يحاول الكاتب العراقي هنا أن يتناول قضية العولمة من منظور أخلاقي، لا يتجاهل مسارات التحولات التاريخية التي أنجبتها، ولا طبيعة القوى الراهنة التي تكرس سطوتها وهيمنتها، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه يكشف عن افتقارها لأي موقف أخلاقي، وعن عودتها بالإنسانية إلى أكثر عهودها ظلما وانحطاطا.

العولمة من منظور اخلاقي!

وديـع العبـيـدي

[من ثمارهم تعرفونهم!.. هل يجنى من الشوك عنب، أو من العلّيق تين؟]- (متى7: 16)
And you know well it is against the law of nature. To live in this way, Nature will not allow any living creature. To exist for long without sleep, and in such misery. (Geoffrey Chaucer)
ما هي العولمة؟.. ولماذا ينبغي معارضتها؟ واعتبار معارضتها موقفا اخلاقيا؟ وهل يفند الاخرون معارضتها، انحيازا لمنتجاتها التكنولوجية، او اعتبارها (حتمية منطقية)؟ لابد هنا من التمييز بين دفاع الشخص الغربي عن مشروعه، ودفاع غير الغربي عنه. فالغربي، يراها مسألة هوية وانتماء وسيادة، فيما دفاع غير الغربي يلزمه ما يبرره؟.. هنا تكمن اشكالية منطقية!.
ليست العولمة ابتكارا اميركيا مستجدا، ولا تتوقف جذورها في القرن العشرين او نصفه الاخير. وانما هي مشروع اوربي، سجل حضوره في زمن مبكر من حركة التاريخ، وهجرته الشرق نحو الغرب.
يعتبر المؤرخون الامبراطورية الاكدية [2350- 2159 ق. م.]، اول محاولة لجمع العالم تحت نفوذ سياسي موحد، وكانت اللغة الاكدية يومها لغة عالمية للكتابة والعلاقات الدولية، اسوة باللغة الانجليزية اليوم. وفي القرن الثالث قبل الميلاد، حاول الاسكندر الكبير [356- 323 ق. م.] إنشاء امبراطورية عالمية تحكم كل العالم، وتتبني نشر الثقافة الاغريقية رسالة تنويرية. لكن مشروع الاسكندر انحسر ولم يترك أثرا ملحوظا خارج مصر وروما.
وبعد ثلاثة قرون من ذلك، ظهرت المسيحية التي تخذت من اللغة والثقافة الاغريقية اداة ووعاء لها. معتبرة خلاص الانسان فوق الارض جوهرا لها، ولاجله اعتمدت التبشير والكرازة حتى اقاصي الارض هدفا لها. لم تعتمد المسيحية لغة عالمية موحدة، ولكنها ركزت على عقيدة الخلاص في اطار الثقافة الاغريقية نظاما للتفكير والسلوك. وفضلا عن بولس وتيموثاوس ولوقا ويوحنا بن زبدي، كان للاتحاد الانطاكي واباء مدرسة الاسكندرية، دور رئيس في ترسيخ قواعد منظومة [مسيحية هللنستية]، تعتمد وحدة الخطاب الثقافي ولا تلغي الخصوصية البلدانية. وقد كان للكنيسة الريادة في دعوة اجتماعاتها او مؤتمراتها (مجالس مسكونية) [Eccuminical Conferences]، يحضرها اساقفة وممثلون عن الكنائس من عدة بلدان. فالمسكونية. استخدام مبكر لما عرف اصطلاحا [world, globalism].
ليس من اليسير معرفة سبب الاستعارة الهللينية في المسيحية التي يفترض التاريخ شرقية جذورها الجغرافية. وبدلا من توظيفها لاستعادة سيادة الشرق، اجتمعت عوامل وامكانات لاستكمال مشروع الاسكندر، مع تعديل ملحوظ. بعبارة اخرى، ان حملة الاسكندر المقدوني نقلت المركزية الحضارية والسياسية من شرق المتوسط الى الغرب. وان مشروع المركزية الغربية في عصر النهضة، جاء مكملا لامبراطوريات روما وبيزنطه. ومشروع العولمة الاميركي هو جيل اخر من (المركزية الغربية).
وعلى رغم اعتناق قسطنطين [272- 337م] للمسيحية، فأن فكرة بناء امبراطورية بيزنطه، استهدفت احياء مشروع الاسكندر السياسي والهلليني لتوحيد العالم. ورغم فشل روما وبيزنطه في تجاوز مجرى الفرات، ورثت الانظمة القومية في اوربا عصر النهضة، ذلك الهدف، ونجحت في تحقيقه، في اطار ما عرف بالحركة الاستعمارية. واذا كانت البلدان الاوربية غير قادرة على تجاوز صراعاتها البينية حول السيطرة وتقاسم النفوذ، فقد نجحت الولايات المتحدة في استثمار مجمل الخلافات والصراعات والازمات الدولية والاقليمية، وتسخيرها لتأكيد هيمنتها المنفردة على الساحة الدولية، تحت عنوان ضبابي شامل [العولمة].
العولمة: تتمدد وتتعدد مفاهيمها وابعادها، لكنها لا تخرج عن نطاق السيادة الاميركية في مختلف مجالات الحياة والسياسة الدولية. ومن مسمياتها المبكرة: [النظام العالمي الجديد، النظام الاقتصادي العالمي، القرية الكونية، ثورة الاتصالات]، وكلها ذات مرجعية أميركية، من منتجات مدارس الاستشراق الفكرية. وليس في هاته الاصطلاحات ما يتضمن او يشير لمضمون سلبي او تخريبي، طالما كانت في طور التنظير والمداولات الانشائية. وكانت النظرة الثقافية لها، تحمل من عناصر التفاؤل والامل والصلاح، ما يجعلها مصدر جاذبية فكرية ومدرّ احلام مجانية. ولم يكن واضحا، اذا كان الامل والتفاؤل يتصل بأجواء مشاريع التنوير والتحديث، ام الصورة الاعلامية الخارجية لوعود العالم الجديد في العالم العربي اواسط القرن العشرين. وموقفنا الاخلاقي من العولمة هنا، يتصل بتداولها السائد اليوم، مع بداية الالفية الثالثة، وليس الاشارات النظرية المبكرة اليها قبل ربع قرن. نهاية الحرب العالمية الثانية [1939- 1945م]، رسمت نهاية النفوذ الاوربي التقليدي، وبداية الدور الاميركي في الهيمنة الدولية، واستيراث مستعمرات الكولونيالية الاوربية عبر البحار. وكان المشروع الاميركي يومذاك، مختلفا عن سلفه الاوربي، لاهتمامه بمحورين..
1- دعم حركات التحرر والاستقلال الوطني وتقرير المصير.
2- دعم قطاع الثقافة وقيم الحوار والانفتاح والدمقراطية.
وبالعودة لقاموس الحرب الباردة، فأن عبارات [الاستعمار والرجعية] اكثر احالة على الكولونيالية الاوربية: البريطانية والفرنسية، تحديدا. لكن الولايات المتحدة الاميركية ليست غير كيان اوربي في اصوله، تشكل من المهاجرين الاوربين للشمال الامريكي منذ القرن السابع عشر لاسباب مادية ودينية. وفضلا عن اللغة والثقافة الاوربية، فأنه امتداد للمركزية الاوربية وحلمها الامبراطوري في السيادة والهيمنة.
وجود الغرب الاوربي والاميركي مرتبط بقدر واحد، ذلك هو القدر الذي استقرأته روما قبل حوالي الفي عام. ورغم انحلال روما الامبراطورية، ما زالت القوى الاوربية والاميركية تجتهد في عدم افلات خيوطه. وكل الحركات الاستعمارية –كما تعرف ادبيا-، وما تتضمنه من برامج الحداثة والتنوير والتبشير، هي امتدادات مشروع الهيمنة. ومن نفس المنظور، جاء مشروع الاتحاد الاوربي، كقوة اوربية مركزية متحدة، لقيادة عجلة التاريخ، بعد خسارة اوربا ثمار الحرب. مما يكشف عنصر المنافسة والتحدي، بين المشروع الاوربي الاتحادي، والمشروع الاميركي العولمي، لاحتكار صيرورة المستقبل.
وليس مشروع البركست الانجليزي وانفصالها عن الاتحاد الاوربي والاميركي، غير يقظة متأخرة، لدخول السباق والمنافسة ضد الاثنين، لاستعادة مستعمراتها السابقة ومجدها الفيكتوري الافل!.
لقد كان للاميركان دور مبكر في اختراق الاعلام والثقافة والسياسة العربية. وكانت صورة [المخلص، المحرر] محور الدعاية الاعلامية للولايات المتحدة الاميركية. وفي المقاهي العربية كانت مبادئ ولسن مدار حديث قراء الصحف واشباه المثقفين. ولا يعرف اليوم، جرد بعدد واسماء الجمعيات والمنظمات والنوادي والاحزاب ودور النشر ووسائل الاعلام التي ساهمت الدعاية الاميركية في اطلاقها او دعمها، مما يتعدى مجلة (حوار) لتوفيق صايغ [1923- 1971م] التي اعترف بحصوله على معونة اميركية في الستينيات. كثير من الحكومات والاحزاب والحركات السياسية والدينية ومراكز البحث والاعلام، تستلم اليوم معونات اميركية، دون اشتباه او حرج، رغم ان اميركا اليوم كشفت عن انيابها. ولم تعد ذلك الدب الذي كان يبتسم فحسب، من قبل (*). هذا يعني ان النفوذ الاميركي في البلدان العربية ابتدأ ثقافيا واقتصاديا، قبل السياسي والعسكري. ولذلك اقترن الغزو الاميركي لبلداننا بضعف اعمال المقاومة، وتكلل بسعة الطابور الخامس الذي ينافح عن الغزو والهيمنة الاميركية، امتدادا لظاهرة (العدو الصديق) التاريخية(*).
من هذا المنظور، تبدو (العولمة)، نظاما مدروسا لترويج الغزو الثقافي والفكري للعالم. وفضلا عن الادوات والاساليب التقليدية للغزو الثقافي، تولت شبكة النت، الدور الرئيسي في دعم انشاء امبراطورية ثقافية اميركية، تتحكم في اذهان الناس واذواقهم، في قناعاتهم وعقائدهم، في ثيابهم وطعامهم، وعلاقاتهم الاجتماعية وكرمز الاولويات الاميركية. اجيال النت، مقطوعين فكريا وشعوريا عن بيئاتهم الجغرافية، متوطنين في وطن يوتوبي [utopia] مطبوع ببصمات اميركية واصابع تحكم الكترونية عن بعد.
وأودّ هنا تأشير ملاحظتين سريعتين لحسم هاته النقطة.
1- ان العرب –امة وديانة وتقاليد ودولة- غير واعين لمعنى الثقافة واهميتها الاستراتيجية في اساسيات الحياة البشرية، ولم يحتل الشخص المثقف مكانة مركزية او مرموقة في النظام الاجتماعي او السياسي في الشرق الاوسط. فيما كان وجوده موضع ابتزاز سياسي او ديني او اجتماعي، مصدرا للمعونة في المصاعب، ومحملا للعنات والخطايا في اوقات اخرى. وباستثناء الحكم العباسي، لم يصل المثقف عتبة السلطة او قيادة المجتمع. ورغم ذلك، لم ينقطع الثقافي عن محاولة دوره، رغم ما يواجهه من اهمال وتهميش وتخرصات واتهامات بائسة. ولعل مركز العلة والطامة الكبرى في هيكلية الشرق، ان الدور الذي كان يحظى به الفيلسوف عند الاغريق واللاتين في الغرب، احتله رجل الدين، وما يزال الفكر الديني في الشرق، يحل محلّ الفكر العقلي في حياتنا. ومن غير اعادة الهيكلة السوسيوثقافية، لن يخرج الشرق من حفرته، ولن يستقيم ظهره في مواجة الاخر!.
2- ان الثقافة الامريكية عامة، والمشروع الثقافي للعولمة، محوره الثقافة الشعبية/ [pop-culture]، وليس ثقافة العقل النخبوي. وشتان بين فكرة تتنزل من العقل الفلسفي وبين فكرة يتم انتشالها من قاع المجتمع ونفحها بواسطة الاعلام للتحول الى ظاهرة عامة. وقد تمثل دارسو الظاهرة بحركات مايكل جاكسن خلال رقصه، وكيف تحول الى طراز يسعى الاطفال الى تقليده، طريقا للنجومية. والبوب في الغرب يعود للرقص الافروميركاني، وليس طرازا ادبيا او مدرسة فكرية. وقد سخرت منتجات النت والياتها المستجدة لتكون سوق رواج لمنتجات البوب الاميركي وغير الاميركي، بكل ما تحمله من خصائص الشذوذ والاستثارة الحسية. ان سيناريو الثقافة الشعبية يتضمن تهميش الثقافي المسؤول والعقلاني الجاد، لصالح مسالك اجتماعية غير مسؤولة، مما يبين حجم الخراب المترتب عليها، ما لم تتخذ اجراءات حازمة للحد منها، ويترفع النشئة الى مستوى الوعي المسؤول.
نحن بحاجة لبحث ودراسة ظروف وخصائص تلقي المثقف الشرقاوسطي، وطبيعة فهمه وتأويله للافكار. والامر الاخر الموازي له من حيث الاهمية، هو سبب عدم ظهور خطاب سوسيوثقافي مقابل او بديل، واهمال مرتكزات الحصانة الذاتية: [الفردية- الوطنية- القومية- الانسانية]. لقد كان العرب، بما فيهم انظمة الحكم الوطنية والثورية، المعروفة بالجمهوريات العلمانية التحررية، غير واعين تماما لتبعيتهم الثقافية والفكرية للغرب. وكان عدم وعي تلك التبعية الثقافية، طامة كبرى، مقارنة بحجم الضجيج الاعلامي والسياسي لتلك الانظمة، عن التحرر والاستقلال ومستحقات الاستقلال الناجز. لقد تركز خطاب الاستقلال العربي في الجوانب العسكرية والسياسية اولا، والاقتصادية تاليا. وهو الجانب الذي تعنى به المؤسسة السياسية والدستور. اما الاستقلالية الفكرية والثقافة بالمعنى الاوسع، فلم تكن لها بدائل محلية مكافئة. وهي مسؤولية المجتمع وقياداته الاكادمية والفكرية، ممثلة بالجامعات والجمعيات الثقافية.
لكن جامعاتنا وتياراتنا الفكرية والادبية، كانت اكثر تماهيا مع منتجات الغرب، واعتبارها معايرا للتحصيل الدراسي والنتاج الثقافي. وما يزال نتاجنا الفكري وطروحاتنا تتعرض للتسفيه وفق معيارية غربية. وسوف يقول قائل: بفصل الثقافة عن خطاب الغزو والاستقلالية. واقول: تمنيت لو كان الامر كذلك لدى الغرب نفسه. فلا غرابة ان نجد انفسنا، بعد عقود من عملياتية التطور وخطاب التحديث، اكثر اغترابا عن ذواتنا وحقيقتنا التاريخية، وأن ينشأ جيل الاحفاد – جيل العولمة- غريبا ومغتربا عن بيئته وجيل اجداده. ان علة ذلك، تكمن في النظرة الضيقة للعقل السياسي العربي، الى سيناريوات الهيمنة الغربية ونفوذها خارج حدودها، على انه نفوذ اقتصاسياسي، وأطماعها في موارد الطاقة والمواد الخام. ولم يكن حاضرا في العقل والاعلام العربي، موضوع الغزو الثقافي والفكري الغربي لبلدان العالم الثالث.
يذكر المخضرمون انتشار الاسماء الأجنبية في عناوين المتاجر والشركات وانتشار الماركات الاجنبية الغربية، فضلا عن تنامي حركة الترجمات العربية للانتاج الفكري والثقافي الاوربي والامريكي. وحتى زمن قريب، كانت الترجمة عن اللغات الغربية، تحظى بالاولوية والامتياز على الموضوع المحلي والعربي لدى النشر. وذلك من اثار التبعية اللاواعية للعقل العربي للغرب. وجزء من تلك التبعية، تمرير الدعاية المبكرة لمشاريع العولمة والهيمنة الرأسمالية الامبريالية على العالم(*). معنى هذا، ان جملة الاعلام العربي الرسمي والاهلي، دور النشر والصحافة والانتاج الثقافي، كانت جزء من كرنفال الترويج والدعاية، للخراب الشامل في فاتحة القرن الواحد والعشرين.
واذا كانت تيارات ثقافتنا العربية تنقسم الى: [قومية، ماركسية، لبرالية]. فقد ساهم الجميع بقسطه تحت عنوان التحديث، فلا غرو ان تخسر [القومية/ الماركسية/ اللبرالية] العربية مشروعها، وتذهب الثمار للتيار الديني الرجعي واليميني. وبعض المثقفين المخضرمين، يستغربون كيف تنهار انظمة علمانية تقدمية، ويدعم المشروع الانجلوأميركي دوام وسيادة انظمة رجعية وخطاب متخلف. وهذا طبعا، يعود في اصله الى نقصنا الثقافي، وعدم قدرتنا على فهم النظام الانجليزي او النظام الاميركي على حقيقته. وأشكّ شخصيا، ان يكون مثقفونا قد فهموا النظام السوفيتي والصيني او مشروع الاتحاد الاوربي، بنفس مستوى عجز الاسلامويين عن فهم افكار الدولة والخلافة والشريعة حتى اليوم.
لقد قامت ثقافتنا على الاستعارة والتقليد. وقد توفر صدر الدولة العباسية [في القرنين الثامن والتاسع الميلادي] على عقول جبارة، تأتى لها وضع قواعد التأسيس والبناء الفكري، بالافادة من وجود حكام يدعمون الفكر والثقافة، ويهتمون بالعلماء والمفكرين. لكن تلك الظاهرة اليتيمة سرعان ما تعكرت، وانتهت نهاية بائسة ممثلة بمحنة ابن رشد، بعد هجرة الفكر غربا. ومنذ نهاية الفيلسوف ابن رشد [1126- 1198م] المأساوية، تحول من منتج للفكر الى مستهلك انتقائي في سوق الثقافة. ومنذ ما يدعى بالفترة –العهود- المظلمة، كانت استعارة الثقافة تتم بالواسطة- عبر وسيط ثالث-، ولم يتم تعامل ثقافي مباشر بين العرب والغرب الا في وقت متأخر من القرن العشرين.
وفيما كانت اجادة اللغات الاوربية نادرة وعسيرة في السابق، فأن كثرة متحدثيها اليوم بأثر المهجر واللجوء، اقترن بغياب الثقافي وتسطح الوعي، مما يجعل الراهن، امتدادا لبرامج الفترة المظلمة، ويزداد تهميش العربي والوطني والقومي والاممي، مقابل تربع اللغة والثقافة الانجليزية على قمة هرم الحياة المعاصرة. في القرون التالية تحولت الاستعارة والتقليد الى طفيلية وتقليد اعمى، متمثلة بالحقبة المظلمة التي سوف تستمر للعصر الحديث. وكان الأحرى، مع انتشار حركة التعليم والتنوير، ظهور نهضة علمية حضارية، تستكمل ما انتهت اليه النهضة العباسية، وذلك اسوة بالتنوير الاوربي الذي استحث الفلسفة الاغريقية. وفي المرحلة الانتقالية بين اواخر العهد العثماني وبدايات الدولة المدنية الحديثة، ظهرت نهضة حضارية بين اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ممثلة بمشروع دولة محمد علي [1769/ 1805- 1849م] في مصر.
دولة الخديوية المصرية [1805- 1952م] نفسها تقابل الى حدّ دولة البطالمة [333- 30 ق. م.] قبل تسعة عشر قرنا، في نقلة الالفية وتحلل وقيام ممالك. لكننا لا نجد اليوم مبررا منطقيا لاستمرار التضحية بقيامة الفكر، على مذبح الغزالي وابن تيمية والاصولية الدينية مرة اخرى، مما وسم الحياة العربية اليوم بالاستهلاك والتبعية. وعندما نحاول هنا التصدي للهيمنة الغربية، وتفنيد اصولها ومظاهرها وفق المعايير الاخلاقية لعصر التنوير الاوربي، فليس ثمة ارضية أو أهلية لتقديم مشروع بديل، فكري او سياسي او حتى ديني. وهنا يكمن سرّ المعضلة التاريخية التي لا يريد الوعي العربي او الاسلامي مواجهتها.
ثمة استغراق غير عادي في النزعة الاستهلاكية المادية، وسعي محموم لتقليد طرز الحياة الغربية واشباع الفراغ الحضاري والنفسي للشخصية الاجتماعية. وفي المقابل، يغيب مشروع النهوض الذاتي، بعد هزيمة العلمانية الثقافية السياسية. وبعد الافلاس السياسي العربي، على مستوى الانظمة والاحزاب، يتأكد الافلاس الديني العام، بوقوعه المسبق في فخ الدعاية والمعونة الاميركية.
خلاصة
العولمة.. ليست نهاية العالم!.
العولمة ليست ذروة العقل الغربي والحضارة الغربية.
لقد حققت الحضارة الغربية ذروتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في ازدهار حركة الفلسفة والفكر الانساني، بغير سابق. ويبدو ان الغرور الغربي العسكري، أساء توظيف الارتقاء العقلي في مجال الارتقاء العرقي وفرض الهيمنة الغربية على سطح الكرة الارضية. فلا غرو ان يتراجع تطور الفلسفة الغربية ازاء تيارين يسودان الفترة التالية حتى اليوم.
أولا: ازدهار المخترعات العلمية والتكنولوجية.
ثانيا: ازدهار الفكر السياسي وتعاظم دور الدولة الغربية.
وبينما اتسعت فضاءات الحرية والتفكير والتعبير بعد الحركة اللوثرية (1517م)، وامكن تجاوز الفترة المظلمة من خلال الحركة الفكرية والانسانية، جاء تقدم العلم والتكنولوجيا، لحرف عجلة التقدم وتوظيفه في مجالات الاقتصاد والسياسة والعسكرية، مانحا الارستقراطيات التقليدية وقراصنة الحرب، فرصة تشكيل (مافيا) سياسية تتحكم وتتدخل في كل مجالات العلم والدين والحياة العامة، وتستخدم مؤسسات [الدولة والحياة السياسية] لخدمة اغراضها.
واذا كانت ظاهرة ابن رشد عربيا تجسد انحطاط الخط البياني للعقل والحضارة العربية، فان تراجع دور الفلسفة والتهميش الفكري والاجتماعي للمفكرين والفلاسفة في الغرب، يجسد ايضا انحطاط الخط البياني للعقل والحضارة الغربية.
[كل شيء في خدمة الهيمنة!].. كل شيء في خدمة الدولة والمافيا السياسية: التعليم والصحة والاعلام، التجارة والبنوك والاحزاب. وليست النتيجة التي وصلت اليها مدارس الاستشراق غير دالة الانحطاط الحضاري والبؤس الاخلاقي الذي انتهى اليها التطور الغربي؛ وذلك على مستوى واحد من (أزمة الرأسمالية) التي لا تجد لها متنفسا، بغير العودة الى الاساليب البدائية للغزو والقرصنة.
فالعولمة: كبرنامج سيادي غربي، يو بداية فترة مظلمة جديدة في تاريخ الغرب، وعودة بائسة للقرصنة والعبودية، تمهيدا لانتقال السيادة الدولية نحو الشرق!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* بولس هو الاسم المسيحي لشاول البنياميني [8- 67م] اليهودي الفريسي من طرسوس جنوبي غربي تركيا اليوم، كان مواطنا رومانيا يتحدث عدة لغات ويتمتع بتعليم عالٍ. اتبع يسوع المسيح وصار رسولا للامم، وهو المؤسس الاول للكنيسة الغربية بدء من اسيا الصغرى حتى اسبانيا، ومن اوائل صياغ العقيدة المسيحية [التجسد- الثالوث- القيامة] في رسائله الانجيلية الاربعة عشر. وكان لوقا الطبيب احد كتابه ومرافقيه في الخدمة، الى جانب تيموثاوس واخرين.
* يوحنا بن زبدي، احد اخوين –الى جانب يعقوب- كانا يعملان في الصيد من بلدة صيدا الجيلي جنوبي لبنان، كان من تلاميذ يوحنا المعمدان ثم تبع يسوع الجليلي [4 ق. م.- 30م] وهو احد الاثني عشر من حواريه. جرى نفيه الى جزيرة بطمه في بحر ايجه عام (70م) وكرز اسقفا لكنائس اسيا الصغرى. وهو اطول التلاميذ عمرا، والوحيد الذي لم يقتل منهم. وينسب اليه الانجيل الرابع وسفر الرؤيا اللاهوتي من الكتب المسيحية الرسمية.
* في جريدة الثورة البغدادية [1968- 2003م]، لسان حال حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، والتي كان مكتب الاعلام القومي للحزب يشرف عليها، كانت الصفحة الثالثة من الجريدة مخصصة للدراسات والابحاث التي تمثل فكر الحزب، ويساهم فيها اسماء محددة من الكادر الاعلامي القومي، نشرت خلال السبعينيات، دراسات ومساهمات كثيرة تتعلق بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد، والمحاور المتعلقة بها مثل اثرها على العالم الثالث او العالم العربي، او التنميات الوطنية، فضلا عن اوهام العدالة الاقتصادية وتكافؤ توزيع التكنولوجيا بين الغرب والشرق وما شابه. هل كان ذلك من قبيل الغواية وحسن النية. هل كان الخط الاعلامي للحزب مرتبطا بكارتل اعلامي امريكي، كما هو اليوم من اشتراك مؤسسات الصحافة العربية في لندن في كارتل نيويورك الصحفي الى الواشنطن بوست ونيويورك تايمز؟.
* بيت الشعر المعروف لابي الطيب المتنبي [915- 965م].. إذا رأيت نيوب الليث بارزة... فلا تظنّن ان الليث يبتسمُ..
* ظاهرة (العدو الصديق) تتمثل عند المواجهة مع طرف اكثر قوة وتقدما، فيضطر الطرف الاضعف –العرب هنا- الى محاولة الاستفادة منه، وتخفيف/ اختزال حدة استعدائه. وفي صدر الدولة العربية الاسلامية، عمدت للاستفادة من علوم الفرس والروم، باحتواء الفرس والحد من استعداء الروم. وقد مهّد هذا الموقف المتناقض الى تعاون العرب مع الاوربيين الغزاة في بداية القرن العشرين رغم اطماعهم المكشوفة، وتكرر مع الامريكان في بداية القرن التالي/ الراهن.
* احمد البغدادي- احاديث الدين والدنيا
[من ثمارهم تعرفونهم!.. هل يجنى من الشوك عنب، أو من العلّيق تين؟]- (متى7: 16)
And you know well it is against the law of nature. To live in this way, Nature will not allow any living creature. To exist for long without sleep, and in such misery.  (Geoffrey Chaucer)
ما هي العولمة؟.. ولماذا ينبغي معارضتها؟ واعتبار معارضتها موقفا اخلاقيا؟ وهل يفند الاخرون معارضتها، انحيازا لمنتجاتها التكنولوجية، او اعتبارها (حتمية منطقية)؟ لابد هنا من التمييز بين دفاع الشخص الغربي عن مشروعه، ودفاع غير الغربي عنه. فالغربي، يراها مسألة هوية وانتماء وسيادة، فيما دفاع غير الغربي يلزمه ما يبرره؟.. هنا تكمن اشكالية منطقية!.
ليست العولمة ابتكارا اميركيا مستجدا، ولا تتوقف جذورها في القرن العشرين او نصفه الاخير. وانما هي مشروع اوربي، سجل حضوره في زمن مبكر من حركة التاريخ، وهجرته الشرق نحو الغرب.
يعتبر المؤرخون الامبراطورية الاكدية [2350- 2159 ق. م.]، اول محاولة لجمع العالم تحت نفوذ سياسي موحد، وكانت اللغة الاكدية يومها لغة عالمية للكتابة والعلاقات الدولية، اسوة باللغة الانجليزية اليوم. وفي القرن الثالث قبل الميلاد، حاول الاسكندر الكبير [356- 323 ق. م.] إنشاء امبراطورية عالمية تحكم كل العالم، وتتبني نشر الثقافة الاغريقية رسالة تنويرية. لكن مشروع الاسكندر انحسر ولم يترك أثرا ملحوظا خارج مصر وروما.
وبعد ثلاثة قرون من ذلك، ظهرت المسيحية التي تخذت من اللغة والثقافة الاغريقية اداة ووعاء لها. معتبرة خلاص الانسان فوق الارض جوهرا لها، ولاجله اعتمدت التبشير والكرازة حتى اقاصي الارض هدفا لها. لم تعتمد المسيحية لغة عالمية موحدة، ولكنها ركزت على عقيدة الخلاص في اطار الثقافة الاغريقية نظاما للتفكير والسلوك. وفضلا عن بولس وتيموثاوس ولوقا ويوحنا بن زبدي، كان للاتحاد الانطاكي واباء مدرسة الاسكندرية، دور رئيس في ترسيخ قواعد منظومة [مسيحية هللنستية]، تعتمد وحدة الخطاب الثقافي ولا تلغي الخصوصية البلدانية. وقد كان للكنيسة الريادة في دعوة اجتماعاتها او مؤتمراتها (مجالس مسكونية) [Eccuminical Conferences]، يحضرها اساقفة وممثلون عن الكنائس من عدة بلدان. فالمسكونية. استخدام مبكر لما عرف اصطلاحا [world, globalism]. 
ليس من اليسير معرفة سبب الاستعارة الهللينية في المسيحية التي يفترض التاريخ شرقية جذورها الجغرافية. وبدلا من توظيفها لاستعادة سيادة الشرق، اجتمعت عوامل وامكانات لاستكمال مشروع الاسكندر، مع تعديل ملحوظ. بعبارة اخرى، ان حملة الاسكندر المقدوني نقلت المركزية الحضارية والسياسية من شرق المتوسط الى الغرب. وان مشروع المركزية الغربية في عصر النهضة، جاء مكملا لامبراطوريات روما وبيزنطه. ومشروع العولمة الاميركي هو جيل اخر من (المركزية الغربية).
وعلى رغم اعتناق قسطنطين [272- 337م] للمسيحية، فأن فكرة بناء امبراطورية بيزنطه، استهدفت احياء مشروع الاسكندر السياسي والهلليني لتوحيد العالم. ورغم فشل روما وبيزنطه في تجاوز مجرى الفرات، ورثت الانظمة القومية في اوربا عصر النهضة، ذلك الهدف، ونجحت في تحقيقه، في اطار ما عرف بالحركة الاستعمارية. واذا كانت البلدان الاوربية غير قادرة على تجاوز صراعاتها البينية حول السيطرة وتقاسم النفوذ، فقد نجحت الولايات المتحدة في استثمار مجمل الخلافات والصراعات والازمات الدولية والاقليمية، وتسخيرها لتأكيد هيمنتها المنفردة على الساحة الدولية، تحت عنوان ضبابي شامل [العولمة].
العولمة: تتمدد وتتعدد مفاهيمها وابعادها، لكنها لا تخرج عن نطاق السيادة الاميركية في مختلف مجالات الحياة والسياسة الدولية. ومن مسمياتها المبكرة: [النظام العالمي الجديد، النظام الاقتصادي العالمي، القرية الكونية، ثورة الاتصالات]، وكلها ذات مرجعية أميركية، من منتجات مدارس الاستشراق الفكرية. وليس في هاته الاصطلاحات ما يتضمن او يشير لمضمون سلبي او تخريبي، طالما كانت في طور التنظير والمداولات الانشائية. وكانت النظرة الثقافية لها، تحمل من عناصر التفاؤل والامل والصلاح، ما يجعلها مصدر جاذبية فكرية ومدرّ احلام مجانية. ولم يكن واضحا، اذا كان الامل والتفاؤل يتصل بأجواء مشاريع التنوير والتحديث، ام الصورة الاعلامية الخارجية لوعود العالم الجديد في العالم العربي اواسط القرن العشرين. وموقفنا الاخلاقي من العولمة هنا، يتصل بتداولها السائد اليوم، مع بداية الالفية الثالثة، وليس الاشارات النظرية المبكرة اليها قبل ربع قرن. نهاية الحرب العالمية الثانية [1939- 1945م]، رسمت نهاية النفوذ الاوربي التقليدي، وبداية الدور الاميركي في الهيمنة الدولية، واستيراث مستعمرات الكولونيالية الاوربية عبر البحار. وكان المشروع الاميركي يومذاك، مختلفا عن سلفه الاوربي، لاهتمامه بمحورين..
1- دعم حركات التحرر والاستقلال الوطني وتقرير المصير.
2- دعم قطاع الثقافة وقيم الحوار والانفتاح والدمقراطية.
وبالعودة لقاموس الحرب الباردة، فأن عبارات [الاستعمار والرجعية] اكثر احالة على الكولونيالية الاوربية: البريطانية والفرنسية، تحديدا. لكن الولايات المتحدة الاميركية ليست غير كيان اوربي في اصوله، تشكل من المهاجرين الاوربين للشمال الامريكي منذ القرن السابع عشر لاسباب مادية ودينية. وفضلا عن اللغة والثقافة الاوربية، فأنه امتداد للمركزية الاوربية وحلمها الامبراطوري في السيادة والهيمنة.
وجود الغرب الاوربي والاميركي مرتبط بقدر واحد، ذلك هو القدر الذي استقرأته روما قبل حوالي الفي عام. ورغم انحلال روما الامبراطورية، ما زالت القوى الاوربية والاميركية تجتهد في عدم افلات خيوطه. وكل الحركات الاستعمارية –كما تعرف ادبيا-، وما تتضمنه من برامج الحداثة والتنوير والتبشير، هي امتدادات مشروع الهيمنة. ومن نفس المنظور، جاء مشروع الاتحاد الاوربي، كقوة اوربية مركزية متحدة، لقيادة عجلة التاريخ، بعد خسارة اوربا ثمار الحرب. مما يكشف عنصر المنافسة والتحدي، بين المشروع الاوربي الاتحادي، والمشروع الاميركي العولمي، لاحتكار صيرورة المستقبل.
وليس مشروع البركست الانجليزي وانفصالها عن الاتحاد الاوربي والاميركي، غير يقظة متأخرة، لدخول السباق والمنافسة ضد الاثنين، لاستعادة مستعمراتها السابقة ومجدها الفيكتوري الافل!. 
لقد كان للاميركان دور مبكر في اختراق الاعلام والثقافة والسياسة العربية. وكانت صورة [المخلص، المحرر] محور الدعاية الاعلامية للولايات المتحدة الاميركية. وفي المقاهي العربية كانت مبادئ ولسن مدار حديث قراء الصحف واشباه المثقفين. ولا يعرف اليوم، جرد بعدد واسماء الجمعيات والمنظمات والنوادي والاحزاب ودور النشر ووسائل الاعلام التي ساهمت الدعاية الاميركية في اطلاقها او دعمها، مما يتعدى مجلة (حوار) لتوفيق صايغ [1923- 1971م] التي اعترف بحصوله على معونة اميركية في الستينيات. كثير من الحكومات والاحزاب والحركات السياسية والدينية ومراكز البحث والاعلام، تستلم اليوم معونات اميركية، دون اشتباه او حرج، رغم ان اميركا اليوم كشفت عن انيابها. ولم تعد ذلك الدب الذي كان يبتسم فحسب، من قبل (*). هذا يعني ان النفوذ الاميركي في البلدان العربية ابتدأ ثقافيا واقتصاديا، قبل السياسي والعسكري. ولذلك اقترن الغزو الاميركي لبلداننا بضعف اعمال المقاومة، وتكلل بسعة الطابور الخامس الذي ينافح عن الغزو والهيمنة الاميركية، امتدادا لظاهرة (العدو الصديق) التاريخية(*).
من هذا المنظور، تبدو (العولمة)، نظاما مدروسا لترويج الغزو الثقافي والفكري للعالم. وفضلا عن الادوات والاساليب التقليدية للغزو الثقافي، تولت شبكة النت، الدور الرئيسي في دعم انشاء امبراطورية ثقافية اميركية، تتحكم في اذهان الناس واذواقهم، في قناعاتهم وعقائدهم، في ثيابهم وطعامهم، وعلاقاتهم الاجتماعية وكرمز الاولويات الاميركية. اجيال النت، مقطوعين فكريا وشعوريا عن بيئاتهم الجغرافية، متوطنين في وطن يوتوبي [utopia] مطبوع ببصمات اميركية واصابع تحكم الكترونية عن بعد.
وأودّ هنا تأشير ملاحظتين سريعتين لحسم هاته النقطة.
1- ان العرب –امة وديانة وتقاليد ودولة- غير واعين لمعنى الثقافة واهميتها الاستراتيجية في اساسيات الحياة البشرية، ولم يحتل الشخص المثقف مكانة مركزية او مرموقة في النظام الاجتماعي او السياسي في الشرق الاوسط. فيما كان وجوده موضع ابتزاز سياسي او ديني او اجتماعي، مصدرا للمعونة في المصاعب، ومحملا للعنات والخطايا في اوقات اخرى. وباستثناء الحكم العباسي، لم يصل المثقف عتبة السلطة او قيادة المجتمع. ورغم ذلك، لم ينقطع الثقافي عن محاولة دوره، رغم ما يواجهه من اهمال وتهميش وتخرصات واتهامات بائسة. ولعل مركز العلة والطامة الكبرى في هيكلية الشرق، ان الدور الذي كان يحظى به الفيلسوف عند الاغريق واللاتين في الغرب، احتله رجل الدين، وما يزال الفكر الديني في الشرق، يحل محلّ الفكر العقلي في حياتنا. ومن غير اعادة الهيكلة السوسيوثقافية، لن يخرج الشرق من حفرته، ولن يستقيم ظهره في مواجة الاخر!.
2- ان الثقافة الامريكية عامة، والمشروع الثقافي للعولمة، محوره الثقافة الشعبية/ [pop-culture]، وليس ثقافة العقل النخبوي. وشتان بين فكرة تتنزل من العقل الفلسفي وبين فكرة يتم انتشالها من قاع المجتمع ونفحها بواسطة الاعلام للتحول الى ظاهرة عامة. وقد تمثل دارسو الظاهرة بحركات مايكل جاكسن خلال رقصه، وكيف تحول الى طراز يسعى الاطفال الى تقليده، طريقا للنجومية. والبوب في الغرب يعود للرقص الافروميركاني، وليس طرازا ادبيا او مدرسة فكرية. وقد سخرت منتجات النت والياتها المستجدة لتكون سوق رواج لمنتجات البوب الاميركي وغير الاميركي، بكل ما تحمله من خصائص الشذوذ والاستثارة الحسية. ان سيناريو الثقافة الشعبية يتضمن تهميش الثقافي المسؤول والعقلاني الجاد، لصالح مسالك اجتماعية غير مسؤولة، مما يبين حجم الخراب المترتب عليها، ما لم تتخذ اجراءات حازمة للحد منها، ويترفع النشئة الى مستوى الوعي المسؤول.
نحن بحاجة لبحث ودراسة ظروف وخصائص تلقي المثقف الشرقاوسطي، وطبيعة فهمه وتأويله للافكار. والامر الاخر الموازي له من حيث الاهمية، هو سبب عدم ظهور خطاب سوسيوثقافي مقابل او بديل، واهمال مرتكزات الحصانة الذاتية: [الفردية- الوطنية- القومية- الانسانية]. لقد كان العرب، بما فيهم انظمة الحكم الوطنية والثورية، المعروفة بالجمهوريات العلمانية التحررية، غير واعين تماما لتبعيتهم الثقافية والفكرية للغرب. وكان عدم وعي تلك التبعية الثقافية، طامة كبرى، مقارنة بحجم الضجيج الاعلامي والسياسي لتلك الانظمة، عن التحرر والاستقلال ومستحقات الاستقلال الناجز. لقد تركز خطاب الاستقلال العربي في الجوانب العسكرية والسياسية اولا، والاقتصادية تاليا. وهو الجانب الذي تعنى به المؤسسة السياسية والدستور. اما الاستقلالية الفكرية والثقافة بالمعنى الاوسع، فلم تكن لها بدائل محلية مكافئة. وهي مسؤولية المجتمع وقياداته الاكادمية والفكرية، ممثلة بالجامعات والجمعيات الثقافية.
لكن جامعاتنا وتياراتنا الفكرية والادبية، كانت اكثر تماهيا مع منتجات الغرب، واعتبارها معايرا للتحصيل الدراسي والنتاج الثقافي. وما يزال نتاجنا الفكري وطروحاتنا تتعرض للتسفيه وفق معيارية غربية. وسوف يقول قائل: بفصل الثقافة عن خطاب الغزو والاستقلالية. واقول: تمنيت لو كان الامر كذلك لدى الغرب نفسه. فلا غرابة ان نجد انفسنا، بعد عقود من عملياتية التطور وخطاب التحديث، اكثر اغترابا عن ذواتنا وحقيقتنا التاريخية، وأن ينشأ جيل الاحفاد – جيل العولمة- غريبا ومغتربا عن بيئته وجيل اجداده. ان علة ذلك، تكمن في النظرة الضيقة للعقل السياسي العربي، الى سيناريوات الهيمنة الغربية ونفوذها خارج حدودها، على انه نفوذ اقتصاسياسي، وأطماعها في موارد  الطاقة والمواد الخام. ولم يكن حاضرا في العقل والاعلام العربي، موضوع الغزو الثقافي والفكري الغربي لبلدان العالم الثالث.
يذكر المخضرمون انتشار الاسماء الأجنبية في عناوين المتاجر والشركات وانتشار الماركات الاجنبية الغربية، فضلا عن تنامي حركة الترجمات العربية للانتاج الفكري والثقافي الاوربي والامريكي. وحتى زمن قريب، كانت الترجمة عن اللغات الغربية، تحظى بالاولوية والامتياز على الموضوع المحلي والعربي لدى النشر. وذلك من اثار التبعية اللاواعية للعقل العربي للغرب. وجزء من تلك التبعية، تمرير الدعاية المبكرة لمشاريع العولمة والهيمنة الرأسمالية الامبريالية على العالم(*). معنى هذا، ان جملة الاعلام العربي الرسمي والاهلي، دور النشر والصحافة والانتاج الثقافي، كانت جزء من كرنفال الترويج والدعاية، للخراب الشامل في فاتحة القرن الواحد والعشرين.
واذا كانت تيارات ثقافتنا العربية تنقسم الى: [قومية، ماركسية، لبرالية]. فقد ساهم الجميع بقسطه تحت عنوان التحديث، فلا غرو ان تخسر [القومية/ الماركسية/ اللبرالية] العربية مشروعها، وتذهب الثمار للتيار الديني الرجعي واليميني. وبعض المثقفين المخضرمين، يستغربون كيف تنهار انظمة علمانية تقدمية، ويدعم المشروع الانجلوأميركي دوام وسيادة انظمة رجعية وخطاب متخلف. وهذا طبعا، يعود في اصله الى نقصنا الثقافي، وعدم قدرتنا على فهم النظام الانجليزي او النظام الاميركي على حقيقته. وأشكّ شخصيا، ان يكون مثقفونا قد فهموا النظام السوفيتي والصيني او مشروع الاتحاد الاوربي، بنفس مستوى عجز الاسلامويين عن فهم افكار الدولة والخلافة والشريعة حتى اليوم.
لقد قامت ثقافتنا على الاستعارة والتقليد. وقد توفر صدر الدولة العباسية [في القرنين الثامن والتاسع الميلادي] على عقول جبارة، تأتى لها وضع قواعد التأسيس والبناء الفكري، بالافادة من وجود حكام يدعمون الفكر والثقافة، ويهتمون بالعلماء والمفكرين. لكن تلك الظاهرة اليتيمة سرعان ما تعكرت، وانتهت نهاية بائسة ممثلة بمحنة ابن رشد، بعد هجرة الفكر غربا. ومنذ نهاية الفيلسوف ابن رشد [1126- 1198م] المأساوية، تحول من منتج للفكر الى مستهلك انتقائي في سوق الثقافة. ومنذ ما يدعى بالفترة –العهود- المظلمة، كانت استعارة الثقافة تتم بالواسطة- عبر وسيط ثالث-، ولم يتم تعامل ثقافي مباشر بين العرب والغرب الا في وقت متأخر من القرن العشرين.
وفيما كانت اجادة اللغات الاوربية نادرة وعسيرة في السابق، فأن كثرة متحدثيها اليوم بأثر المهجر واللجوء، اقترن بغياب الثقافي وتسطح الوعي، مما يجعل الراهن، امتدادا لبرامج الفترة المظلمة، ويزداد تهميش العربي والوطني والقومي والاممي، مقابل تربع اللغة والثقافة الانجليزية على قمة هرم الحياة المعاصرة. في القرون التالية تحولت الاستعارة والتقليد الى طفيلية وتقليد اعمى، متمثلة بالحقبة المظلمة التي سوف تستمر للعصر الحديث. وكان الأحرى، مع انتشار حركة التعليم والتنوير، ظهور نهضة علمية حضارية، تستكمل ما انتهت اليه النهضة العباسية، وذلك اسوة بالتنوير الاوربي الذي استحث الفلسفة الاغريقية. وفي المرحلة الانتقالية بين اواخر العهد العثماني وبدايات الدولة المدنية الحديثة، ظهرت نهضة حضارية بين اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ممثلة بمشروع دولة محمد علي [1769/ 1805- 1849م] في مصر.
دولة الخديوية المصرية [1805- 1952م] نفسها تقابل الى حدّ دولة البطالمة [333- 30 ق. م.] قبل تسعة عشر قرنا، في نقلة الالفية وتحلل وقيام ممالك. لكننا لا نجد اليوم مبررا منطقيا لاستمرار التضحية بقيامة الفكر، على مذبح الغزالي وابن تيمية والاصولية الدينية مرة اخرى، مما وسم الحياة العربية اليوم بالاستهلاك والتبعية. وعندما نحاول هنا التصدي للهيمنة الغربية، وتفنيد اصولها ومظاهرها وفق المعايير الاخلاقية لعصر التنوير الاوربي، فليس ثمة ارضية أو أهلية لتقديم مشروع بديل، فكري او سياسي او حتى ديني. وهنا يكمن سرّ المعضلة التاريخية التي لا يريد الوعي العربي او الاسلامي مواجهتها.
ثمة استغراق غير عادي في النزعة الاستهلاكية المادية، وسعي محموم لتقليد طرز الحياة الغربية واشباع الفراغ الحضاري والنفسي للشخصية الاجتماعية. وفي المقابل، يغيب مشروع النهوض الذاتي، بعد هزيمة العلمانية الثقافية السياسية. وبعد الافلاس السياسي العربي، على مستوى الانظمة والاحزاب، يتأكد الافلاس الديني العام، بوقوعه المسبق في فخ الدعاية والمعونة الاميركية.
خلاصة
العولمة.. ليست نهاية العالم!.
العولمة ليست ذروة العقل الغربي والحضارة الغربية.
لقد حققت الحضارة الغربية ذروتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في ازدهار حركة الفلسفة والفكر الانساني، بغير سابق. ويبدو ان الغرور الغربي العسكري، أساء توظيف الارتقاء العقلي في مجال الارتقاء العرقي وفرض الهيمنة الغربية على سطح الكرة الارضية. فلا غرو ان يتراجع تطور الفلسفة الغربية ازاء تيارين يسودان الفترة التالية حتى اليوم.
أولا: ازدهار المخترعات العلمية والتكنولوجية.
ثانيا: ازدهار الفكر السياسي وتعاظم دور الدولة الغربية.
وبينما اتسعت فضاءات الحرية والتفكير والتعبير بعد الحركة اللوثرية (1517م)، وامكن تجاوز الفترة المظلمة من خلال الحركة الفكرية والانسانية، جاء تقدم العلم والتكنولوجيا، لحرف عجلة التقدم وتوظيفه في مجالات الاقتصاد والسياسة والعسكرية، مانحا الارستقراطيات التقليدية وقراصنة الحرب، فرصة تشكيل (مافيا) سياسية تتحكم وتتدخل في كل مجالات العلم والدين والحياة العامة، وتستخدم مؤسسات [الدولة والحياة السياسية] لخدمة اغراضها.
واذا كانت ظاهرة ابن رشد عربيا تجسد انحطاط الخط البياني للعقل والحضارة العربية، فان تراجع دور الفلسفة والتهميش الفكري والاجتماعي للمفكرين والفلاسفة في الغرب، يجسد ايضا انحطاط الخط البياني للعقل والحضارة الغربية.
[كل شيء في خدمة الهيمنة!].. كل شيء في خدمة الدولة والمافيا السياسية: التعليم والصحة والاعلام، التجارة والبنوك والاحزاب. وليست النتيجة التي وصلت اليها مدارس الاستشراق غير دالة الانحطاط الحضاري والبؤس الاخلاقي الذي انتهى اليها التطور الغربي؛ وذلك على مستوى واحد من (أزمة الرأسمالية) التي لا تجد لها متنفسا، بغير العودة الى الاساليب البدائية للغزو والقرصنة.
فالعولمة: كبرنامج سيادي غربي، يو بداية فترة مظلمة جديدة في تاريخ الغرب، وعودة بائسة للقرصنة والعبودية، تمهيدا لانتقال السيادة الدولية نحو الشرق!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* بولس هو الاسم المسيحي لشاول البنياميني [8- 67م] اليهودي الفريسي من طرسوس جنوبي غربي تركيا اليوم، كان مواطنا رومانيا يتحدث عدة لغات ويتمتع بتعليم عالٍ. اتبع يسوع المسيح وصار رسولا للامم، وهو المؤسس الاول للكنيسة الغربية بدء من اسيا الصغرى حتى اسبانيا، ومن اوائل صياغ العقيدة المسيحية [التجسد- الثالوث- القيامة] في رسائله الانجيلية الاربعة عشر. وكان لوقا الطبيب احد كتابه ومرافقيه في الخدمة، الى جانب تيموثاوس واخرين.
* يوحنا بن زبدي، احد اخوين –الى جانب يعقوب- كانا يعملان في الصيد من بلدة صيدا الجيلي جنوبي لبنان، كان من تلاميذ يوحنا المعمدان ثم تبع يسوع الجليلي [4 ق. م.- 30م] وهو احد الاثني عشر من حواريه. جرى نفيه الى جزيرة بطمه في بحر ايجه عام (70م) وكرز اسقفا لكنائس اسيا الصغرى. وهو اطول التلاميذ عمرا، والوحيد الذي لم يقتل منهم. وينسب اليه الانجيل الرابع وسفر الرؤيا اللاهوتي من الكتب المسيحية الرسمية.
* في جريدة الثورة البغدادية [1968- 2003م]، لسان حال حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، والتي كان مكتب الاعلام القومي للحزب يشرف عليها، كانت الصفحة الثالثة من الجريدة مخصصة للدراسات والابحاث التي تمثل فكر الحزب، ويساهم فيها اسماء محددة من الكادر الاعلامي القومي، نشرت خلال السبعينيات، دراسات ومساهمات كثيرة تتعلق بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد، والمحاور المتعلقة بها مثل اثرها على العالم الثالث او العالم العربي، او التنميات الوطنية، فضلا عن اوهام العدالة الاقتصادية وتكافؤ توزيع التكنولوجيا بين الغرب والشرق وما شابه. هل كان ذلك من قبيل الغواية وحسن النية. هل كان الخط الاعلامي للحزب مرتبطا بكارتل اعلامي امريكي، كما هو اليوم من اشتراك مؤسسات الصحافة العربية في لندن في كارتل نيويورك الصحفي الى الواشنطن بوست ونيويورك تايمز؟.     
* بيت الشعر المعروف لابي الطيب المتنبي [915- 965م].. إذا رأيت نيوب الليث بارزة... فلا تظنّن ان الليث يبتسمُ..
* ظاهرة (العدو الصديق) تتمثل عند المواجهة مع طرف اكثر قوة وتقدما، فيضطر الطرف الاضعف –العرب هنا- الى محاولة الاستفادة منه، وتخفيف/ اختزال حدة استعدائه. وفي صدر الدولة العربية الاسلامية، عمدت للاستفادة من علوم الفرس والروم، باحتواء الفرس والحد من استعداء الروم. وقد مهّد هذا الموقف المتناقض الى تعاون العرب مع الاوربيين الغزاة في بداية القرن العشرين رغم اطماعهم المكشوفة، وتكرر مع الامريكان في بداية القرن التالي/ الراهن.
* احمد البغدادي- احاديث الدين والدنيا