احتفل العالم الشهر الماضي باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، وهذه المرة في ظل ما يشهده العالم من جائحة كورونا، وهو ما أعطى للاحتفاء دلالة خاصة، خصوصا مع تزايد النداءات من تجسير الهوة بين الثقافات الإنسانية، وهو ما كشفه التطور الأخير للوباء حيث أمسى العالم قرية صغيرة بالفعل، وعن دلالة هذا اليوم والتحديات المطروحة خصوصا في ظل الصراعات الدائمة، نقدم هنا هذا التقرير.

اليوم العالمي للتنوع الثقافي

 

تحديات أمام الثقافة العالمية

ثلاثة أرباع الصراعات الكبرى في العالم لها أبعاد ثقافية، لذا فإن جسر الهوة بين الثقافات هو مسألة ضرورية و حرجة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية

التنوع الثقافي يشكل قوة محركة للتنمية

يحتفل العالم في 21 مايو الجاري بـ”اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية”، حيث يشكّل التنوع الثقافي قوة محركة للتنمية، ليس على مستوى النمو الاقتصادي فحسب بل أيضا كوسيلة لعيش حياة فكرية وعاطفية ومعنوية وروحية أكثر اكتمالا. وتحتفي دول العالم بالتنوع الثقافي في 21 مايو من كل عام، وهي المناسبة التي أقرتها هيئة الأمم المتحدة بهدف تشجيع الحوار بين جميع الحضارات والثقافات على أسس الاحترام والتفاهم.

وهذا العام يتزامن الاحتفال بهذه المناسبة مع تفشي جائحة كورونا في مختلف دول العالم، حيث أبرزت هذه الأزمة بوضوح عمق التفاوت القائم بين شرائح المجتمعات وعرضة تلك المجتمعات برمتها للخطر.

وقد رصدت الأمم المتحدة في تقرير بثته عبر موقعها الرسمي 6 تحديات يواجهها القطاع الثقافي حول العالم مع تفشي جائحة كوفيد – 19 اشتملت على إلغاء وتعليق المناسبات والممارسات الثقافية المجتمعية، وإغلاق المؤسسات الثقافية حول العالم، وإفراغ مواقع التراث العالمي لليونسكو، وزيادة خطر نهب المواقع الثقافية، وعجز الفنانين عن دفع أثمان ورسوم احتياجاتهم ونفقاتهم، وتأثر قطاع السياحة الثقافية.

ووفقا للتقرير فإن الصناعات الثقافية ترفد الاقتصاد العالمي بما يزيد عن ملياري دولار سنويا، وبنسة تزيد عن 3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، فضلا عن إتاحة ما يقرب من 30 مليون وظيفة في أرجاء العالم وهو ما ينذر بتداعيات كبيرة للجائحة على هذا القطاع.

الصناعات الثقافية ترفد الاقتصاد العالمي بما يزيد عن ملياري دولار سنويا، وبنسبة تزيد عن 3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي

ورغم الظروف الاستثنائية التي فرضها التوقي من انتشار فايروس كورونا، فقد ساهمت إجراءات العزل الاجتماعي في تحول الملايين من الأشخاص إلى الثقافة كمصدر للمعرفة والترفيه والإطلاع، وشهدت عملية إنشاء المحتوى الثقافي والوصول إليه عبر الإنترنت زيادة كبيرة، ابتداء من الزيارات الافتراضية إلى المتاحف وصالات العرض السينمائية، ومرورا ببث الأفلام والمواد الثقافية، وبروز النقاشات والتجمعات الثقافية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أكد دورها الأساسي بوصفها مصدرا للمرونة المجتمعية.

وعبر التاريخ، غالبا ما نشهد كيف أدت الأزمات الكبرى إلى نهضة الثقافة وتفتق أشكال جديدة من الإبداع، التي تعد مسألة حيوية جدا للتقدم البشري. لثلاثة أرباع الصراعات الكبرى في العالم أبعاد ثقافية. لذا فإن جسر الهوة بين الثقافات هو مسألة ضرورية و حرجة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية.

ويشكّل التنوع الثقافي قوة محركة للتنمية، ليس على مستوى النمو الاقتصادي فحسب بل أيضا كوسيلة لعيش حياة فكرية وعاطفية ومعنوية وروحية أكثر اكتمالا، وهو ما تنصّ عليه الصكوك الدولية التي تنظم مجال التراث الثقافي، والتي تتيح ركيزة صلبة لتعزيز التنوّع الثقافي. من هنا، يعتبر التنوع الثقافي ميزة ضرورية للحدّ من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة. في الوقت عينه، يساهم القبول بالتنوّع الثقافي والإقرار به – عبر الاستعمال الإبداعي للإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بشكل خاص – في خلق الحوار بين الحضارات والثقافات وفي بلوغ تبادل الاحترام والتفاهم.

ويعود تاريخ الاحتفال باليوم العالمي للتنوع الثقافي إلى العام 2001 حين اعتمدت اليونسكو الإعلان العالمي للتنوع الثقافي، وفي ديسمبر 2002، أعلنت الجمعية العامة في قرارها 57/ 249 يوم 21 مايو يوما عالميا للتنوع الثقافي للحوار والتنمية. وفي عام 2015، اعتمدت اللجنة الثانية للجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع مشروع القرار بشأن الثقافة والتنمية المستدامة، الذي أكد مساهمة الثقافة في الأبعاد الثلاثة للتنمية المستدامة، ومعترفا كذلك بالتنوع الطبيعي والثقافي للعالم، وعبر عن إدارك قدرة الثقافات والحضارات على الإسهام في التنمية المستدامة واعتبارها من العوامل الحاسمة في تحقيقها.