يتناول الباحث السياق التاريخي لمفهوم "الدولة القومية الحديثة"، الذي تمّ تداوله بعد معاهدة ويستفاليا؛ ثم يقارب بعض مصطلحات النظرية السياسية مثل السلطة والمجتمع، والهيمنة والسيادة، والميتافيزيقا وغيرها من مفاهيم الدولة الحالية التي نعيش فيها منذ أكثر من قرنين.

ما هي الدولة القومية الحديثة؟

عـلي عـادل

 

كانت الأمور تسير وفقا لما اعتاده الإنسان وقتها؛ الملك يحكم باسم الله ليؤمّن للناس دنياهم، بينما يضمن لهم رجال الدين، ضمن هذا النظام، آخرتهم. لكن تلك الطائفة الدينية الجديدة التي أرادت إصلاح فساد المذهب الحاكم أبَت، بعد ما تعرضت له من اضطهاد، إلا أن تقذف حجرا في الماء الراكد. بدأ الأمر بثورة شعبية ضد الحكم الطائفي التقليدي في دولة صغيرة، وسرعان ما انقسمت دول المنطقة بحسب المذهب أحيانا، وبحسب المصالح وإرادات الهيمنة غالبا، إلى معسكرين: أحدهما يدعم ثوّار المذهب الجديد، والآخر يدعم الأنظمة التقليدية.

مهلا، نحن لا نتحدث عن المنطقة العربية في العقد الثاني من الألفية الثالثة! بل عن أوروبا بين القرنين السادس عشر والسابع عشر. إنها حرب الثلاثين عاما التي اعتركت أوروبا المتنازعة على ميراث الإمبراطورية الرومانية المقدسة (معظم أراضي ألمانيا حاليا) بين البروتستانت والكاثوليك، أو بين فرنسا وآل هابسبورغ (حكام بروسيا) إن أردنا الإفصاح عن الوجه السياسي الحقيقي خلف أقنعة الطوائف. انخفض عدد سكان ألمانيا على إثر هذه الحرب بما يقارب 30%، وانخفض ذكورها تحديدا إلى النصف!

لم تنته الحربُ الدينيةُ القناعِ، سياسيةُ الباطنِ، إلا في مقاطعة ويستفاليا عام 1648 عندما اجتمع المتنازعون ورسموا، ربما عن غير قصد، خريطة جديدة لأوروبا، لا تعرف التقسيمات الدينية، بقدر ما تقر المصالح القومية للدول. من هنا تحوّلت الممالك المقدسة الحاكمة باسم الله وبالتحالف مع الكنيسة إلى دول حديثة قومية، تحارب باسم الوطن وفي سبيل سيادته.

صارت الدولة القومية الحديثة مثار الجدل لاحقا في النظرية السياسة وعلوم السياسة، وصارت آمال الإصلاح واستراتيجات التقدير، حتى هنا في عالمنا العربي بعيدا عن أوروبا التاريخية، تعقد على تطويرها أو تقويضها. وفي هذا الموضوع دائما ما تثار العديد من الأسئلة من قبيل ما هي الدولة؟ وكيف نشأت؟ وما الضرورة إليها؟ ثم تنشأ أسئلة أخرى فرعية من هذه الأسئلة، هل الدولة الحديثة التي نحيا في رحابها الآن كانت التطور “الطبيعي” لشكل نظام الحكم المتعارف عليه من قبل، في مجتمعات أكثر بدائية وأقل تنظيما، وهل عدم وجود دولة بالشكل الحالي كان يعني بالضرورة وجود حالة من الفوضى وعدم التنظيم؟ وهل يمكن إدماج أنظمة حكم مختلفة لتتماشى مع الدولة القومية «الحكم الإسلامي نموذجًا»؟

ومن خلال التعرض لهذه المسألة ومحاولة للإجابة على تلك الأسئلة، فإنه من الضروري التعرض لبعض المصطلحات التي تخدم المفهوم الأساسي محل البحث والدراسة، مثل السلطة والمجتمع، والهيمنة والسيادة، والميتافيزيقا وغيرها من المصطلحات الهامة في هذا الإطار. ولقد تم تعيين مسمى «الدولة القومية الحديثة» للتأكيد على أن الكيان محل الدراسة هو الدولة الحالية الحديثة التي نعيش فيها الآن ومنذ أكثر من قرنين مضيا.

وفي ظل عالم منغمس في دورة وعجلة الحياة اليومية في ظل ورحاب «الدولة الحديثة» بمزاياها وعيوبها، تأتي تلك السلسلة لتضيء للقارئ بعض النقاط الهامة عن ذلك الكيان الذي يحيا فيه ويعيش ويحيي علمه ويموت في أرضه، تحاول السلسلة إعادة تأطير العديد من المفاهيم الخاصة بهذا الموضوع التي تعد من الأهمية بمكان لإعادة النظر في مسألة نظم الحكم وتفاصيل الحياة تباعًا من سياسة واجتماع واقتصاد بشكل كلي، خاصة في إطار الكتابات المختلفة والأحداث المتعاقبة والتي -وبوضوح- تنتقد الدولة الحديثة بشكل جديد لم يكن معهودا في الأربعة قرون الأخيرة.

ميلاد الدولة القومية في ويستفاليا

اختلفت العديد من الكتابات الأكاديمية والفلسفية النظرية في تحديد نشأة الدولة القومية الحديثة؛ إلا أن مصطلح الدولة بشكل عام لم يكن حديثا، بل هو بدأ في الظهور من بعد معاهدة ويستفاليا عام 1648 للصلح بين المجتمعات والإمبراطوريات الأوروبية المتناحرة. جاء ذلك المؤتمر لوضع حدٍ لتلك الصراعات المسلحة والتي أودت بحياة الكثير من البشر. تم الاتفاق على أن يتم تعيين ما سمي وعرف بعد ذلك بال Nation State أو الدولة القومية، والتي كانت تعني أن يتخذ كل مجموعة من الأعراق وأصحاب اللغات المتشابهة أرضا ويعينوا لها حدودا وتصبح بذلك دولتهم التي لا يُغير عليها أحد ولا يشاركهم فيها أحد.

ولم يكن الأمر بغاية البساطة تلك، فلقد عانت أوروبا وعلى رأسها كلا من إنجلترا وفرنسا -النظامين السياسيين اللذين احتذت بهما باقي دول أوروبا- العديد من الثورات الداخلية الدموية والتي أسست للدول القومية والتي أخذت في التطور حتى وصلت للشكل الحالي المتعارف عليه الآن. هذا يعني أن أول ظهور وتعرف على هذا المصطلح والمفهوم كان في أوروبا. وهنا يُثار تساؤل عما إذا كانت هناك في باقي بقاع العالم أنظمة حكم أخرى ومستقرة؟ وما هي؟ هذه من النقاط التي سوف توضحها وتضيء عليها السلسلة إن شاء الله تعالى.

من أجل تحليل ومعالجة المفهوم الخاص بالدولة القومية لابد من النظر إلى دلالات المفهوم ثم إلى التطور الحاصل فيها الذي استدعى الآن حدثيتها. فـالدولة في اصطلاح النظرية السياسية هي “مجموع كبير من الأفراد يقطن بصفة دائمة إقليما معينا، ويتمتع بالشخصية المعنوية، بنظام حكومي واستقلال سياسي”، ويضم هذا المصطلح كافة الأشخاص والمؤسسات الذين يتضمنهم الإطار السياسي للمجتمع.

وبالنظر إلى التعريف الاصطلاحي هنا وتحديدا كلمتي “نظام حكومي” و”استقلال سياسي”؛ فإننا نتكلم أيضا عن مفهومين أصبحا بعد ذلك أحدا أهم مرتكزات الدولة القومية الحديثة بشدة، وهما السلطة، والسيادة. فما هي السلطة وما هي السيادة إذن؟

السلطة في اصطلاح النظرية السياسية هي علاقة النفوذ التي تكون من خلالها شرعية ممارسة القوة أمرا مقبولا إلى حد ما، من قِبل الفاعلين الآخرين في الحالة، وتشتمل الشرعية في معظم الحالات السياسية على مبدأ الاحتكام إلى نظام قانوني راسخ. من خلال الاصطلاح السابق يمكن الاستطراد قولا بأن السلطة لها ارتباط وثيق بمسألة شرعية الأفعال؛ أي بمعنى قبول الأفعال والسياسات التي تمارسها دولة أو نظام ما من خلال ما يتمتع به من سلطة بناء على شرعية قد تتعدد مصادرها من الشعب أو الدين أو غيرها من مصادر الشرعية التي تحرص الدولة على اكتسابها منها.

أيضًا التعريف يلقي الضوء على أهمية استناد هذه الأفعال أيضا إلى قانون واضح وراسخ، أي مجموعة القواعد التي بناء عليها تتصرف الدولة أو نظامها أو حكومتها في صورة سياسات، وهي تحدد أيضا العلاقة بين كل من الشعب والدولة.

والسيادة في المصطلح هي عبارة عن القدرة الفاعلة لإرادة ما كي تكون موجودة وكائنة بالفعل، فعندما نقول “دولة ذات سيادة”؛ معناها أن الدولة تمتلك هذا الفعل الإرادي وتستطيع التعبير عنه، وأن الغرض من الدولة هو كينونتها وتنفيذ إرادتها من خلال القانون أيضا.

أما القومية فهو الوعي الجماعي بالانتماء إلى هوية معينة ولغة مخصوصة وثقافة محددة. وهذا يأخذنا إلى إلقاء الضوء على مسألة في غاية الأهمية في إطار معالجة مفهوم الدولة القومية، وهي مسألة الولاء التي هي نتاج للانتماء، والذي ينبني عليه الاستعداد للتضحية بالنفس في سبيل ما يدين الإنسان بالولاء له، لذلك عندما يصبح الإنسان منتميا إلى جماعة ما فهو يكون على استعداد للتضحية بنفسه في سبيل تلك الجماعة.

وفي الحالة هنا نتحدث عن الدولة القومية، أي تجمع الأفراد الذين لديهم وعي جماعي بالانتماء إلى هوية وأصل معين ومحدد. وينتج عن ذلك ما يمكن أن يطلق عليه اسم “النزعة القومية، وهي أيديلوجيات ثقافية وسياسية للحداثة، وأداة حاسمة لتحقيق التحول العظيم من حال المجتمع التقليدي إلى المجتمع الصناعي، أي بقول آخر إلى الدولة الحديثة والتي ترتبط بالفلسفة السياسية العقلانية، وهنا تم ربط الحداثة والتحديث بالصناعة والتمدن.

وفي إطار الحديث عن مفهوم الدولة يمكن أن نتحدث عن مقولتين أشار إليهما عبد الله العروي في كتابه مفهوم الدولة، الأولى متعلقة بأن الحياة الدنيا عابرة وأنها بمثابة تجربة ولكن الغاية المقدرة من البشر في حياة أخرى وهي قيمة تتعلق بالوجدان، فوفقا لتلك المقولة فإن الدولة هي تنظيم مؤقت كباقي نواحي الحياة الدنيا والهدف منه هو خدمة الإنسان والمجتمع البشري في تحقيق هدفه وغايته منها.

المقولة الثانية هي أن الدولة ما هي إلا ظاهرة من ظواهر الاجتماع الطبيعي، وتأخذ حكم المجتمع البشري العامي، بمعنى أن للدولة وجودا موضوعيا، حيث يتم سلب كل القيم ووضعها في الدولة كي تصبح وعاء القيم الغائية في الوجدان البشري. هاتان المقولتان سوف يتم استخدامهم كإطار عام لتحليل ومعالجة نظرية الدولة القومية الحديثة، والتعرض لأنظمة الحكم بشكل عام في تلك السلسلة.

يمكن أيضا إطلاق القول بأن الدولة=المجتمع السياسي+المجتمع المدني، تلك المعادلة التي استخدمها غرامشي في تعريفه للدولة أثناء تطويره لمفهوم الهيمنة، بحيث أنه يمكن القول بأن الدولة كيان يحتوى على طبقة مسيطرة وطبقة أخرى محكومة، وأن ما على الطبقة المسيطرة هو إقناع الطبقة المحكومة بقبول منظومة معتقدات وأفكار الطبقة الحاكمة. وعليه فإن أحد أهم شروط قيام الدولة وفقا لهذا المفهوم وجود مؤسسات سياسية غير شخصية تتسم بالديمومة والاستمرارية وهو ما يرتبط نظريا بدلالة عقلية بمفهوم الدولة العميقة، تلك الدلالة المبنية على ازدياد هذه المؤسسات مكانة وسلطة مع دوام استمراريتها.

فلاسفة الدولة القومية الحديثة

حاول العديد من الفلاسفة والمفكرين عبر القرون الماضية الطويلة تحليل ومعالجة مسألة الدولة بكل ما بها من تفاصيل وما يتعلق بها من مشكلات في التطبيق، وما يمكن أن يُتصور ويتم الحكم عليه على مستوى النظرية، وهنا يأتي سرد سريع بأهم الفلاسفة والمفكرين.

فعندما يتم الحديث عن الدولة فلا يمكن أن يتم إغفال العديد من الفلاسفة المهمين بهذا الصدد وتحرير مناطق الاختلاف في نظرياتهم حول مفهوم الدولة مثل: «توماس هوبز» الذي يرى الإنسان الفرد في العقد الاجتماعي يتنازل عن حريته ليمنحها إلى فرد أو مجموعة من الأفراد الحاكمين، حيث أن الغاية هو أن ينتقل من مرحلة سيادة قانون الغاب إلى التحضر والتمدن، وهذه السلطة التي يمنحها حريته هي سلطة مطلقة يخضع الفرد لها ولا يستطيع الانفكاك من ذلك الخضوع.

بينما يرى هيجل مثلا أن قوة الدولة تكمن في الجمع ما بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة للفرد، والمجتمع كما له حقوق عليه واجبات تجاه الدولة، فالدولة عند هيجل ليست سلطة مطلقة كما عند هوبز ولكن هي مفهوم منطقي قام بتركيبه من خلال التاريخ والعلاقات بين الفرد والمجتمع والسلطة تلك العلاقة التي تؤول إلى أن الحرية متيسرة حينما يتمتع الشعب بوحدة قانونية داخل الدولة، ويُطلق عليها دولة إذا كان المجتمع والأفراد متحدين ومستعدين للدفاع الجماعي عن ممتلكاتهم.

وغيرهم من الفلاسفة مثل جون لوك، وسبينوزا، ونيكولا ميكافيللي، ماكس فيبر، كارل شميت، وغيرهم الكثير من المفكرين والمنظرين الذين ساهموا في بناء ومعالجة فكرة الدولة دون محاولة للخروج من إطار التفكير في شكل آخر سوى هذا النمط من نظام الحكم والذي لا يزال سائدا في العالم حتى الآن بناءً على الترتيب الذي خلفته معاهدة ويستفاليا عام 1648.

مصطلحات مركزية

فمنهجية السلسلة أنها لن تتحدث وتنقل آراء وتعيينات الفلاسفة المختلفة، ولكنها سوف تذكر تلك الآراء كتدليل نظري واستنباطي في إطار معالجة مرتكزات نظرية الدولة القومية الحديثة بشكل كلّي، ومحاولة لفهم أعمق لهذه النظرية، وفتح الأفق لما يمكن أن يشكل بديلًا نظريًا آخر بمرتكزات مختلفة قد تتقاطع وقد تختلف جذريا مع هذه النظرية محل الدراسة والتحقيق والمعالجة.

فعند الحديث عن الدولة القومية الحديثة، وبجانب ما تم التعرض له في شرح المفهوم بشكل مبسط، فإنه لابد من التعرض بمزيد من التفصيل إلى مصطلحات مثل السلطة العليا، والنطاق المركزي، والمدنية، والسيادة والسلطة والهيمنة والقوة والعنف، والقانون، والنزعة القومية، والحدود، والحكومة، والبيرقراطية، والفصل بين السلطات، والمصالح العامة والخاصة والوطنية، والشرعية، الدولة العميقة «كمفهوم نظري له دلالة تطبيقية»، المجتمع والأمة «مصطلحات دلالية تطبيقية»، الولاء والاتنماء والطاعة.