خطوة في الشعر.. خطوة في الحياة بكلية آداب تطوان المغربية

محمد العناز

 

الطرق التي تؤدي إلى قلب كلية الآداب بتطوان شبه مقطوعة هذا اليوم. لم يكن سبب ذلك احتجاجات الطلبة. هذه المرة كان المحتجون هم عشاق محمود درويش: مثقفين وأساتذة جامعيين وطلبة باحثين وأناس بسطاء، جمعهم فضاء قاعة الندوات من أجل الاحتفاء بالملتقى الوطني الثالث: خطوة في الشعر.. خطوة في الحياة، دورة محمود درويش، الشاعر الذي ترك قطاره وحيدا في منتصف الرحلة بين هيوستن ورام الله. هذا الملتقى الذي يشرف على تنظيمه نادي حوارات الأدب والفكر، وكلية آداب تطوان، وجامعة عبد المالك السعدي، بتعاون مع شعبة اللغة العربية، والمدرسة العليا للأساتذة بمرتيل، وفرقة البحث في الإبداع النسائي، ومجموعة البحث في الدراسات السينمائية والسمعية البصرية. الجلسة الافتتاحية التي ترأسها الدكتور عبد العزيز الحلوي الذي أشار إلى الدينامية التي ما فتئت تعرفها أنشطة النادي الذي يؤطره الطلبة الباحثون، إعلانا منهم بتجدد الوصال والولاء للشعر، بخاصة حينما يتعلق الأمر بشاعر كقامة محمود درويش. ليسلم الكلمة بعد ذلك إلى عميد كلية الآداب الدكتور عبد العزيز العلاتي الذي هنئ جميع الفعاليات المشاركة في هذه التظاهرة الشعرية النوعية والوازنة، وشجع الأنشطة التي تقوم بها النوادي المتنوعة وعلى رأسها نادي حوارات الأدب والفكر الذي ينظم سنويا تظاهرات مهمة لها صدى على الصعيد الجامعي والمحلي والوطني والعربي، وأكد بأن النادي كان موفقا في اختيار الشاعر (محمود درويش) للاحتفاء به وبالشعر الفلسطيني. أما رئيس شعبة اللغة العربية الدكتور محمد الأمين المؤدب فقد عبر عن سعادته بهذا الملتقى لكونه يحتفي بمكون أساس من مكوناتنا الثقافية والحضارية ألا وهو الشعر، فلقد عاش درويش للشعر وبالشعر، آملا أن يستمر هذا التقليد الشعري الذي يتطلب منا جميعا كامل التشجيع والدعم. في حين أكدت كلمة مدير المدرسة العليا للأساتذة بمرتيل الأستاذ الجيلالي عارض على ضرورة الانفتاح على الطاقات الإبداعية التي تحفل بها جامعة عبد المالك السعدي، انطلاقا من ضرورة إيلاء الأهمية للأنشطة الثقافية في سنوات التكوين الجامعي، والتي من شأنها أن تخلق طالبا مثقفا ينخرط في تنمية الوطن. وأعربت بعد ذلك رئيسة فرقة البحث في الإبداع النسائي الدكتورة سعاد الناصر عبق اللقاء الذي يتألق فيه الشعر المشع بالحياة، وكما أنه لا حياة بدون هواء وماء، فلا حياة بدون شعر أو جمال، مؤكدة على أن الاحتفاء بمحمود درويش هو احتفاء بمعاني الإنسانية، معان دالة على ثنائية لا يكاد يخرج عنها شعره عبر مراحل تطوره، وهي ثنائية الأرض/ المرأة، باعتبارهما مصدرين للحياة. أما رئيس مجموعة البحث في الدراسات السينمائية والسمعية البصرية الدكتور حميد العيدوني فقد اعتبر أن مبادرة نادي حوارات الفكر والأدب بتنظيم هذا التكريم تكتسي أهمية بالغة لأن المحتفى به محمود درويش يمثل للأجيال جميعها رمزا شعريا رائدا ومرادفا لقضية... قضية فلسطين. وقد أكد العدوان الأخير على غزة مدى تضامن الشباب المغربي مع القضية الفلسطينية في وقت كان يسود الاعتقاد بوجود قطيعة بين الشباب والقضايا المصيرية للعرب والمسلمين. إن النجاح الذي عرفه هذا التكريم سواء من خلال مستوى الحضور، والبرمجة المتنوعة والغنية من شعر وسينما وغناء، يبرهن مرة أخرى على المستوى المرموق لطلبتنا. يضيف العيدوني أنا اكرر دعوتي للمسؤولين في كلية الآداب على ضرورة ايلاء هذه الأنشطة الوازنة ما تستحقه من دعم معنوي ومادي. فكلية الآداب تزخر بطاقات مبدعة هائلة في جميع أنواع الفنون. أما كلمة رئيس نادي حوارات الأدب والفكر محمد العناز انطلقت من أهمية الاحتفاء بالشعر من داخل جامعة عبد المالك السعدي بوصفه محاولة للإحساس بجدوى الشعر، في زمن الإسمنت بامتياز، معتبرا أن الاحتفاء بمحمود درويش هو احتفاء بشاعر راصد لعصره ولتحولات العالم. وبالرغم من غيابه إلا أنه يظل بيننا مقيما في جوارحنا وأحاسيسنا الأولى، شاكرا دعم رئيس جامعة عبد المالك السعدي الأستاذ مصطفى بنونة لهذه المبادرة الثقافية العلمية، وأيضا عميد كلية الآداب على احتضانه لهذا الملتقى، مؤكدا على أهمية الفعل الثقافي الذي تقوم به المدرسة العليا للأساتذة بمرتيل في سبيل تشجيع الطاقات الشابة. كما عبر عن رغبة أعضاء النادي في تحويل ملتقى خطوة في الشعر خطوة في الحياة إلى أول مزار عربي للإبداع الشعري الطلابي. آملا من السيد رئيس الجامعة والسيد العميد أن يعملوا على تحقيق هذا الحلم. ومباشرة بعد هاته الكلمات افتتح المعرض التشكيلي الذي شارك في تأثيثه كل من الفنانة التشكيلية ثورية بلكناوي التي شكلت لوحاتها لحظة سحرية، بفعل قوتها في استخدام الجسد الأنثوي بوصفه موضوعا مركزيا، حيث يصير لون الجسد عند بلكناوي مماثلا للون الصحراء، ولون مغيب الشمس، والسينمائي التشكيلي عمر سعدون الذي استخدم تقنية جديدة في الرسم تتمثل في تفجير البالونات الممتلئة بالألوان كتعبير منه عن ما يشهده الوضع الفلسطيني من تردي وانتهاكات من قبل العدو الصهيوني. ليتم بعد ذلك عرض شريط وثائقي للمخرجة الشابة سارة العيدوني (يا أيها المارون) الذي قدمه السينمائي والمحرج المسرحي هشام بن عبد الوهاب، مؤكدا أن هذا الشريط هو نتاج العمل الرصين الذي تقوم به مجموعة البحث في الدراسات السينمائية والسمعية البصرية، الشريط يتحدث عن الحس العميق عند محمود درويش وفهمه للسياسة في معناها الشامل، وكذا علاقته بالقضية الفلسطينية عن طريق استثمار مجموعة من الصور والشهادات ترجمت أيضا معاناة الشعب الفلسطيني جراء الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة، كما تضمن الشريط قراءات شعرية بصوت الراحل، استحضرت أخد أقوى قصائده (أيها المارون بين الكلمات العابرة) التي أفزعت قوات الاحتلال. وتحت عنوان (ليس كل الشعراء بلغاء) صاغ الأكاديمي محمد مشبال الكلمة التي افتتح بها المائدة المستديرة حول موضوع (الجمالي والتاريخي في تجربة محمود درويش الشعرية)، حيث أشار إلى أن هذا الشاعر قدم للقارئ بلاغة إنسانية فريدة، بلاغة جسدت الجمال والفعالية، هناك تصوير شعري فائق إلى جانبه قدرة مذهلة على التأثير الفعلي في المتلقي.كلمة محمد مشبال دعت إلى ضرورة استخلاص الدروس من تجربة هذا الشاعر، منها أن الشعر ليس صناعة نخبوية، وليس مجرد تعبير عن ذات فردية، وليس لعبا بالكلمات. الشعر بلاغة تتجسد في تواصله مع الناس، وفي دفاعه عن القيم، وفي قدرة صاحبه على الاستحواذ على المتلقي بالصورة المبتدعة والقيمة الإنسانية والإنشاد النافذ. وقد ختم مشبال كلمته بقوله إن القارئ العربي في حاجة إلى شعراء بلغاء أمثال محمود درويش لمخاطبة إحساسه الجمالي باعتباره كائنا يتطلع إلى تحسين وجوده في العالم. أما الشاعر والأكاديمي أحمد هاشم الريسوني فقد انطلق من قرية البُرْوة التي ولد فيها درويش التاريخية بمحافظة عكا، والتي دمرها الصهاينة تدميرا تاما والتي أحياها محمود درويش شعريا وإلى الأبد. وتلك هي المعادلة الصعبة التي لم يستوعبها العدو أبدا، واصفا أن قصيدته تمتد خمسين عاما، وهو عمر شعري خرافي وآسر، كما توقف الباحث عند مسيرته الشعرية وانعراجاتها المتشعبة والمعقدة، والتي تغنى فيها بفلسطين غناء تراجيديا غير مسبوق، وهو في هذا لم يجعل القضية موضوعا، بل جعلها قصيدة تنفتح على أفقها الجمالي والإنساني في شموليته، فكان ذلك تميزه وتألقه. من وحي الذاكرة. واستوحت الدكتورة فريدة بنعزوز مداخلتها (من وحي الذاكرة). فتعميق علاقتها بمحمود درويش ترجع إلى أواسط السبعينيات من القرن الماضي، عندما كانت طالبة بآداب الرباط، ومن خلال بحث كانت قد أعدته في موضوع أدب المقاومة الفلسطيني، عندما كان الطلبة يؤثثون معاركهم النضالية بقصائده الملهبة لمشاعرهم الثورية. ولقد وجدت نفسها إزاء شاعر لا يمكنه أن ينس أبدا كيف سحب بساط الوطن من تحت قدميه، عندما وجد نفسه فجأة طفلا لم يتعد السابعة من عمره، يعدو بين التلال والوديان خلف أهله الهاربين من رصاص لم يكن، والحال هذه، ليستطيع أن يدركه أو يفهم له أي معنى. ولقد بينت كيف ساهم هذا الأمر في تكوين شاعرنا النفسي، ثم الفني الذي رفده امتياحه من القرآن والتوراة والإنجيل والفكر الماركسي اللينيني، ومن الأدب العربي بشقيه القديم والحديث، وكذا من شعر المقاومة والرفض العالميين وآدابهما. أما الدكتور الإمام العزوزي فقد انطلق في مداخلته (شعرية درويش في ضوء التحولات الكبرى) من مجموعة من الأسئلة التي تفرض نفسها على قارئ شعر درويش، أولها التأثير العميق الذي مارسه هذا الشعر طوال أربعة عقود دون أن يفقد بريقه ولا توهجه والذي يستمر، وثانيها، دورانه حول موضوع واحد وهو القضية الفلسطينية دون السقوط في التكرار والرتابة. وكان الجواب أن الأمر يعود إلى التحولات في الرؤية والبعد الفني الذي عرفه شعر الشاعر. ورصد العرض ثلاث تحولات كبرى في هذا الشعر. اشتملت الأولى نوعا من الغنائية الممزوجة بالتحدي. والإيمان بالغد الأفضل. وجعلت هذه الرؤية الأرض موضوعها الأثير، واستمرت إلى غاية سقوط بيروت وصدور قصيدته مديح الظل العالي. حيث سيعين محمود زلزالا مهولا على مستوى الرؤية والقصيدة، فيبني رؤية تجسد وجدانية الفلسطيني وسط محيطه، وتخلى عن تفاؤليته المفرطة وركز في موضوعاته على الإنسان الفلسطيني الذي عليه أن يبني ملحمته الخاصة، وعلى المستوى الشعري تجاوزت القصيدة شفافيتها وإيقاعاتها الخطابية نحو تكثيف الصورة عن طريق الرمز والاستعارة، والنفس الطويل في الجملة والفقرة والقصيدة الشعرية. أما المرحلة الثانية فلقد حملت على مستوى تعميق أزمة الفلسطيني، وعبرت عن رؤية مأساوية وسوداوية ممزوجة بقلق عميق على مصير الإنسان والأرض. ولقد تجلت في قصيدته ما قبل الأخيرة (سقط القطار على الخريطة)، وتميزت فنيا بتجاوز القصيدة التعبير والقصيدة البوح إلى ما يسميه القصيدة التشكيل حيث يتم تجسيد اللحظة والموقف والرؤية شعريا. في حين سلطت مداخلة الدكتور يونس الأسعد الرياني الضوء على محمود درويش السياسي في علاقته بالمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد. فانتماء الرجلين إلى فلسطين يقول الباحث جعل منهما صوتان متميزان استطاعا أن يجعلا من القضية الفلسطينية قضية عالمية كونية. فعلاقة محمود درويش وإدوارد سعيد تعود إلى سنة 1974 عندما التقيا لأول مرة في نيويورك بمناسبة إلقاء الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خطابه الشهير أمام الجمعية العامة في الأمم المتحدة، مؤكدا أن هذا اللقاء كان بداية علاقة طويلة بين الرجلين رغم اختلاف موقعهما السياسي من المسار التاريخي الذي اتخذت القضية الفلسطينية منذ إعلان منظمة التحرير قيام دولتين: دولة فلسطين، ودولة إسرائيل. لكن رغم هذا الاختلاف في الموقف السياسي، فإن العلاقة الفكرية والأدبية انتصرت على ما هو سياسي، لتبقى كلمة محمود درويش وإدوارد سعيد ترسم رؤية جديدة تسعى إلى ما هو كوني وإنساني. وتطرقت مداخلة الدكتورة جميلة رزقي الموسومة بـ (الشاعر لم يمت) من لمحة موجزة عن درويش وحياته بقرية البروة متوقفة عند علاقة درويش بالمرأة التي شغل عنها بفعل ارتباطه بالقضية الفلسطينية والكتابة التي لم تكن سوى قضيته الأولى، واعتبرت الباحثة أن محمود درويش بالرغم من جاذبيته وصداقاته الكثيرة مع الجنس الناعم، كانت نظرته إليهن مثالية، مستشهدة ببعض حواراته التي يقول فيها: (إن الأم هي كل شيء في هذه الحياة، وكل شيء في الطبيعة يرمز ويتكلم عن الأمومة). أما الأمسية الشعرية التي أدارها الأستاذ سليمان الحقيوي بلمساته المبدعة احتفاءا بمحمود درويش، وبأصوات نسائية وبكل اللغات، سافرت بعيدا في حدائقه ليتنفس الحياة من جديد شِاركت فيها كل من الشاعرات فاطمة الزهراء بنيس، وفاطمة مرغيش، وفاطمة الميموني، ونهاد المودن، ولبنى الفقيهي، ونسيمة الراوي، وبثينة بن الأمين، وسارة المرتجي، اللائي قدمن القصائد الدرويشية بأصواتهم. وزاوج الفنان علي بن سعيد بين اللحن والأداء ليجعل من تحفة محمود درويش (لاعب النرد) أغنية شدت مسامع الحضور لتميزها قصيدة ولحنا وأداءا. واختتمت أشغال الملتقى بأغاني من الريبرتوار الملتزم لكل من مارسيل خليفة وأميمة الخليل وفيروز وسعيدة فكري عكست بصدق الثقافة الملتزمة للفنانين أمينة السليماني، ورضوان قدوري.