في هذه الرواية للقاص العراقي المرموق نعايش تجربة الراوي مع ضجره من كل شيء في مجتمعه وتدريجيا يتكشف له أن هذا الضجر يكمن خلفه آلام ثقيلة وذكريات مرة كانت قد تراكمت داخله دون أن ينتبه، ويعينه الحوار مع صورة والده على الحائط على تأمل تلك الآلام والذكريات والانكسارات المختلفة في واقعه كما يدفعه إلى تلمس ملامحه الأصيلة.

نوافذ سوداء مطرزة بالأزهار (رواية)

حسب الله يحيى

ذات مساء، أعددت نفسي للكتابة فلم أتمكن منها. وتوجهت إلى كتبي لأختار كتابا أشغل به وقتي. فاستعصى عليّ الأمر ورحت أرمي بالكتب هنا وهناك. دون أن أجد رغبة ملحة في القراءة. تساءلت مع نفسي ما الذي يمكن للمرء أن يفعله وهو ضجر حتى من الأشياء التي يحبها ويتوق إليها قلبه؟
توجهت إلى التلفاز لعله ينقذني من الضجر الذي يخيم كابوسه فوق صدري فإذا الإعلانات تخدع الناس وإذا الأنباء تنقل كل الكوارث. إنصرفت إلى المذياع فإذا به لا يختلف كثيرا عن التلفاز وبدت مهمته لا تتجاوز مسألة تحويل الصورة إلى صوت.
هناك في حديقة المنزل المتواضعة بضع شتلات غزاها النمل وشجرة ليمون هاجمتها حشرة غير مرئية أحاطت نفسها بالبياض وراحت تأكل خضرة الروح بانأة واطمئنان. عدت إلى أوراقي وكتبي جلست أتأمل أصدقائي ـ وهي صفة أطلقها على كل كتاب، اعتزازا وتقديرا ومحبة ـ غير أنهم هذه المرة خذلوني جميعا ولم يسهم أي واحد منهم في تبديد جزء ـ مهما كان ضئيلا ـ من هذا الضجر القاتل الذي يحيط بي ويحاصرني ويخنق أنفاسي.
جلست على كرسي راح يئن من تعب ومن شيخوخة ومن عجز عن احتمال جسدي المرهق وأنفاسي المحبوسة في صدري. أشفقت على الكرسي. ولم لا. حتى الأشياء الجامدة والهامشية تحتاج إلى عطف ورعاية وألا انكسرت وتحولت إلى شيء لا فائدة منه.
تجولت بنظراتي إلى رفوف الكتب. رأيتها تنام مستسلمة للسكون والغبار والنسيان. لمست واحدا تبينت انه تعفن من رطوبة الجدار. صار مثل جثة متروكة لا أهل لها، وليس هناك من يبادر لدفنها. أو كلب ضال دهسته سيارة ثم راحت السيارات تعمل على عجل حتى تساويه مع الإسفلت. صديقي الكتاب لا ينبغي أن يدفن وإنما أن يكون في موضع الإنعاش عناية مركزة وقراءة متأنية واحتراما لشخصية المؤلف.
لم يكن ذاك الصديق سوى أبي. أبي وليس من احد سواه. ترك لي كامل مكتبته ووصاياه وجزءاً من مذكراته التي احتواها هذا الكتاب. فوجئت. ترى هل يمكن لكلمات أبي أن تتعفن بهذه السرعة من الزمن الذي لم يتجاوز الخمس سنوات. من دون سائر هذا البيدر الهائل من الكلمات والصور؟ قلت إن أبي يمتحن إخلاصي. وفيما إذا كنت وفيا لذكرى رحيله. لذلك تعفن حتى يلفت نظري إليه.
سألت: ولماذا لم يعطر نفسه بدلا من هذه العفونة التي تعافها المحبة الكامنة في قلبي نحو أبي؟ كنت اعرف أن أبي لم يعطر نفسه أبدا كان يقول: عطر الرجل حكمته ولكنه كان يستحم يوميا وهذا ما جعل رائحة الصابون الحلبي مقترنة بجسده. إلا انه كان لا يترك غصنا مائلا في شجرة دون أن يعينه على الاستقامة، ولا نملة تنوء بحملها دون أن يمهد لها الطريق. ولا يترك شيئا إلا في المحل المناسب له. ترى من أين جاء هذا العفن إذن يا أبي؟
توجهت إلى الصورة المعلقة قبالتي. رأيت أبي يحدق بعيون حانية ورقة كنت اعهدها فيه ورجاء في تنفيذ رغبة يريد مني إنجازها. عندئذ عرفت أن أبي يريدني أن احميه من النسيان، ومن العفن، ومن الخيبات والقتامة التي شغلت بها روحي. كان يتوسلني أن اترك حماقاتي في التفكير الدائم بالسفر والكبرياء العنيد في كل المواقع ومواجهة الرياح بالتحدي والإصرار الذي لا طائل منه ولا سبيل للخروج من أزمته. كان طيبا حد الاستسلام ضعيفا إمام غلظة الأشياء وقسوة الزمن وانكسار القوة.
خاطبتني صورة أبي:
ـ ما من نتيجة دون سبب.
وهذا يعني أن لضجري أسبابه.
ـ كل مفيد. وله مضاره.
وأفهم العكس ما من ضارة إلا وفيها نفع ما!
ـ ثقة الآخرين بك، لابد أن تقودك للثقة بنفسك.
وأنا لا أثق بنفسي، ذلك أنني أعرف أين يكمن ضعفي، ولا أملك أي ضمان أو عهد أقطعه لنفسي بأن أكون كما أريد.
ـ أنت غير آمن على روحك. ولكن كن آمنا على أرواح الآخرين.
إيه. كم أنت مبالغ في مثاليتك يا أبي, وأنت تفكر على وفق تصور مادي يعطي للمحسوس من الأشياء موقعه وأهميته.
ـ كن كما تريد أن تكون. شرط أن تفخر كونك كنت كما أردت.
أنت تحلم يا أبي، تملك خيالا ملائكيا ليس بوسع احد التوقف عنده حتى في أحلام الليالي العميقة والطويلة والمرهقة والشبعى. وهذه جميعا ليست ليالي أبدا لأنني لا أنام بعمق. فانا دائم الاستيقاظ، ونومي قصير، وتعبي لا حدود له، وجوعي لانهاية له!
من أين آتي بأحلام تتحول إلى حقيقة، بحيث أكون كما أريد وافخر بما أردت أن أكونه؟ متى كان المرء ملك نفسه؟ بدءا من ولادته حتى مكان دفنه. مرورا بعمله وسفره وأسلوب حياته ونمط تفكيره وحتى طريقة شمه لنسمة أي صباح كان. في أي مكان كان. إذا كان أصلا!؟

(1)
تلمست طريقي إلى أبي. أستعين به كما كان يريد وليس كما كنت أريد.
فقد آمنت إنني خلقت في جيل استثنائي ليس جذره أبي بكل تأكيد ولست امتدادا طبيعيا لهذا النمط من الانتماء لهذا النمط من الأبناء.
أنا من طراز يريد أن يأكل من البذرة التي زرعها وليس من البذرة التي دفنها أبي في قلب الأرض. وتوسلها وانتظرها طويلا حتى تنبت لأبنائه حلو الثمار.
كنت أقول لأبي: ما إدراك إنني أحب الثمار الحارة الطعم المرة المذاق الحامضة المالحة المعفرة بالتراب؟.
يقول: وللناس في أذواقهم شؤون.
أقول له: وإنا لا شأن لي بشيء.
يبتسم. يبتلع جملة ترف على شفتيه ويخشى أن يبوح بها حتى لا تثقل على صدري اتوسله أن يقولها. وبعد تردد يقولها:
ـ من لا شأن له بشيء. ليس شيئا.
أتأمله. ولكنني شيء يا أبي والدليل على أنني شيء. ها أنت تجدني أحاورك. وأنا الطالب الجامعي الذي لم يتمكن من اختيار مستقبله ولم يرسم لحياته ولم يحقق ما كان يتمنى تحقيقه.
ـ أحيانا يخيب أمل الربان في قيادة سفينته.
ـ يستسلم للرياح. وقد فعلت. أليس في هذا ما يحزن ويقلق ويحاصر القلب ويخنق الأنفاس؟
أتوسل صورة أبي ارسمه وهو يتكلم أصغي إلى صوته البعيد. البعيد لعله يقترب. يقترب فاحضنه ولا أعاف دفئه ونبراته الهادئة اقرب الصورة إلى حيث اجلس يقترب أبي يقبلني. ثم. ثم يطير بجناحين من الورد والندى في فجر لا ألذ منه ولا أجمل من حضوره ولا أحلى من بهائه.
توسلت اجنحة كل الطيور المنشدة والغليظة أن تعيرني أجنحتها حتى الحق بأبي. سمعت أبي يصيح بي:
ـ يابني لا تتوسل منشدا متباهياً فتضعف، ولا غليظا فتقسو وتغلظ طباعك. ليكن من طبعك المحبة وان تأخذ الأشياء بيديك لا بأيدي سواك.
خجلت. وجعلت صورة أبي تحط تاجاً ذهبياً فوق رأسي. فوجدت أن رأسي يشمخ بالحكمة والمحبة.

(2)
عندما عدت إلى حديقة المنزل ثانية كانت العتمة قد دبت في الحديقة ووزعت ظلالها على الحشائش والنباتات وشجرة الليمون. رحت أحدق في تلك الشجرة. وتنبهت إلى إنها الآن تواجه عتمة خارجية وعتمة داخلية.
الخارج والداخل يتآمران على خضرتها.
العتمة الخارجية مرهونة بالطبيعة ولا يمكن تجاوزها أو استبدالها.
الطبيعة نفسها حية تتغير وتتجدد. ولكنها تظل قائمة وعصية على الاحتواء والابادة. اعرف هذا ولكن ما لا اعرفه وتعافه نفسي وذاكرتي هو. تلك الحشرة الضارة التي تنام على الأغصان والأوراق تحيط نفسها بهالة بيضاء. ومن هنا كرهت اللون الأبيض ولم يعد يشكل عندي لون النقاء انه لون تستري يخبئ مخلوقا طارئا ينحر في قلب الليمون ويمتص لذة طعمه ويحيله إلى مادة تجف منها الحياة. انه الكفن الذي يتستر على الموت وفي ابهى صورة. حين يتخذ شكل الدائرة في عتمة السماء مدعيا انه القمر الذي يبث نوره إلى الكون في حين يقول علماء الفلك وأسرار الطبيعة أن هذا النور الأبيض. الأبيض الذي يعتز القمر بامتلاكه مسروق من نور الشمس، وانه ليس أكثر من جسم معتم لا نراه أمام حقيقة ضوء الشمس نهارا.
هكذا إذا تبدو الأشياء على غير حقيقتها على غير الصدق الذي ينبغي أن تكون عليه، على وجه بديل. زائف؟
فكرت. ما الذي ينبغي عمله حتى تختنق الحشرة في كفنها وحتى ابقي على خضرة الروح ولذة الليمون؟
جئت بمبيد للذباب وبدأت ارش على أماكن مختلفة من الشجرة. ها، وجدت لي عملا اشغل به ضجري كان ضجري يزداد بعد أن عرفت أن ما أقوم به ليس ألا محاولة غير موفقة من اجل إزالة الضجر أكثر من كونه لإزالة ضرر الحق بشجرة الليمون.
كانت ظلمة المساء تغمض عيونها كليا وضوء المصباح لا يبدد تلك الظلمة بل يبدو مثل مريض شاحب الوجه. يأكل فيه المرض وترهقه الأوجاع.
لم تكن هناك نسمة. مع أن الخريف كان قد فتح أبوابه لاستقبال النسمات الناعمة ونفضت الأشجار عن ثوبها وتجردت إلا من رشاقة قوامها الذي يعمق صلته في قلب التربة.
بدا لي عملي. عملا ضائعا وهروبا من زمان ومكان يرهقان أعصابي, أردت أن اهرب إلى مكان ما. إلى صديق ترهقني ثرثرته.
إلى زمان. وكل الأزمنة التي أدور حولها أو تدور حولي. واحدة.
سأقصد النهر القريب من بيتي. وتركت الفكرة ذلك أن النهر في العتمة يبدو مثل عالم مجهول تختفي فيه كائنات لا أراها.
ـ لكن النهر قد جف ماؤه. حتى تحول إلى ساقية !
وحين أعرف هذه الحقيقة ـ أسبابها ونتائجها ـ سأقود إلى عالمي ألما جديدا واضع نفسي أمام أسئلة لا طائل من الإجابة عنها. ذلك إنني لن اسمع سوى نداء صوتي وصوتي يختنق واختناقي يعني أنني أعذب الرجل المنكسر الذي في.
سمعت أمي تناديني:
ـ عماد. العشاء جاهز.
من أطلق علي اسم عماد، على أي شيء اعتمد في اختيار هذا الاسم, عماد من, وعماد لمن. وأنا لا اعتمد على سواي ولا أريد من احد الاعتماد على وجودي أو حتى على عدم وجودي؟!.
أنا كائن مطلق في الفراغ لا اشغل مكانا ولا ينشغل بي المكان.
ـ عماد. يا عماد.
هذا صوت أمي يلح يضجرني هذا الإلحاح أنا لا اجد رغبة حتى بالإعلان عن وجودي بعد سماع ندائها. أنا من الكسل بحيث لا أجد فيه مبررا للإجابة، فأنا لا أريد أن اسمع كما لا أريد أن أرى ولا أتكلم أريد أن أعطل حواسي كلها أطلقتها من هذا الكائن المسخ الذي في. والذي يطلقون عليه مجازا اسم إنسان.
كنت أحس أن كلمة إنسان لا تليق بي, لا تقترن بي, ولا بإنسانيتي، الإنسان بما أنسن, بما جعل الخشن والوحشي آمنا، رقيقا. يحلم ويعيش حقيقة عالم تملأ سماؤه بملايين الحمامات التي تأمن على ارواحها من رصاصات طائشة لصياد قاسي الطبع. أصابعه قدت من جسارة أفناء الكائنات التي أطلقها الله في سمائه المفتوحة.
ـ عماد. نحن ننتظرك.
أمي. للمرة الثالثة تناديني. وأنا لست صيادا قاسي القلب حتى لا أجيب حمامة الحنان في محبة أمي. وأمي ترفض النوم قبل أن تتوسل ربها أن ينجيني من عذاب الدنيا والآخرة.
أجر أقدامي متوجها إليها.
ـ أمي. أنا لا اشتهي، كلي أنت.
ـ وأنا لا اشتهي أن آكل وحدي.
اسكت. أحدق في عشائنا اليومي. صحن العدس. السيد السائد على جدار المعدة التي أتخمت من الطعم واللون والرائحة.
لن اشترط بديلا, فلا بديل لما قد توفر وما توفر ألان قد لا يتوفر غدا. وغدا ليس ببعيد. وبعيد, بعيد جدا من يفكر بعالم اسمه الغد. لان الغد بعيد. إلى المدى.
أتناول خاطر أمي ورقتها في ملاعق العدس. وتذوب الخواطر والرقة في فمي، وفمي عاجز عن الحركة وحنجرتي مسدودة, وأنا اختنق. وأغص بقدح الماء. والماء كسول عن الجريان في حلقي. وأمي تداريني بالماء. والماء يرق من عذوبة فيه الى حنان الأمهات. عندئذ ينساب بهدوء ويترك على وجه أمي ابتسامة.
منذ ذلك اليوم أحببت الماء عشقت عذوبة الطبع الذي فيه. وأخذت على نفسي. أن اقصد الماء كلما أردت أن أكون عذب اللسان ولا اخدش حياء الكلمات. ولا استر وضوحها بستار زائف يحتمي بالبياض.
فرحت أمي وحدثتني عن أبي الذي لا تنسى ذكره في مناسبة أو دون مناسبة.
كنت أحترم فيها هذه الذكريات وهذا الوفاء العارم. كانت تقارن كل رجل تراه أو يراها بأبي وكأن أبي قد خلق من مادة نادرة لم يخلق الله بديلا عنها ولا مثيلا لها!
أمي جعلت من أبي. إنسانا نادرا, وهي تحاول قصارى جهدها أن ترسم طريقي. حتى يلتقي بطريق أبي, وعندئذ نسير بامتداد واحد. وحتى يرضى أبي لان ما زرعه لم يجف. وان مساره سيظل سالكا لأنه مسار حق وصدق ونبل ومسؤولية.
علمتني أمي أن أقدس تراب أبي. فضلا عن كل ما عرفته وتلمسته واكتسبته من روح أبي.
كانت روح أبي تقودني ليس إلى السماء فحسب بل إلى كل ما هو أثير ودقيق وحكيم.
وإذا كنت قد اكتسبت الكثير من سمات أبي عن قصد أو عن سريان التأثير المباشر وغير المباشر وهذا ما تقره أمي وتسعد وتفخر به كما يعبر عنه الجيران وأصدقاء أبي فان أمرا واحدا ظل يشغل ذهني دون أن اصل إلى نتائجه أو اعرف أبعاده. وهو كيفية الحصول على حكمة أبي وكيفية الوصول الى القناعة نفسها التي وصل إليها أبي.
هذا ما كنت ابحث عنه وأريد الوصول إليه. واعد نفسي بأمنية الوصول إلى ما أريد. وما أراده أبي وما تتمناه أمي. حتى يكون الوريد بالوريد متصلا. وحتى يكون طعم الحياة ابهى مما كان عليه ذاك الزمان وما سوف يكون عليه هذا الزمان الذي أعيشه وانشده وارسم صورة الغياب فيه بلا ملامح!

(3)
أعود إلى العتمة أستنطقها أرى النجوم تبرق. تبرق هنا وهناك. وهناك، هناك نجمة يختلف بريق ضوئها عن سواها من النجوم. وقد قال لي أكثر من صديق أن هذا الشيء الذي يضيء بشكل غير اعتيادي ليس نجمة وإنما هو قمر صناعي مزروع في السماء حتى يراقب كل حركة وكل فعل نؤديه كرهت عالم التجسس هذا كرهت اختراعا انصرف إليه إنسان أو مجموعة من البشر لزمن طويل من اجل ابتكار هذا الشيء الذي يراقب فيه الناس مراقبة دقيقة. بحيث يحصي عليهم أنفاسهم ويحسب عليهم عدد نبضات قلوبهم ويمسك بأصابع القوة كل عاشقين يصدقان أو يكذبان على بعضهما. ذلك انه غير معني بالصدق بل بفعل المحبة ذاته قمر. وصناعي. الطبيعة تكذب عندما تبدو في زى قمر والصناعة تكذب حين تسمي جهاز التجسس. قمرا كم نحن نعيش حالات الخداع على بعضنا وعلى أنفسنا. تعال يا أبي وضح لي حكمتك من هذا القمر الذي ابتكره احد (البصاصين) كما جاء في الكتب القديمة التي تسمي الذين يبصرون سواهم ويرصدون حركاتهم. تعال. الهدهد لم يعد الطائر الذي يجيء بأنباء سبأ. سبأ نفسها صارت كلها تجيء إليك بدلا من ذهابك إليها. حتى يتم التخفيف عنك من عناء سفر قد يطول أمده.
أتأمل ذاك القمر البعيد أو القريب. عيوني لم تعد تملك القدرة على تحديد الحقائق والوقائع كما هي عليه. صار يحددها أكثر من اعتبار ويرسم وجهها أكثر من انتباه. وليس أمامي سوى تنفيذ ما يأمر به سواي. فسواي على حق دائم لان حقه مقترن بقوته. وأنا لا شأن لي لأنني ضعيف والضعفاء لا شأن لهم في كل زمان ومكان.
بحثت عن القوة التي تكمن في. يقولون أن داخل كل كائن قوة كامنة مخزونة خاصة به وحده دون سواه، والذكي هو من يستخدم هذه القوة عند الضرورة الملحة والوقت المناسب والمكان المناسب.
كانت مشكلتي التي تشغلني دائما والتي ليس بمقدوري وضع حل لها. هي معرفة. المناسب وأنا اجهل التوقيت وأقر حقيقة الأشياء في أوقاتها المعهودة دون مراعاة للزمن وللاعتبارات الأخرى.
تنادي أمي:
ـ عماد. الشاي جاهز.
لا أرد، وأشفق عليها بالرد:
ـ نعم: سأجيء حالا.
ولا أجيء. فتنادي ثانية:
ـ عماد. الشاي.
اركض إليها حتى اسكت صوتها الذي اعرف انه سيظل ينادي دون توقف هذا ما صنعته الأمية والجهل. حين لا يعرف أصحابها بمشاعر سواهم، حينما لا تبرق عيونهم وكامل حواسهم بما هو عليه الآخر.
الآخر الذي هو أنا يضيق صدره حتى يعاف نفسه ويطلق زفراته حسرة وندما على عمر تمضي سنواته دون أن يحقق فيه المرء ابسط أمنياته في العيش مطمئنا على قوته وأمنه وحريته.
أجلس قرب أمي المنشغلة عني بالحياكة تارة وبالنظر إلى التلفاز تارة أخرى وقدح شاي مل من دفء الانتظار حتى بردت أشواقه إلى الحفاوة بشفتين ضامئتين.
أمي. تواجهني بسؤال يبدو أنها فكرت طويلا قبل أن تعلن عنه:
ـ عماد. ما بك هذا اليوم. هل سئمت من العدس ومن الشاي. هذا ما بوسعنا توفيره هناك من لا يتمكن؟.
سؤال مفاجئ وصل أذني وصار يدق فيهما ويضرب على أوتار مخبأة في صدري وليس بمقدوري البوح بها والكشف عن حقيقتها. لأنني وصلت إلى قناعة أكيدة هي آن أصحاب الحقائق كلها وعلى مر الأزمنة مدانون بجريمة الثقة بقناعاتهم, وأنا رجل أسير في موازنة مع نفسي ومع الجدار الذي يلازم مسيرتي, عله يسند تعبي فأتكئ عليه عند التعب. ولكن. لكن من قال أن الجدار سيتحمل جسدا متعبا منهارا, من قال انه يقبل بان احتمي به ولا يعلن عن انهياره. وهو منطق رفضه؟
ـ عماد. ما بك, ما الذي يشغلك، قل يا عماد، طمئن أما ليس لها في هذه الدنيا سواك.
ـ أمي. لاشيء أبدا، تشغلني دروس الكلية، وطلبات الكلية، وأوامر الكلية التي لانهاية لها أبدا.
ولكنك لم تكن تشكو من هذه الكلية أبدا. فيها أحببت سعاد وتواعدتما على رسم حياتكما القادمة سوية!
أردت أن افصل لها إحساسي بالضجر من كل شيء حولي وفيّ. لكنني كنت على ثقة بأنها ستمطرني بكثير من الأسئلة حتى يفجرني تراكم الضجر.
ـ أمي. سعاد موجودة والكلية بخير. والنفوس عامرة بأهلها، والبلاد سعيدة بما هي عليه من نعم حباها الله بها دون سواها من البلدان.
وانهض. آخذا بفم معطل عن التذوق شاي لم يعد شاياً أنما ماء له لون وطعم مختلف عن المألوف. شربت ما كانت تعافه نفسي، حتى أرى أمي هانئة مطمئنة.
تذكرت قول أبي: النفوس الكبيرة تشقى لذاتها وتسعد لسواها وتفنى من أجل حقيقة تبوح بها.
ضحكت في سري من حكمة أبي, وأبي تسره ضحكاتي، وضحكاتي عادة تطمئن من يراها وتسخر مني أنا الذي يتلبسها.
هكذا إذاً. ارتدي زياً لا أؤمن به ولا أنسجم معه ولا اطمئن أليه. وهذا ما لا عهد لي به عن نفسي فانا اعرف الرجل الذي في والرفض الذي يحكمني بالصمت، والصمت الذي يلزمني بالتعبير عن حالة التخفي والاعتراض لأظهر بمظهر المشارك والمتفق والمؤمل.
أمي. لا تملك غير الأسئلة وأنا لا أملك سوى مهمة استقبال هذه الأسئلة بكثير من الحفاوة وقدر اكبر من الصبر. فانا كائن أقع في منطقة محاصرة بأسئلة كثيرة لا شأن لأحد بالإجابة عنها لان لا احد هنا ولا احد هناك ولا اعد نفسي بان أحدا سوف يأتي للإجابة عن كل تلك الأسئلة. لأن كل الأسئلة باتت مفرغة من محتواها!

(4)
توجهت إلى مكتبي، صوبت نظري إلى صورة أبي سألته:
ـ لماذا علمتني الوهم بدلا من الحقيقة، لماذا جعلتني افصل بين الحق والباطل، لماذا خلقت مني كائنا يؤمن بالفضائل حتى يحسب الجميع حالة استثنائية لا يمكن القبول بها أو الركون أليها. لماذا فعلت كل هذا أمامي وجعلته قواعد ثابتة ينبغي علي السير على وفقها. لماذا؟
أمس قدمت استقالتي من الوظيفة. قلت أن الوظيفة لا تسد براتبها الضئيل رمقي. ولا تعادل في مردودها جهد ساعة من عملي. وانه لم يعد بمقدوري الجمع بين الوظيفة والدراسة الجامعية.
الوظيفة تأخذ مني جهدا ذهنيا وطاقة عضلية طوال النهار. ولا تعطيني سوى ما يعادل ثمن وجبة طعام واحدة في مطعم متواضع!
أما الكلية. فقد زادت طلباتها يوما بعد آخر. حتى أصبح من المتعارف عليه والمعمول به أن النجاح مرهون بالتوريق. والتوريق مفردة جديدة دخلت إلى قاموس اللغة العربية في العراق مطلع التسعينات ويقصد بها عد النقود الورقية ودفعها مقابل كل عمل مطلوب إنجازه سواء كان قانونيا أم غير قانوني حقا أم باطلا، حراما أم حلالا، ممنوعا أم مسموحا.
تداخلت الأشياء بحيث بات على كل ميسور القدرة على تحقيق النجاح والفوز ليس على درجة النجاح في الكلية حسب، وإنما تخطى عتبة الجامعة بكبرياء حاملا شهادة عالية ولقبا علميا يسبق اسم صاحبها.
ترى ما موقعي وأنا الذي كنت أمنّي نفسي بان أكون معلماً ومربياً لأجيال متعاقبة أو محامياً يدافع عن حقوق الناس المستلبة منهم عنوة أو طبيبا يوقف كلمة الألم على الشفاه التي تتوجع وتئن.
كل شيء صار وهماً. ولم أكن المعلم ولا المحامي ولا الطبيب.
فرص عديدة فتحت أمامي حتى أكون شرطيا. وأنا الذي لا شروط لي مع احد ولم أكن لأرضى أن يشترط علي احد.
وفرصة وحيدة لا خيار لي سواها هي أن أكون ممثلاً أو مشروع ممثل أو مدرسا لمادة هامشية لا شأن للامتحانات العامة بها وإنما وجدت لتكون بديلا عن الفرص القصيرة الأمد أو سبيلا موفورا من الوقت يمكن لأي مدرس مادة علمية أن يشغله ويطمئن طلبته بنجاح مطرد بينما يكون العلم مطرودا من نافذة الصف المدرسي!
في الوظيفة آخذ وفي الكلية أعطي. وليس ثمة موازنة بين الآخذ والعطاء.
وحتى أكون سويا بين الناس، ولا أتسول لقمتي ولقمة أمي. رحت ابحث عن عمل.
عملت عتالا فكلّ متني، وعملت محاسبا لدى تاجر فأخطأت في جدول الضرب، وسائقا عموميا فشملتني غرامات وتوسلات من شرطي المرور لم تكن لتنتهي قبل أن ادفع أضعاف ما حصلت عليه من أجور طوال يوم كامل وفي أيام أخر رحت ادفع أجور تصليح غير متقن لميكانيكيين لا خبرة لهم وثمن أدوات احتياطية رديئة الصنع أعدت خصيصا لتصديرها إلى بلدي وهو في محنة الجوع وقتامة الروح وانتشار عفن المرض والعوز والموت غير المؤجل.
عملت مصححا طباعيا فأفلتت مني كلمات، وصباغا للدور ولم تعجب الألوان صاحب الدار، وعامل بناء فصهرتني الشمس. شمس آب وهي في وضع عمودي حددت أهدافها باتجاه رأسي.
عملت مسؤولا لناد سينمائي فاتهموني بعرض أفلام ممنوعة تشكل إسقاطات تكسر الظهور ومسؤولا أداريا في مصنع. طردوني منه لأنني تساهلت في ضبط الدوام.
وكانت أسعد مهمة عملت بها. محررا في جريدة يومية انهوا خدماتي منها بعد استلامي راتب الشهر الأول. قالوا لي أن كتاباتي لا تعرف سوى النقد مع أن ظواهر إيجابية كثيرة تدور حولي وأمام نظري دون أن اكتب عنها مما يدل على أن النقد الذي اكتبه نوع من النقد الهدام والمعارض وغير المرغوب فيه.
إلا أن هذا الرفض المستمر لعملي في كل ميدان اقصده وبعد كل مدة قصيرة من العمل. بات متوقعا بالنسبة لي، حتى أنني بت ألفه واعتاد عليه واحتاط له في البحث عن عمل لاحق.
لم أكن شؤما على أحد ولم أكن قد وقعت في فخ الخيبة كما يجري في حالات مماثلة. قد استاء بعض الوقت ولكن بمرور الزمن أنسى كل شيء وأبدأ من حيث انتهيت.
كانت الحالة التي تقلقني دائما هي حزن أمي وهي تراني عاطلا. في وقت أنشد فيه العمل واتوسله.
كنت أعرف جيدا أنني حريص على أنجاز أي عمل يعهد به ألي. لكن العمل كان يهرب مني وكأنني على الضد منه، على الضد من حالة الوئام بين ما انشده من استقامة وما ترتابه الاستقامة نفسها فيّ.
وكانت أمي تعرف هذا الإخلاص وهذه الحميمية التي تربطني بالعمل لكنها لا تجد معرفة بالسر الذي يكمن في بطالتي بين وقت وأخر!
تسألني. ولا تعجب عندما أجيبها لا اعرف الأسباب. والأسباب تهرب مني غير أنني كنت أدرك جيدا أن الأسباب وجدت حتى تلصق بشخص ما، ولم يكن هذا الشخص سواي. وان التهم لم تخلق لو لم يكن هناك إنسان متهم، وهذا الإنسان هو أنا.!
أما لماذا أنا وليس غيري فهذا ما لا اعرفه وليس مقدرا لي أن اعرف ما أريد معرفته. فتلك غاية لا تدرك وما لا يدرك هو شأني الذي ابحث عنه وأفتش عن السر الذي يكمن فيه. دون جدوى!. كان ما بيني وبين أمي هدنة واتفاق غير معلن، ولكنه مرغوب وينسجم مع رغبتي بالصمت ورغبتها المتخفية بجلال الصمت. بأن لا تسأل، لان في السؤال مشقة وفي المشقة تذكير بجراح لم تلتئم وما لم يلتئم عرضة لمضاعفات. كلانا في غنى عنها. لذلك بات العهد بيننا أن لا تسأل وان لا أجيب. مع علمي الأكيد أن أسئلة حائرة كثيرة تدور في رأس أمي وتتحول سريعا لتنتقل على طرف لسانها ومع إصراري على عدم الإجابة لكن إجابات حقيقة جاهزة تقولها حواسي كلها. وأمي، أمي الوحيدة التي تفهم لغة حواسي بوضوح. عندئذ تحترم اتفاقنا السري على أن لا تسأل ولا أن أجيب.

(5)
في الجامعة، وفي كليتنا الفنية. تتكرر عبارة شكسبير في مسرحية (هاملت): (أكون أو لا أكون. تلك هي المسألة) بدون مناسبة دائما، ويتعبني الجهل المعتق بين زملائي ويرهقني التوضيح الدائم في تفسير المعنى والموقع والمناسبة.
أحيانا اضحك على وفق طريقة الكوميديا السوداء كما اعتاد أساتذة المسرح تعريفنا بكل موقف مأساوي مثير للبكاء.
في الكلية يريدون إعمار المسرح ومطلوب منا نحن الطلبة الإسهام في هذا الأعمار وبجهود ذاتية. وبأموال من عرق جباهنا. في وقت نحس فيه جميعا أن أرواحنا قد هدمت وان لا جباه لنا. لأننا بلا وجوه أصلا وما يدل علينا ويميزنا عن سوانا، هي الأقنعة التي نرتديها دائما.
مع ذلك تظهر مبادرات لا تفرق بين رغيف الخبز والليرات الذهبية. كلاهما يشكلان دائرة متكاملة وكلاهما ميال إلى السحنة التي تجمع بين لون السنبلة ولون القطعة الذهبية وكلاهما مرغوب فيه حد القتال والموت من اجل الحصول عليه!
في حالة عدم التمييز هذه، نجد عددا من زملائنا يبادرون إلى تقديم يد العون إلى الحرم الجامعي احتراما وتقديرا للمؤسسة العلمية التي يتلقون زاد العقل والمعرفة داخل جدرانها. أما نحن الكثرة الباقية فأننا نظل نقدس رغيفا يبدو كعين الشمس بهيا صعب المنال وعلاقتنا بما تقدمه لنا من معارف يزدهر خارج جدرانها!
هذا الحال خلق حالة درامية نتج عنها أن يكون النجاح والتوفيق من نصيب زملائنا أصحاب الكف الذهبي.. أما نحن الحالمون الذين ندعي أن غودو بكيت لابد أن يأتي مهما طال انتظارنا لمجيئه. فأننا لانصرف من أحلامنا سوى الخيبات المتلاحقة ومع ذلك نصر على أن غودو لابد أن يبر بعودة ميمونة وعدنا بها منذ زمن طال أمده.
الكف الذهبي. ما أن يلمس الأشياء حتى تتحول إلى ذهب لا علينا من الأسطورة المغفلة التي حولت الرغيف إلى قطعة ذهبية بعد لمسه!
فهي ليست بحاجة إلى الخبز أصلا فبأمكانها أن تتذوق ما تشاء بالأوامر. فيستجاب لها. من هنا اكتشفت كذب الأسطورة وجهل الذين تناقلوها وكتبوا عنها، وجعلوها مثالاً حياً للتنديد بجمع المال. المال. المال. وحده يطردنا جميعا نحن عشاق وجه الشمس. الرغيف يطردنا من الشهادة الجامعية العليا والوظيفة التي نستحقها والموقع الذي يناسب مواهبنا وكفاءاتنا وقدراتنا.
وأحدق في عمق الليل إلى صورة أبي. أجدها تحتجب عن ناظري لأول مرة تخجل أن تراني. تخبئ نفسها في العتمة أشعل المصباح. فأرى أطارا خاليا من صورة أبي. أعجب، من اخذ أبي مني، من سرق حكمته من قلبي وروحي وذاكرتي. أناديه:
. أبي، أبي تعال ودع كل ما تعلمته من حكم ومأثورات وفضائل وقيم وأعراف. دع عمرك جانبا وتعال، تعال نتحاور. فأنا لم اعد أعيش تحت مظلتك. لا لأني أريد أن أتمرد على تعاليمك التي احفظها وأقدسها وتجعلني على صلة دائمة بك ولكنني أواجه واقعا جديدا، تبدو فيه كل فضائلك، ليس أكثر من قطعة زخرفية أنيقة مركونة على جدار أصم.
وتتخفى صورة أبي، تبدو خيالا يغيب تارة ويظهر تارة أخرى. ترى هل يخجل أبي من قناعاتي الجديدة التي يقف على الضد منها هل يكابر ويعفي نفسه من مناقشاتي بشأن كل ما عدت أدركه الآن. الآن، وليس ما أدركه هو بالأمس. وما سوف يدركه ولدي في الغياب الأبدي والأمنية المستحيلة غدا!.
أناديه: أبي، لم اعهد فيك كل هذا الصمت، الصمت جهل وأنت الذي تعلم والصمت جبن وخوف ورهبة وأنت شجاع في الحق، والصمت موقف الضعفاء، وأنت قوي في احتمالك على الملمات، قوي في صدقك. وبه وحده يعلو صوتك، يغدو قويا يملأ بقوته الزمان والمكان.
فبماذا احلل صحتك كل هذا الوقت. وأنت الذي لا يتقن لغة الصمت وليس صحتك حسب، أنما صورة الرجل الذي اعرفه وهو دائم الحضور يعرف التجلي، لا التخفي، الوضوح، لا غيوم العبارة، التعبير لا يخونك أبدا، وأبدا لم تكن بالرجل الذي ينسحب من الحجة، بل يأتي الحجة بأقوى منها، والأدل عليها.
أين خبأت وجهك يا أبي. وهل يخبئ الآباء وجوههم عن أبنائهم عندما يملك الأبناء عدة وافية من البراهين والقرائن والأدلة؟
لقد خيبت آمالي جميعا بغياب أبي. وبت أحس بالضجر يقهرني ويصرع الإنسان الصلب الذي كان في والذي كان أبي قد بناه في كل قطرة من دمي حتى إذا رحل. قال انه قد أدى رسالة الأبوة بكل إخلاص إلى ابنه.
الان أنا بحاجة إليك يا أبي. تعال أقول لك عن فوائد العتمة الإلزامية بعد قطع التيار الكهربائي المبرمج تارة وغير المبرمج تارة أخرى. نتيجة استهلاك المعدات الخاصة بالطاقة الكهربائية. وإسرافنا نحن الذين اعتدنا التبذير في نشر الضوء في كل مكان. وكان علينا أن نقتر في الضوء والماء والخبز والدواء واستنشاق الأوكسجين. ذلك أن العالم المتحضر اليوم يقطر الضوء تقطيرا ويقيس حالة الآرواء بمقاييس دقيقة جدا ويتناول الدواء على وفق النظر أو اللمس حسب. أما اخذ الهواء هكذا وبشكل مجاني مطلق فهو هدر وجهل وحماقة ومؤامرة كبرى على اقتصاديات البلاد التي ينبغي علينا أن نصونها ونبعد عنها شر المعتدين!
ألان. سأشرح لك فوائد العتمة، ضمن فوائد كثيرة سأوضحها لك لاحقا والمتعلقة بفوائد العطش واستعمال الأعشاب بدلا من الدواء، والنوم عن جوع أفضل بكثير من النوم ببطون شبعى، واستهلاك الهواء بهذه المجانية غير الحضارية.يعني الجهل.
سأبدأ بالعتمة، معبرا عن فوائدها العظمى. ترى هل تسمعني هل تصغي ألي أم تقفل على أذنيك حتى لا يصل أليك ندائي ولا تتوضح صورة هذا النداء أمامك؟
العتمة يا أبي سبيل جديد إلى توحيد العائلة وجمع شملها بعد أن فرق التلفاز وحدتها، والضوء جعلها تنتشر بعيدا عن بعضها.
كذلك يراد منا أن نحس بنار جهنم فنتوب وننصرف للأيمان بالله. أما مضار الأوكسجين فهي كثيرة. منها أن هناك غازات سامة مذابة في الهواء ولم تجر تنقيتها. الأمر الذي قد يؤدي بأولئك الذين يأخذون الهواء الخام ليكونوا عرضة للموت قبل سواهم.
وأما الماء. وما أدراك ما فيه من شوائب وكم هو بحاجة إلى النظافة وكم نحن جهلاء عندما نستخدمه للطعام والوضوء وارواء العطش. من فكر أن يعود نفسه على العطش حتى لا يصوم شهر رمضان وهو يعاني من العطش؟
وأما الأعشاب الطبية، فهي اصل كل دواء وما نراه في الصيدليات ما هو إلا سموم، بدليل أن الحّية صارت رمزا يعلن عن كل صيدلية. وأصحابها يعترفون علنا بهذه الحقيقة ونحن لا نتعظ!
وأما الجوع فهو دليل الصبر. ألم نقرأ عن احد أجدادنا وضعه حجرا على بطنه حتى يحميها من الجوع. ألم يقل علماء الطب أن المعدة بيت الداء. وهم يقصدون بالطبع المعدة المتخمة بالطعام. وان المرض الذي سمي بداء الملوك لم يكن ألا نتيجة لتناول اللحوم؟.
وأما. وأما. وأما.
كثير من قناعاتك يا أبي ذابت في الزمان.
فالقاضي صار يحكم وهو ببطن خاوية. فقد أسبغت عليه نعمة التوريق الإحساس الدائم بالشبع.
والطبيب صار يقيس ضغط الدم. وعينه على كف المريض وهي تقبض على الأوراق المالية.
والتدريسي بدءاً من حلم الطفولة المبكرة في الابتدائية حتى شيخوخة طلب العلم مشغول بالرياضيات فهي علم هذا العصر وبه قياس المال الذي يشكل شريان الحياة.!
. ها. أبي، أكنت تعلم بكل هذا؟
دعني أنير لك طريقا كنت تجهله. وتصر على عكسه تماما. كنت تقول: العملة الجيدة تطرد العملة الردئية، هكذا يقول علم الاقتصاد أما الواقع فأنه يقر ويؤكد ويبرهن حقيقة أن: العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة.
ترى هل اصدق العلم أم الواقع؟.

(6)
طوال سنوات الدراسة في الكلية مارست أعمالا شتى دون إن افلح في أي منها. فانصرفت كليا نحو القراءة والكتابة وقصدت كل المكتبات العامة في مدينتي، ذلك إن شراء كتاب يعني بالنسبة لي الشيء الكثير. وما يمكن إنفاقه من راتب أبي التقاعدي لا يسد الرمق، فكيف اصرف القليل الذي في حوزتي من النقود على اقتناء كتاب؟
سرني إن ترحب الصحف والمجلات بما اكتبه من نصوص قصصية ومقالات في شؤون ثقافية مختلفة. وصارت تنشره وتدفع لي عن نشره مكافآت هي عندي بمثابة كنوز ثمينة اعتز بها.
أدركت إن للكلمة الطيبة ثمن توجيه الناس إليها. ثمن إن اشغل رأسي بمهمات كبيرة وفي شؤون عميقة حتى صار البعض يناقشوني في أمرها ويوجهون الأسئلة المتعلقة بها. ومع إن بعض ما كتبته قد أثار حفيظة البعض وأثار ردود فعل حادة، كدت من جرائها أقاد إلى مكان لا يأمن احد من صمته الصائت ويفضل الإعلان عن جواب جاهز بدلا من جواب صادق.
طلبني رئيس تحرير صحيفة (الأيام) وتوسم نجاحي في عمل اختاره لي وزاوية أحررها. أفرحني الطلب وفتح أمامي سبيلا إلى أفق واسع والى اتخاذ الكتابة مهنة لي. وكنت اعلم جيدا إن مهنة كهذه تحتاج إلى خزين دائم من المعلومات والخبرات والتجارب والعلاقات وتطوير الثقافة والاستيعاب بشكل دائم وبدون ذلك سيظل قلمي عرضة للجفاف. وأوراقي ستتحول إلى كفن جراء البحث عن جثة حتى أتخلص من وجودها!
هذه المرة واجهت تحولا جديدا. هذا التحول بدأ من نظرتي إلى بياض الورقة، صرت أحب هذا الفضاء الواسع الذي فتح إمامي فرصة ثمينة للبوح، لقول ما أشاء. لم يعد البياض هو الكفن الذي ادفن فيه كلماتي وأشده إليها وأخفيها في داخله مثل حشرة الليمون.
بت ابحث عن نقاء الورقة وهو يستقبل كلماتي بشغف ويجعلها قادرة على الانتقال إلى رؤوس وإحاسيس الناس.
حصلت عل الشهادة الجامعية التي لم تكن لتسهم في معرفتي لا قليلا ولا كثيرا بل هي أربع سنوات ضاعت من العمر حتى احمل الشهادة التي لا تروي من عطش ولا تقي من جوع.
أكملت الخدمة العسكرية الإلزامية. ألزمت نفسي على الاستقامة سواء في تنفيذ الأوامر أو انضباط الدوام والسلوك الذي كنت أباهي نفسي به فقد كنت الجندي المكلف الوحيد الذي لم يطلب أجازة ليست من حقه. ولم يقم بعملية التوريق حتى يستريح من عناء التدريب.
حظيت بالاحترام. هذه حقيقة لابد من الحرص على قولها ـ وان كنت اعلم إن هذا الاحترام يكمن في احترام موهبتي في الكتابة وتوظيفها أسلوبيا لصالح العمل الإداري العسكري ـ لكنني فوجئت وخجلت وخنقت صوتي عندما طلب ألي آمري إن اكتب مقالة تحمل توقيعه!.
فعلت، لا أفكر إنني قد فعلت ولم لا أفعل وكيف لا أفعل؟.
كانت تلك تجربتي الأولى في الكتابة بأسماء الآخرين. وقد توسعت هذه التجربة بعد انتهاء الخدمة العسكرية لتشمل أعادة كتابة وتحرير مقالات غير صالحة أصلا للنشر بسبب فقر أسلوبها وموضوعها. لكن رئيس التحرير يطلب ألي أعدادها للنشر. وقد فهمت فيما بعد أن بأمكاني تمزيق مثل تلك المقالات وكتابة غيرها. شرط أن تكون حاملة توقيعا لسواي!
كرهت عملي لأول مرة أحسست أنني اعد مجداً محسوباً لغيري. وأن غيري لا يكلف نفسه حتى بتقديم الشكر لي بل إن بعضهم لا يخجل من جرأته في مناقشتي بالمقال المنشور والذي كتبته بنفسي. حاملا اسمه!
عجبت. كيف انسب إنجازا لسواي على انه إنجازي؟.
زادت أجوري، صار كل وقتي للقراءة والكتابة. ما عدا ساعات اقضيها على نحو عابر في تدريس التربية الفنية في أحدى الثانويات. وأتقاضى راتبا مثل سواي من خريجي الجامعات العلمية. وفي الغالب لا أجيء إلى المدرسة ولا يجرؤ المدير على تأشير غيابي مدعيا إن دروسي ليست أساسية وانه قد نجح في إقناعي بإشغال الدروس التي بعهدتي إلى المدرسين الذين يحتاجون إلى أوقات إضافية.!
أدركت جيدا طبيعة المخادعة في المدرسة الثانوية والصحيفة والشارع حتى تسلقت الخديعة جدران بيتي وقلب العروس التي سأقترن بها. والتي لم تحظ باهتمامي أبدا مع أنني حظيت باهتمامها. حتى أخجلني هذا الاهتمام اللامحدود وجعلني أتقدم لخطبتها. واجعل من أمي صديقة حميمة. تسأل عنها يوميا وتمني نفسها بالزواج والعيش مع الطائر السعيد الذي سيملأ حياتها فرحة لا وسع لها.
هذا الإدراك جعلني أتنبه إلى حقيقة أهميتي في الجريدة التي اعمل بها وكيف أنني اصنع نجوما وأقدم أعلاما في المعرفة. مع علمي جيدا إن تلك النجوم منطفئة تماما وان أولئك الذين يتباهون بأسمائهم. ما كانوا ليكونوا لولاي.
وعرفت إن إدراكي هذا لا يفضي إلى شيء. بل هو عمل أنا مكره على إنجازه. ملزم به، كاتم السر عليه.
وتحولت الكتابة إلى منجز آلي لا أحس بحرارته، ولا دفق أفكاره، ولا حقيقة دوافعه، ولا نتائج هذا المنجز.
صرت اكتب لسواي، وسواي يكبر في عينيه وفي عيون سواه.
سواي صدق الكذبة التي يعرف جيدا أصلها. وسوانا لا يعرف إلا كوني كاتبا وصحفيا متواضعا وأمامي يتقدم عدد من العقول التي تعني مما تقوله شيئا. هذا الشيء يكبر ليتقدم أصحابه في الدرجات الوظيفية والمواقع الاجتماعية والسياسية.
اعرف أنني كنت أتقدم. فهل تكفي معرفتي بنفسي؟.
((اعرف نفسك)) ها. أنني قد عرفتها، فماذا تعني معرفتي هذه؟
وبصوت ناعم وخطوات هادئة رحت أوفر المصادر لطلبة الدراسات العليا للحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه وأنا الذي احمل شهادة جامعية يتيمة بالكاد حصلت عليها. وبعرق الجبين وسهر الليالي وأيقاظ الفجر من نومه. توفير المصادر والمراجع. تطور إلى خطة الرسالة الجامعية وأهدافها وطرقها والنتائج المطلوب الوصول إليها. كتابة التقديم. كتابة الفصل الأول. ثم كتابتها ثانية ثم مراجعتها. ثم. ثم.
أبي. أين أنت إما زلت تخبئ رأسك. خزياً وعاراً من الابن الذي لم تعده ليكون هكذا ليقترف جريمة الكتابة لأعداد جيل زائف لخوض معترك الحياة والعمل مع الناس من مواقع تربوية وقيادية؟.
حقك. والله حقك، اقسم بقدسية رأسك الجليل عندي. ولكن الظروف يا أبي حالات القهر والمسؤولية. الدنيا تغيرت يا أبي ولم يعد كل ما علمتني إياه صالحا في هذا الزمان.
هذا زمان ليس زمانك كما انه ليس زمني الذي كنت أتمناه واطمح إليه. انه الوجود الغريب الذي راح يسري كالسرطان في أجساد الأصحاء والذي أنا ملزم بقبوله. ومضطر للتنازل عن قناعات سابقة.
أبي. هل نسيت حكمتك الأثيرة: (لا تكن جافا فتكسر ولا رطبا فتعصر)؟ هذه الحكمة مدعاة لتقديم تنازلات. نعم، أنت تقدم ضعفي وتقبل به وترسم لي خطواتي حتى أكون في حالة توازن مع نفسي ومع العالم المحيط بي. أما كنت تعلم إن هذا التوازن وهذه الملاءمة تقتضي عدم الإصرار حتى في الحالات المؤكد صحتها حين تصطدم بحالة مضادة. أما تعني حكمتك القبول بالحلول الوسط؟.
الوسط هنا. يعني الخطوة الأولى في طريق الخطأ يعني الانكسار الأول في التنازل عن القناعات الثابتة، يعني المرحلة البكر في التخلي عن الفضيلة. يعني هذا الوسط، الانتهازية واغتنام الفرص والقبول بالقليل أملا بالكثير؟.
أنا إنسان أعرف جيدا كل ما أفعل، وكل ما أريد. لكنني بدأت أحس بالغبن بحقوق تستلب مني وبمعرفتي!.
أعرف إن طموحات المرء ثلاثة: المال والسلطة والمرأة.
أما المال فقد رضيت بقليله وأما السلطة فلست طامعا فيها لأنني اكره إن أكره أحداً على ما لايرضاه وحتى لا يجيء أحد يكرهني على ما لا أريده. وأما المرأة فقد كفاني منها أن تكون زوجة أليفة فحسب.
ولكن. لكن يظل رجائي يتوسل في الزمان وآمل أن أخذ ما أستحق. ترى من يعترف بأحقيتي هذه. من يتخلى عن موقعه وزيفه. لحقيقة ما. أي حقيقة؟.
ما من أحد رفع صوته رافضا.
ـ هذا مكان لا أستحقه وخبرة لا أعرفها وموقع لست آهلا له. ما من أحد قال كلمة صدق:
ـ هذا موقع يليق بفلان. وهذه مسألة. خير من يحلها فلان.
لا شأن لفلان بفلان. فلان اسم نكرة لا يعرفه أحد. ومعرفة يتنكر لها كل واحد. لان هذا الواحد يتقدم مسبوقاً بالقبول.
أحدق في صورة أبي. في الإطار المعلق. في الصورة الفوتغرافية التي غيبها الزمان أو غيبت نفسها عن الزمان والمكان. اسأل:
ـ لماذا علمتني وأشعلت الضوء في رأسي، لماذا لم تبق على الغفلة الفطرية التي كنت فيها مع أمي. وأمي وفية بارة بك. وبك أنت تبارك روحها وأحلامها وأوقاتها السعيدة؟.
لو لم أكن أعلم. لما كان كل هذا الضجر. لما كان هذا الأمل المقتول في قلبي ورأسي وحواسي. لما كان مذاق العسل في فمي يحمل كل هذه المرارة. لما كان الحنظل قد جف في حلقي.
أن حقيقة ما أعرف يتآكلني يا أبي. والتستر على هذه الحقيقة يضاعف ألمي، حتى لأدرك أن لا نهاية للخطأ، ولا. كشف للجريمة. ولا. جريمة سوف تكون في منطقة الضوء أبداً.!

(7)
بقيت حتى ساعة متأخرة من الليل ساهرا لا تلتفت عيوني إلى الراحة والسكينة والنوم. توجهت نحو سريري بعد إن تناولت قرصا من الفاليوم حتى أنام بعمق وأنسى ضجري، وأنقذ روحي من ثقل الهموم التي ألمت بي في وقت مبكر من هذا المساء. كنت قبلها أعيش حياة عادية، وقد أعدها حياة سعيدة بطعم العسل. وعملي مضمون وخطيبتي تنتظر موعدا للزواج. وأنا أكتب ما شئت فألقى الإعجاب، كما اكتب وأحرر وأعيد كتابة موضوعات كثيرة لشخصيات أعرف بعضها وأجهل البعض الأخر.
كانت الكتابة بالنسبة لي نافذة هنيئة على العالم. حتى إذا صحوت ونقبت وبدأت ابحث عن الأسباب التي تكمن وراء قلقي ثم ضجري ثم سهري. ثم عتابي الملح لأبي الذي كنت أعده قدوة حسنة ومنارا أسير في هديه. فإذا بي أكتشف أن وراء ضجري تكمن حقيقة كبيرة وآلام ثقيلة وذكريات مرة كانت قد تراكمت دون أن انتبه إليها ودون أن أضع حلا لها. وأوقف امتدادها واختناقي بفيضانها العارم.
إمتد جسدي في غرفة أمي كنت ابحث عن الحنان الذي فيها، عن همس أنفاسها وهي تتعذب لقلقي وضجري دون أن تتجرأ على توجيه سؤال ينقذها جوابه عن الحيرة المحيطة بها.
أحست بوجودي. سألتني:
ـ هل كنت تكتب حتى الآن؟.
 ـ نعم. نعم. نامي يا أمي.
ـ عماد. أنت تعرف أن أمك لا تنام قبل نومك. عيناها ليس بمقدورهما الأقفال ووحيدها يسهر على مصباح كهربائي أو شمعة أو مصباح نفطي. ويعاني من الحر وقد يحتاج إلى ماء بارد أو قدح من الشاي.
ـ نامي يا أمي. لم يبق من الليل إلا ساعات قليلة.
وتنام أمي وينام الليل وليلي يقظ. أعالجه بقرص أخر من الفاليوم وأرقد. فتأخذني لحظات لم أكن اعرف من خلالها أن كنت نائما أم يقظا. إلا إنني تبنيت نومي بعد أحداث وشخصيات وخصومات وعوالم مختلفة لم يكن بوسعي استعادتها في يقظتي. لكنني أستطيع القول أن أبي كان يأخذ مركز السيادة من أحلامي التي اختلطت فيها الأفراح والليالي الملاح مع الأحزان والكثير من الجراح.
إلى ماذا أعزي كل هذه الصور التي مرت بها ليلتي هذه. وما اختلافها عن واقع الضجر الذي بات أشبه بصخرة تثقل على صدري. فتمنع أنفاسي؟
لم يكن هناك أحد يجيب لم يكن هناك عماد الذي هو أنا، يمتلك القدرة على الإجابة. وأمي لا تملك دائما سوى أسئلة باتت تعرف مقدما غياب الأجوبة عنها. فلا تجد غير التجلي مع ذاتها.
أعدت أمي شاي الصباح والبيضة المسلوقة. كسرت غلاف البيضة. وجدت فيها كائنا صغيرا وخيطا من الدم. أحسست بالقرف. قلت: مرة أخرى. غلاف ابيض لشيء فاسد في الداخل. كما هو الحال في الحشرة المغلفة بالبياض في شجرة الليمون., وكما هو الحال الآن في الأوراق البيضاء التي لم تعد تحمل صفة النقاء الذي اعهده في كلماتي بل هي كلمات لا شأن لي بها وإنما أجريها على لسان غيري. الذين يريدونها هكذا راضية مرضية. نافعة لا أشكال فيها وإنما هي تجميل صورة الأشياء التي نعرف حقيقة أمرها نعرفه جميعا ولا أحد يجهله.
أنا. نعم. أنا أجمل الشر. وأحلي الحنظل، وأصلح كل ما هو فاسد في الحياة وأدونها في صفحات طويلة. وأنا على قناعة تامة بأن كل ما ورد فيها عار عن الصحة ومع ذلك أريد ـ على لسان الموقع ـ إقناع القراء بكل ما جاء فيها.
أي إزدواجية أعيشها، أي تناقض أعاني منه. أي حياة درامية هي الحياة التي أعيشها؟!.
مع ذلك. كان لابد أن أعيش عيشة كريمة فمن يعيش بالنعيم ليس أفضل مني في شيء. أي شيء بل أنا الذي أتقدم عليه بأشياء كثيرة. في مقدمتها أنني أنسان يمتلك قدرة على التفكير وعلى الابتكار، وعلى الإقناع كذلك.
هذا الإحساس بأن أكون مثل سواي بل وأفضل منهم. أتقدمهم بمسافات. ذلك أنني كفء في عملي مخلص في أداء مهماتي. سريع التنفيذ لكل ما يطلب مني تنفيذه فضلا عن طاقة ابتكارية وموهبة أتفوق فيها على غيري.
هذه المقاييس وهذه المواصفات التي احملها كانت تجعلني أمتلك القدرة على أداء إعمال استثنائية. فأنا أتقن تفاصيل العمل الصحفي كافة بدءا من الكتابة إلى الطباعة إلى التصميم والتنفيذ إلى الاشتراكات والتوزيع والإعلانات.
ولأنني اعلم بما لا يعلمون صاروا يأخذون مني خبراتي التي اكتسبتها طوال سنوات فإذا بهم يشغلونها خلال أيام ويقعون في أخطاء ويفشلون ومع ذلك يتقدمون في أعمالهم من حيث المكانة والموقع والرواتب والمكافآت. أما أنا فما زلت في مكاني لا أغادره وان كنت قد غرقت في جزيئاته.
ووجدت نفسي في موقع أدنى وأن الأقل. والأدنى والأكثر جهلا في عمله صار يرأسني ولا بد لي من الخضوع لأوامره!
صرت كائنا هامشيا. ولا أستشار إلا في الحالات الاستثنائية المستعصية. وبت أحسهم يبعدوني عن ممارسة عملي بشكل متقن. فالإعلان أساسي وإبراز شخصيات على حساب شخصيات أخرى هو السائد ومشكلات الناس التي ترد إلى الجريدة لا ينشر منها إلا ما يدين مسؤولين يتم مسبقا تحديدهم ويظل الطرق على مؤسساتهم حتى يتم الاستغناء عن خدماتهم والمجيء بعناصر شابة أخرى تحت شعار (لتتفتح أزهار الشباب وتنتعش الطاقات) ترى. هل بت شيخا والشيخوخة لم تعد مقبولة. وخبراتها باتت قديمة لا يعول عليها كثيرا؟.
واجهني السؤال إتسع حجمه في ذاكرتي. أحزنني انشغالي به إلى هذا الحد الذي لا حدود له.

(8)
لست من الخيول (الفنش) غير القادرة على السباق.
لست من كلاب الحراسة التي لم يعد لها قدرة على حراسة نفسها.
لست آلة مستهلكة وحلت آلة حديثة متطورة بديلة عنها.
لست عقلا خرفًا سلفياً. لا يؤمن بالتطور والمجيء بالطاقات الشبابية المتخصصة في شؤون المهنة.
لست كذلك أبداً. أبدا إنما أنا كائن يطور نفسه باستمرار. لا يتكئ على شهادة كان قد صنعها لسواه. فأذا هي تطرده من الزمان والمكان إلى حيث الفراغ.
واجهني رئيس التحرير مرة بعبارة صريحة:
ـ سنعتمد على عناصر جديدة تحمل شهادات عليا. وسنتخلص من أولئك الطارئين على مهنة الصحافة، ممن لا شهادات عندهم.
وسألت نفسي: هل كان يقصدني تحديدا ويريد أن أقدم استقالتي بنفسي قبل أن يلزمني بالخروج؟.
ألا يريد الاستعانة بي في كتابة الافتتاحية بدلا عنه. ألم يعد يحتاج إلى قلمي في الكتابة بدلا عن الآخرين؟
الآخرون وصلوا إلى المواقع التي كانوا تواقين إليها. ولم يعد يعنيهم شأنه ولا يهمهم قلقه وانشغاله ببري قلمه.
أصل الجريدة، اقرأ كل صحف الصباح، أتناول قهوتي. ويمر نهار آخر بلا عمل ولا رغبة ملحة للكتابة، ولا حاجة للجريدة بما أكتبه. لأن الكتابة في الجريدة صار مختلفا.
صار الخبر المهم. جريمة قتل وسطو على محل تجاري وفضيحة أخلاقية وطلاق فنانة وزواج أخرى. وأنا لا أكتب في هذا كله.
أكتب في الفكر. ورئيس التحرير يقول: تخلى الناس عن التفكير.
أكتب في الاقتصاد. فيقول لي: مالنا وهذه المسائل المعقدة.
أكتب في المسرح الجاد، والكتب الجديدة، والثقافة الوطنية. ورئيس التحرير، يريد موضوعات مثيرة وصوراً تتكلم. تفضح عن نفسها.
كنت ضد صحف الإثارة، وضد الكلام المجاني، كما كنت ضد الشعارات.
علمني أبي: أن الهدوء سيد المناقشة واللبنة الأولى في الإقناع.
وعلمتني أمي: أن الصبر مفتاح الفرج، ولكثرة ما رددت هذه العبارة صرت مؤمنا بها مقتنعا بأهميتها.
قلت: مثلي. ينبغي أن لا ينتظر من يطرده من عمل أتقنه وأخلص له.
مثلي. ينبغي ألا يصبر أكثر مما صبر, لأن الصبر هنا ذل ومهانة واستجداء، وأنا لن أكون كذلك.
بهدوء ناقشت المسألة مع نفسي، ووصلت إلى قناعة مفادها أنني لابد وأصل إلى نتيجة. نتيجة حتمية بالاستقالة، بكبرياء صاحب الاستقالة.
وكما توقعت، حصلت الموافقة الفورية باستقالتي.
هكذا. مثل زهرة أخذوا منها رحيقها وتركوها للإهمال.
مثل امرأة جميلة استلبوا أجمل ما فيها.عفتها، وتركوها ضائعة.
ورحت أجر خطواتي، حاملا قلمي، متوجها إلى دنيا مجهولة.
سوف أجد عملا بالتأكيد فمن هو في خبرتي وموهبتي نادر. وكل الزملاء والقراء يعرفون كفاءتي. وأسمي دائم الحضور بينهم.
ومضى شهر على تركي العمل في جريدة (الأيام).
كانت أمي لا تعلم بما حصل.كنت أحرص على عدم معرفتها. فأنا لا أريد أن تشغل بالها بمستقبلي وزواجي وقوت العائلة التي ليس بمقدورها أن تشبع أثنين كل تلك الجهود المضنية من العمل المتفاني!
بعت ساعتي وقلت أنها ضاعت مني. بعت بعض كتبي وقلت أن أصدقاء قد استعاروها مني بعت محفظتي وقلت أنها سرقت مني، بعت سني الذهبي وقلت أن الطبيب قد أمرني بالتخلص منها لأنه سبب التسوس وقال إأنه ليس من الذهب الخالص وإنما هو مصنوع من مادة مطلية بلون الذهب. أقضي نهاري. أقرأ في المكتبة العامة مدعيا أنني في عملي.
أسهر ـ كما جرت عادتي ـ وأستيقظ فجرا، مشيرا وباستمرار إلى كثرة أعباء العمل وضيق الوقت.
كانت أمي تحدق في وجهي، تقرأ فيه أسراره يقولون أن قلب الأم. دليلها. نظراتها تقول أنها تعرف كل تفاصيل معاناتي، لكن صبرها والكتمان الذي اعتادته. يجعلنا ـ أنا وهي نفضل أن نكتم ما نعرفه عن الآخر. كأنما هو أتفاق قائم بيننا.
تجمعنا وجبات الطعام، تجمعنا غرفة نومها. مكانها الأثير الذي حولته إلى مكان نؤمن فيه ـ أنا وهي ـ النوم الهادئ. مثلما نأمن من البعوض والذباب لم يكن النوم هادئا. لا وقت القيلولة ولا في عمق الليل. كان نوما قلقا يقوم على صبر أمي وهي تنتظر نومي حتى تنام. وأنتظر فيه توقف ذاكرتي عن التفكير حتى أنام. ولم يكن نوما هانئا أبدا. وقد مضت أيام العسل كلها. وغدت مجرد ذكريات.

(9)
سعاد. شريكة الزمن الآتي. تنتظر، وأنا أنتظر معها مستقبلاً مجهولاً أعدها بلا شيء لأنني لا أملك أي شيء. وأجهل الحاضر كما أجهل القادم من الأيام.
هل كنت نادما على ما فعلت هل كنت راضيا على ما قدمته من معلوم لشخصيات الجهل والقوة والمال هل كانت أزمنة الأيام أزمنة عسل بالنسبة لي ولأمي ولمستقبلي هل أسعدني ذاك العمل. وأنا أقدم جهد عقلي إلى من لا عقول لهم. يفكرون بها. هل كنت أفعل كل ذلك عن قناعة كاملة ووعي راكز؟.
كنت لا أختلف أبدا عن أولئك الذين يبيعون كلاهم ودماؤهم ومقل عيونهم. حتى يأكلوا أرغفة خبزهم. وكانوا يدركون جيدا أنهم يغامرون بحياتهم، وهم عرضة للموت قبل غيرهم.
كانوا يعرفون أن كل عضو من أعضائهم لم يكن أداة احتياطية معروضة للبيع وأنها ملك صاحبها وخزين ثروته التي يمكنه التصرف بها وقت يشاء. وعندما شاء الوقت وشاخ كذلك. بعد أن طال أمد الانتظار لخير آت. ولم يأت ولم يبق حتى على ما كان ولن يظل على ما هو عليه. فكل الدلائل تومئ إلى أن المستقبل أشد قتامة مما هو عليه الحاضر. وأن مفاتيح الآتي أضاعتها الأحلام التي كانت ترسم الوهم معطرا بالنشوى، وحتى إذا بانت الأشياء، صارت تلك النشوى الموعودة مجرد سراب. عندئذ صار الندم يأكلني أكلاً.
والأصدقاء الذين كانوا يلحون في الدعوة إلى لقاءات حميمة. صاروا في المجهول. من أحبهم وأكن الاحترام لهم وأكبر فيهم العلم والمعرفة والكفاءة. ماتوا أو رحلوا أو شاخوا قبل زمن الشيخوخة وصاروا يعانون من أمراض شتى تقعدهم عن عمل غير موجود أصلا.
ومن أعرف زيفهم وادعاؤهم. أولئك الذين صنعت خبراتي شهاداتهم والمواقع البارزة لوظائفهم. لم أعد أعني شيئا عندهم، انتهت مصلحتهم وحاجتهم. تنكروا لكل جميل قدمته ولكل شمعة أوقدتها أمامهم. أهذا طبع الوفاء أهذا زمن الغدر والخيانة واللعنة الكلية على الماضي؟.
لم أكن أعرف. كيف يواجه هؤلاء أنفسهم. ترى هل يملكون نفوسا هي من نماء هذه الأرض ومن الارتواء بهذا النهر العظيم نبعا وامتدادا وحياة وألقا؟
قصدت ذات صباح محافظ المدينة وكنت على يقين انه يعرفني وسيرحب بي خير ترحيب وقد يكون في شوق أليّ وأنا الذي لم ألتقيه منذ زمن طويل.
سألت السكرتير الذي تجاهلني.أكدت سؤالي عليه أدعى أن المحافظ غير موجود زرته بعد ساعة قال أن المحافظ في اجتماع زرته بعد ساعتين قال أن المحافظ قد خرج زرته في اليوم الثاني قال أنه لم يجيء بعد زرته بعد نصف ساعة قال أن لديه ضيوف، زرته بعد ساعة ونصف الساعة. هنا وقف السكرتير غاضبا وهو يصرخ بوجهي:
ـ يا أخي. لم هذا الإلحاح، المحافظ يقول انه لا يعرف أحدا بهذا الاسم. ها. ما أسمك؟
ـ عماد. عماد.
ـ المحافظ لا يعرف من كان أسمه عماد. وقد ترك لي مهمة صرفك بالطريقة التي أراها مناسبة. لكنك كما يبدو بليد. إلى حد أنك لم تفهم طردي المستمر لك. كيف تريد من محافظ المدينة أن يضيع وقته الثمين مع أمثالك من البلداء والمغفلين والعاطلين عن العمل. كيف. ها. تفضل أخرج، المحافظ لا يريد أن يراك. هل فهمت؟
استعدت كل كلمة من تلك الإهانة واستعدت معها. صورة المحافظ وهو يتملقني. أنا الذي كنت أعد حوارات وهمية معه. أكتب الأسئلة وأجيب عليها كذلك ولم تكن مهمته سوى تزويدي بصورة كبيرة ملونة لشخصه الكريم وهو يتكئ على مقعد وفير وأمامه كم من الأوراق تنتظر قراراته وملاحظاته وسداد رأيه في هذه القضية أو تلك.
ولم أشعر بالإحباط كما ينبغي أن يكون الحال مع أمثالي ممن واجه استقبالا حافلاً باللعنة والسخرية والأهانة كما استقبلت به. بل عزمت على مقابلة الدكتور فلان الفلاني عميد كلية الإعلام والصحافة. ففضلي عليه كبير وامتنانه لهذا الفضل سيظل في ذمته مدى العمر. ولم ينقض من هذا العمر إلا الوقت القصير الذي لا يمكن لأحد نسيان فضل الآخرين على صاحبه.
استقبلني الرجل بحفاوة بالغة. والحق يقال، لكنه تجاهل الماضي تجاهلاً كلياً. والحق يقال. فمثل مكانته العلمية لا يرقى إليها أحد من أمثالي. من الفاشلين في حياتهم والذين لم يتمكنوا من الحصول على أية شهادة تجعل صاحبها موضع تقدير واحترام. والباطل هذه المرة هو الذي يقال.
قال. أنه لا يعرف كيف يساعدني وأنا غير مؤهل لإلقاء محاضرات في الكلية وغير كفء في تقديم كتابات تتلاءم والظرف الراهن. لأن عقلي مملوء بنظريات مادية قديمة وأفكاري قد عافها الزمن. والجريدة التي يديرها فضلا عن عمله الجامعي جريدة تبحث عن المثير والجديد والممتع.
ـ دكتور. الصحافة رسالة.
ـ أستا.ذ، هل تعلمني مهنتي. أن كانت لديك رسالة هناك دائرة البريد. أرسلها، لا أحد يعترض عليك، لا أحد يمنعك. نحن أدرى بمهنتنا ولسنا بحاجة إلى من يعطينا دروسا في شغلنا.
وظل الصمت حاجزا بيننا، أدركت أن لا حوار يمكن أن يقام بيننا. وبيننا مسافة قطعها الدكتور وقد ابتعدت هذه المسافة حتى غدت مستحيلة على اللقاء في نقطة محددة.
أدركت جيدا أن الزيارة انتهت وان علي مصافحة الدكتور فلان الفلاني وأنصرف غير مأسوف على شيء سوى الأسف على تقديرات وهمية رسمتها ووعود قطعتها وآمال رملية هدمتها وآفاق كان علي إغلاقها.
كانت المصافحة مقصورة على وفق هذه الصورة. ربع ذراع لأربعة أصابع أقل من نصفية لشبح آدمي يجلس وراء مكتب كبير مترف. لم يكلف نفسه حتى القيام بتوديعي. حتى أنه أكره أطراف أصابعه على مصافحتي !
ومع ذلك لم أكن أريد الوصول إلى منطقة مسدودة والى يأس تام. قلت أن الناس. أجناس مختلفة السلوك والمواقف. فما يعنيني من شخصين تنكرا لي. وأنا في موقع لا تأثير لي ولا حضور لي، ولا وجود لي أصلا.
توجهت إلى دار للنشر يديرها صديق حميم. لي فضل الكتابة عن إصداراته وتحليلها تحليلا علميا دقيقا أخذ مني الجهد والوقت. حتى غدت دراساتي لتلك الأصدارات مرجعا بديلا وأساسيا في رفض أو قبول تلك الأصدارات من قبل القارئ الفطن.. وقد كان صاحب دار النشر هذا يدعوني إلى مائدته مرارا فأعتذر مشيرا إلى زحمة العمل وضيق الوقت. وهو سبب دائم في رفض أية دعوة أو سهرة أدعى إليها.
استقبلني بشكل حيادي يمكن تحديده بين المعرفة والمجهول بين الرسمية والصداقة بين الابتسامة التي تنم عن التشفي تارة والترحيب العادي تارة أخرى.
وكنت حائرا بين التعامل معه رسميا أم كونه صديق سابق. وحسمت الأمر سريعا وخاطبته:
ـ كيف صحتك يا أبا سعد؟.
فوجئت به. وقد تغيرت ملامحه وخاطبني بغضب وشعرت من خلاله أنني إنسان لا يعرف أبسط لياقة يحسن المرء معرفتها:
ـ أرجوك. يسموني الأستاذ فاخر العلي.
خجلت من رفع الكلفة بيننا. اعتذرت:
ـ معذرة أستاذ فاخر.
ـ. العلي.
أسرع بإكمال أسمه على وفق تصور أدركت فيه أنني أمام مكتب للأحوال الشخصية أو مكتب للتحقيق الجنائي الذي يقتضي إلزام الشخص بذكر أسمه الرباعي ولقبه وتفاصيل كثيرة عن حياته.
معذرة أستاذ جابر الجابري.
ورأيته هذه المرة يرتاح على كرسيه بعد أن كان يتربص بكل كلمة أتفوه بها. وقد عاد إليه هدوءه قال:
ـ تفضل.
ـ أنا عماد. ال.
ـ أعرفك، أنت الذي كنت تشتم إصداراتنا في صحيفة (الأيام) دائما.وعجبت. سألت الأستاذ فاخر العلي:
ـ أشتم. أنا لم أشتم أحدا طوال عمري.
ـ نعم. أقلب صفحة الماضي. ما هو المطلوب؟
ـ عفوا. لا يطلبك ظالم.
ـ وما شأني بالظالم حتى يطلبني؟.
ـ أستاذ. أستاذ فاخر العلي, هذا رجاء وأمنية يتمناها المرء لمن يحبهم ويحترمهم!
ـ ها. ألا يتم الاحترام ألا بهذه الطريقة، بهذه الأمنية ألا يمكن التعبير بصورة أخرى. أف. الجهل، الجهل. حتى أمنيات الجهلاء غريبة!
ـ تفضل. قل.
قلت برجاء وتوسل. وكنت في داخلي أفضل الانصراف:
ـ أستاذ. لا أعلم أن كان بأمكاني العمل مصححاً طباعياً لديكم؟.
استرخى على مقعده وبانت ابتسامة أرتياح على ملامحه.
ـ ها. من كتابة الشتائم إلى تصحيح واعتراف بالكتب التي كانت موضع شتيمة من قبل. لسنا بحاجة يا عماد لكننا ومساعدة لك سنجعلك تعمل تحت الاختبار لمدة سنة. ما رأيك؟
أردت أن أقول له:
ـ وهل مثل كفاءتي يختبر؟.
لكنني ابتلعت سؤالي وأبقيته في مكان ناءٍ عن منطقة البوح قلت:
ـ موافق.
ـ بشرط.
ـ وهل هناك شروط ماعدا الاختبار؟
ـ نعم. نحن نلزم المصحح بدفع غرامة عن كل خطأ مطبعي لم يتم تصحيحه. فهل تقبل؟
ترددت. أحسست أنني أمام تحد لنفسي وكفاءتي وخبراتي الطويلة.
أومأت برأسي موافقا.
ـ عماد نحن نعتمد على أصول مكتوبة. على عقد يلزم كلا الطرفين المتعاقدين بتنفيذ كل ما يرد فيه. نحن لا نعتمد على الثقة الشفاهية مع احترامي شخصيا بأصحابها. العمل شيء أخر.
ووقعت على عقد مدون تتعلق فقراته بدفع أجور محددة عن كل ملزمة مطبوعة ودفع كذا. مبلغ عن كل خطأ مطبعي أهمل ولم يتم تصحيحه.
بعد التوقيع من قبلي ومن قبل الأستاذ فاخر العلي أعطاني نسخة من العقد ومد يده مصافحا:
ـ مع السلامة راجعنا بعد أسبوع ستجد كتابا جاهزا للتصحيح.
مددت يدا ذابلة نحو يد معافاة مترفة. واغتصبت ابتسامة حزينة خرساء لتقابل ابتسامة سعيدة منتشية بالنصر.
نصر. قلت نصر. بالتأكيد هو نصر لفاخر العلي. الأستاذ الذي كان يهاتفني شاكرا اهتمامي بنقد ومراجعة إصداراته. والذي كان يكتم حقدا دفينا لا يظهر على شفتيه إنما ظل مخزونا في أعماقه. سببه كفاءتي لا غير.
الآن، أصبحت أعمل تحت رئاسته أصحح إصداراته مما علق بها من أخطاء طباعية دون أن يكون لي الحق في رفض أي منها أو الاعتراض على ما يرد فيها. مهمتي محدودة. وانتباهي ينبغي أن ينصب كليا على كل خطأ مطبعي، لم يفلح عامل الطباعة في إتقان قراءة مخطوطة الكتاب. فقام بتنضيد الكلمة على وفق معرفته واجتهاده وترك للمصحح هو الأخر أن يجتهد ويقرر.

(10)
بعد شهر كامل من العمل المضني قرأت فيه مئات الصفحات وصححت آلاف الكلمات حدث ما كنت أتوقعه تماما.
رفض جابر الجابري صرف أجور عملي، بل على العكس من ذلك طالبني بالتعويض عن عدد من الأخطاء الطباعية أدعى أنني كنت قد أهملتها، والواقع أنني كنت قد صححت الأخطاء الواردة في أصل المخطوط مما كان يقتضي دفع مكافأة أضافية. ولأن الجابري كان لا يختلف في سلوكه عن (شايلوك) الشخصية المعروفة في مسرحية شكسبير (تاجر البندقية) فقد جرني إلى أسئلة وأجوبة، وأراد أن يقودني إلى المحاكم كي تفصل في ألأمر مما جعلني أتخلى عن كامل أجوري واترك العمل.
وكنت أعتقد أن الأمر قد أنتهى بتنازلي عن أجري الشهري المتفق عليه، إلا أنني فوجئت بإبلاغه المحاكم ورفعه شكوى ضدي.
وفسرت الأمر للوهلة الأولى على أنها مزحة غليظة، ألا أن واقع الحال أكد أن ما فعله الجابري قد خرج عن أجور التعويض إلى شكوى تتعلق بتشويه كتاب منعته الرقابة حال صدوره مدعيا أنني قد أضفت عبارات لم يكن المؤلف قد ذكرها بالشكل الذي ظهرت عليه أخيرا. مما جعل تلك العبارات تعبر عن حقد وعدائية وعن اختلافات فكرية لا علاقة للمؤلف بها وإنما كانت نتيجة لتدخلي شخصيا في صياغتها كما أريد وأرغب واعتقد الأمر الذي يقتضي التعويض عن الخسائر الناجمة وتحمل التكاليف كافة فضلا عن المسألة القانونية المرافق ة للقضية.
حيت علمت بكل هذه التفاصيل وأنا أمام قاضي التحقيق. كدت أسقط مغشيا علي. فأنا رجل صحافة وأعلام وأعرف جيدا ما هو مطلوب وما هو غير مرغوب فيه، ومهمتي فنية وما ألصق بي طارئ على الحقيقة. ولم أفلح في الدفاع عن حقيقة أمري، وحقيقة عملي، وحقيقة كل ما حصل.
كانت حقيقة يوسف مع أخوته، وحقيقتي مع الجابري. عدوا لدودا، وكنت أحسبه صديقا حميما. فهل كنت مغفلا إلى هذا الحد؟.
ودخلت السجن محكوما عليه بستة أشهر تضاعفت إلى سنة كاملة عندما قدمت اعتذارا يتعلق بعدم قدرتي على دفع أجور الكتاب المطبوع والموضوع تحت الرقابة ومنع تداوله. ومثل هذا المعنى يقصد به أتلاف الكتاب!
ولما كان الإتلاف والسجن لا يعوضان الجابري عن الأموال التي خسرها جراء طبع الكتاب فقد رفع دعوى تميزية ضدي طالب فيها الحجز على بيتي الذي لا أملك من الدنيا سواه.
ووجد طلبه آذانا صاغية، ورحت أدور ثانية بين المحكمة والسجن، حتى تبين وهذا من حسن حظي أن البيت مدون في سجلات الحكومة بأسم أمي وتلك حكمة أبي في حفظ أمي من عاديات الزمن وتوقع حصول ما هو خفي وطارئ. بالنسبة لكتاباتي وما قد تجره علي من مشكلات وبذلك احتفظت أمي بملكها في بيتنا العامر بها وبأنفاس أبي.
كانت أمي هي الوحيدة التي تستعين على ذكرى شباب أفل وشيخوخة تتمطى وتمتد وتثقل عليها كل شيء في جسمها العليل. وتتوسل العافية حتى تراني في كل زيارة محددة، حاملة إلي أرغفة الخبز الحارة وما تيسر شراؤه من فواكه ومأكولات متواضعة. بعد أن تكون قد باعت بثمن زهيد أحدى مستلزمات بيتنا وفي مقدمة المباع. كانت كتبي.
وقد حذرت أمي من البيع الكتب هكذا دون تحديد ولا معرفة، وكنت أخشى بيع كتب هي أهم بكثير من الطعام الذي تأتي به كما أن أمرا أخر زاد من قلقي فقد تقوم أمي بعرض كتاب كان مسموحا وبات الآن من الممنوعات وهذا ما يحصل كثيرا. مما يعرض حياتي وحياتها إلى خطر جديد نحن في غنى عنه وعن كل الإشكالات.
همست في أني أمي في أقرب زيارة. وتفهمت الأمر تفهمته جيدا لأن الأمر يتعلق بمشكلات قد تطرأ وعليها أن تكون حذرة وتستعين بهناء. التي كفت عن خجلها وزارتني أكثر من مرة حاملة معها كل ما كانت تستطيع حمله، وفي مقدمة ما سرني حمله ثلاثة كتب فكرية جديدة كانت تعرف جيدا كم سأكون سعيدا بها وقد غامرت بحملها متجاوزة الرقابة المشددة على كل ما له علاقة بالأقلام والحبر والورق والكتب. ومع أن شرطيا متعاونا زودني بعدة الكتابة سرا مقابل التوريق ألا أنني لم أفعل ذلك ثانية. لا تعففا من ممارسة الرشوة التي نهاني أبي عن تسلمها أو تسليمها. فقد باتت ظاهرة عادية بل وأساسية في مسيرة الحياة ومن لا يفعلها يصبح غريبا في مجتمع بات يستهلك نفوس أبنائه. لم أفعلها. لسبب بسيط جدا هو أنني لا أملك من المال شيئا. ومن لا يملك يظل عرضة للإهانة من زملاء السجن والحراس.
لكنني أنقل وباعتزاز أنني كنت من الندرة التي تمتعت بالاحترام من قبل السجناء والحراس على حد سواء. وقد أكون السجين الوحيد الذي تمتع بهذا الاحترام وجيوبه خالية ليس من الأوراق المالية فحسب وإنما بكل ماله تماس بالورق وبياض الورق، ولعنة الورق. مع الحاجة الأساسية والدفينة إلى هذه اللعنة التي لا خلاص لي منها أبدا وليس بوسعي التخلي عنها والاتجاه نحو الاهتمام بشأن أخر. سواء كنت داخل السجن أو خارجه، عاطلا أم عاملا، شابا أم شيخا. لعنة الورق تجري في دمي ومن خلال هذه اللعنة يمكنني أن أتنفس، أن أنقل هواجسي وأتخلص من سقم أيامي وأهرب من الأوجاع إلى فضاء الورقة. فلا شيء أكثر مدعاة للمغامرة من الحصول على الورق مكتوبا فيقرأ خال من الكتابة. مجردا، فأكتبه كنت أعشق الخصومة الدائمة بيني وبين سحر الورق. خصومة من طراز خاص. هكذا حتى خصوماتي فيها ما يميزها عن سواها من الخصومات. فلم تكن خصومات حقد وكراهية. بل خصومات حذر وترقب. فهذه الورقة التي يمكن أن نقرأ في وجهها أجمل الكلمات قد تتحول بسرعة إلى أداة من أدوات الأجرام وقد تقود إلى الموت. وقد يتحول الموت نفسه إلى كارثة تودي بأرواح عدد كبير من البشر. جراء تقرير قد يتولى مهمته واحد من الكائنات التي يطلق عليها خطأ أو اتقاء شرها. بشرا. مع ذلك يظل في ورقة سحر لا أجمل منه كل جمال.

(11)
ودعت زملاء السجن وحراسه. لأستقبل أمي وهناء.
كانت أمي جذري الذي أعتز به وأمتد أليه، وهو الجسر الأزلي الذي يقربني ويشدني إلى ذكرى أبي وقيمه النبيلة.
وكانت هناء. قريبة حد التماس وبعيدة حد القطيعة!
التماس معها. يفرضه هذا الزمان الورقي الذي تحركه ورقة رابحة وأخرى خاسرة. وأنا لا أملك لا ما أربحه ولا ما أخسره.
أذن أنا في قافلة مأمونة. ذلك أنني أعاني ليس من إفلاس مادي حسب وإنما من إفلاس روحي وآمال مفرغة من المحتوى. وجسور قد تكسرت وعلى الجانبين لا أحد ينتظر ولا أحد يجيء. وأنا حائر بين الانتظار للاشيء، والمجيء الوهمي لأيام وليال لا تفضي إلى شيء!
أسماء جديدة تظهر في سماء المهنة وأسماء أخرى تنطفئ فجأة وتمحى بشكل قاطع كأنها لم تكن لم تولد أصلا. وليس من أحدا يسأل عنها أو يذكرها حتى في سبيل الذكر الحسن أو السيئ. كأنما تحولت الأسماء الواثقة الراسخة في المهنة إلى جمرة نار لا يلمسها أحد. ولا يقترب من دفئها أحد هذا الأحد مشغول، مشغول جدا بصنع أسمه بنقشه على حجر الثبات على كرسي المسؤولية والموقع الوظيفي. هكذا سريعا قبل أن يشغل الكرسي أحد أخر. وهذا الأمر يقتضي أن يتكئ رواده على شخصيات قوية ومقبولة ولها رأي مسموع وخطوات راسخة.
هذا من جانب ومن الجانب الأخر يتطلب التوجه إلى ما ينبه ويعلن عن وجود طاقة معطلة لم تستثمر. ولأنني عاطل عن العمل. وأحتاج إلى من يعينني على البقاء حيا فقد قصدني الآخرون لقضاء حاجاتهم مقابل قضائهم حاجاتي.
كانوا يأتون فردا، فردا، بالسرية والتخفي. يطلبون أن أكتب بأسمائهم موضوعا بالقضية الفلانية أو يقدمون لي موضوعا هشا ويتوسمون في مراجعته وأضيف ما أجده يغني الموضوع.
والقسم الأكبر منهم يسألونني ويستشيرونني في هذه القضية أو تلك وما هي كتب ومساهمات فلان الفلاني وماهي الأسئلة المناسبة التي يمكن توجيهها إليه لإقامة حوار جيد صالح للنشر.
أما إعارة الكتب والدوريات فقد تكررت وتضاعفت بحيث وجدت نفسي في حالة فراغ وقد جردت مني مكتبتي الأثيرة التي ورثت معظم كتبها من أبي وأصدقائه وزملائي. وصار من النادر أن أجد الكتاب الذي أريد أن أقرأ فيه.
ولأنني إنسان يريد نشر أفكاره أولا، ولأنني في حالة معيشية رثة ثانيا؟ فقد قبلت على مضض الاستجابة لتنفيذ كل الطلبات.
وصرت دكتورا جامعيا. بلا شهادة، وباحثا ممتازا مجردا من الاسم، وصحفيا لامعا، بنجومية منطفئة، وناقدا دائم الحضور. يعاني من غياب شخصيته. ومن ثم وجدت نفسي في مهمة لا تتجاوز مهمة كاتب العرائض، بل وأسوأ منه. فهو يعرف مهمته في صياغة الطلبات والمشكلات ويضعها بأسماء أصحابها. وأنا أكتب فكرا وإبداعا للمترفين الذين يملكون وجاهة اجتماعية وموقعا لا يمكن لي أن أشغله. لأسباب أعرفها وأكتمها، ولا أعرفها، ولا أسأل عن معرفتها أبدا.
لا أحد من الزملاء يدعوني للكتابة، فقد شاخت أفكاري. مع علمي أنني صرت معتقا مثل الشراب النادر الذي تم خزنه على مدى أعوام طويلة، فصار الأفضل والأهم والأكثر ندرة.
كنت أعرف جيدا. أن الأفكار لا تشيخ وإنما تتجدد باستمرار وأنا دائم البحث عن صياغة كل ما هو جديد. ولم أكن في أي وقت. بقعة مائية راكدة، ولا مستنقعا ضارا. كنت حيويا في أفكاري ورؤاي، وأقف على خزين هائل من المعلومات والتجارب والخبرات.
جربت أن أكتب إلى هذه الصحيفة، والى تلك المجلة. وظل ما كتبته طي الأدراج المعتمة لا مكان للضوء أن يلمسه ولا للحياة أن تدب فيه. الأمر الذي جعلني أتخلى عن هذه المهمة وأنصرف متوجها للبحث عن مهنة أخرى بعيدة عن مشاغل الورق والحبر وأيام العسل وتزويق الألفاظ وحكمة التوجه إلى قارئ ذكي، يقرأ ما بين السطور.
كانت الورقة عالمي الفاتن. وصارت عسلي المر الذي يشقيني، ويخبئ في ثناياه رجلا تمتصه الأيام وتتآكله الحشرات. مثل. مثل تلك الحشرة التي تغلف سطحها بالبياض في شجرة الليمون.
كنت شاحبا، ذاويا، أعاني من سقم ومرارات كبيرة تدور حولي تشتبك مع عالمي. مع أن هذا العالم لا يخرج عن زوايا ثلاث: أنا وأمي وهناء.
كان أبي بعيدا صار بعيدا كل البعد. لم يكن بميسوره أن يكون، أن يحضر في ذاكرتي. صار منسيا وصارت فضائله جميعا. نادرة واستثنائية بحيث لم أعد أذكره وأذكر ما أودعني من وصايا، حتى لا أبدو مغفلا في زمن يحتاج أصحابه إلى كثير من المهارة، والى كثير من الذكاء والبراعة. لتغدو عمليات الاحتيال والكذب والاستغفال والنصب من عمليات الشطار والنابهين والمتفوقين في حياتهم، والذين يعرفون الصورة الحقيقية التي تسير على وفقها الحياة الراهنة.
لم أكن أملك القدرة على امتهان أي من هذه المهن، أو المساهمة في أي عملية تتسم بالشطارة.
كان أبي يأتيني متخفيا. كنت أرصده وهو منزو في مكان سري من ذاكرتي. ولم أخيب أمله في، ولم أخيب الأمل في نفسي. وأن كنت أحس بخيبات صارت تقترن بي من قبل معارفي وعدد من الجيران.
لكن ما أزهو به وأتوسمه مضيئا في روحي. أنني اخترت ما كنت أريده وما وصلت أليه بقناعة كلية أن أكون. أنا كما أريد، لا كما يريدونني أن أكون حتى أكون في نظرهم إنسانا ناجحا.
كان نجاحي مقبولا أمام نفسي، وأمام هناء.
واخترت أن أعمل خارج أطار ما أحب.
واختارت أمي أن تخرج من ع زلتها وتتولى مهمة حياكة الغزول لتقدم ملابس شتوية لمن يقصدها من الجيران.
واختارت هناء أن تكون معلمة في مدرسة ابتدائية. وأن نتزوج بالمتوفر، حتى تكون كما نريد أن تكون، حتى تكون حدائق الكلمات التي نزرعها في أعماقنا. سبيلنا إلى حياة سعيدة.
كانت قناعتنا نحن الثلاثة. سيدة الموقف، وحدته، وبقاءه، ومسراته. وصرت أفكر على وجه آخر:
لا ضير أن أعود لأعمل عتالا في سوق المدينة، أو سائق سيارة عمومي في الشوارع، أو بائعا جوالا أو موزعا للمواد الغذائية التموينية. لا ضير في كل هذا. أنا أعمل باستقامة، الاستقامة وحدها تكفيني. نظرية الكفاية. مفهوم أقنعني وعزز مكانتي بين الناس الذين صرت أعمل معهم. صاروا يثقون بي يتوسلونني أن أعمل عندهم. فأنا جدير بالثقة، والثقة صارت هي العدم. فهل كنت استثناء؟
كنت هذا الاستثناء يا أبي. وكنت موضع سخرية في مرات عديدة نتيجة لهذا الاستثناء. لكن هذه السخرية بدأت تنسحب شيئا فشيئا، وحل محلها شيء من الاحترام، ومن الاعتزاز، ومن المحبة، ومن الحذر كذلك.
حذر مشوب بالتقدير. حذر أن أقع على حالة من الافتراء. فأرفضها، وحذر من الاشمئزاز. فتبعدني عن أصحابها.
ولم يكن الانسحاب من عمل لا أرتضيه يشكل عائقا أمامي للقبول.
فعلت ذلك قبل سنوات، رفضت ما ينبغي أن يرفض، وكان إصراري على أن لا أسهم في صناعة الزيف. وأجعل من شخصيات مفرغة من المحتوى هي السائدة في مجتمع يبني نفسه ويعزز أرادته.
وتنبهت إلى ضرورة أن أكون منسجما. في فكري وإرادتي. وحين أبوح بشيء ـ شفاها أو مدونا ـ لابد أن أدافع عنه، وأناقش في تفاصيله، لا أن أمليه على لسان غيري. وغيري بلا لسان!
اللسان الآخر أخرس.الموقف الآخر. موقف لا أحترمه. وما لا أحترمه لا يمكن لي الدفاع عنه. والحقائق التي أعرفها علي أن أقولها، وفي أسوأ الأحوال أن لا أسهم في صناعة الخديعة والكذب.
كاتب مثلي له عدته وخبرته وموقفه. كاتب تربى في ظل أب تحترم فيه عفة نفسه وإباء موقفه، وصدق لسانه.
مثلي. من له أم بكل هذا الصمت القدسي، وزوجة تهنأ لها الروح. لا يمكن أن يعمل ما عملت. وما أخطأت فيه لن أكرره، ولن أسهم في صناعة زائفة هي ليست من صلب إرادتي ووعيي.
وذات مساء كنت أنام فوق سطح بيتي. إلى جانبي زوجة حميمة، وعلة مسافة قريبة. هناك أمي. تتنفس نسمات المساء.
كان الصمت من حولي. حيا، خجولا. يريد أن سيعزف لي لحنا جميلا. وكانت النجوم. تضيء لي العتمة التي خيمت. لتحيط بي.
كانت هناك منطقة غريبة تبرق. قلت أنه ذاك الغريب الذي أبتكر عقله قمرا زائفا يتولى مهمة رصدي. ومحاصرة أنفاسي. ويتجسس على أشياء كثيرة تملأ رأسي. ورأسي مقفل، والأقفال. الأقفال تكسر لابد أن تكسر. لابد أن تكون هناك فضاءات جديدة، وآمال كبيرة، وأشراقات سعيدة منتظرة.
وحل أبي ينظرني من بين النجوم. حييته، استقبلته بحفاوة الإنسان الموزع بين النوم واليقظة. ناديته:
ـ أبي، أبي. تعال، تعال نتحدث في هذا المكان الأثير، تعال. لا أجمل من الحديث والنجوم حولنا. تضيء كلماتنا.
أقترب مني أبي، قبلني، همس في أذني:
ـ عماد. سميتك عماد، ولم أكن مخطئا، سميتك عماد وقد كنت جديرا بأسمك. الآن أستطيع أن أتحدث أليك. وأباهي نفسي بك.
وذهب أبي، مثل خفة النجمة التي تمد ضوءها على عجل، وتعود إلى موقعها مثل خفة طائر يأخذ من الزاد حبة. ويطير، مثل نسمة عابرة، مثل غيمة تعد بالمطر. وتذهب الى مكان تقطر فيه الخير.
أبي مر في ذلك المساء، أضاء القلب، وجعله يكبر بالمحبة، مثلما يجعل الروح تسمو، والعقل يفضي إلى الفرح في ذلك المساء، تبدد ضجري، الذي كان.
صارت روحي. مثل حمامة بيضاء تطير في سماء متسعة ممتدة إلى مديات لا نهايات لها.
صرت أفكر. في رقة ورقة أكتب على وجهها حروف نقاء وصدق. أرسم عليها خارطة قلب يرق، ورأس يتأمل وروح هادئة ونفس مستقرة.
قلت هذا من طبع الحلا. من طبع الأزهار والفراشات والنحل في نظامه. الذي يعطي بموجبه حلاوة العسل.
كانت الأغنيات هانئة على شفاه يأتي صداها من مذياع بعيد.
كان الرجل المأزوم. المثقل بالضجر، الذي يملأ فمه بالعسل المر. كان. وما كان. أصبح في صفحة الماضي. في مرارته، جمرات ظلت تكوي الجسد وتنخر في الذاكرة. كان.
وما كان. مضى. وما مضى صار درسا، تجربة مضافة.
وخرجت من الضجر. بورقة بيضاء، وأيام من العسل.
في وقت مبكر من ذلك المساء نمت بعمق. واستيقظت ومعي أحلام روح منتشية بالمسرات. توجهت إلى عملي. وكل من حولي. أراه في حالة قلق وضجر وتوتر. أما. أنا. أنا الوحيد، الذي، يملأ صدره بالهدوء. أوراقي بيضاء. أطرز عليها ما شئت من النجوم. أجملها بالشمس.

كاتب من العراق