ككثير من قصص القاص المصري المرموق تنطوي هذه القصة بلغتها الصافية وتحميلها للكلمات بمعان ضيعتها الركاكة اللغوية السائدة، على أكثر من مستوى للتلقي لما فيها من حفر فيما تحت سطوح الأحداث والانفعالات والعلاقات الإنسانية، وكيف ينطوي فيها نصف من شرر على نصف، بل ربما أنصاف متراكبة من العقيق.

نِصفٌ من شَرَرٍ، نِصفٌ من عقيق

عاطف سليمان

تَمتمتُ لنفسي أنْ ليس للخيال مجاراةُ الواقع، وكنتُ إذْ ذاك، بأولِ الصُّبح، أفطرُ واقفاً في بلكونة بيتي، مثلما اعتدتُّ منذ سنوات كثيرة، ولا أُبالي بما قد يسّاقط في العتمة من فمي أو يدي فمآلُه إلى أفواهٍ تَقْتاتُه، وما من ضيْر. ولطالما حرصتُ على اقتطاع لُقمةِ خُبزٍ من رغيف فطوري أنثُرُها فُتاتاً لطيور السماء، التي أراها لا تضنُّ بإظهار جوعِها ونهمِها، ولستُ أدري كيف لها، في فضاءاتِها، أنْ تستعلِمَ يقيناً بمواضع مثل هذا الفُتاتِ فتقع مباشرةً عليه وكأنها استُدعِيَت منه إليه، بذلك اليقين. من خُبزِ فطوري استُدرِجتُ إلى تَذكُّرِ حكايةٍ قديمة عن القمح تخصُّ مَلكاً أراد أن يُكافئ بطلَ البلاد في لعبة الشطرنج، فوعدَه وعداً مَفاده أنْ سَلْ ما شِئتَ، فسأهِبُكَ إياه، فطلب البطلُ حبةَ قمح واحدةً، يأمرُ له الملكُ بها فتُوضعُ فوق المربع الأول لرقعة الشطرنج، على أن يُضاعِف كميّةَ القمح نظيرَ كلِّ مربعٍ تالٍ من المربعات الأربعةِ والستين؛ فيُعطي قمحتيْن اثنتين كُرمى للمربع الثاني، فأربع قمحات للثالث، ثم ثمانيَ للرابع، وهكذا. وقد أُخِذ الملكُ بفرطِ تواضُع المكافأة التي وَصَفَها البطلُ، فأمرَ بتلبيتِها له وإكرامِه نظير تَقشُّفِه وإعراضِه، غير أن صوامعَ مملكته لم تكْفِ، بل لعل صوامعَ المشرقيْن والمغربين كلها قد قصَرت عن إيفاءِ البطلِ مكافأتَه. استفقتُ من إكباري لذكاء البطل إذْ بانَت لي خيلاؤه وقسوتُه، وأشفقتُ على الملك وعْدَه المتحمِّسَ الأرعنَ، وتفكّرتُ هَوناً في ما عساه قد يكون جرى في المنتهى بين الواعِد والموعود بعد الوصول واقعياً إلى مواجهة المعضلة، وبالقطع تماهيتُ مع صفِّ الملك كيما أُنازِلُ البطلَ الجشِع الحويطَ وأسوسُ عجرفتَه. احمرَّ أفقُ الشرق عن يساري، وبدت لي الحكايةُ مُغاليةً وجُزافيّة، وتعهّدتُ لنفسي بإدراجها ضمن الموضوعات المبهَمة والملتبسة التي تشغلني لكنها تشرُدُ أبداً من ملاحقتي لها وتتسرّب من تركيزي فأظلُّ أُؤجِّلُها ريثما أتصيَّدُها يوماً بصفاءٍ وأُحرِزُ تأصيلَها والاستيثاقَ من يقينيتِها.

إنْ كانت تحرّياتي عن مكافأة الملك قد أوصلتني إلى حصيلةٍ فما هي إلّا مسألة ثانية من طرازِها: كم مرةً يمكنُ طَيُّ ورقةٍ من منتصفها على نفسها، مهما طالت الورقةُ ومهما رَهُـفَ سُمْكُها؟ الإجابةُ العجيبة، التي قرأتُها، أذهلتني؛ ذلك أنّ عددَ مرات القُدرة على طي الورقة، أيةِ ورقة، هو ثمان مرات فقط يمكن أن تزيد إلى اثنتي عشرة مرة على أقصى تقدير إذا استعان المرءُ مثلاً بورقةٍ رهيفة طولها أكثر من كيلومتر وبسيارةٍ تدوسُ له على ورقتِه لإحداث الطيِّ الصعب المطلوب! أمّا المدهش حقاً فيحدثُ في حال افتراض إمكانية طي أية ورقة اثنتين وأربعين مرة؛ إذْ إنّ سُمْكَها الذي يتضاعفُ مع كل طَيةٍ سيصلُ بعد الطيّة الثانية والأربعين إلى طولٍ يتجاوز المسافةَ بين الأرض والقمر.

تلقيتُ تلك الحكايةَ الجديدةَ كطُرفةٍ مشفوعةٍ بإشعارٍ يُعلنني أنّ ما وددتُ استبيانَه والتحقُّقَ منه لم يُنجَز، بل تضاعفَت مجهولاتُه. ونالتني رهبةٌ من فكرة المتوالية الهندسية؛ هذه الخِلْسة المكنونة في الحياة كسبيلٍ خَفيٍّ ليس فحسب إلى مقامرات قصوى؛ إمّا كل شيء وإمّا لا شيء، أو إلى حكاياتٍ تفوقُ الخيالَ، بل كذلك إلى واقعٍ لا يُبارى في مَناعتِه ضد التسليم بما قد تمنحه النظرةُ الأولى أو بما تشي به الظنون.

خطرَ لي أن أحكي لابنتي الوحيدة بلقيس هذه النوادر لأرى وقْعَها عليها وأستلهمُ منها عُدَّتي وأفكاري. في الأيام التالية لم أبرأ من رهبةِ ما هو واقعي بشأن المسافة بين الأرض والقمر التي هي، على الرغم من بوْنِها الشاسع، يمكن أن تستوفيها طيّاتُ ورقةٍ حقيقيةٍ بمواصفات الخيال. وأخذني فضولي إلى مداومة النظر صوب الطيور التي تَحُطُّ وتنقُرُ وتلتقطُ قُوتاً ثم تعاود التحليقَ في فضاء المسافات، حسب ما لا أَفقهُ من نظامٍ، وتُحِيلُ انتباهي إلى أنّ للمسافات أسراراً. وراقَ لي تصوُّرُ أنّ فكرةَ المسافات هي أُلعوبةٌ تنطوي على استسهالٍ مُخاتِلٍ شائعٍ استراحَ إليه العقلُ العامُ واِلتاثَت به الجموعُ، ومع ذلك يظلُّ هنالك دوماً ثُلّةٌ من عُصاةٍ يدحضونه، فيما هُم يؤْثِرون سكوتَهم، مُتستِّرين مُتدبِّرين مُمتنعين مُتعذِّرين. آنئذٍ شَمَلَني إيناسٌ، لَكأن أعيُنَ مَنْ دحضوا أخاديعَ المسافاتِ ترمقني، من غياهبَ، بحنانِ الأهلِ الشّفُوقين.

بلا تشكُّكٍ استساغت بلقيسُ حكايةَ القمح والشطرنج، بينما لم تلقَ منها حكايةُ الورقةِ وطياتِها سوى التأفُّفِ والنزق والسخرية والتَّربُّصِ لها بالاستهتار، حتى وهي تدخل المضمارَ وتتحدّى فتُثنِي صحيفةً كبيرة رقيقة أربع أو خَمس طيّات قبل أن تتوقّف ثم تفرد الصحيفةَ وتُمسِّدها بأناملها وبراحةِ يدِها لإزالة التثنيّات منها وتُسوِّيها، مثلما يُسوَّى مَهدٌ، ورأيتُها تكاد تعتذر لصحيفتِها عن إقحامِها في تجربةٍ ضليلة؛ تُدلِّلينها، لَكأنكِ تُبْرِئينها من وعكة! فضحكَت بخفرِ الصبيّة التي تنبثق أماراتُ أمومتِها الباكِرة من أهونِ صغائرِها، وطأطأَت بعذوبة ومَكْر مَنْ تحذَقُ أني أرقُبُ منها مثل تلك اللمسات والإضمارات والصنائع الطفيفة التي ربما كانت تُدْمِجُ إليَّ فيها رسالات. 

كانت ابنتي في الرابعة عشرة حين استوفيتُ الأيامَ وارتحلتُ. طالَها الجزعُ العاتي فبُهِتَت ويَبسَت وانكفأَت، ولَبثَت في ذهولٍ يُلاشِيها ويُقْصِيها إلى شجنٍ مُمِضٍّ. أعطت فساتينَها، وزهدَت في مقتنياتِها، وسرّبَت كُتبَها ضمن قمامة البيت، وخرّبَت أظافرَها، وأبطلَت أكلَ ما تشتهي، ونحتَت بطاطس نيِّئة، وعزفَت عمّا يحِقُّ لها، وتحاشت جدالاتٍ، وهجَرت أحلاماً ونكّسَت خِططاً رتَّبتها في حناياها لحياتها، قاصِدةً مُراضاتي بذَوْبِ النفْسِ منها. شحبَت وتشقَّقَت بينما حُسنُها يتنامى خِفيةً وانتباهُها يتكاملُ في العلن، ولـمّا آنَ الأوانُ عانقتني في خيالاتها كأنّها أُمّي وربتت على أكتافي كأنّي أخوها وكأنّي حيٌّ، وأوقفَت شبابَها مُوالاةً لي وبعثاً، ففتحَت لمتروكاتي عيونَها ونَبَشَت عني أوراقي ونسَّقت فوضاي واستنزلَت همومي على أكتافِها وهي تَهِشُّ لي، أنا شريكتُكَ. اكتشفتني، وأدركتني، وأبقتني قُربها، وأَنِسَت مُناداتي في سريرتِها والتحدُّث معي بلا صوت ثم صارَ أنْ أَسْمَت نفسَها فُتات، وأفرجَت عن طاقاتها وازدهارِها. باغتتني حين بلغَت الثلاثينَ، وكنتُ قد مضيتُ إلى السنة السادسة عشرة من فراقي، إذْ قرّرَت الـمُحاماةَ عن طيّاتٍ مُتعذَّرةٍ تُطْبِقُ عليها الاستحالةُ باضطرادٍ من الجهتيْن؛ فَبِكُلِّ طيّةٍ يتقلّصُ طُولُ المادةِ إلى النصف بينما يزدادُ سُمْكُها إلى الضِّعف، ومرة بعد مرة يكون من شأن هذا السُّمْك أنْ يَربُوَ على ذاك الطُّول فيستحيلُ تحقيقُ المزيدِ من طيِّها، وما كان إلّا أنْ كتبَت أطروحتَها في الرياضيات عن المتوالية الهندسية كدليلٍ إلى الواقع الموازي، ومن حصيلتِها خلُصَت إلى أنّ المتوالية الهندسية تَعْنينا إذْ تُعلِّمُنا بأنّ في كل خطوة يُؤخذ مما هو للمرء، لِيُضافَ إلى ما هو عليه، فينغلق سبيلٌ، وقد يتجلَّى الغلْقُ فتْحاً بهيأةٍ عَصِيبةٍ ليس إلّا.

لا تني أطوارُ حياة بلقيس تتوارد جليّةً إليَّ، بعد زوالي، كأنها تحدثُ لِتوِّها، بل إني أتفاجأُ بتفاصيلَ فاتتني في أزمنتِها، بينما لم أعُد مُتملِّكاً القُدرةَ على أن أتدخّلَ أو أتداركَ. تراودني دوماً صورتُها، حينما كانت في شهرها العاشر، مستلقيةً على ظهرها في سريرها والشمس تواليها بالضوء والدفء والبهجة وهي تغنِّي غغاااغغاغغغاااااغ ووجنتاها متورِّدتان متوهِّجتان بالعطايا الشمسية، وتتململُ هوناً وتوشك على إطلاق صرخة لكنها تتراجع وتتبسّم وتسندُ إصبعَ سبّابتها على شفتيْها، وأنا لا أحيدُ عن تتبُّعِ نظرتِها الساهية الرصينة الموشِكةِ على البكاء وعلى الضحك ولا أرومُ إلا أنْ أسبُرَ ما في خُلْدِها. ثم تتفشّى لي من جديد صُحبتُنا، في ضحى يومِنا الربيعيِّ، وقتما ضبطتُّها في الشرفة، وهي في سنتها الرابعة، تُدِيمُ سعيَها الحثيثَ لتقطيع مطّاط بالونتها الصفراء، مُحاوِلةً محاكاتي في تقطيع الخبز للطيور، والطيورُ بالفعل تتدانى منها وتحوم وتنصرف. كنتُ، بتلك الأيام، قد بدأتُ سلسلةَ أمراضي وكثُرت زياراتُ طبيبي لي بحقيبته، ودأبَت هي على تَرقُّبِ فتحَ الحقيبة لتلتقطَ، بنفوذِها، ما يروق لها من أدواتِه وتُشارِكه الفحصَ والكشف، أنا أنا أنا؛ زقزقَت للطبيب وأزاحته بيُسراها ووضعت طرفيْ السمّاعة في أذنيْها ومضت تُنقِّل لاقطَ الصوت على جسدي، من ركبتي إلى صدري إلى شعري وقدمي وبطني كيفما عنَّ لها، إلى أن وضعَتها فوق شفتي فهمستُ لها: بلقيس بلقيس بلقيس! فوجئَتْ بصوتي ينطقُ اسمَها في أُذنيْها، وتلفَّتَت حواليْها فاتِحةً عينيها على وسْعِهما، يهزّها فرحٌ وانشداهٌ وحيرةٌ وجفولٌ ثم صرخَت كعصفور ونزعَت السمّاعة وركضَت ودارت وعادت وأحاطتني بحُضنِها المتشبِّث العنيف. في عناقِها وحضنِها أَفَقتُ وترسّختُ وانبثقَ في روحي معنى البلسم مثل لَعقةِ عسل إذْ شعرتُ بجسدي يلتئمُ مع كل شهيق، ولقد تَرمَّمتُ، تَرمَّمتُ مَليّاً وتعافيتُ بالهناءةِ لسنواتٍ بإقرارِ طبيبي ومباركتِه، وبدأتُ أحكي لها حكاياتي وفوازيري من عوالم الرياضيات التي لم يبدُ لي أنها كانت تضجِرُها حتى وهي لا تفهمها، بل لطالما عثرَت فيها على خِفَةٍ مُسلِّيَةٍ تُضحِكها وتُمتِعها وتُبْطِلُ خشيتي وتردُّدي من رداءة اختياراتي في تعابير الكلام.

لستُ أدري لِمَ أزمعتُ على تبشيرها بعقيدتي واستمالتِها إلى تعلُّقي بالرياضيات وانشغافي بالحسابات الملغزة وعشقي للمسائل الغامضة التي تُنهِك التخيُّلَ، ولـمّا لاحظتُ أنها تستجيب قليلاً قليلاً، بدا لي أني أفلحتُ، غير أنها بالتزامن مع بدءِ مراهقتها أبانت نفورَها المكين من سائر الرياضيات، تصدِّعني الأرقام، تخنقني، لا أعوزها ولا أطيقها؛ لَكأن صُدودَها كان يرشح مثل هزْلٍ ظريفٍ من طلائع أنوثتها. لم أضِق، بل تحنَّنَ قلبي عليها وأنا أسْبرُ حِيلتَها معي وهي تستمرئ أن تطلب مني مساعدتَها في حل هذه وتلك من الحسابات المبتذلة العادية لأجل إشعاري فحسب بقصور قُدراتها، لكنك تقدرين وحدكِ على حلِّها بسهولة! أقدر؟ ربما، لكنّي لا أعرف، إلى أن أعربَت في يوم ذكرى ميلادي التالي عن انشقاقِها الصريح، حين أهدتني علبةً ورقية فاخرة مسكوكة ومغلَّفة وأبقت نظْرتَها الماكرة الخجلى على وجهي، ففككتُ عن العلبة غلافَها وفتحتُها فلقيتُ فيها مجموعةً من أزواج الجوارب الحريرية، لكن كل زوج كان ثلاث وحدات. تفاجأتُ، وللحظةٍ هالَني ثأْرُها البريء وناوشَني مناوشةَ الجفاء. وراء الهدايا ما وراءها إذاً، ومَن يدري فلربما أصطنعُ من الثوالثِ تآليفَ أو أزواجاً غيرَ مُلفَّقةٍ! يحيا بابا! تحيا بلقيس. ضحكتُ لصغيرتي وغمزتُ لها مُغتبِطاً مُتصنِّعاً الغيْظَ وأنا أستعرضُ هديتَها التي فتنتني وأعجبتني كأُحبولةٍ حلوة أو تمادٍ لطيفٍ من لَدُن أقرب الأرواح إليَّ، وطمعتُ في النفاذِ إلى مغزى هذي النفحة وإدراكِ سائر معانيها بالحذافير مثلما تفكَّرَت هي فيها، وما زلتُ حتى يوميَ هذا على قسطٍ من المزاج السّار الطامِعِ المتحيِّر الذي طبَعتني به هديتُها المتحرِّشةُ الطيِّبة. لكن ذكرى ميلادي تلك لم تمر من دون أن تُهيج جزعي وتفعمني بوحشةِ الخشيةِ مما تتقلّب به الأيامُ، ثم كان أنْ تيَقَّظَت أمراضي وعاودتني.

في الظهيرة، بحضور بلقيس، الصبيّة الصموت الوقور المرافِقة أباها في أوقاته الشّاقّة، أخبرني طبيبي القديم باشتباهِه في وجودِ ورم ٍيشبه الليمونة، استطاع بيديْه أن يكتشفه ويجسَّ حجمَه أثناء الفحص الأوليّ. وفي زيارته التالية، وبحضورها؛ سمعَت صوتَه الخفيض يُطْلِعني على أنّ حجم الضيف قد تضاعفَ، فسألَته بنبراتِها المكدودة المتحشرِجة:

- وهل يقدر على أن يتضاعف مرة جديدة؟

- ممكن يا آنسة، إنّما نأملُ في أن نمنع ذلك.

- لكن، هل يمكن أن يظل يتضاعف؟!

انشغل الطبيب ولم يُجِب عليها، وبلا صوت خطَت هي إلى الخلف مُنسحِبةً، ووقفَت مُرتكِنةً على حافة باب الغرفة، لكني رأيتُ عينيْها غاصّتيْن، تلتمعان بوَهجٍ. دخلت فراشةٌ من الشرفة ودارت وناوَرَت وحطّت وطارت ثم خرجَت فتبعَتها بلقيس، ولحظتئذٍ أسرَّ إليَّ الطبيبُ:

- حاول أن تتقوّى. حياةُ الفتاة متعلِّقة بك.

- ما الذي بمقدوري!

- يمكنك طردُ وإجلاءُ هذا التورُّم وملحقاته.

- كيف لي؟

- لا أدري بالضبط، فلكلٍ طرائقُه. حاول بالعزيمة، بالتشبُّث، بالاستمساك، بالتودُّد، بالتخيُّل...

- أو ربما بالتقمُّص والتمثُّل والتماهي! أنت لا تعلم أني كنتُ على الدوام أردِّدُ لنفسي أنْ ليس للخيال مجاراةُ الواقع!

- فلربّما بالمحو!

- ولربّما بالتهيؤ!

- عليك وحسب أن تُحْسِن مجازاةَ هذه الصبية.

قطعنا حديثَنا إذْ لاحت بلقيسُ راجعةً من الشرفة وهي تخطو بترفُّقٍ، تَرتَجُّ بالنشوة مثل التي تتكتّم على فرحةٍ باهِرة، وتنظرُ بابتسامةٍ جزلةٍ إلى كفيْها المطبَقتيْن واحدتهما فوق الثانية كَكُرةٍ، فما كان صعباً تخمينُ أنها قد حبسَت الفراشةَ بين كفيْها، وبالفعل أطلقَت بلقيس الفراشةَ عند صدري وقبّلَت جبيني وهرولَت ماضيةً. لم أتوانَ، بعد انصراف الطبيب، عن فتح باب غرفتها للاطمئنان عليها، فبدا لي أنها قد ألقت بنفسها في فراشها مُثقلةً بنُعاسٍ طاغٍ وراحت في نومِ قيلولةٍ طارئةٍ من قبل حتى أن تُتِمَّ صعودَها إلى سريرها. 

قُرب المساء جاءت إليَّ بلقيس شاحبةً كأنها نازِفة، وجلسَت منكمِشةً على حافة فراشي وأطلعتني على جُرحٍ بأصغر أصابع يُسراها لا يزيدُ عن وخزة إبرة، وأخبرتني أنه يلسعها. مثل حرْقٍ يروح ويجيء. من غير المعقول أن تكون الفراشة هي السبب! لا ليست الفراشة. ضممتُها وكفكفتُ عنها أنفاسَها الضحلة. غغاااغغاغغ. ابتسمَت. ما هذا الذي كنتُ أقوله! كُنتِ تُغنِّيين. وكيف كنتم تفهمون! هذه أسرار لا تُفشى. وضحكنا. حلمتُ أني أقطع ليمونة نصفيْن بسكين ماما، فوقع أحدُ النصفين وضاعَ، فقطعتُ النصفَ الثاني، ولـمّا أردتُّ المزيدَ من التقطيع انزلقت السكينُ وجرحتني! كانت تكلِّمني وهي ساهيةٌ، تلُفُّ جديلتَها على راحة يُمناها وتشدُّها إلى الخلف ثم تُرخيها، ثم تلُفُّها وتشدُّها وترخيها، فساءلتُها عن ذلك بنظرةِ استفهامٍ فجاوبتني بأنها قد رأتها في الحلم مقصوصة.

- لا بأس، ولا تقلقي. أعرفتِ مَن فعلَ ذلك؟! 

- أنا!

- كيف؟ ولماذا؟!

- أنا لم أقُصّها، إنّما فقط شدَدَتُّها قليلاً فانخلعت.

- لا تخافي حبيبتي، إنما حدثيني عن الفراشة، كيف أمسكتِها.

- فتحتُ لها يدي وفوجئتُ بها!

أشرقت ابتسامتُها وراقَ وجهُها وهي تستعيدُ مَيْلَ الفراشة إليها واستسلامها، فأخذتُ يديْها بين راحتيَّ وحبستُهما كيفما أطبقَت هي يديْها على فراشتِها، فضحكَت وضحكتُ، وقالت وهي تغصُّ بقهقهةٍ طفولية:

- أحببتُ مصيدةَ الفراشة.

بالوداد أو بالتضامُن أو بالتوَهُّم أو بفرط التَّوَهم أو بما لا يُدرى جاوَبَتنا ضحكةُ أمِّ بلقيس؛ ولا ريب أنّ بلقيسَ قد سمعَتها لأنها أمالت أُذنَها وصَفَنَت ثم خَطَت كأنّها مُنوَّمةٌ إلى ناحية الشرفة تستطلعُ، أمّا أنا فسمعتُها آتيةً من ناحية المطبخ؛ كعهدي بها ضحكةً نقيّةً فيّاضةً مُغدِقة. طفرَت شجوني، وناديتُ بلقيسَ همساً وقلتُ لها إني ذاهبٌ إلى المطبخ لأتفقّد هذي السكينَ التي وخزَتها. طيب بابا. أَلفيْتُ بلقيسَ في تمام انشغالِها، مأخوذةً، كمثل التي تتبادل عهوداً ووعوداً، وأَلفيتُني أشتهي أنْ أُقْصِي المسافاتِ المتضارِبة وأن أردَّ السلامَ.   

 

(16 مايو 2025 - القاهرة ، عابدين)

atif_sol@yahoo.com