يرى الناقد المصري أن رحلة طويلة عبر الزمان والمكان صنعت رواية متعددة المداخل. تُثير الكثير من الرؤى، لتعدد الأزمنة والأمكنة، والثقافات ومستويات التناول، ولمدخلها وهو بناء رواية على رواية، ولاختيار شخص أثار ولازال يثير الكثير من الحوار حول شخصيته الثرية، والمشحونة بالتناقضات – يوسف إدريس.

الزوجة المكسيكية «البيضاء» .. بين يوسف إدريس وإيمان يحيى

شوقي عبدالحميد يحيى

 

ولا زالت الرواية فنا مراوغا، فلا زالت عصية على التعريف والتحديد الجامع المانع. كما لا يزال الإبداع يثير أكثر من رؤية. فبينما لازال البعض ينظر له كعملية قائمة بذاتها، منفصلة عن ما سواها، فهناك آخرون – وأنا منهم- يرى استحالة الفصل بين الإبداع والمبدع، بكل ظروفه الاجتماعية والاقتصادية والنفسية. كما دخلت رواية القصة المُحْكَمة الحبكة، الساعية لعملية الاستنامة، إلى كلاسيكيات الفن الروائي، فأصبحت الرواية اليوم تعتمد على المعلوماتية، ووجهة النظر، والتفاعل المباشر مع الواقع المعيش، والواقع التاريخى. واصبح الروائي مؤرخا ، يُرجع إليه لمعايشة الأحداث المجتمعية، فى الفترة المعاشة –قصصيا- وفترة الكتابة واقعيا.

وتأتى الرواية الثانية فى مسيرة الروائي إيمان يحيى "الزوجة المكسيكية"[i] الحائزة على جائزة ساويرس لرواية الكبار (2021) خير نموذج لذلك. حيث تحدد رؤية الكاتب واتجاهه فى أسباب اختياره لرواية "البيضاء"[ii] ليوسف إدريس، والتي ذكر في مقدمتها {حيرتنى هذه القصة. كتبتها فى صيف عام 1955. ونشرت بعضها تباعا فى جريدة الجمهورية عام 1960}.ثم يُضيف إدريس {فإذا كان بطلها هو (يحيى) إلا أنها وثيقة حية لفترة خطيرة من فترات الحياة في بلادنا، فترة لا أعتقد أن أحدا تناولها. وإذا كانت تقليدية الشكل والطريقة، فالشكل مهما كان لا يتعدى دوره كشكل، والحقيقة تبقى حقيقة  رغم أية طريقة تُروى بها}. حيث يُستشف من تلك الكلمات، اولا: إيمان إدريس بالمضمون، ووضعه فى المقدمة، على عكس ما رأى البعض من التركيز على الوسيلة الموصلة للمضمون، فيأتى المضمون فى المرحلة التالية. وثانيا: إرتباط العمل الأدبي بتلك الظروف التى أشرنا إليها، فيعتبر أن العمل الأدبى يصل لمرحلة (الوثيقة) التاريخية، التى تكشف المخبوء وراء السطور، فى العمل الأدبى.

خاصة أن (البيضاء) تتناول جزءً من الحياة الشخصية ليوسف إدريس، ممزوجة، أو معبرة عن فترة مجتمعية، تم تعميتها فى كتب التاريخ، الذى سيطر عليها أصحاب السلطة فى تلك الحقبة، فيأتى دور الرواية – تحديدا- للكشف  عن تلك الخبايا. ومن هنا جاء بناء رواية إيمان يحيى "الزوجة المكسيكية" ، معتمدا على "البيضاء"، شكلا ومضمونا، وإن فى صورة حديثة للرواية المعاصرة. فيحدد إيمان يحيي رؤيته لقراءة "البيضاء" {من المستحيل أن ننظر إلى العمل الأدبى دون سياقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حتى الروايات الرومانسية، لا تتمرد على قيود الحياة، قد يتراءى لنا أن مؤلفيها أقاموا حواجز عازلة تحافظ على أجوائها المعقمة. لكن إذا تأملناها بعمق، وجدنا كل السياقات التى ذكرتها تتسرب إليها عبر مسامات العمل الفنى، وتظهر بدرجة أو أخرى بين سطورها، يبدو عام 1954، وأحداثه، مفتاحا لفهم "البيضاء" .... يعتمد بعض النقاد بالأساس على تاريخ النشر، ويربطونه بحملة الهجوم والقبض على الشيوعيين فى ليلة رأس السنة عام 1959. يتهمومنه بأنه أراد أن يغسل يديه من ماضيه اليسارى الفاقع. بحث عن الأمان الذى ينشده ككاتب} ص 144 ، 145. ثم يؤكد الكاتب أن هذا التصور غير مُستبعد عن شخصية "يحيى" أو يوسف إدريس، وهو ما يؤكده يوسف إدريس نفسه، بأنه هو نفسه "يحيى"، وما يؤكده إيمان يحيي فى روايته، حيث رسم شخصية يوسف إدريس بواقعية، وموضوعية فى مكان آخر من الرواية حيث يصف شخصية "يحيى مصطفى طه" (الكاتب الطاووس – ابن الفلاحة ذات الأصول التركية – والاب نصف فلاح متعلم من أصول سودانية – خليط التضاد أنجب عبقرية استثنائية – صاحب رواية "البيضاء" تزوج بشيوعية مكسيكية عام 1957). وحيث دراسة شخصية يوسف إدريس، من صلب رؤية إيمان يحيى الذى كتب "الزوجة المكسيكية"، كرسالة حب ليوسف إدريس، كما أشار فى أحد لقاءاته الصحفية. كما أن إختيار يوسف إدريس لدراسة الفترة المطروقة فى العمل، يعتبر جزء أساسى فى رؤية تلك الفترة. فكما أشار فى مقتطف سابق {يتهمومنه بأنه أراد أن يغسل يديه من ماضيه اليسارى الفاقع}. ورغم أن الفترة المشار إليها (1953 ، 1954) هى فترة يسارية بامتياز، الأمر الذى كان المتصور أن يصبح اليسارى الفاقع، شخصية مقربة من النظام، إلا أن ما تعرض له يوسف إدريس فيها، كان مناقضا لذلك، وهو ما وضحته الرواية من أن حركة الضباط تأكل أبناءها، فكان شخص يوسف، ممثلا للفترة التى عبر عنها يوسف نفسه فى روايته، وباتت معلما من معالم رواية "الزوجة المكسيكية"، حيث تشير الرواية إلى { حين غرة، أشعر بأن موقف تنظيمنا وأنصار السلام من حركة 23 يوليو كان خاطئا. هاهى الديكتاتورية العسكرية تكشف عن وجهها شيئا فشيئا. كيف لم ألحظ أن حركة الجيش قد بدأت تأكل حلفاءها قبل أعدائها؟! تذكرت وجه دييجو والد رُوث، وهو يسألنى فى بهو الفندق الذى نزلنا به فى براغ: هل أنت متأكد أنكم غير متجهين إلى الديكتاتورية؟!

  • لست متأكدا من أى شئ. مجلس قيادة الحركة يعطى إشارات سياسية متباينة ومتناقضة}ص117.

تتناول رواية "البيضاء ليوسف إدريس، تعرفه "يحيى" على "سانتى" ابنة الجدارى الشهير "دييجو ريفيرا" صاحب الميول اليسارية المتطرفة، ثم سافر "يحيى" إلى فيينا لحضور مؤتمر أنصار السلام، والذى مثل فيه كل أبعاد اليسار مثل بابلو نيرودا وجان بول سارتر و دييجو رفييرا،  ومن مصر  لطفي الخولي، وسعد كامل، ويوسف حلمي، وإنجي أفلاطون وسيزا نبراوي وعبد الرحمن الخميسي، ليلتقى ب"سانتى" وتتوثق علاقتهما، ويتم الزواج. ويطلب "دييجو من يحيى أن يقيما فى معه دون العودة للقاهرة، غير أنه يرفض ويصر على العودة بسانتى إلى مصر. غير أن إختلاف الثقافة بينهما. حيث ظهرت الغيرة الشرقية على يحيى، فى الوقت الذى اختنقت "سانتى" بهذه الغيرة("لست ضعيفة أقبل منك ما تقبله نساؤكم الشرقيات من الرجال"{ {"ولم يغادرني الفلاح القروي الذي يعيش تحت جلدي، أكتشف تدريجيًا الفرق بيننا وبينهم.."). ويكشف البارودى فى الزوجة المكسيكية " هذه الخاصية فيه {لم أرَ أحدا يعشق موهبته، مثلما تعشقها أنت. أنت تفكر دائما فيما يشغلك ... بالطبع لم تجد زوجتك مكانا لها فى تفكيرك} ص189.

غير أن السبب الأهم، هو أن "سانتى" كانت تحب الانطلاق، بينما كان يحيى يطلب الهدوء والتفرغ للكتابة، من جانب، ومن جانب آخر، كان يحيى، يسعى للعودة إلى ظل الدولة، بعد تجربة السجن الذى عانى فيه كثيرا.  

وكانت سانتى زعيمة فى حركة التضامن مع القضايا العربية. { قدمنى يحيى إليهم (أصدقاؤه) بصفتى إيطالية، أكد أن مكسيكيتى، واسم أبى الشيوعي الشهير، سيسببان المشاكل لحياتنا}(ص156- الزوجة المكسيكية) ثم يلقى البارودى مزيدا من قلق يحيى وتخوفه من روث {أنت تقدمها للآخرين على أنها إيطالية، ولكن هل تعتقد أن المباحث العامة لا تعرف  أنها شيوعية مكسيكية، ابنة لأحد زعماء حركة السلام على مستوى العالم؟} ص169. وهكذا كان الفراق حتمى بين يحىى وسانتى، دون حتى أن يُكملا العام.

التقنية الروائية

       إذا كان ما سُمى بالرواية التاريخية، قد جذب انتباه الكثيرين من كتاب الرواية ، فى فترة زمنية، قد ترجع بصفة خاصة إلى كتاب الستينيات، عندما شعروا بانهيار حلمهم، بغياب الكثير من تلك المبادئ التى أعلنها رجال حركة الجيش فى يوليو 1952، خاصة غياب الديمقراطية، والتى تعنى فى مضمونها غياب الحرية، وهو ما عبر عنها أحد المنتمين للتيار اليسارى فى بدايات تلك الفترة، وهو أحمد عباس صالح، الذى يقول { بعد الثورة مباشرة. وكان يوجد فى كل صحيفة أداة اتصال جماهيرى "رقيب" رسمى تأتيه كل الموضوعات فيجرى قلمه بالحذف الذى يراه دون أن يجرؤ أحد على تحديه، لأن ذلك يعنى المساءلة الجنائية}[iii].وهو ما كان أحد أسباب ظهور الرمز فى الكتابة الإبداعية عامة، إلى جانب استعادة التاريخ فى الرواية خاصة، كنوع من الهروب من الرقيب. إلا أن إيمان يحيى، فى روايته يعود إلى التاريخ – أيضا- ولكن بصورة جديدة، حيث يبدو كما لو أنه أحضر رواية من فترة خمسينيات القرن العشرين، ليسقط عليها بدايات العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين. وكأنه ليس فقط يعيد صياغة الرواية، وإنما يعيد أيضا صياغة التاريخ، وكأن تشابها ما بين هذا وذاك. فقد استعار ذات الأسماء ك"يحيى"، واستبدل اسم "روث" أو "سانتى"ب"سامنثا"، على سبيل المثال. وبدأت الفصول كلها – عدا فصل واحد- بمقتطف نصى من رواية "البيضاء" وكأنه يذكرنا، أو يوحى لنا بأن "الزوجة المكسيكية"  تعيش أجواء بدايات الصراع ، والتغيير العنيف فى المجتمع المصرى، عندما قام الجيش بحركته (المباركة) فى بدايات الخمسينيات. حيث مثلت الفترة الانتقال العنيف من الملكية الليبرالية، إلى الجمهورية الاشتراكية، ثم سرعان ما قامت الصراعات بين من قاموا بها، حيث انقسموا إلى جبهتين، مُثُّل الأولى محمد نجيب الداعى لعودة الجيش إلى ثكناته، كما يمثل صوت الخبرة والحكمة، وجبهة الشباب التى استطاعت التخلص من الجبهة الأولى ، ومن كل من اختلف معها، حتى من أبنائها. والتى رأى فيها إيمان يحيى شبها بما حدث مع وخلال وبعد ثورة 25 يناير، بشكل أو آخر، فكان الربط الزماني.

كما كان الربط المكانى. حيث كانت المواجهة فى "البيضاء" بين "يحيى" و "سانتى" التى قدمت نفسها على أنها يونانية، كما أن بدايات العلاقة بينهما، هى محل النظر، حيث يروى يحيى- فى البيضاء- {وتحدثنا فى العمل، قالت لى أنها هى اليونانية... وأنها سمعت عنا من تنظيمها الذى يحارب فى قبرص وتريد أن تفعل شيئا لنصرة القضية التى نحارب من أجلها، والتى هى شخصيا مؤمنة بعدالتها، ولم تجد أنسب من أن تضع نفسها فى خدمة المجلة}ص11. وينضاف ذلك إلى إنكار اسمها. فبعد عديد المحاولات منه. منحت نفسها أمامه اسم "سانتى" ولما سألها عن معنى الإسم أجابت { صعب ترجمته.. ولكنه شئ يعنى الفتاة ذات اللون الأبيض، أو الفتاة الشقراء، أو على وجه الدقة الفاتحة.  قلت وأنا استرد نظراتى: يعنى البيضاء؟

  • شئ كهذا}ص25.  فالجنسية غير حقيقية إذن. والآسم غير حقيقى كذلك. الأمر الذي يدعو  إلى الريبة والتشكك.

وهو نفس الإحساس الذى تخوف منه " يحيى" فى(الزوجة المكسيكية) أمام تصرفات "سامنثا" الأمريكية والتى هى  ثمرة زواج أم نصف مصرية (مسلمة) وأب من أصول مكسيكية.  تلميذة السارد بالجامعة الأمريكية، جدتها خديجة المعيرجى. مصرية هاجرت إلى أمريكا ابنة حى السيدة زينب). فكثيرا ما حاولت التخفى وراء الملابس المصرية (كالملاية اللف). وغيابها المتكرر، ومساندت جماعة كفاية، أمام مسجد السيدة زينب. وهو أيضا الأمر الذى دعى الكاتب، ويدعو القارئ للتشكك فى حقيقة أمرها، وفى نيتها، خاصة أنها صرفت النظر تماما عن موضوع بحثها التى زعمت أنها جاءت من أجله، لإعداد رسالة ماجستير، اختار لها أستاذها "سامى جميل" رواية البيضاء كموضوع للبحث. وهو ما يستدعى ما اثير فى بدايات ثورة 25 يناير 2011. من وجود مصريين تدربوا فى أمريكا على إثارة البلاد، وتدريبهم على الثورة. وما يؤيده قول يحيى لروث {روث .. ارى أمامى شبح الدكتاتورية يقترب حثيثا ليخيم على مصر. شبحا بلكنة أمريكية أيضا}ص163.  وهنا نرى التشابه والترابط بين العملين. حيث تخرج "سانتى" فى جولات خاصة وتتعرف على العديد من مظاهر الحياة فى مصر، حتى بائع العرقسوس، ووصف تفاصيل دورقه النحاسى الطويل. وفى "الزوجة المكسيكية" يتعرف الدكتور "سامى جميل" على أسباب إختيار تلميذته الأمريكية "سامنثا" للأدب العربى، فيكتشف أنها جاءت  للبحث عن الجذور {جاءت إلى القاهرة مدفوعة بحكايات الجدة عنها، لعله سؤال الهوية ..... سامنثا اختارت دراسة الأدب العربى بتأثير جدتها المصرية وحكاياتها عن حى السيدة زينب، رغم أن خديجة هجرت أهلها و"السيدة"، ومصر كلها. لم ترجع "خديجة المعايرجى" قط لتزور القاهرة منذ استيطانها فلوريدا، وها هى حفيدتها تمتلك الشجاعة لتطرق أبواب حى السيدة زينب، وتصعد السلالم الحجرية لقلعة الكبش، وتسأل عن جذورها}. أى أنها جاءت، لسترد بعض هويتها – رغم أمريكيتها- .

وهنا يماهى إيمان يحيى بين الموقفين، بالتماهى بين كل من "سانتى" فى البيضاء، وسامنثا فى الزوجة المكسيكية، حيث يصف موقفا فى بداية الرواية تحت مسمى "عتبة" يصف فيها القوات تقتلع – أيا منهما، لاندرى- قبل الفجر- من بيتها وتذهب بها إلى المطار، للترحيل {هيا، لم يبق على طائرتك سوى ساعة واحدة، حان وقت الرحيل}. خاصة أن ظروف رحيل "سانتى" غير واضح المعالم، فى ذهن "يحيى"، وكذلك رحيل "سامنثا". وحيث يكشف "يحيى فى "الزوجة المكسيكية" رؤية تجذرت فى الفكر المصرى منذ حركة الضباط فى 52، وهى نظرية المؤامرة، وكأن العالم كله يتآمر على مصر، كعملية تبربر للإنغلاق على الذات- على الرغم من الدور التنويرى الكبير لتلك الاتصالات فى بدايات القرن العشرين-. فيتساءل الدكتور "سامى جميل" {خرجت "سامنثا من مكتبى، وتركتنى فريسة لهواجسى. هل ضمت مصر جالية مكسيكية قبل ثورة 1952؟! بالطبع لا، كان هناك إنجليز وفرنسيون وإيطاليون ويونانيون وأرمن وبلجيك وروس، ولكن من المستحيل وجود مكسيكيين!}ص18. فمن المعروف أن كل تلك الجنسيات كانت تعيش وسط المصريين، ويتعايشون معهم. وكثيرون أقاموا مشروعات ناجحة، اعتمد عليها المصريون كثيرا، ورفض الكثيرون منهم مغادرة مصر بعد 1952، معتبرين أنفسهم مصريين، فلا يعرفون غيرها. ثم جاءت الاتهامات التى طالت الكثيرين أيضا بعد 2011، على الرغم من خروج الملايين من المصرين، دون أن يعلموا شيئا عن تلك الاتصالات التى طالت البعض. وكأنها استمرار لنظرية المؤامرة. أو زرع لأجواء 1952 فى العام 2011.

ثمة خلاف، أو اختلاف بين تقنية "البيضاء" و"الزوجة المكسيكية". فبينما لعبت "سانتى" فى الأولى، دورا محوريا، وفاعلا فى حياة  "يحيى" الذى تدور من حوله الرواية، أو السيرة. فإن "سامينثا" فى الثانية، ظلت على الهامش، وكان دورها ثانويا، وغير فاعل، سوى تحريك القضية، التى لعب فيها "د سامى جميل" الدور المحورى. وهو ليس إختلافا شكليا، بقدر ما هو إختلاف يحدد رؤية كل من العملين. فتعتمد الأولى على الاستبطان، والذاتية، بينما تعتمد الثانية، على الخارجى، والمعلوماتى.

فإذا كان يوسف إدريس يعترف فى بداية "البيضاء"{إن كانت تقليدية الشكل والطريقة، فالشكل مهما كان لا يتعدى دوره كشكل، والحقيقة رغم أية طريقة تروى بها}. وهو ما يعنى أنه لم يقصد بها سوى توصيل رسالة، وتلك الرسالة هى تبرئة ذاته من الانتماء إلى الجماعة الشيوعية "حدتو" التى أعدمت السلطات منها (خميس والبقرى). وهو ما حرصت "الزوجة المكسيكية" على تأكيده، وكأنها دفاع شرعى عن نفسه، عندما لاح شبح القبض عليه من جديد {"البيضاء" يا أستاذ هى خطيئة يحيى التى ظل يحاول أن يبررها طوال عمره. أراد يحيى أن يبرئ ساحته من تهمة الشيوعية نهائيا، فنشر "البيضاء" فى صحيفة الجمهورية عقب حملة القبض الكبرى عليهم التى قام بها عبد الناصر فى 59} ص37. بينما هو بالفعل قد وعى الدرس، وخرج من المعتقل، موضحا أنه لن يعود إليه مرة أخرى  {أنا أخبرك بما أعرفه عن يحيى فى تلك السنوات، قبل أن يتخلى عن رفاقه. عندما خرج يحيى من المعتقل فى خريف 1955 أخبر صديقا مشتركا بيننا أن علاقته قد انتهت نهائيا مع الشيوعيين. لقد كان ذلك قبل نشر الرواية بأكثر من ثلاث سنوات}ص38.

 وتضمنت رسالة إدريس، الكشف عن جزء من حياته، يُشار فيها إلى اتصاله بالحركة العالمية للشيوعية، حينها، وكيف أنه ابتعد عنها. وهو ما يمكن النظر إليه على أن "البيضاء" فى النهاية أقرب إلى السيرة الذاتية. مؤيدة بإعتراف إدريس بأن "يحيى" هو إدريس نفسه، وكذلك قوله فى بداية الرواية، وكأنه السؤال الاستنكارى {لماذا نكذب على أنفسنا؟} فنحن مقبلون على عملية إعتراف. بينما يمكن تناول "الزوجة المكسيكية" على أنها "سيرة غيرية"، خاصة أنها اعتمدت على العديد من الأسماء الحقيقية مثل أحمد أبو الفتح (وجريدة المصرى}. كما إعتمدت على البحث والتوثيق، القائم على مرجع أساسى، هو "البيضاء" وحياة ويوسف إدريس نفسه.  إلا أن إيمان يحيى، كان أحرص على الشكل (الروائى)، وأقرب إلى "رواية الأصوات" والتى تمنح كل شخصية فرصتها للتعبير عن ذاتها، وعن رؤيتها للمسائل، خاصة أننا أمام ثقافات مختلفة، ورؤي للحياة مختلفة، فضلا عن زاوية رؤيا للظاهر من الموجودات والطبائع، كنظرة "سانتى" و "سامنثا" للحياة الخارجية بمصر، ونظرة "يحيى" للحياة فى الدول التى زارها بصحبة "سانتى".

وفى السيرة الغيرية، والتى يتحدث الكاتب فيها عن "الغير"، لابد أن يحمل حديثه وجهة نظر فى هذا "الغير" وغالبا ما تكون مؤيدة له. وفى "الزوجة المكسيكية"، وإن ذكر إيمان يحيى أنها رسالة حب لإدريس، فإنها أيضا تسعى لتبرير فعل يوسف إدريس الذى أراده من "البيضاء"، أو انه أراد أن يضفى على فعله المبرر المنطقى، والإنسانى، الذى كان على -العاقل- ألا يتخذ سواه. وهو ما عبر عنه، بأن يوسف، وجماعته، أو تنظيمه، كان من بين المُرحبين بحركة الجيش فى 1952، إلا انه ، ككاتب، وإنسان، يسعى لتدعيم الحرية والديقراطية، فى الوقت الذى تسير فيه الحركة إلى تأكيد الديكتاتورية. فجاء تبرير التصرف، وتبرير الرواية {عزيزتى، مثلما رايت بعينيك، كان ذلك عصرا للمكارثية والستالينية. كلاهما يمثل وجها للواقع السياسى آنذاك. واقع بداية الحرب الباردة واندلاع صراع شرس بين القوتين الأعظم فى العالم، لقد نبتت رواية "البيضاء" فى هذه الظروف} ص96. حيث نُدرك بأن الكاتب يوسف إدريس، كان يرصد المجتمع السياسى لتلك الفترة، وكإنسان، مبدع، لا يمكن أن يقف على الحياد، فكان انحيازه، وكانت رؤيته. إلا أن الكاتب الصحفى – فى جريدة المصرى – يوسف إدريس، الذى تعترض الحركة المباركة طريق معيشته، وعمله، حتمت عليه التبدل، والوقوف فى وجهها : فيقول يحيى { وضعوا السلاسل والأقفال على أبواب المصرى. وقفت مشدوها، أرى حياتى وقصصى وأصدقائى على قارعة الطريق. أُصدت كل الأبواب أمامى، فزاد حنقى على عصابة الضباط الذين أطاحوا بكل من ناضل لسنوات طويلة من أجل الثورة}ص268. 

كما تسعى "الزوجة المكسيكية" للتبرير النفسى ل"يحيى" أو يوسف إدريس، وكأن ما حدث لم يكن إلا بتأثير الماضى فى حياة الشخص. فتعرض لنا قصة "يحيى" مع أمه، التى لا يذكر أنها أخذته فى حضنها، أو تعاملت معه (كأم) فى يوم من الأيام.  لذا ظل حريصا على عدم الذهاب إلى أهله فى القرية، لتتعرف "سانتى" على أهله، رغم طلبها لذلك صراحة، ورغم أن أهل "سانتى" كانوا فاعلين فى حياتها، حيث تدخل الأب بالرأى فى عملية الزواج والمعيشة. كما أنه "يحيى" ظل حريصا أيضا على اقتصار معرفة أصدقائه بالجنسية الحقيقية ل"سانتى"، بل ظل التعارف فى أضيق الحدود بينهما والأصدقاء. وهو ما يمكن فهمه على أنه شئ يسعى "يحيى"  لإخفائه، وهو ما يعنى أن هذه العلاقة، وما تمثله من اتصال بالشيوعية، كان شيئا عارضا، ولم يكن جذريا، وهو التبرير الذى حاول توصيله لسلطة الحركة المباركة فى خمسينيات القرن العشرين. وربما يدعم هذا الرأى، عملية الربط التى بين الحالة الخاصة والحالة العامة، أو بين "سانتى" والأحداث الجارية. فنجد يحيى يعترف {موقفي من الثورة يشبه علاقتي مع روث. فرق واحد بينهما وهو أن ترحيبي بحركة الضباط لم يستمر أكثر من شهر. حادثة إضراب كفر الدوار وضعت ألف حاجز بيني وبينها}. بينما ظل على ذكرياته مع "سانتى"، حتى بعد رحيلها. ففى مقتطف من رواية "البيضاء" يجعله إيمان مفتتحا لأحد الفصول { أرهفت أذنى، ولكنى لم أسمع صوتا، غير أنى كنت متأكدا أنى سمعت الجرس يدق.. فقمت، وقبل أن أصل إلى الباب بأمتار كنت لمحت خلف زجاجه شبحا.. هى .. أقسم كانت هى.. راسها الصغير، خيالها النحيف كانا مرتسمين على زجاج الباب، حتى ابتسامتها أقسم أنى رأيت ظلها على الزجاج}. وهو ما يمكن الربط بينه وبين تلك الحركة التى آمن بها، قبل أن يحدث بها التغيير، أو التحول. وما قد يوحى بالحلم الذى ظل له مخلصا، فليس هو الذى تغير، وإنما الحركة هى التى تغيرت.

وإذا كان هناك العديد من الروايات العربية التى تحدثت عن المقارنة أو المواجهة بين الشرق والغرب، أو بين مصر و إنجلترا أو فرنسا مثلما كانت روايات النصف الأول من القرن العشرين، - مثلما فعل يحيى حقى وتوفيق الحكيم- فقد ركزت معظم هذه الروايات على الانبهار بالخارج وعرض ما به من مظاهر التقدم، مقارنة بالتخلف الذى عليه الدول العربية – حيث دخل فى ذات المسار "اللبنانى سهيل إدريس والسودانى الطيب صالح-، فإن "الزوجة المكسيكية" اتخذت اتجاها عكس ذلك، اللهم رؤية واحدة، رآها "سامى جميل" عندما ذهب للتدريس بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث يقول {رَوحَّتْ عن نفسى  الحديقة المهندسة – بالقلم والمسطرة- لحرم الجامعة الأمريكية فى وسط البلد، وأخرجتنى  أزياء الطلبة والطالبات المبهجة والأنيقة من بؤس ما رأيته فى جامعة القاهرة}ص15. بينما جاء التركيز بالأساس على عرض عادات، ومظاهر المعيشة، خاصة فى حى السيدة زينب، القريب من المبتديان، حيث يسكن "يحيى" فى الدور الأرضى، وهو ما فرض عليها الوجود القاهرى. حتى ملأت البيت ب(القلل). وكأننا أمام جولات سياحية لعرض الحياة فى مصر، التى تمسك بها "يحيى".

رحلة طويلة عبر الزمان والمكان صنعت رواية واسعة المداخل. فعلى الرغم من أن "الزوجة المكسيكية" هى العمل الروائى الثانى للدكتور إيمان يحيى، إلا أنها تُثير الكثير من الرؤى، ليس فقط  لتعدد الأزمنة والأمكنة، والثقافات ومستويات التناول، وإنما لمدخلها- الذى أتصور أنه جديد – وهو بناء رواية على الرواية- وإن كنا لا نعدم مثل ذلك فى القصائد الشعرية- . كما أن اختيار شخص أثار ولازال يثير الكثير من الحوار حول شخصيته الثرية، والمشحونة بالتناقضات – يوسف إدريس-، وفترة زمنية –أيضا- لا زالت تحتل الكثير من الحوارات والآراء، ربما لتأثيرها على أجيال ذهبت وأجيال ستأتى -حركة الجيش فى العام 1952-، وهو ما عكسته الرواية بسلاسة، بانتقالها عبر الأزمنة، لتمتد من الخمسينيات، إلى النكسة فى الستينيات، إلى بدايات العقد الثانى من  القرن الواحد والعشرين، وأهم ثورات العصر فى مصر. بل عرض الموقف الفوار فى العالم، وبدايات الحرب الباردة.  كل ذلك لعب دورا فى تحميل الرواية بالعديد من الرؤى، والعديد من مداخل التناول، لتظل على مائدة التشريح، أزمانا كثيرة. وكأننا امام عمل يؤمن بأن "التاريخ يعيد نفسه".

 

[i] - - د إيمان يحيى – الزوجة المكسيكية – دار الشروق 2018

[ii]  - يوسف إدريس – البيضاء – دار الشروق -  1987 .

[iii] - أحمد عباس صالح – مجلة فصول –العدد رقم 3 – 1 يوليو 1992.