يروي المؤلف قصة كيف أصبح الألتراس أحد أكثر ثقافات الشباب اكتظاظاً بالأفراد. ويشرح كيف أصبحت هذه الثقافة الفرعية معنية بأكثر من مجرد لعبة كرة قدم. وقد تبين للكاتب أن هذه الثقافة سياسية حتى العظم رغم ادعاء الألتراس بالعكس.

نظرة إلى الألتراس... أبعد من الرياضة

زياد منى

 

لا شك في أنّ ما يميز لعبة كرة القدم عن غيرها من الأنشطة الرياضية أنها الأكثر شعبية عالمياً. يقدّر عدد متابعي المباريات بالملايين، ويصل عددهم إلى أكثر من مليار عندما يتعلق الأمر بمباريات دولية. ولا شك كذلك في أن مشاهدي هذه المباريات يلاحظون سحب الدخان في بعض أجزاء مدارج الملاعب الناتجة عن إشعال الألعاب النارية وكذلك الهتافات المتواصلة لهذا الفريق أو ذاك.

في كتابه «وَن ثري وَن تو: بين الألتراس، رحلة مع أكثر المشجعين تطرفاً» (ينغوين 2020)، يقول الكاتب جيمس مونتاغ وهو صحافي إنكليزي حائز العديد من الجوائز التكريمية: ماذا ترى عندما تشاهد مباراة كرة قدم؟ هل ترى دراما جماعية تؤدَّى أمامك؟ هل ترى لاعبين يُظهرون مهارات فردية؟ هل ترى لعبة شطرنج من الأرقام والتكتيكات والأنماط؟ تنقّل الكاتب في 25 دولة بحثاً عن إجابات ووصل إلى الاستنتاجات الآتية: لا إجابة صحيحة أو خاطئة، لكن هناك ملايين الأشخاص حول العالم يرون اللعبة بطريقة مختلفة تماماً. ففي المدرجات وخلف شباك المرامي، هناك طريقة الألتراس الذين يمارسون مفاهيم مختلفة لكرة القدم، وهي ثقافة فرعية حددت إلى حدّ كبير كيف بدت اللعبة هذه عندهم وشعروا بها منذ منتصف القرن العشرين. مع ذلك، فنحن لا نعرف شيئاً تقريباً عن هذه المجموعات من مشجعي كرة القدم الذين يملأون الملاعب بالدخان.
إنها ثقافة طورت قواعدها ومعاييرها. مجموعات عاشت خارج القانون أو على الأقل في احتكاك دائم معه، وتتواصل من خلال العروض العامة: لافتات ضخمة ورسائل مصممة بألوان زاهية وتصريحات سياسية ودخان وإشادة وشجب ومشاعل وعنف ونصب تذكارية. إنها ثقافة مناهضة للاستبداد ولديها عدم ثقة فادح في الشرطة ووسائل الإعلام. كما إنها طورت شبكة دولية من الصداقات والأعداء، وقواعد الشرف الخاصة بها وشعوراً عميقاً بالتضامن.
يروي المؤلف قصة كيف أصبح الألتراس أحد أكثر ثقافات الشباب اكتظاظاً بالأفراد. ويشرح كيف أصبحت هذه الثقافة الفرعية معنية بأكثر من مجرد لعبة كرة قدم. وقد تبين للكاتب أن هذه الثقافة سياسية حتى العظم رغم ادعاء الألتراس بالعكس. ويضيف أنّ بعض الحكومات، وحتى الجريمة المنظمة، تمكنت من احتواء الألتراس في بعض البلدان، علماً بأن بعضهم من الفاشيين الجدد، لكن ثمة يسار متطرف أيضاً.
يقول الكاتب إنه اختار 1312 عنواناً للمؤلف بعد متابعة ثقافة مشجعي كرة القدم في أنحاء العالم على مدار العقد الماضي، من الدار البيضاء إلى سراييفو وكراكوف، ورؤية هذا الرقم منقوشاً على جدران ملاعب كرة القدم. اكتشف أنه رمز رقمي أبجدي يتوافق مع ACAB، اختصاراً لشتيمة All Cops Are Bastards أو «أفراد الشرطة جميعاً أولاد بغي».

واجهوا الأنظمة الاستبدادية ولعبوا دوراً في الاحتجاجات في مصر
وبينما يتم توثيق تفاصيل كل لحظة على أرض الملعب على نحو مهووس، وكذلك حياة اللاعبين الذين يفترض أن يكونوا النجوم البارزين في هذا المنتج الترفيهي العالمي، وكذلك تصرفات المُلّاك والمدربين والمديرين والإداريين التي توضع تحت المجهر، لكن المشجعين؟ والألتراس؟ يظلون إلى حد كبير لغزاً حيث يتم انتقادهم على أنهم الآخرون المخيفون من ناحية، بينما يعملون هم على إخفاء هويتهم التي حصلوا عليها بشق الأنفس، في رياضة حيث نعرف كل شيء عن الجميع، لكنّ الأخيرين بقوا لغزاً مخفياً، لكن على مرأى من الجميع!
يكتب جيمس مونتاغ أن كل متطرف له نفس «قصة الأصول، والذكريات ذاتها. لقد نظروا إلى أرضية الملعب، لكنهم انجذبوا إلى ضجيج الجماهير خلف شبكات المرمى. لم يرغبوا فقط في مشاهدة مباراة كرة قدم، بل أن يشعروا بها أيضا"
الكاتب لا يبتعد أبداً عن أحلك جوانب هذه الثقافة الفرعية فيقول: في بوكا جونيورز في الأرجنتين، يُزعم أن طاقم Doce يكسب 3 ملايين دولار شهرياً، لكن المخاطر كبيرة لدرجة أن العديد من الألتراس قُتلوا على مدى عقود. يأتي جزء كبير من هذه الأموال ليس فقط من تجارة التذاكر والمخدرات، ولكن من التعاقد معهم كجنود في مختلف الميادين للقيام بالأعمال القذرة للسياسيين والنقابات وعصابات ترويج المخدرات. وأحد المتطرفين في البرازيل يقول: السياسيون والقضاة وكبار ضباط الشرطة يرفضونني من ناحية، لكن من الناحية الأخرى يريدون التحدث إليك، والاقتراب منك، وترتيب شيء ما معك. فغالباً ما يكون الألتراس مثل المرتزقة، بلطجية مستأجرين. فرغم استقلالهم المعلن عن السلطة، كانوا أحياناً بيادق في قصاصات جيوسياسية؛ على سبيل المثال، أكثر من نصف مقاتلي اليمين المتطرف الأوكراني ساعدوا القوات الحكومية في محاربة روسيا.
لكن في الوقت الذي أصبح فيه المرء يشعر بالضيق من هذه الثقافة، يقدم المؤلف أمثلة على أن الألتراس يتجهون إلى مواجهة الأنظمة الاستبدادية حيث كان لهم دور فعال في الاحتجاجات في ساحات التحرير والميدان في مصر. لقد كانوا في كثير من الأحيان على خط المواجهة للعصيان المدني في تركيا والبرازيل والسويد وألمانيا. إنهم يشعرون بالإحباط من إضفاء الطابع التجاري على العالم الحديث، وغالباً ما يكافحون، حرفياً، ضد الفساد، ويبدو الأمر كما لو أنهم هم فقط من يمكنهم منح كرة القدم العمق الميتافيزيقي الذي تطمح إليه. يصف مونتاغ احتجاجاً صامتاً في أحد الملاعب بأنه «يستحوذ على أهمية أكبر بما لا يُقارن بما كان يحدث على أرض الملعب».
بحث الكاتب عن الألتراس في دول مختلفة ضمن فصول رئيسة هي: الولايات المتحدة وتركيا وإندونيسيا والأورغواي والأرجنتين والبرازيل وإيطاليا وصربيا واليونان ومقدونيا وألبانيا وكوسوفو وأوكرانيا وألمانيا والسويد، لكنه يستعرض أدوار الألتراس في دول أخرى منها مصر والمغرب وتونس والجزائر.

ملحق كلمات