القارئ الجيد هو تلك الأسطورة التي لا وظيفة لها سوى ضرب القراءات التي تغاير قراءته، يعني، وببساطة، مختلف القراءات. إنه الأسطورة التي تسن قانون للقراءة. قانون لا يمكن سوى الإعراض عنه، وهذا، لأن القراءة هي من صلب هذا الإعراض.

من أجل قراءات سيئة

روجـيه عـوطـة

 

يغش عنوان كتاب مكسيم دوكوو "مديح القارئ السيئ" (دار مينوي)، بحيث أنه يبدو مقسّماً القراء بين سيئين وجيدين سلفاً، لكنه، وعلى عكس ذلك، من مقدمته إلى خاتمته، أشبه بدحض متواصل للقارئ الجيد، أو بالأحرى لأسطورته. وهذا، عبر محاولة تحديد سِمات مقلبها النقيض، أي القارئ السيئ، ليكون، وفي نهاية المطاف، هو كل قارئ.

فلا شيء اسمه القارئ الجيد، يقول دوكوو، وهو إن قمنا برسمه، يحضر كمن لا يتفاعل مع النص، لا يقبله ولا يرفضه، إنما يقرأه فقط، فتكون قراءته مبرمجة على أساسه حتى يفهمه ويشرحه بطريقة فاترة للغاية. ومع أن هذا القارئ، وبحسب تخيّله هكذا على الأقل، لا أثر له، فهو يشكل نموذجاً طاغياً، بحيث أنه غالباً ما يُرفع فوق الذين يمارسون فعله، أي القراء، بحضهم على أن يكونوه. بالتالي، يسعون الى أن تكون قراءتهم كقراءته من أجل أن تغدو هي القراءة، وعلى هذا النحو، يطيح كل قارئ منهم قراءته الخاصة به. من هنا، القارئ الجيد هو تلك الأسطورة التي لا وظيفة لها سوى ضرب القراءات التي تغاير قراءته، يعني، وببساطة، مختلف القراءات. إنه الأسطورة التي تسن قانون للقراءة. قانون لا يمكن سوى الإعراض عنه، وهذا، لأن القراءة هي من صلب هذا الإعراض. لكن، ماذا عن القارئ السيء؟

ربما صار من الواضح أن ليس هناك قارئ سيء بعينه، بل قراء سيئون، وهم كذلك لأنهم يقرأون على طرقهم التي تتعامل مع النصوص، لا بفتور، إنما بحرارة متفاوتة. في هذه الجهة، يأخذ دوكوو على عاتقه تقديم بعض من هؤلاء القراء السيئون. فيعود الى نهايات القرن الثامن العشر، يوم وقع قارئ على كتاب "آلام الشاب فرتر"، فتماهى مع بطله الى درجة انتحاره. من بعده، حذا كثيرون حذوه، كما لو أن كتاب غوته قد صار فيروساً يصيب كل الشبيبة الأوروبية آنذاك، دافعاً إياهم الى الموت. في النتيجة، ولدت قراءة معينة، وهي القراءة-التماهي مع النص، مع شخصياته. لكن هذا لا يعني أنها وُلدت من عدم، بل كانت حاضرة قبل اللحظة الفرترية، إذا صح التعبير، وتحديداً في وقت رواية دون كيشوت لسرفانتس. ففي اثرها، ولد قارئ يتماهى مع بطلها، لكن في مستوى التخيل ليس أكثر، وهذا، قبل أن تنتقل إلى مستوى العيش، والى أقصاه.

لكن بعد هذه القراءة، ولدت قراءة مختلفة: في "البحث عن زمن مفقود" لبروست، ثمة البارون شارلو الذي يقرأ نصاً لألفرد دو موسيه عن حبيبته، فيهمهم ويبكي، كما لو أنه يقرأ عن حبيبته هو. يكتب بروست: "كل قارئ، وفي حين قراءته، هو قارئ ذاته". بالتالي، ومن وضع البارون، ولدت قراءة معينة، وهي القراءة التي تستند الى كون ممارسها لا يتماهى مع النص، لكنه يقرأ ذاته عبره، ولكي يفعل ذلك، لا مناص له من تغييره. بالطبع، لائحة القراءات السيئة تطول، وعلى رأسها، القراءة التي، وما أن تتفاعل مع نص، حتى تكتشف فيه نصاً ثانياً ما هو سوى ما يطلق عليه ميشال شارلي اسم النص الشبحي. على هذا المنوال، ممارس هذه القراءة يبدو كأنه يستحضر شبحاً نصياً من النص. واستحضاره هنا هو بمشاعره وافكاره وانفعالاته، التي يرميها على النص، مثلما أن النص يرميها عليه أيضاً.

كل هذه القراءات، التي يقدمها دوكوو بطريقة لذيذة، كانت قد طردتها أسطورة القارئ الجيد، التي حاولت، وفي كل مرة، تقديمها كأنها لا تمت للقراءة بصِلة، لا سيما عبر منع الكتب التي تحمل اليها، تماماً، كما حصل مع "آلام الشاب فرتر". بالطبع، هذه الأسطورة، ولكي تطرد كل هذه القراءات، كانت تستند الى الكنيسة أولاً، التي تكافح الهرطقات. كما استندت إلى المجتمع الذي يجد في القراءة مجرد آفة تعزل ممارسها عنه، وتفسده. وبالإضافة إلى هذا، تستند إلى الخطاب الطبي والفيزيولوجي الذي يقلب الآفة إلى علة، فيكتب الطبيب الشهير تيسو عن تطابق القراءة مع الاستمناء على أساس أنهما بمثابة مرض بعوارض متشابهة، وفي مقدمتها اضطرابات في المخ، وفي الأعصاب، وفي المعدة. أما، وحين يكون ممارسها رجلاً، فتحمل القراءة إلى تأنيثه. فعلى أساس كل هذه المساند، كانت القراءة الجيدة تجد سبلها من أجل محاربة القراءات السيئة، لكنها في كل مرة، كانت تخفق، لا سيما أن أي نص، وأينما حل، يحل معه قارئه فيكون سيئاً بالضرورة لأنه يقرأه.

 

من موقع المدن