يواصل الكاتب الفلسطيني كتاباته الرحلية التي تقوده الى مناطق متباعدة وأمكنة، وهذه المرة نقترب من تجربة تربوية تنفتح على أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، تجربة أردنية تسهم في دمقرطة الولوجية الى التعليم والمعرفة والتدريس، والأهم الانفتاح على القضايا الإنسانية العادلة، والاقتراب من معاناة اللاجئين ومعرفة قضيتهم العادلة وحقهم في العودة، وذلك من خلال زيارة مخيم الحسين ضمن برنامج فني وثقافي واجتماعي.

الفينيق ترسم الفرح على وجوه الأطفال

زياد جيّوسي

 

لعلها كانت فرصة جميلة حين التقيت المربية الفاضلة السيدة حنين الأشقر مديرة مدرسة الفينيق في ضاحية خلدا الراقية في عمَّان، ووجهت لي الدعوة لحضور فعالية من فعاليات المدرسة، وهذه كانت الفرصة الثانية لأشارك طلاب المدرسة بعض من نشاطاتهم حيث شاركتهم المرة الأولى في زيارة "جاليري فنون" بدعوة ومرافقة من الفنانة التشكيلية ربا أبو دلو، وهذه المرة كانت الفكرة المقترحة زيارة مخيم الحسين للاجئين للقيام بمجموعة نشاطات لطلاب من مدرسة الفينيق مع أطفال من مخيم الحسين.

الفينيق ليست مجرد مدرسة يتعلم بها الطلاب، فهي فكرة ورسالة آمنت بها السيدة حنين بحكم تجربتها الطويلة، فعملت في هذه المدرسة على إشراك الطلاب ذوي الإعاقات (احتياجات خاصة) مع الطلاب الأسوياء، فشعارها أن العلم قيمة في حد ذاته، وبالتالي فرسالة المدرسة تنمية القدرة الابتكارية للطلاب التي هي قوام العملية التربوية لأننا نعد أبناءنا لمستقبل يصعب معرفة طبيعته واحتياجاته، إضافة إلى المساهمة في بناء جيل قادر على إنتاج المعرفة واستخدامها بشكل فاعل يخدم الإنسانية، والغاية إعادة الاعتبار إلى العقل واحترام الانسان من جديد وتعزيز فنون ومهارات الاتصال الضرورية لدى الطلاب وتسليحهم بمهارات للتعامل والاتصال الثقافي مع الآخر، انطلاقا من فهم واضح للذات والآخر لبناء أرضية للتفاهم المشترك المدرك للاختلاف لا القامع لهذا الاختلاف ضمن فهم إنساني، كانت فكرة أن يتجه عدد من أبناء وطلاب وطالبات الفينيق إلى مخيم الحسين ضمن برنامج فني وثقافي واجتماعي.

من بوابة المدرسة في خلدا كنا نتجه مع الطلبة إلى مخيم الحسين، مديرة المدرسة السيدة حنين الأشقر والمشرفات التربويات جاكلين سمير وهدى أحمد وسلام قنو والفنانة التشكيلية ربا أبو دلو، حيث استقبلتنا السيدة حنان الرويدي مديرة مركز البرامج النسائية التابع لوكالة الغوث (أونروا) وبعض من العاملات بالمركز ومجموعة من المتطوعين الشباب والشابات من جمعية نماء للتنمية الثقافة للمشاركة في البرنامج الثقافي والفني المقرر، منهم راكان الحياصات ورزان عبد الله وشروق خليل وإيمان عصام وأحمد فتح الله ومؤمن أبو شريفة، وهذه الجمعية تأسست عام 2005 لتحسين وضع النساء والشباب والأطفال في مجتمعاتهم، وبحضور مجموعة كبيرة من الأطفال الأيتام وذوي الاحتياجات الاجتماعية والخاصة، ليبدأ البرنامج بعد توزيع الطلاب على المقاعد الملتفة حول المناضد بحيث ضمت كل منضدة أطفال الفينيق مع أطفال المخيم.

بدأ البرنامج بمادة ثقافية حيث جرى توزيع الأوراق على الأطفال ليسجلوا عليها إجابات الأسئلة التي كانت توجهها السيدة حنين وبعدها جرت فقرة للفن التشكيلي من خلال عرض مجموعة لوحات على الشاشة وإعطاء المجال للأطفال ليعطوا ملاحظاتهم ويجيبوا على الأسئلة، وهذه الفقرة هدفت لإعلاء الذائقة الفنية لدى الأطفال والثقافة التشكيلية بالتعاون بين الفنانة التشكيلية ربا أبو دلو والسيدة حنين، ليتم توزيع الألوان والأوراق على الأطفال ليرسموا من خلال خيالهم، وحين تابعت الرسوم وجدت أن هناك بذور لفنانين في المستقبل إن تمت متابعة رعايتهم، لتبدأ بعدها فقرة من خلال الألعاب باليد من خلال المشرفات والمتطوعين ورواية حكاية لكل مجموعة من الأطفال، وقامت المشرفات بالرسم على وجوه الأطفال بألوان فرح وجماليات بسيطة، وفي النهاية وبعد سلسلة من الفقرات الثقافية والفنية شارك الأطفال بحلقات دبكة تراثية قبل دعوتهم لتناول الغداء الذي تم إعداده بيتيا.

وقبل أن نغادر بانتهاء البرنامج والتواصل الاجتماعي بين طلاب الفينيق وبين أطفال المخيم، كنت ألمس أن المدرسة بأفكارها الإبداعية وإنتاج المعرفة واستخدامها بشكل فعال تعمل على تعزيز مفهوم الجماعة والعمل التعاوني وروح الفريق والتعرف على التفكير العقلاني، نجحت في إعادة الاعتبار للبحث عن الحكمة في المجتمع من خلال قبول واحترام الاختلاف والتنوع في المجتمع، من خلال بناء القدرة على تبني غايات سامية وتحديد الأهداف للوصول إليها ضمن نطاق الفرد والجماعة والعمل على تحقيقها، ورفع ثقة الطلاب بأنفسهم وتعزيز انتمائهم لثقافة مجتمعهم وحضارتهم وأن المعلم ركيزة أساسية في عملية التعلم، وبالتالي فإن تنمية مهاراته وتعميق ثقافته ومساعدته على ذلك هو ما يرفع من شأن العلم والعملية التربوية، وأن اسم المدرسة اسم وفعل قائم على مفهوم النهوض من جديد كما في أسطورة طائر الفينيق أو العنقاء (فينكس) الذي عندما يموت يحترق ويخرج من رماده طائر فينيق أو عنقاء جديدة.

وسعدت وأنا أرى الفرح مرسوما على وجوه الأطفال وأستمع لرغباتهم بتكرار التجربة مرات أخرى، وشعرت كيف أن الصداقة نمت بين أطفال الفينيق وأطفال المخيم، فشكرت الطاقم المشارك والسيدة حنين الأشقر على دعوتي لمشاركة الأطفال الفرح ورسم الفرح على وجهي كما على وجوه الأطفال.

"جيوس 21/2/2020"