يرى الناقد المصري أن الروائي يقدم سيرة ومسيرة فصيل محدد، كانت له تجربة عريضة، وعانى من التهميش والمطاردة. ويوهمنا بأنه يتناول حقبتين تاريخيتين فقط من حياة الوطن، وما كان بينهما من تفاوت وتناقض، في حين أن عينه، وعين القارئ على الآني، فما غاب الحاضر عند الكتابة، أو القراءة.

انهيار اليسار المصرى .. على «صخرة هليوبولس»

شوقي عبدالحميد يحيى

 

كثيرة هى الأعمال التى تناولت الحقبة الناصرية، وأكثر منها ما تناول الحقبة الساداتية، وما بينهما من مفارقات. إلا أن زاوية الرؤية، هى التى تحدد القدرة على الاختلاف، وهو ما نستطيع تلمسه –دون عناء – فى العمل الروائى الثانى للمبدع "أحمد زغلول الشيطى" "صخرة هوليوبلس"[1]، الخادعة فى الكثير من مساراتها. الخادعة فى الإيهام بأنها سيرة ذاتية، كاشفة عن الحياة الشخصية للسارد، مرتبطة بالأماكن، أو أنها سيرة مكانية دمياطية، بينما هو –وفق رؤيتنا- يقدم سيرة، ومسيرة فصيل محدد داخل الوطن، كانت له تجربة عريضة، وعانى التهميش، إن لم تكن المطاردة. ويوهمنا بأنه يتناول حقبتين تاريخيتين فقط من حياة الوطن، وماكان بينهما من تفاوت، إن لم يكن التناقض، بينما عينه، وعين القارى على الآنى، من خلال بث روح المراحل التالية لهما، فما كان الحاضر ليغيب عن الكاتب، عند الكتابة، أو القارئ عند القراءة، مستحضرا كلمة بشارة واكيم وهو ينظر إلى يوسف وهبى عند غناء أسمهان "إمتى هتعرف إمتى" حين يردد (الكلام إلك يا جارة).

فبينما يسير السرد حول أفعال عبد الناصر والسادات، يستدعى الكاتب، بخبث فنى، الثورة البلغارية، التى إستُحُضرت كثيرا فى مصر عام 2011، عندما بدأ ظهور بعض المحسوبين على مبارك، فى المشهد الثورى. وكان خادعا عندما أثار العديد من الأسئلة التى تفرض اليقين، لا التساؤل. ثم كانت الخدعة الأكبر، حين أوهمنا بمرور الزمن، وكأننا نركب العديد من سبل الانتقال التى أوردها، بينما السارد لم يبرح مكانه. 

وقد يكون من المفيد أن نتدبر العتبة الأولى للعمل "العنوان الرئيسى" – متجاوزين ما ينظر البعض على أنه العتبة الأولى الفعلية (لوحة الغلاف، رغم تعبيرها الحقيقى عن العنوان، بوجود الصخرة، وتدرجات اللون الصخرى، المعبر عن الصلادة). حيث يشير العنوان إلى تلك المنطقة "هليوبولس" التى تحمل من القدم والعراقة، ما يمثل الصخرة الباقية والمقاومة لعوامل التعرية، خاصة أن المنطقة قديمة يمتد تاريخها إلى عهد الفراعنة، حينما كانت تسمى "عون" أى مدينة عبادة الشمس، وهو ما يضفى على المكان، القِدم والإشراق، أو النور، ومنها جاءت تسمية المنطقة – حاليا- ب"عين شمس. خاصة وأن الكاتب قد تخيرها كنقطة إنطلاق، أو الرمز الثابت أو النموذج الأصلى، أو المدينة الفاضلة، الباحث عنها، ليدور مع الزمن، متأملا ما يعيشه الآنى ب"مصر الجديدة، وبينها.

وتأتى نقطة الانطلاق، من تلك الزيارة التى دفعت الكاتب لتلك الرحلة ، والبحث عن صورة ودواعى الانهيار، عندما بدأت الأحلام برؤية المدينة الفاضلة فى الانهيار، عند تلك الزيارة الكاشفة، لهوية السارد (الضمنية) والممثِلة لنقطة التحول في حياته، لينطلق فى رحلة البحث عن العزلة والتشتت التى يعيشها السارد، واليسار المصرى الحالم {كان يلزمك أن تفقد الثقة ولو قليلا بقناعاتك، أن تجرب الخيانة ولو لمرة، لم تستطع إدراك شخصى المنقسم بين طبقات عديدة، لتعرف ماهية شعورى إزاء الأصفار التى وضعها مازن مروان على الورقة أمامي، والتي يعلم كلانا أنها ستتحول إلى أرصدة سهلة تجعل العالم بالفعل قرية سياحية صغيرة} ص129.وكان مازن مروان خريج الجامعة الأمريكية ابن أحد وزراء الصناعة السابقين، قد طلب عمولة نظير استمرار عمل يوسف العليمى، مستشارا قانونىا للشركة: {ثم راح يدون على ورقة  تحت بصر يوسف عدة أصفار.. هو يريد ثلاثين بالمائة من دخلي، وأنا وافقت. لا سند لي فهناك الكثيرون مستعدون لإنجاز عملى نظير ملاليم} ص119. حيث يتجسد التفاوت والطبقية، فى هذا المشهد، الجامع بين استغلال أصحاب السلطة، فى مواجهة الطبقة الأدنى، المغلوبة على أمرها، ولا تملك سوى التسليم بالأمر الواقع، مستسلمة لإمتصاص دمائها.

وتبدأ رحلة البحث حين { أبلغه صديقه القديم "إسماعيل الصواف" أنه كان فى جنازة، وكانت مقبرة  الميت قريبة من مقام "سيدى الكردى" وأنه لمح من مسافة ليست بالبعيدة سقف مقبرة أمى، وقد هبط وأن أجزاء من السقف سقطت صانعة ما يشبه دائرة} وآخر زيارة للسارد إلى البلدة منذ عامين ونصف { وكانت فى رحيل راضى – شقيق السارد - بعد مشوار معقد مع فيروس c . يذكر إصرار أولاده على دفن والدهم فى "ميت الشيوخ" مسقط رأس جدتهم لأبيهم، وليس مع والدته التى دُفنت فى جبانة دمياط}  وأخبره "جوجول ماب" بأن {مقبرة الأب ربما تكون قد أزيلت} ص24. حيث يتجسد تيه معالم الماضى، فى إزالة مقبرة الأب، وانهيار مقبرة الأم، وتشتت –حتى- الموتى . ولتبدأ الرحلة، رحلة البحث عن حقيقة ما أبلغه به صديقه القديم، متوافقة مع رحلة البحث عن مسار "الجمهورية العربية المتحدة" التى ضاع منها اسم مصر {لم أهدأ إلا عندما انغلق باب المدرسة ورفعنا أيدينا بالتحية أمام العلم: تحيا الجمهورية العربية المتحدة}ص34. وهى الإشارة إلى العهد الناصرى، المرتبطة بطفولة السارد "يوسف العلمى". ومن هنا يبدأ السرد فى الدخول إلى العالم الفردى للسارد، وحياة مسيرته، المتماهية فى الرؤية الجمعية.

 وقد راينا - فى دراسة سابقة- كيف لعبت البدايات فى حياة الأفراد، فى التكوين اليسارى لهم، وجعله إتجاها غالبا بين مبدعى جيل الستينيات، الذى ساهمت أفكار تلك الفترة فى السماح لهم بتولى المناصب الثقافية والإعلامية، وهو ما أشارت إليه "صخرة هليوبولوس" عندما ألصقت بالسارد طليقته، تهمة الشيوعية، ليردد فى نفسه {هل كانت تبغى الإبلاغ عنى؟ ولكن هيهات، فالدولة عينت من عينت من الشيوعيين كرؤساء تحرير .. إلخ}. فكيف كانت بدايات صاحبنا؟.

يعرض الكاتب صورة ناطقة لتلك البداية {كنت قليلا ما أحضر مصروفا أو سندوتشات، ذهابى إلى المدرسة فى ذاته كان ترفا عرَّض أمى للوم بسببه من أعمامى وأخوىَّ الكبيرين "سعيد" و "راضى" اللذين اضطرا لترك المدرسة بعد وفاة أبى، والالتحاق بورش التذهيب، فوجئت بصفوت يقسم كل يوم السندويتش نصفين، ويضع فى صمت نصفا فى درجى دون أن يشعر به أحد}. وليبلغنا السرد أن "صفوت هذا هو يتيم أيضا مثله، وقد منحهما ناظر المدرسة منحة من الملابس الجديدة، تم التبرع بها، ثم سارت حياة السارد، عبر مراحله المختلفة، تنضح بتلك البداية المتواضعة، حيث إلتحق بالعمل بالورش، مماهيا الرؤية الجمعية، فى الرؤية الفردية، عاكسا أحد أهم علامات الفترة الناصرية، بالتحول من الزراعة إلى الصناعة ، وما أتبعه من التحول الاجتماعى {لم أعد أبدا للعمل عند الاسطى عزيز، فقد انتقل مركز الثقل فى مهنة الموبيليا إلى القرى المجاورة مع التوسع الكبير بتحويل الأراضى الزراعية إلى مبان وشوارع، واتجه الفلاحين إلى العمل فى الموبيليا}ص39.

كما يواصل كشف تلك البدايات، - الفردية والجمعية – حين كشف الفكر المصرى، وما بينه وبين ما يمكن أن نعتبره فكرا إسرائيليا، وكأنه يجسد حال التحول الحادث، فى سرده {لم أفاجأ فى اليوم الأول حين عرفت أن للعمل مواعيد ثابتة تبدأ فى التاسعة صباحا وتنتهى فى السادسة مساء، مع وجود ساعة راحة للغداء، خلافا للمواعيد الغامضة لكل من عملت معهم، كانت المواعيد واضحة لا تقبل أى مماطلة. كان الاسطى عزيز يفتح الراديو دائما على إذاعة إسرائيل} ويسأل السارد الاسطى عزيز عن سبب تركه لبنان فيرد عليه {قال: الحرب بدأت ولا يعلم أحد متى ستنتهى، ... وقال: شفت اللبنانيين بيضربوا نار على السما، غضبانين إن عبد الناصر مات}ص38. وكأن السارد يسخر من أولئك الذين لم تُخرجهم كارثة 67 من عواطفهم الطاغية. حيث يذكر السارد مباشرة ما جرته هزيمة 67 من ألم ومرارة، وكأنه يؤكد على انطلاق الخصومة بين اليسار وعبد الناصر، الذى رأوا  فيه رمز تحقيق الآمال فى انتشالهم من مستنقع الفقر إلى بحبوحة الحياة  حين وقف ضريح "سيدى القناديلى" فى مواجهة عملية فتح الطريق للسجن الجديد، وانتظر الناس أن يدافع "سيدى القناديلى" عن نفسه، وهو الذى لم يرد صاحب حاجة، وكان له من الكرامات التى بانت أكثر، حيث {أعاد"عصمت" ابن "أم يسر" الجندى فى حرب 67 بعد دفنه بمعرفة فصيلة من الجيش فى مقابر أبو المعاطى وإطلاق 21 طلقة فى الهواء، وتلقى أهله العزاء فيه، "أم يسر" لم تقتنع بأن من دُفن هو ابنها، أوقدت الشموع للقناديلى، وأسرت له بما عندها، لم تنتظر طويلا إلى أن رأت "عصمت" بملابس مهلهلة واقفا أمام الباب}ص53. وكأن ما حدث فى 67، كان بداية الانكشاف، وبداية الهوة الفاصلة بين الحلم، و الواقع.

ولم تكن هزيمة 67 وحدها هى الشرخ الذى تصدعت معه العلاقة بين اليسار (المثقف) وبين الشخص، وإنما كان البنيان الجامع لهما قد بدأ فى التصدع، جراء ما أقدمت عليه تلك الفترة من بناء للسجون، وبداية تكميم الأفواه { لم نفقد الثقة فى قدرته على وقف الألات الجبارة، لم نكن نجهر بالإعتراض، فمن يعارض الحكومة يذهب إلى وراء الشمس. كنت لا أعرف ما إذا كان وراء الشمس حكومة تستلم من يذهبون إلى هناك، وأرى صورة الرئيس عبد الناصر يبتسم فى الدراسة، وأتساءل إن كان شاهد "وراء الشمس" التى يأخذون الناس إليها}ص54. وتوقف المشروع مرة واثنتين، عند حدود سيدى القناديلى {خاصة بعد أن جاءت الأخبار أن  البناء الذى سيقام عبارة عن قسمى شرطة وسجن، ولم يكن الناس قد نسوا واقعة قتل ضابط فى الجمرك النهرى لاثنين من الصيادين فى وضح النهار، وخروج الناس للتظاهر وتحطيم قسم شرطة النجدة، حتى إن قائد الجيش عبد الحكيم عامر هدد بمحو التمرد بالدبابات  ....... وصاح "حسن البيسى" ماسح الأحذية: القناديلى ولع فى نفسه. إحترق سيدى الأقناديلى عن آخره، صار كومة من التراب، قيل إن الحكومة أحرقته ليلا، قيل إنه أحرق نفسه حزنا على إذلال الغجر، قيل إن الشموع تزايدت وأمسكت النار فى الخشب. امتد طريق أسفلتى مزدوج يؤدى مباشرة إلى باب السجن}ص54، 55.

ثم كانت المعاملات فى السجون والمعتقلات – وهو ما يمكن أن نصف به كل الحقب المتوالية بعد العام 1952- متمثلا فى هدم البيوت، والضريح لبناء سجن جديد، والذى جاء مجاورا لسكنى السارد فى حجرتى السطح، فمكنته من سماع أصوات ما يدور فيه، مثلما حدث مع "سنّو" الذى يرشق المطواة من بعيد فتصيب الهدف، ولم يكن أحد يتصور أن "سنُّو" يمكن أن يحدث معه هذا حين تم القبض عليه {كانت أصابع الدسوقى القابضة على قفاه من الخلف تخبره بالسوء. هو لا يخشى  الضابط المترهل ذا الأثداء المكورة والابتسامة الصفراء، ولا من التعليق على الباب ولا من صعق الخصيتين بالكهرباء ولا من إدخال الخشبة من الخلف ولا من إغراق الرأس فى المياه القذرة. ما يخشاه سنُّو هو ما انتوى عليه. فقد لاحت النهاية وشيكة ....آلمته قبضة الدسوقى، لكنه كان يقترب من تحقيق ما أراد، فقد صمم هذه المرة على ألا ينهزم}ص43.

وكانت حجرتى السطح اللتين انتقل إليهما السارد وأسرته تكشف ما يدور فى قسم البوليس، وكأنه الناظر إلى ما يحدث من علِ، فتتضح الرؤية، وكأنها إشارة للكشف بعد الجلوس عن بُعد: {لم يكن الضوء وحده يغمرنا من كل مكان، الصوت أيضا، صوت التعذيب الذى يجرى فى حجرات المباحث، والذى يبدأ بعد منتصف الليل، تعليق أعلى الباب، غمر الرأس فى بالوعة الحمام، وكهرباء على الخصيتين. كان يوما لانهاية له حين قُبض على "سنُّو". صراخ حاد وشتائم طوال الليل، كان صوت سنُّو يشق الليل لاعنا كل الرتب من المخبر إلى المأمور ومدير الأمن وحتى وزير الداخلية. يصرخ ويوجه أسئلة  صعبة إلى الله، إلى أن سمعنا صوت سارينة الإسعاف، وسنُّو يخرج على نقالة من داخل القسم. أشاع القسم أن سنُّو ابتلع موس حلاقة. وقيل أنه حاول الانتحار. أنبهر من جرأة سنُّو وقدرته على الإفلات بطريقته}ص70. لتأتى الجملة الأخيرة، وكأنها رفض الاستسلام والسلبية.

ولم يكن ما حدث مع "سنُّو" يختلف عما حدث ل"حسن البيسى" ماسح الأحذية، والذى لاحظ أن المخبر "الدسوقى" يداوم على زيارتهم فى حضور زوجته الممرضة "زوبة". الأمر الذى أصاب حسن بالغضب، فأخبر "الدسوقى بأن امرأته لم تعد تعطى الحقن، غير أن الدسوقى لم ينقطع عن الزيارة.  وبناء على نصيحة "حسين مرجان" الكاتب العمومى، شكى حسن للمأمور بينما كان يلمع له الحذاء، مما يفعله "الدسوقى"  وبعدها نال "حسن البيسى" ما ناله من صنوف الأذى والتعذيب فى القسم، وكان أن حمل مختار الونش "حسن البيسى" وألقاه كخرقة بالية أمام سلم القسم. بعدها كان حسن كمن فقد عقله، وأصبح الجميع يعلم أنه لم يعد يصلح حتى أن يضاجع نملة. إلى أن أمر مأمور القسم يإيداعه مستشفى الأمراض العقلية.

ثم تاتى المرحلة الساداتية، والتى اشتهرت بعملية الانفتاح، التى كانت استمرارا للتصدع بين  اليسار والحكم، مما اقترب من العداوة المعلنة، وهو ما نستطيع استنباطه من تلك الفقرة والواصمة لذلك العهد، مع استمرار الشيطى فى مماهاة الفردى بالجمعى. فبعد وفاة الأم ، تصارع الأبناء الأربعة على ميراث البيت  المكون من دور واحد، والعامر بالفئران ونشع السقف، رغبة فى البيع والثراء السريع {بعد أن ارتفعت أثمان الأراضى فى المنطقة، بظهور الكائنات الحديدية الضخمة المسماة "كونتنرات" داخلة وخارجة من وإلى الميناء، وبعد عمليات الثراء المفاجئ التى شملت عربجية وسماسرة وشحاذين وعاهرات، وبدء ظهور البنايات الضخمة ذات الطراز المقصور على الأفلام حتى هذا الحين.....}ص90. فبينما كان السارد يعيش صراعا بين الأخوة على اللقيمات، كان المشهد العام يعج بتلك المظاهر، وهو ما يكشفه السارد –أيضا- حين الحديث عن "عوض العربجى" صاحب الحنطور، الذى شهد التغير المجتمعى من عبد الناصر إلى السادات، وكيف تحول ركاب الحنطور من سيدات البيوت إلى الركاب من كل نوع  {عمال ، نجارين، صغار الموظفين، مذهباتية، طالبات مدارس، ربات بيوت}ص76.

 كما اشتهرت تلك الفترة كذلك، بانها من فتحت الباب أمام التيار الوهابى القادم من السعودية، وهو ما عبر عنه الكاتب، حين أراد قتل الفأر الذى يؤرقه فى البيت، وتردد فى عملية القتل، غير أن قلبه قد اطمأن {وقد جاءت فتوى الداعية الوهابى من السعودية بردا وسلاما على قلب قاتلى الفأر بإعترافه أنه كائن ممقوت شرعا}ص118.

ويصل الاختلاف لذروته، وينقشع العداء والرفض للفترة الساداتية، عندما يصل الفارق بين العهدين – فى الرؤية اليسارية – حتى عند الموتى، ويقترب السارد من التصريح بوجهة النظر الطبقية، التى أُعتبرت حجر أساس فى الرؤية اليسارية: {كان الموتى القدامى يسجلون خسارات طبقية جديدة، رغم أنهم عاشوا زمنا قديما أقل توحشا، كان الأثرياء الجدد يقتحمون عالمهم بطرز جديدة، وباستعلاء واضح على مقابرهم القديمة ذات الشواهد الهشة التى لا تصمد أبدا لاختبار الزمن}ص113.

       وإذا كانت الإشارات إلى عهدى كل من جمال والسادات، شبه واضحة، فى الإشارات الكامنة فى التفاصيل عن الأوضاع المجتمعية المتردية، تكفى للدلالة على العهد المباركى، فى مثل {هذه إذن "العيسوية" التى لم يدخلها الصرف الصحى ولا المياه، وهذه شقة الطلبة التى أستأجر فيها سريرا، أدفع الباب الحديدى، تنبعث رائحة نتنة من الداخل}ص124. وغيرها الكثير مما عاشه السارد، وكاشف عن التردى الذى ساد حياة البسطاء. إلى أن وصلنا إلى تلك الإشارة الكاشفة عن الفارق الواسع بين الشعارات، والواقع، والمتمثلة فى استدعاء السارد ل"رومانيا" ، بزعم أنه يكتب تقريرا لم يطلبه أحد، ولا يهم أحدا أن يراه { لماذا رومانيا التى لا أعرف عنها أى شئ؟ هل كنت أريد أن أعرف من أى غابة جاء الزان الذى اشتغلت عليه وأهلى جيلا بعد جيل، نجارين ، أويمجية، أسترجية، مذهباتية، بائعى كرينة وعَبَك وجوت؟ ... .. أم أنى  كنت أبحث عن ذريعة ترضاها نفسى للسفر ....لماذا اخترت أن أكتب عن ذلك؟ أن أكتب تقريرا لم يطلبه أحد منى وغير مرغوب من أحد على حسب علمى؟}ص97.  تلك الدولة التى هجرت الشيوعية، وأصبحت الآن ضمن السوق الأوربية. غير أن الإشارة إلى رومانيا، تستدعى ما دار حولها من أحاديث فى أعقاب ثورة يناير، وما تفتحت عليه المخاوف من تكرار ما حدث فى رومانيا[2] من كمون عناصر الصف الثانى والثالث من الحزب الشيوعى (الديكتاتورى) للانقضاض من جديد على السلطة، وكأن ثورة تسعى للديمقراطية، لم تكن. خاصة أن ثورة يناير قامت بالأساس، للثورة على تجاوزات الشرطة وما يحدث فيها، مثلما قامت ثورة رومانيا فى ديسمبر 1989على الديكتاتور تشاتشيسكو القابض على الحكم من 1964. أى فى فترة المد الثورى الناصرى، والصداقة بينهما. وكأن الشيطى يربط بين الشخصيتين، فضلا عن استدعاء التخوفات فى 2011، وكأن الإسقاط يشمل الفترة بأكملها.

وكما ألقت الكثير من الروايات التى كُتبت بعد 25 يناير، اللوم على الأجيال السابقة أنها وقفت ساكنة سلبية، ولم تقاوم ما كان يحدث، فهاهنا لا يكتفى الشيطى، بإلقاء اللوم على الأنظمة، وإنما يرى أن سلبية الطرف الآخر (الشعب)، ساهمت فى تمادى الأنظمة فى غيها. فتأتى إشارة السارد، الرمز، فى مقاومته للفأر (الرمز) {هكذا أُعلن موت المُشَاهِد القديم الذى ما زال حيا فىَّ، وأنا اتابع الداهية الضئيل الذى يتلاعب بى مقررا مواجهته مهما وسع ميدان الصراع}ص131،ففى الإشارة (المشاهد القديم الذى كنته) ما يفجر الكثير والكثير من الدلالات، كما تؤكد (الذى كنته) اللحظة الثورية، التى تستدعى بالضرورة، خاصة للقارئ المعاصر للأحداث، تلك الحالة الثورية الرافضة فى يناير 3011..

التقنية الروائية

لو بحثنا عن "حدوتة" أو حكاية، تحدد مسيرتنا، ونسير بها من البداية للنهاية، فلن نجد، حيث لا نجد إلا عملية بحث السارد عن حقيقة انهيار سقف قبر أمه، وهدم قبر أبيه، بل، ربما لم يبرح السارد مكانه، لتظل عملية البحث كلها، مجرد رغبة، أو شروع. إلا انها تقول الكثير، وترحل عبر الزمن، لتعرض الرؤيا، لما كان وما يكون، لنصل نحن إلى ما سوف يكون. فاستخدم تقنية، غير تقليدية، فقدم لنا رؤيته من خلال ست كتب، او ستة خطابات، بمعنى أنها رسائل. وتم تقديم كل كتاب، بما يشبه المقدمة، غير الحكائية، وإنما يمكن النظر إليها بأنها معلومات تضئ ما جاء بالكتاب من حكى، أشبه بالسجل التاريخى. فنقرأ مثلا فى (مقدمة) الكتاب الأول {البارون إمبان أنشأ قصرا هنديا مثبتا على قاعدة من الرولمان بلى، ليدور القصر حول نفسه على مدار الساعة.}.

وفى مقدمة الكتاب الرابع نقرأ {وكان بدمياط حتى القرن التاسع عشر جالية من اليهود.. إلخ}. وفى مقدمة الكتاب الثانى، والذى بدأ فيه بداية رحلة البحث، تأتى المقدمة لتوضيح الحالة النفسية، المنعكس عليها الحالة الخارجية، فنقرأ {أدار مفتاح سيارته الهوندا السوداء، مستشعرا أنه أودع نفسه للتو داخل ثلاجة، كان على الزجاج طبقة كثيفة من الضباب تجعل الرؤية مستحيلة..}. فأن تكون السيارة "سودا" والجو شديد البرودة، والضباب يجعل الرؤية مستحيلة، فكأن الكاتب لا يصف الحالة الخارجية، ولكنها الحالة النفسية التى تخيم عليه فى رحلة البحث، وما يشير إلى – مجرد الرغبة – فى إزاحة الثلج والكمون، عن المكنون داخل النفس. وهو المخبوء داخل كل اليسار، الذى يتألم مما آل إليه الحال، بعد ما كانت الأضواء، والتواجد يوما مضى. ويكفى أن نقرأ فى هذا الكتاب، عن مدى ما كان عليه السارد فى الطفولة، وحكايته مع اليتيم الآخر "صفوت" الذى اقتسم معه الساندوتش، وكيف تلقيا معا المعونة. ونقرأ عن "سنُّو" الذى كسرت الشرطة كبرياءه. وكيف أُجهض الحب الفاشل مع "ماتيلدا"، وغيرها من التجارب غير السارة.

وفى مقدمة الكتاب الخامس، يكشف للقائ الخلفية لشخصية الكتاب، فتبدأ  {"أم السيد" الكلب. أم لخمسة رجال أكبرهم....} ليخبرنا الكتاب عن علاقتها بالكلاب، ما كان سببا فى التسمية. وهكذا نجد أن هذه المقدمات، والتى وضعت ببنط كتابى مختلف عن بنط الكتاب نفسه، إنما جاء كما لو أنه الكشاف الذى يلقى الضوء على ما جاء بالكتاب نفسه.

وإن ظل لكل كتاب كما لو أنه وحدة منفصلة، ظاهريا، إلا أنها متصلة ضمنيا، يجمعها سارد واحد، ويجمعها الرؤية الواحدة الكامنة وراء السرد، فبدت الرواية كالقطار الذى يتوقف عند المحطات، بينما لكل محطة طرازها، وشخصيتها.

       لم يكتف الشيطى، فى التعبير عن الانهيار، بما أورده من مواقف، تزرع فى القلب السخط، والضياع، والتشتت، مثلما فى كثرة الإشارة إلى وسائل التنقل، وتكرار عملية التنقل بين الأماكن (السكن) ، مثلما كانت الأم قد اختلفت مع الأب الذى فارق الحياة فى ثلاينياته من العمر، من ترك الأم وابنها –السارد- للبيت الجديد. و {قابلنى "سيد" السمسار، قال إن تحت نظره شقة أمام جامع "المعينى"، وأنه يوصينى إذا ما طلب منى أحد شقه أبلغه، قلت له إننى هذا الزبون}ص89. و {كنت أقيم بعد الطلاق بشقة مفروشة فى الطابق الثالث فى عشة بشارع 69 وكانت الشقة قبلى شرقى، حرارتها لا تطاق}ص96. ومثلما كانت عملية التنقل، تؤدى إلى عدم الاستقرار، فإنها لم تكن كذلك من حيث المكان فقط، وإنما كانت تؤدى إلى التشتت الزمنى كذلك، حيث أصبح المكان يجمع بين الحقب التاريخية المتداخلة، وكأن الكاتب يعقد مواجهة بين حال المبنى، وحال العصر، بين العشرينيات أو الثلاثينيات، وبين الخمسينيات أو الستينيات {كان القسم الأول من الطابق الأرضى يبدو قديما ربما يرجع طرازه إلى العشرينيات أو الثلاثينيات من القرن الماضى، أما القسم الآخر فقد كان عبارة عن واجهة معرض موبيليات من طراز حديث نسبيا، ربما يرجع إلى الخمسينيات أو الستينيات .......... دخلنا من الممر الضيق الرطب. كانت تتصاعد رائحة البول خلال سريان تيار هواء بارد، وكانت قطعة من السماء تبدو بعيدة من خلال الجدران}ص92. لينعكس حال الزمن على البناية، موضحا سوء المآل، بما وصل إليه حال (الخمسينيات أو الستينيات) (سلبا)، بينما سكت السرد عن وصف الجزء الخاص ب(العشرينيات أو الثلاثينيات) ليصبح الصمت عنها (إيجابا)،

كما أن التشكك والقلق، يبدوان جليا فىيما وقع بين السارد وبين أخوته، ورغبتهم فى بيع البيت (القديم)، بل ووقوفه سلبيا فى مواجهة خلافاتهم التى تصل حد التنافر، فضلا عن انفصاله عن زوجته، واتهامها له {يا شيوعى يا ابن الكلب}، لهو أيضا نوع من التشتت، وعدم القدرة على المواءمة، أو التعايش مع الواقع. 

ويصبح الشكل ، معبرا –أيضا- عن ذلك التشتت ، حين تلاعب –الكاتب - بالضمائر، فنرى السارد يتحدث بضمير الغائب، ثم نفاجأ بأن السرد أصبح بضمير المتكلم. فى الفقر الواحدة. فبينما بدأ الفقرة بضمير الغائب {وقف حائرا... وهو لايعلم ... كيف ترك الأمر} وكأنه الناظر من الخارج لما يحدث. ثم يتحول هو نفسه ليصبح أحد عناصر المشهد {لاشك أننى فى حلم}. ثم تتداخل الأشياء وتختلط ، وكأننا فى دوامة تدور بالسارد –وبالقارئ – لتتصاعد الأمور غرابة ودهشة {اشك أننى فى حلم، حلم يشبه الواقع لكنه ليس بواقع وليس بحلم}.

 فضلا عن التيه بين الحلم والحقيقة، لتزداد الغربة والتيه، عندما لا يعلم – السارد- ما إذا كان يعيش حلما، أم حقيقة، وكأنه يرى أن ما يحدث، فوق الحقيقة وفوق الحلم  {وقف حائرا يفكر فى الأمر. كل هذا الذى يحدث وهو لا يعلم عنه أى شئ؟ وكيف ترك الأمر يتفاقم هكذا؟ لاشك أننى فى حلم، حلم يشبه الواقع لكنه ليس بواقع وليس بحلم}ص22.

ويستمر، فى تصور اشياء، ثم ينكر وجوده، بأن ما يتحدث عنه "محض خيال" مثلما تصور أنه سافر إلى "رومانيا" ثم يعود ليؤكد أنه ما سافر إليها أبدا، وكأنه يضعنا أمام صورة الواقع. ثم يحكى أن فأرا بالشقة ، ليعود مؤكدا أنه لايوجد فأر بالشقة، وأنه اشترى سما للفأر، ثم يعود ويؤكد أنه ما اشترى سما للفأر{لم يعد هناك جدوى من الهرب، فانا لم أشتر سما للفأر، ليس لذلك علاقة بالرأفة. الناس تقتل الفأر على مدار التاريخ بضمير نزيه يرقى لمرتبة إيمانية رفيعة، هناك اتفاق موغل فى القدم حول أن لا بأس  بقتل الفأر. لا، لا، بل اتفاق حول أهمية قتل الفأر، لا أدرى ما إذا كان ذلك اتفاقا أم تحبيذا}، وكأنها دعوة لتأمل ما فيهما من رمز، يدعونا للنظر فيما حولنا، لننفذ منها إلى صورة الواقع المعيش.

وإذا كانت أربعة من الكتب، قد حملت خطابها إلى القارئ، عبر إثارة العقل ودفعه للتفكير والتدبر، وخلقت فى القارئ ذلك القلق والتشتت، الذى إلى جانب كشف صورة السارد – رمز اليسار-، فهى أجبرت القارئ على البحث لفك الشفرات، فقد جاء الكتاب الخامس أشبه بالمحطة الأخيرة، محطة الوصول. فجاءت مقدمته بما يفيد التحرك (الجسدى)، بما يعنى بداية البحث عن الحقيقة، والتى تكشف ما آل إليه الحال، نتيجة ما كان. فتبدأ المقدمة {وصل فى الثامنة صباحا إلى المدينة.}، ونلتفت إلى كوننا لازلنا فى بداية اليوم (الثامنة صباحا) أو بداية الرحلة.  وتنتهى {كانت مقبرة أمى فى مكانها، تطل على مقام سيدى الكردى. وحيدة تحمل اسم والدى، دون إشارة لصاحبتها، بدت صغيرة الحجم، تليق بأنثى لم تكن أبدا من هذه المدينة}. وكأن الكاتب يحتفظ للأم ، بأنوثتها، بما تعنيه الأنوثة من رقة، وانفصالها عن الواقع الآنىّ، وكأنها (المثال) أو الإنموذج، القابع فى الخلفية، بينما الوالد، رغم وجود اسمه، إلا أنه غير موجود، بل وضاعت معالمه، مع ما ضاع من معالم تلك المدينة التى استعرض حياتها فى رحلته، والتى عدد الكثير منها فى فصول (إن صح) - تسمية أقسامها فصولا- بالأرقام على غير باقى كتب الرواية، والتى منها ما يؤكد غياب الوالد، أو غياب المصدر، أو المسئول عن الفعلة، أو الذنب، فى قصة تلك المرأة، راكبة المترو، والتى صرخت بعد أن خلا المترو من الركاب فى دار السلام {فجأة، صرخة نسوية من امرأة ثلاثينية، تحمل كيسا ممتلئا بالخضراوات، كانت ملابسها ملطخة بسائل أبيض لزج، كانت الصرخة إنكارا لأى صلة لها بهذا السائل المنوى، للعلاقة العابرة فى الزحمة بين مجهولين، إنكار موجه لمن بقى فى عربة المترو، كهيئة قضائية اجتمعت بمصادفة بحتة}ص115.  وكأن الأم هى تلك المرأة التى تُنكر لمشاهدى العصر الحالى، ما حدث من تشوه، كذلك الذى استعرضه الكاتب- بالأرقام- عبر رحلته، وكأنها رحلة التاريخ، مثل: بناء السجون، والتعذيب وممارسات الشرطة، مثلما فى حكاية "سنُّو" وما حدث له، و حكاية "سيدى القناديلى" التى تكشف إلى جانب استسلام ناس المدينة للغيبيات، والاعتماد على الموروث، فهى أيضا تكشف عن ما حدث على الأرض، حيث { انكشف السر، أزيلت البيوت، واقتلعت الذرة من أرض سيد قريش، ورُحِّل الغجر إلى جوار المقابر، وجاءت الجرافات لا لبناء مستشفى كما أشيع بل لبناء سجن، وصارت الأرض جرداء خالية، وحده مقام سيدى القناديلى بقبته الخضراء يقف وسط الأرض الترابية، بعرض إمتداد الشارع العريض}ص52. كما تكشف الرحلة عن تفشى الفتاوى الشرعية. إلى جانب كشفها عن وجهة السارد، الباحث عن المدينة الفاضلة، فى ظل وجود (الفئران)، والتى لم ينحج أى سم فى التخلص منها، أو تقبل أفعالها، أو التعايش معها، فكان الانهيار حتمى، الذى معه نعود إلى مقتطف السارد – فى البداية – من كتاب "الخروج إلى النهار- كتاب الموتى – لتدفعنا كلمة الكاتب "بتصرف" وما يعنى أنه عصرنها، فتتوجه بنا الرؤية إلى حياتنا الحاضرة، المجتمعية، والتى تستخدم ذلك المقتطف {ولكى تكون راضيا جئت إليك كاشفا رأسى}، تلك المقولة التى يستخدمها البسطاء من النساء عندما يشعرن بالظلم، فينظرن إلى السماء بكشف الرأس والدعاء إلى الله، لإنزال عدله، أو عقابه على الظالم، وكأن السارد (الرمز اليساري) بلغ به اليأس مداه، من العودة للحياة التي كانت، فتكتمل الدائرة، وتكتمل (الحبكة) التى سعى السارد، والكاتب، إليها، فصنعا معا بصمة على تاريخ مصر، وصنعا معا بصمة مميزة فى مسيرة الرواية العربية.

 

 

[1]  - أحمد زغلول الشيطى – صخرة هليوبولس – دار العين – ط1 2019.

2. تمثل رومانيا مفارقة شديدة الغرابة والتعقيد بالنظر إلى حالات سقوط السلطوية والتحول الديمقراطي، فعلى الرغم من أن سقوط تشاوتشيسكو حدث على وقع ثورة شعبية عارمة، بل إن الثورة الرومانية كانت الأعنف بين كافة الهبات والانتفاضات في الكتلة الشرقية آنذاك حيث بلغ عدد ضحايا ما يناهز الألف، إلا أن النظام القديم الممثل في كوادر الحزب الشيوعي الروماني تمكن من إعادة إنتاج مصالحه ومركز قواه بشخوصه القديمة من الصف الثاني والثالث في ظل لعبة تبدو أكثر ديمقراطية من الناحية الإجرائية، وبعد مضي عقدين من سقوط الديكتاتورية تبدو رومانيا في تفاصيل نظامها السياسي أقرب إلى بلاد الكتلة الشرقية التي لم تشهد ثورة على الإطلاق في نهاية الثمانينيات كحال بلغاريا وألبانيا، والتي نجح فيها الصف الثاني أو الثالث من النخبة القديمة في الاحتفاظ بمواقعهم في الدولة في ظل نظام يقوم على الانتخابات الحرة والتعددية الحزبية.} ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.