سبيل المثال لدى المؤلف اللاتيني أولو ـ جيللي(Aulu- Gelle) الشعار التالي: "يَعمَلُ الجُرحُ عَلَى إنعَاش الشَّجَاعَةِ وَبَعثِهَا." على أننا لسنا ببعيدين كذلك عن بصيرة ثم عن هذا القول المأثور الإسباني الذائع الصيت " mierda que no mata engorda "، " البِرَازُ الَّذِي لاَ يَقتُلُ يُسَمِّن."

ثمة في الكتاب الأول من المعرفة المرحة، أيضا هذا الانحدار لنفس الفكرة: "كُلُّ مَن يَرغَبُ فِي تَعَلُّمِ التَّهلِيلِ حَتَّى "السَّمَاءِ" عَلَيهِ أن يُعِدَّ نَفسَهُ إلَى أن يَكُونَ "حَزِيناً حَتَّى المَوتِ."

* إن ما يذهلني، هو اقتراب ذلك الأسلوب من أسلوب الروحية المسيحية. "نَفسِي حَزِينَةٌ حَتَّى المَوتِ"، في إنجيل مَتَّى. وعلى المستوى الفلسفي، فإن ذلك التفكير، يبين كيف أن الحزن هو مُكَوِّنٌ للفرح. وبالفعل، فإن فرحا ما يغض النظر عن أسوأ الآلام، الذي ينفي كون أننا سريعو الزوال وفانون، يمكن أن يبدوَ نوعا من الجنون، الرفض. غير أن فرحا يشكل جزءا مما هو مأساوي، الذي يعترف بِجَرُوحِيَّةِ الكائن الإنساني، معاناته، والذي يعتبر في نفس الوقت أنه بالإمكان تجاوزهما من أجل بلوغ الإحساس بالامتنان، لهو فرح رائع. كذلك فإني أرغب في تقريب هذا المقطع لواحدة من الكلمات العميقة والأكثر ندرة من [كتاب] هكذا تكلم زرادشت: "الفَرَحُ أعمَقُ مِنَ الحُزنِ. "
- بتأييده للحياة، قام نيتشه بمهاجمة الإيمان. فقد كتب في أفول الأصنام: "إن الحاجة إلى إيمان قوي لا تعتبر برهانا على إيمان قوي، العكس هو الصحيح. فحينما يكون [الإيمان] في حوزتنا، فإنه يمكننا تحمل ترف الشكوكية ـ نكون أكثر يقينا، أكثر حزما، أكثر صلابة، أكثر التزاما من أجل ذلك." ثمة ما يقدم خلاصة لوضع مفارق لنيتشه. فهو من جهة، يعتبر الأكثر شكوكية من كل الفلاسفة ـ يرتاب في كل شيء، يتهم التقليد، يخلخل القيم الأخلاقية والسُّلط العالمة الموقرة. ومن جهة أخرى، فهو الأكثر موافقة من كل الفلاسفة، إنه يدعونا إلى إلقاء نظرة مرحة على المأساوي ذاته. توجد شكوكيته في مستوى إرادته لإثبات الرغبة البسيطة في الوجود.

- قلما كان هذا مفهوما من قبل القراء الفرنسيين لنيتشه. فقد قام الفلاسفة الفرنسيون، في غضون السبعينات، من ميشيل فوكو Michel Foucault إلى جيل دولوز Gilles Deleuze مرورا بجاك دريدا Jacques Derrida أو بيار كلوسوفسكي Pierre Klossowski بتبرئة نيتشه من وصمة العار التي تمثلها استعادته من قبل النازيين. وهذا هو ما جعلهم يختلقون صورة لنيتشه يساري، مثل فيلسوف للتفكيك، يفكك كل الإيديولوجيات دون أن ينافح عن أية منها. وبالنسبة لثيمة الفرح والانتماء إلى العالم، والتي مع ذلك لها حضور كلي في العمل، فقد كانوا يفضلون إخفاء ذلك تحت الطاولة. لأنه، أليس كذلك، يوجد بؤس في العالم، فوارق اجتماعية، اغتصابات، حروب. إن القبول بهذا العالم كما هو، مدح الواقع، لهو ترف وسلوك اجتماعي ـ خائن.

- شخصيا، إني أحارب هذا الأسلوب في تلطيف نيتشه ـ إن فكره، مثل فكر سبينوزا، عنيدٌ وقاسٍ. إن إثبات العالم، إطراء الفرح، يمتلك شراسة، بما أن ذلك يعود إلى مناوأة جبهة غير مكترثة بأسوأ الكوارث. على أنه، لو كان قد عاش تحت الرايخ الثالث، فإن نيتشه، بقريحته الجدلية، هجوماته المتكررة ضد الروح الألمانية، إهاناته ضد المعادين للسامية، إشادته بالجنوب، شخصيته ونمط عيشه، كان سيصنف من ضمن المثقفين الـ"منحطين" وكان، بدون أدنى شك، سوف يفتتح معسكرات الاعتقال.

* لننتقل إلى ثيمة أخرى ذات أهمية، الضغينة. يعرفها كتاب «جنيالوجيا الأخلاق» هكذا: "بَينَمَا يَكُونُ الإنسَانُ النَّبِيلُ مُترَعاً بِالثِّقَةِ وَالاستِقَامَةِ نَحوَ ذَاتِهِ، فَإنَّ إنسَانَ الضَّغِينَةِ لاَ هُوَ بِالصَّادِقِ، وَلاَ هُوَ بِالسَّاذَجِ، وَلاَ هُوَ بِالمُستَقِيمِ وَالصَّادِقِ تُجَاهَ نفسِهِ. نَفسُهُ مُرِيبَةٌ."

- نعم، تعتبر الضغينة لُقيَةً سيكولوجية رائعة. إن الضغينة هي أولية وفي نفس الوقت، تعتبر مسألة جدية: ما من أحد يستسلم للضغينة لا يقبل بالواقع إلا تحت تحفظات تعديلات لا حصر لها. ثم إن سلاح الضغينة، هو تَوَهُّمُ الضَّعِيفِ قَوِيّاً، ووجود قوة معينة حتى لا يتم الاستسلام إلى أفكار أو أعمال دنيئة؛ في حين أن الأقوياء يكمن عيبهم في الاستسلام إلى غرائزهم. إنه بواسطة المكيدة، عبر استراتيجيات ملتوية يرمي إنسان الضغينة الخزي على كل من يتفوق عليه. ثمة ما يفسر تلك العبارة المستفزة لنيتشه، في [كتاب] إرادة القوة: "غَالِباً مَا تَمَّ الوُقُوفُ إلَى جَانِبِ الأقوِيَّاءِ ضِدَّ الضُّعَفَاءِ. "إذَا مَا ظَهَرَ عَبقَرِيٌّ مَا، فَإِنَّ زُمرَةً مِن [أناس] قَلِيلِي الذَّكَاءِ الحُسَّادِ سَوفَ يَسعَونَ إِلَى التَّحَالُفِ ضِدَّهُ، مِن أَجلِ خَنقِهِ.

أيضا فإن إنسان الضغينة، هو من يَجتَرُّ بِشَكلٍ سَيِّءٍ، يُعَانِي عُسراً فِي الهَضمِ. وبالنسبة لنيتشه، ثمة من بين الناس المجيدين والمسيئين للاجترار. يتوصل المجيدون إلى تمثل الأحداث؛ يجتر المسيؤون الكلام، غير قادرين على النسيان كما على الصفح. وبإمكانكم التعرف على المجترين السيئين من بين أقدم أصدقائكم: وكنت أعرف أكثر من واحد منهم، عمره ستون سنة، لا يصدق على الدوام أن العالم يكون كما هو! فقد عاشوا أكثر من نصف قرن ثم إن هذا لا يحدث دائما، ولم يستوعبوا الحقيقة!

* خصص جيل دولوز صفحاتٍ عميقةً للضغينة في عمله نيتشه والفلسفة. ومع ذلك، فإن موقفه جعلني أفكر قليلا في عبارة فولتير، الذي قال بخصوص مالبرانش Malebranche "هو الذي يرى كل شيء في الله، ألا يرى في ذلك أنه أحمق." قام دولوز بتأمل وتحليل أهمية الضغينة، لكنه نسي أخذها بعين الاعتبار. على أنه، تمكن برصانة من التخفيف من حمولة الواقع كلما تقدم في مشروعه النظري! أيضا فقد كتب نيتشه في أفول الأصنام: "وَحَدهُ العَالَمُ "الظَّاهِرِيُّ" مَوجُودٌ. وَلَيسَ العَالَمُ "الحَقِيقِيُّ" سِوَى كِذبَةٍ أُضِيفَت إِلَيهِ."

- ذلك هو ما يأسرني ويستولي عليَّ في هذا الفكر، حينما كنت في الثامنة عشرة كنت أندهش على الدوام وأنا أستمع، في دروس الفلسفة، تقريظ سقراط وأفلاطون كما لو كان الأمر يتعلق بالإله الأب وبالإله الابن! وقد كنت أجد الحوارات الأفلاطونية مترعة بالمُمَاحَكات المتعبة وشبه هذيانات délires حول عالم الأفكار، خلود الروح، التناسخmétempsycose ، إلخ. تأملوا استعارة الكهف: سوف نجد أنفسنا محتجزين في هذا العالم كما في مغارة، محكوم علينا بالاَّ نبصر إلا ظلال الواقع. لكن، يالها من غرابة! يبدو الأمر وكأننا بصدد الاستماع إلى الهذيان البودليري: "في أي مكان من هذا العالم!" ولكن بطبيعة الحال، من بعدكم، سيدي ... فضلا عن ذلك، فحينما اكتشفت نيتشه وإدانته للأفلاطونية، لقد كان ذلك نوعا من الاغتباط : "مرحبا، قلت في نفسي، نحن اثنان!" العالم الظاهري هو الوحيد؛ العالم الحقيقي، بعبارة أخرى عالم الأفكار الأفلاطونية، ليس إلا وهما. وأخيرا، لقد قيل! لا تنسوا أن نيتشه كان فَقِيهَ لُغَةٍ، فهو يعرف كيف يشتم الكذب في نص ما. لقد قال: " كُلُّ نُبُوغِي يُوجَدُ فِي مِنخَريَّ."

قُبَالة الموت، يُطري نيتشه على الموقف الذي يقطع صلته مع التقليد المهيمن في الفلسفة: "إن ما يجعلني سعيدا، هو إدراك أن الرجال يرفضون إطلاقا الخوض في التفكير حول الموت!" نعم، أيضا إنه مقطع من المعرفة المرحة، أليس كذلك؟ ينبغي القول أنه أهم كتاب لنيتشه، مع ما وراء الخير والشر. بإمكانكم مقابلة هذه الجملة بباسكال، الذي يشكو بأن الرجال يخوضون في اللهو، بدلا من التأمل حول الخاصية المنتهية للوجود. إن نيتشه، والحالة هذه، لا يعتبر بأن نسيان الموت يرتبط بالطيش ـ خلافا لذلك؛ يرى فيه قمة الحكمة. إن كل قوة الكائن البشري تكمن في هذا: معرفة أننا سوف نشيخ، نتألم ثم نموت، ونكون سعداء بالانخراط كليا في ذلك الفكر. وحده من يقبل بفكرة الموت، حتى وإن لم يفكر فيه أبدا، سوف يصبح قادرا على ولوج كمال الحياة.

* نتصدى الآن إلى أهمية عمل نيتشه التي تعتبر أثيرة لديكم، فأنتم مولعون بالموسيقى. ففي أفول الأصنام نعثر على هذه الجملة الشهيرة: "بِدُونِ مُوسِيقَى، تُصبِحُ الحَيَاةُ حَمَاقَةً."

- لا تشكل هذه الصيغة بالنسبة إليَّ لغزا، إني أشعر بها بعمق. ففي تقديري، تعتبر الموسيقى حافزا للفرح، لأنها تحدث قبولا غير مشروط بكل ما هو موجود. ففي عالم مجرد من كل جوهر وكل أهمية، ماذا بمقدور المرء توقعه أكثر إن لم يكن مجتاحا من قبل إحساس بالابتهاج، كذلك الإحساس الذي تحدثه خوتا jota مايوركية جميلة؟

* ثمة خاصية أخرى لقراءتكم نيتشه: إنكم تقومون بتنسيب أهمية ثيمة العود الأبدي، الذي تمت صياغته هكذا في ما وراء الخير والشر: "إن الرجل الأكثر سخاء، الأكثر إقبالا على الحياة والأكثر إثباتا [...] لا يكتفي بالقبول وبالتعود على تحمل الواقع مثلما وُجد ومثلما يُوجد، على أنه [...] يرغب في رؤيته مثلما وُجد ومثلما يوجد، إلى الأبد."

- إن معنى العود الأبدي ليس معقدا: يتعلق الأمر بنوع من حجر المِحَكِّ. هل أنت على تمام الاستعداد لاستعادة ظروف حياتك إلى ما لا نهاية؟ أجب بكل صدق: هل ستوافق على الاستحضار بلا نهاية عبر كل المراحل منذ ولادتك؟ لو أجبت بالإيجاب، هذا يعني أن عشقك للحياة عميق وصادق. مثلما لاحظ دولوز ذلك، نيتشه، في الضرورة الحتمية للأخلاق الكانطية ـ "تصرف دائما وفقا لمبدأ أساسي" ـ يعارض معياره الخاص لتحديد السلوكات: "إن ما ترغب فيه، ابتغيه بطريقة مماثلة لرغبتك أيضا في العود الأبدي."

* هنا، تتعارض قراءتكم أماميا جدا مع قراءة مارتن هيديغر.

- بإمكانكم قول ذلك! لكي نكون صادقين، فحتى النازيين لم يفلحوا في قول حماقات بخصوص نيتشه قدر حماقات هيديغر! اقرأ درسه حول نيتشه وهو يوجد في مجلدين: كل شيء فيه باطل من البداية إلى النهاية. منذ البداية، يقوم هيديغر بتوضيح أنه لن يسعى إلى الحديث عَمّا كتبه نيتشه، بل عَمّا لم يكتبه. هذه هي الطريقة التي كان يبرر بها تلك المنهجية الغريبة نوعا ما: "إذا كانت معرفتنا تقتصر على ما تم نشره من قبل نيتشه ذاته، فإننا سوف لن نأخذ خبرا عما كان نيتشه يعرفه في السابق، ما كان يهيئ له ولم يتوقف عن النضج، على أنه كان يحتفظ به."يشرح هيديغر، في مقدماته المنطقية، بأن الأساسي بالنسبة لنيتشه هو فكرة العود الأبدي، التي تثبت أن نيتشه هو مفكر للكينونة، لما هو يدوم ثم يعود مرة أخرى فيما وراء تتالي الأحداث، ثم إنه سوف يصبح هيدغيريا قبل الوضع النهائي.
الأمر الأكثر إدهاشا، هو أن الفلاسفة الفرنسيين لما بعد الحرب، دريدا ودولوز في المقدمة، قد أخذا تلك القراءة على محمل الجد. لكني لا أعرف لماذا، في الجامعة الفرنسية، انتشار الأسطورة التي بحسبها سوف يصبح هيديغر أكبر فيلسوف في القرن العشرين. لاسيما وأن من غير المفهوم أن قصائد المدح بخصوص هيديغر بدأ الشروع فيها مباشرة بعد الاحتلال، دليل على أننا لسنا مفرطين في الحقد.

* يعتبر نيتشه، في واقع الأمر، المفكر الهيدغيري الأكثر تعارضا الذي بحسبه يكون: الزائل أكثر أهمية من الأبدي، الواقعي ذو قيمة أكبر من الكينونة، السطح هو العمق الحقيقي. إني أعشق نيتشه، لأنه عرف كيف يحمل على عاتقيه الواهنين، أليس كذلك، ألفيتين من الفلسفة المثالية، ثم إنه عمل على قلبهما. أنا لا أتساءل دائما كيف تمتع بالقوة كي يدير جيدا معركة مماثلة، في حين أنه كان يتمتع ببنية جسدية واهنة ومسار عابر على الإطلاق، لكنها مفخرة نيتشه.

ـــــ ـ كليمون روسيه (1939-)Clément Rosset من كتاب إلى كتاب، أخذ هذا الفيلسوف على عاتقه دحض الأوهام التي يعمل الناس على تغذيتها بخصوص موضوع الواقعي. إنه يقوم بتوسيع هذا النقد للمثالية من خلال أعمال عديدة أصبحت كلاسيكية، مثل الواقعي وضِعفه (غاليمار، 1976 )، بعيدا عني. دراسة حول الهوية (منوي، 1999) أو، منذ عهد قريب جدا، اللا مرئي (منوي، 2012 ). على أنه في كتابه حول الفرح، القوة القاهرة (منوي، 1983)، الذي يطور قراءة منعشة لنيتشه يمثلها هذا الحوار.

ـ مصدر النص الأصلي :

مجلة الفلسفة الفرنسية (Philosophie , magaine.hors série) عدد ممتاز، صيف 2015.