تسعى مجلة (الكلمة) للبحث عن الأعمال التي تحمل بصمة جديدة وهو ما وجدته عند المبدع المصري محمد الفخرانى، في الرواية والقصة القصيرة، فحرصت هنا على تقديم نموذج لكل منها. يحاول الناقد المصري أن يتماس مع عوالم كاتبها، في رحلته من الأرض للسماء، وكأنه يصنع كوميديا إلهية، عصرية.

رحلة البحث عن النهار.. رحلة الهروب من النهار

شوقي عبدالحميد يحيى

 

إذا ما نظرنا إلى عام صدور رواية» ألف جناح للعالم» للقاص والروائى محمد الفخرانى، سيتبادر إلى الذهن مباشرة، أن الرواية كُتبت فى تلك السنين الفوارة، والتى أعقبت ثورة 25 يناير المُجهضة، التى احتلت كل فكر ووجدان غالبية الكتاب، كيف انفصل الفخرانى عن هذا العالم الفوار، والمُؤثر فى حياة البلاد والعباد، وعاش مع الخيال، والبحث عن كينونة وجود الإنسان؟. غير اننا نتذكر على الفور رواية "دموع الإبل"  للمبدع محمد إبراهيم طه التى صدرت فى العام  2008، ورواية "خور الجمال" لأحمد أبو خنيجر، والتى صدرت أيضا فى 2008، واللتان كتبتا فى ظروف مشابهة، من الغليان تحت السطح، فأطلقنا عليهما "الهروب الاحتجاجى"، أى أنهما رفضتا الوضع الواقعى المجتمعى، فأقاما الفضاء الروائى فى الصحراء، ليقيما فيه عالما موازيا ترتع فيه البراءة، والعدل، وترك تلك الحياة التى يرفضانها. وهو ما يمكن أن نقوله أيضا على رواية الفخرانى "للعالم ألف جناح"، والتى يمكن أن نرى معه العالم المعيش، والذى سعت الساردة للهروب منه { شعرْتُ بارتياح كبير وأنا أفكر فى كل الأسلحة التى لا بد تعطّلَتْ، البنادق، القنابل، المسدسات، الطائرات، المدافع، السفن، الغواصات، الصواريخ، كلها صارت مجرد قِطَعً من الخردة. لا أحد يستطيع الآن أن يراقبنى، لا أحد فى العالم يمكنه الوصول إلىّ، كما لا يمكننى الوصول إلى أحد، الهواتف، المواقع الإلكتروينة، الطنين، دقّات الأزرار، المربعات الأثيرية، الشاشات، مات كل هذا الضجيج. لم أشعر بالحرية فى أىّ وقت مثلما أنا الآن}. فالساردة تشعر بالارتياح، وبالحرية، بعد أن تعطلت كل وسائل الدمار والإزعاج. وإن لم يكن ذلك قد حدث بالفعل، بعد "حادثة الليل" وتوقف كل شئ، فإنها على الأقل تحلم بذلك، او تتمناه. لنصبح أمام الداخل، داخل الإنسان، ورغبته المكبوتة، فى التخلص من الواقع، والهروب إلى عالم ليس فيه هذه المنغصات.

وعندما ترى الساردة فى حلمها تلك الأم التى تقطع ذراعها وساقها وثديها لتطعم إبنيها.. ثم ينبت لها غيرهم لتكرر نفس الفعلة إلى ما لا نهاية، تقول، وكأنها تقدم صورة أخرى لأحد سلبيات عالمنا الواقعى، بفرض أن الأحلام تعكس بشكل ما أعماق الإنسان، وانعكاس لما يعيشه فى حالة اليقظة. فتحلم الساردة بالنوم من جديد لترى كيف هو العالم الذى نعيشه{ ربما تعاودنى الآن أحلامى عن الجانب من العالم الذى يُغطيه النهار}.. وتتضخم المآىساة التى تعيشها الساردة، كما فاقت أفعال البشر على هذه الأرض أفعال الجن نفسه { قال "بالمناسبة، بعض الجن لا يستطيعون الطيران، أو أن يجعلوا أنفسهم غير مرئيين أو مسموعين، والكثير منهم لا يستطيع أن يجارى البشر فى المشى أو الجرى"، صمَتَ لحظة، مرّ فى عينيه بَرْق أزرق} حيث تحمل الجملة فى طياتها، ما يُفهم منه ان البشر يفعلون ما لم يستطعه الجن، بل إلى أن بعض البشر يلبسون لباس الجن نفسه. حتى وصل إنسان هذا العالم، او وصلت الساردة مرحلة اليأس التى معها تحلم بالهروب من الناس{فكّرْتُ أنى قبل الحادثة، كنت أتمنّى أحيانًا أن يختفى البشر من العالم لبعض الوقت، كى أُنجزَ عمَلاً ما، أو لمجرد أن أكون بمفردى}. ولكن أين يهرب الإنسان من هذا العالم؟ .. فى تلك الحالة، ليس أمامه إلا احد طريقين.. إما الهروب إلى الخيال، او الهروب إلى الموت.. إلا ان الفخرانى فضل كلا الحلين، فكان الهروب بالخيال، وكان الهروب بالموت، إلا ان الموت، كالميلاد، ليس للإنسان خيار فى أيهما، فكان استخدام الخيال فى الذهاب إلى ما بعد الحياة، خاصة أنه استخدم السفينة فى أحد المشاهد، ليعيد للأذهان "سفينة نوح" تلك التى حملت من كلٍ زوجين اثنين، وكان مصير الباقين هو الغرق والموت، لتبدأ الحياة من جديد، وهو ما يشير أيضا إلى أن "حادثة الليل" أو المفاجأة التى بدأت بها الرواية، هو الموت، أو الانتقال من الحالة الواقعية، إلى الحالة التخييلية. ولا شك أن الزمن، هو أحد الرؤى الفلسفية، والتى يختلف النظر إليها، ليس بين شخص وآخر فقط –حيث إرتباط ذلك بالوضع النفسى الذى عليه ذلك الشخص- وإنما ايضا بين الحياة وما بعدها، حيث تنطلق الروح إلى مالانهاية، وتتحرك فى المالانهاية، وبالتالى يختلف الزمن وقواعده الخاضعة لليل والنهار، عنها عندما يختفى أحدهما {شعرْتُ بالزمن مختلفًا، الماضى مُستقبل، والمستقبل ماضٍ، والحاضر أرجوحة تتحرّك بينهما بحبل يتقطّع، شعرْتُ أن هؤلاء الثلاثة الصغار، الحاضر، المستقبل، والماضى، مُجرّد أوهام، نقاط صغيرة وسط عالم لا ينتهى من نقاط الزمن}. وهو ما يؤكد ويوضح تلك الصور والمشاهد التى يعيشها القارئ فى تلك الرحلة.

وكان طبيعيا أن يستخدم الكاتب الكثير من الرؤى الأرضية لتصور ما بعد الحياة- فضلا عن الربط بين "هنا" و"هناك"- لتكون القواعد والقوانين مختلفة، عن تلك التى نعيشها على الأرض، فأصبح كل شئ قابل لكل شئ ..أو المقابلة بين حالتى الواقع والمأمول، أو المُتصور{ البحر قادم باتجاهى، سمعْتُ أجمل ما فىّ يقول له "أنت جميل"، شعرْتُ أنه يملأ الوقت والمكان، لم يكن ضِمْن حدود بصرى، كان بصرى ضِمْن وجوده، مستعدة ليأخذنى، لكنه لم يفعل، رأيته ينتهى عند قدمىّ زبَدًا رهيفًا، لمسْتُه بيدى، بللّتُ شفتىّ به، نظرْتُ إلى السماء، مغسولة، قمرها مكتمل، نجومها لامعة، كأنما خُلِقَ العالم لتوّه}. فالساردة هنا تتحدث إلى البحر، وهو الذى إن فعله الإنسان على الأرض، فلابد سيُتهم بالجنون. غير أن البحر بهذه الصورة، يعيد إلينا تصور الإنسان للجنة، فيها أنهار، والدراج فى عالمنا تسمية النهر بالبحر. فكأننا نعيش فى الجنة المُتصورة {أشار إلى فرقته، أخرجَ كلٌ منهم رغيف خبز من بين ملابسه، أحمر، له رائحة دافئة، كأنما خرج لتوّه من الفرن، مشوا إلى البحيرة الكبيرة، أخرجَ "كاريسكا" رغيفه، نظرَ إلى "سيمويا". جلسَتْ الفرقة حول البحيرة، يقطع كلٌ منهم لقمة من رغيفه ويغمسها فى العسل، طارت رائحة الخبز والعسل فى الهواء}.

ومن مظاهر الجنة –أيضا- أن الرواية، بطولها كله، والعلاقة بين الساردة "سيمويا" وزميلها "دوفو" ووجودهما فى أماكن كثيرة، وطلبهما الدخول بمفردهما فى أماكن عديدة، لم يتطرق الأمر لأى تلامس حسى، وكأنهما خرجا عن حالتهما الإنسانية، فضلا عن أن الساردة، عاشت على قليل الفاكهة، ومجرد قطعة من الشيكولاته، كطعام، أهل الجنة {ارتدَتْ ملابس النوم، أكلَتْ موزة، تسع حبّات لوز، فتحَتْ قطعة شيكولاتة، قضمَتْ زاويتها الصغيرة، أعدّتْ فنجان قهوة، وجلَسَتْ فى سريرها مع أوراق "الليل"}. فما هى حكاية أوراق الليل تلك؟  

فوجئت الساردة "سيمويا" بانقطاع النور، وتوقف الساعة عن السير، وتحجر العالم من حولها، فسألت الجدة، هل سبق أن انقطع النور من قبل، لتجيبها الجدة بأنها لم تسمع بذلك، وتأخرت عودة النور، وتحول العالم إلى ليل طويل، لتبدأ الساردة فى البحث عن النهار، ويطول البحث عنه، فتعاود سؤال الجدة: { سألْتُ جدّتى "برأيك إلى متى يمكن أن نبحث عن النهار؟"

قالت "هل تبحثين عنه بالفعل؟"

"ليس تمامًا، أنا فقط أمشى وأكتشف ما يحدث"}. لتتبين اللعبة الى يلعبها الكاتب، ويتبين أن البحث عن النهار، ليس حقيقيا، وإنما هى لعبة رمزية، تتبين من إجابة الساردة {"ليس تمامًا، أنا فقط أمشى وأكتشف ما يحدث"}. ويتكرر الموقف، وكأن الكاتب يؤكد لنا رمزية الإشارات، حين تقول الجدة { قالت "أحكى لك عن شارع الأرصفة"

 "أولاً، هل هذا اسم حقيقى؟"

ضحِكَتْ ضحكة قصيرة.

 "لا، اخترَعتُه بنفسى}. وليؤكد -مرة أخرى- أن الأسماء هنا مخترعة، لتوحى بالعمومية، عمومية الإنسان على الأرض، وليست مرتبطة بمكان محدد، أو زمن محدد.

ولنتبين أن اللعب والبحر، والصحراء الخضراء.. مفردات تحفر مساراتها النفسية فى عالم الكاتب الشاب "محمد الفخرانى"، الذى يجعل من الإنسان وحدة فى عالم متسع ومتنوع، يتآلف معه، ويتعايش، حتى أننا نقرأ أولى قصص مجموعته "قصص تلعب مع العالم"[1]، التى جعلت من الكرة الأرضية، كرة يلعب بها أطفال العالم ، تلك التى منحها عنوان "اللعب"، وكأن الكاتب لا يتخذ سمت البحث والجدية –المفترضة فى مثل هذه الحالات- ولكنه يلعب مع العالم، تلك اللعبة التى تفتقد الجدية –الظاهرية- وتأخذ سمت اللعب، رغم ما فيها من أسئلة وجودية، ورؤى فلسفية، والكثير من الخيال، الذى يعيش به وعليه الإنسان، وصولا لماهية وجوده. نجد –فى القصة القصيرة أيضا- النور والظلام، الموت والحياة، الحب والكذب، كلها أشياء غير مادية، جسدها الكاتب، وأجرى فى شراينها الحياة، لتعيش مع الإنسان، وتتعايش معه. وهو ما يعود بنا إلى روايته الواسعة باتساع الكون "ألف جناح للعالم"[2]. والتى يمارس فيها –الكاتب- اللعب أيضا، حيث يدخل بنا فى متاهات الواقع، وعبثية الخيال. فبينما تبدأ اللعبة وكأن الساردة هى التى حصلت على أوراق "الليل" وهى التى تقرأ فيها، نكتشف بعد ذلك أن الأوراق بحوزة الجدة، وكأنها الماضى يبعث للحاضر برسائله، ويخبرها فيها بما سوف يحدث. وكأننا أمام رؤية أن الإنسان "مجبر". فكل شئ مكتوب من قبل. ف"سيمويا" سوف تحب "دوفو"، ودوفو سوف يموت، وتتحقق النبوءة، بل إن "سيمويا" نفسها ترى حفيدتها { عرِفَتْ "سيمويا" أن الشابة هى حفيدتها "بينورا"، كانت مُنتبهة إلى أنها قرأتْ هذه المشاهد فى أوراق "الليل"،. ويستمر اللعب، حيث نجد أيضا الإنسان يتحول إلى أثير، ينفذ إلى عالم الموتى، ويتحدث مع البحر، وتتحول الصحراء إلى خُضرة، تلك التى استقرت فى وجدان الإنسان بالامتداد والصُفرة والرمل. وكأننا أمام تنويعات على لحن الوجود الإنسانى على الأرض، محكوم بالزمن، فعمره بالزمن، وأفعاله بالزمن،، الليل والنهار بالزمن.  خاصة، إذا قرأنا روايته الأخرى، "قبل أن يعرف البحر اسمه" ككناية عن الزمن الذى يلعب دورا أساسيا فى كل إبداعات الفخرانى، و"فاصل للدهشة" والتى تعود بنا إلى الإنسان الذى لازال يشعر بالدهشة، أو الإنسان الذى لازال يتمتع ببكارته الأولى ، والتى –أيضا- تحمل فى طياتها الزمن. وهو ما يسوقنا إلى قراءة العنوان الحالى "ألف جناح للعالم" والذى يعتبر مبتدأ النص، وما يسوقنا إلى البحث عن خبر ذلك المبتدأ، والذى نجده داخل النص.. ليس الزمن فقط، باعتبار الأجنحة هى ما يخرج بالإنسان خارج النطاق المحدود، أو تمكينه من الإنطلاق، والحرية، فسنجد أنه ينطلق بالإنسان متحررا من المكان، والزمان معا، وكأنه ضاق بالسجن الذى يعيش داخله منذ مولده، واسمه الجسد، أو اسمه الوطن، المربوط بعديد العوامل الشادَّة له إلى الأرض، وإلى المحدودية، وإذا كنا لم نر ذلك إلا فى الأساطير، التى مر عليها آلاف الأعوام. والتى كانت تقوم –أيضا- على الصراع، وإن كان الصراع فيها يقوم بين الإنسان والآلهة، أو تنفيذ الإنسان لعقوبات الآلهة، وهو ما يمكن القول معه أن محمد الفخرانى يصنع أسطورة جديدة، إلا أنها لا تقوم على الصراع، وإنما هى عملية هروب من الصراع، إلى المتعة، والتناغم، والاستمتاع، مستخدمة ذات التقنية، الخيال، وكأنه ليس جناح الإنسان للخروج، وإنما هو آلاف الأجنحة، يستطيع بها أن يجوب أبعاد العالم، والذى يضم فى تكوينه أرضنا المحدودة، والتى لاتمثل أكثر من ذرة رمل فى محيط هذا العالم. وهذا -ربما- يجيبنا عن السؤال الذى تردد فى أذهاننا من البداية عن استخدام الأسماء-غير العربية- والتى تبدو غريبة فى الكثير منها. حيث يمكن النظر إليها بأنها ليست أسماء أرضية ، وعربية مثل التى ألفناها، وإنما هى أسماء وقوانين ونظم غريبة عن أرضنا المحدودة، وليصبح التجانس المادى والمعنوى، هو الفضاء الذى يشكل تلك الرواية المتفردة، برؤيتها، والمتطلبة للدخول إليها، التحلى بالصبر والتأمل، والتمعن فيما هو... خارج الصندوق. فتبدأ الرحلة –اللعبة- البحث عن النهار.

تكمن البداية – لكل شئ- بالحلم ، فحين تحلم "سيمويا" بأنها رأت أما وابنيها، تجدا أناسا يتحدثون عنهم، تسألهم أتعرفونهم؟ أرأهم أحد منكم" فتندهش، وتحكى لجدتها التى تطلب منها أن تنام وتحلم بهم من جديد حتى يتعرف عليهم أولئك الذين يتحدثون عنهم دون أن يروهم، فتسأل جدتها { "تقصدين أنى بعد أن أراهم فى أحلامى يصير لهم وجود حقيقى؟" أومأتْ دون أن تتوقف، لحقْتُ بها. قلت "لو أن هذا صحيحًا بطريقة ما، سأكون مسئولة عما يحدث لهم، ليس هذا فقط، وإنما إبقائهم على قيد الحياة أيضًا"

"لماذا تكونين مسئولة؟ أنتِ تحلمين، لا يمكنكِ أن تتحكّمى فى أحلامك"

"لكنى أُسرّبُ لها أفكارى، أعتقد أننا نشارك فى تشكيل أحلامنا بطريقة ما، لا يمكننى القول أنى غير مسئولة كُليًا، خاصة فى حالة الأم وطفليها"

"ما زالت هناك طريقة واحدة لمعرفة ما يحدث لهم"

 "أن أنام وأحلم بهم"

"لو كنتِ مهتمة أن تعرفى"}.

وكأن الرحلة كلها بدأت بحلم، حلم الإجابة عن الأسئلة، حلم المعرفة. معرفة أسرار ذلك العالم المجهول، والضَّاج بالأسئلة، دون إجابات، أو إجابات غير محددة. 

ولنتبين أن "اللعبة" التى يلعبها الكاتب، ليست بالمعنى السطحي والعام للعبة، كما يراها العامة، ولكن لكل لعبة أصولها، وقواعدها. والكاتب هنا تسلح بالعلم، وبأصول الحلم، الذى يقول عنها فرويد {أما فيما يتصل بعنصر الحلم، فقد رأينا أنه ليس بطبيعته شيئا اساسيا، ليس فكرة أصلية، بل هو بديل عن شئ آخر يجهله العالم-كما نجهل المقاصد المستترة وراء هفواتنا- بديل عن شئ يعيه الحالم، تمتنع عليه معرفته}[3]. فعندما تقول {"لكنى أُسرّبُ لها أفكارى، أعتقد أننا نشارك فى تشكيل أحلامنا بطريقة ما}. فهى تؤمن بأن الأحلام ما هى إلا إنعكاس لأفكارنا، أو ترجمة لها ولحياتنا فى اليقظة. حتى أنه إذا نظرنا للرواية بأحداثها ورحلتها، على أنها حلم عاشته الساردة- كرؤية أخرى، او مدخل آخر للنفاذ إلى مضمونها- فهو طريقنا إلى النفاذ إلى أعماق الساردة والرواية، ورؤيتها لما حولها، او هى ترجمة لرغبة دفينة فى الأعماق.

وقد حرص الكاتب على ألا يتوه منه القارئ فى دهاليز تلك الرحلة، بين الجبال والبحار والفراشات والأسماك، فركز تلك الرحلة فى فقرات محدودة، حيث تكون بداية الرحلة ومسيرتها فى { فكّرْتُ فى السلالة التى أنتمى إليها: إناث بلا أب أو أم أو أبناء، تعيش الواحدة منّا حفيدة لفترة من حياتها، ثم تصير جدّة، تُحب الشيكولاتة، تمرّ بقصة حب غير عاديّة، تخرج مع حفيدتها فى رحلة غريبة وتموت قبل نهايتها، هذا يعنى أن لكل واحدة منّا رحلتين، الأولى، تكون فيها حفيدة وتَدفن جدّتها، الثانية، تكون فيها جدّة وتدفنها حفيدتها؟ لا بد أنى أكتشف مع الوقت، تساءَلْتُ، متى أحصل على حفيدتى، ومتى تبدأ قصة حُبّى؟}.

و لتأتى النهاية مع نزول الساردة إلى البئر، ربما للتطهر، وربما لتصوير الحياة التى عاشتها بالخيال، وبالاتساع، لتعود ثانية، حيث تعود الأشياء لطبيعتها، وتضيق الحياة من جديد { خلعَتْ ملابسها، نزلَتْ البئر، ظهرَتْ سمكة ملوّنة بالقرب منها، بطريق، دُب، زرافة، حصان، فهد، ظلّتْ البئر تتسع حتى صارت العالم كله، ظهر لها بشر، حيوانات، وطيور.رأت وجه جدّتها، الفتاة التى أعطتها أوراق "الليل"، حفيدتها "بينورا" ..... بدأتْ البئر تضيق، تختفى الكائنات تدريجيًا، كان وجه جدّتها قبل الأخير، ظلّ وجه "دوفو" معها للنهاية، عندما اختفى عادت البئر إلى حجمها الطبيعى}. ليقذف الكاتب بالقارئ نحو قراءة جديدة، ورؤية جديدة، تشير إلى أن هذا الاتساع وهذا الجمال، وهذه السباحة فى عالم الخيال، كانت مصاحبة لحالة الحب، التى عاشتها – بأعماقها، وبأحاسيسها مع زميل العمل، والحبيب "دوفو"... وعندما مات... ماتت الأحلام، وعادت {البئر إلى حجمها الطبيعى}. وليعطينا مبرر آخر وتبرير لاختياره أن تكون للعمل بطلة، لا بطل.

التقنية الروائية

كما أوضحنا سابقا، أن الكاتب بنى روايته على اللعب، تداخل فيها الواقعى مع الخيال، وتداخلت فيها الأزمنة، وتحدثت فيها المرئيات، الأمر الذى كان التركيز فيها، مطلبا قرائيا، غير أنه استطاع أن يُترجم ذلك التداخل بين الوهم والحقيقة، فى العديد من المواقف، التى تُوقع الساردة نفسها فى الحيرة، وهو ما يجعلنا نعيش تلك الحيرة، وكأننا نعايش الشخصية، ونعيش معها قلقها وحيرتها،مثل{ فتاة عابرة وجدتُها نائمة فى سريرى، صارت روحًا أخرى لى فى هذا العالم}.

و { أوشكْتُ أن أقول شيئًا، تساءلْتُ مع نفسى، هل رأيت البحر وأُمّ الطفلين حقيقة، وحلمْتُ بشارع الأرصفة، أم رأيت شارع الأرصفة حقيقة، وحلمْتُ بالبحر وأُم الطفلين، كان الاثنان حلمًا؟ حقيقة؟ هناك فارق؟}. و{شعرْتُ بالزمن مختلفًا، الماضى مُستقبل، والمستقبل ماضٍ، والحاضر أرجوحة تتحرّك بينهما بحبل يتقطّع، شعرْتُ أن هؤلاء الثلاثة الصغار، الحاضر، المستقبل، والماضى، مُجرّد أوهام، نقاط صغيرة وسط عالم لا ينتهى من نقاط الزمن}.

وقد ترجم الكاتب ذلك عمليا، بجعل الشخصيات الرئيسية فى العمل هما الساردة"سيمويا" وجدتها فريليا". دون أن يكون لإحداهن أب أو أم..حيث تمثل العلاقة بينهما الزمن فى أقرب صوره.. وأن العلاقة بينهما قائمة دائما، وحيث نرى فى النهاية، أن "سمويا" تضع أوراق (النهار) لحفيدتها "بينورا"

دون أن يكون لها زوج أو أبناء، الأمر الذى يؤكد رمزية العلاقة، التى تعنى الزمن. وهو ما كان واضحا فى عمليات التنقل بين الأزمنة جميعا، دون سابق إنذار، الأمر الذى يتطلب من القارئ اليقظة الدائمة، والتنقل غير الممهد له، غير أن حبكة الرواية تظل موجودة، والرؤية الدقيقة لمسيرتها تُبقى التقنية الروائية، كخيط هلامى، او غير مرئى. فبنى الكاتب روايته على خطين متوازيين، وإن تشابكا فى كثير من الأحيان، خاصة فى مساحات الخيال التى سيطرت على كلاهما. أما الخط الأول، فما يمكن أن نقول عليه الخط الواقعى- وإن لم يفقد الكثير من الرمزية – وهو خط الساردة "سيمويا" والجدة "فريليا"، وبعض من لقاءت الساردة مع زميل رحلتها "ديفو". وكيف أن العلاقة تسير طبيعية، دون أب أو أم، وكأن الكاتب قد ألغى المسافة البينية، تأكيدا لأن ما يعترى الساردة، هو نفس ما يعترى الجدة، بوضعها الرمزى، أو أن ذات الأسئلة التى تثور فى أعماق الساردة- المعاصرة- هى ذات الأسئلة التى راودت الإنسان منذ القديم، وكأن شيئا لم يتكشف طوال تلك السنين. حيث تجد الساردة (سيمويا اكسلينور)  أنها ستصبح جدة ل(بينورا) وكما تسلمت من جدتها(فريليا) – أوراق الليل- ستسلمها حفيدتها أوراق النهار، وكأن الكاتب بتلك الأوراق يزرع الأمل فى المستقبل، أو على أقل تقدير، هو يأمل أن يكون كذلك. فحين تسأل الحفيدة الجدة عن أبيها وأمها يدور الحوار { سألتُها بصوت مرتفع "هل يمكن أن تقولى لى شيئًا عن أمى وأبى؟"

انتظرَتْ حتى أكملَتْ دورة. قالت "تمنّيتُ ألا تسألينى أبدًا"

 "لماذا؟"

"لأن حفيدتكِ ستسألك هذا السؤال يومًا ما؟"

 "كيف عرفتِ؟"

 أسرعَتْ فى دورانها.

"لأنكِ سألتِنى، أنا أيضًا سألْتُ جدّتى عن أبى وأمى، وقالت إن حفيدتى ستسألنى لأنى سألتها"

 توقّفْتُ عن الدوران.

 "وماذا قالت لكِ؟"

توقفَتْ جدّتى، نظرَتْ فى عينىّ.

"قالت إنها لا تعرف شيئًا عنهما، لأنها بالأساس لم تكن أُمًا يومًا، ولم ترغب أن تكون، مثلما لم يكن لها أب ولا أم، ولم تشعر أبدًا برغبة أن تكون إبنة"}. وكأن الكاتب هنا يُخرج الشخصيات من وضعها الطبيعى، كبشر، ليضعهما على طاولة البحث، والنظر إليهما علىالوضع الرمزى.

فتقول الجدة للحفيدة  {يمكننى أن أعرف هذا، كما أنك سألتِنى عن أمك وأبيك، وهذا يجعلكِ امتدادًا للسلالة}. فهكذا تدور الحياة، جيل يسلم جيلا، والليل يسلم للنهار. فهنا تتجسد رؤية الحياة على الأرض.

أما الخط الثانى، والذى يمكن أن نقول عليه الخط الخيالى، فهو كل ما يتصل برحلات البحث، والعلاقة مع زميل الرحلة "دوفو" والطيار، والقبطان فى سفينة الماضى. وقد اختار الكاتب "السفينة" وكأننا أمام سفينة نوح، تلك التى حملت (من كلٍ زوجين اثنين) ليبدأ بهما العالم من جديد، أى أننا أمام طفولة العالم. والتى فيها قابلت الساردة، أولئك الذين ماتوا من مئات السنين، غير أنهم يعودون أحياء للساردة فقط، ويتحاورون معها، ويعرفون أسرارها، وما حدث لها، كما لو أننا أمام ذاكرة العالم. وهنا.. تأتى الإشارة إلى تناسخ الأرواح، وأن روح الساردة، سوف تحل فى جسد آخر، لا تعرف لمن سيكون.

كما قسم –الكاتب- روايته على نوعين من العنونة. أولاها الترقيم العادى، والثانى ظل على عنوان واحد هو "الليل" وكأن عملية العنونة تحمل فى طياتها التنقل بين الواقعى –الترقيم- والخيالى –الليل- وليظل الليل فارضا وجوده على أجواء أو كابوسية الرؤية الدلالية للمشهد، وليظل الليل هو المهيمن عليها.

عاشت سيمويا تبحث عن النهار، عن الضوء، فجاءت أوراق "بينورا"-جدة الجدة وحفيدة الساردة- تحت مسمى الليل، لتبين رؤية الرواية التى تبحث فى الغموض، أو المجهول، الذى يكتنف العالم الذى تعيشه الشخوص -فى أرض الواقع- بينما الصخور والجبال والبحيرات على الجانب الآخر، تُشع بالنور، بل تتغير حالتها المادية إذا ما غابت الشمس- التى تظهر فى العالم الخيالى، أو المُرْتجى. وهو ما يوضح، أننا نعيش فى عالمين، عالم الواقع – المرفوض، والمزدحم بالمنفرات والمنغصات، وعالم الخيال الذى تكثر فيه الموسيقى، وتكثر فيه البهجة- ظهور المهرجين- وتتحول البحيرات إلى العسل المتماوج خفيفا، ويُستمع فيه إلى المرئى، ويشاهد فيه الأصوات، ويُسمع فيه صوت الجبل، وهو ما يدعو للنظر إلى غياب النهار على أنه الموت، وما رأته الساردة ليس إلا فى العالم الآخر، ليستدعى المشهد الكوميديا الإلهية لدانتى(1265 – 1321م) و "رسالة الغفران" لأبى العلاء المعرى (973 – 1057م). حيث العالم الآخر له أحكامه وقوانينه التى تختلف عن أحكام وقوانين عالمنا الملئ بالشرور، بينما يمتلئ هو بالسلام والمحبة. فنقرا ما يؤيد تلك الرؤية{ وصلَ الرجل إلى شارع هادئ، فيه رجال، نساء، وأطفال، كلهم مّمددون على الأرض، نظرَ فى وجوههم عن قُرْب بحنوّ، مسحَ رؤوسهم، توقّفَ عند شابة نائمة فى وضع الجنين، فتحَ فمه قليلاً، أَدخلَ فيه طرَفَى سبّابته وإبهامه، أَخرجَهُما وهو يُمسكُ شريطًا شفافًا كأنه حالة بين النور والماء، وصدَرَ عنه صوت مزيج من رقرقة الماء وانسكاب النور، لم أرَ روحًا من قبل، لكنى عرفْتُ أنها روح الرجل، سحبَها كاملة من داخله، ازدادت طولاً وعرْضًا، كانت نسخة شفافة عنه، أَمسكَ طرفيها العلويين بأطراف أصابعه، رفعَها بمواجهته مثلما يتفرّجُ شخص على ملابسه قبل أن يرتديها، رأيت فى نور القمر أصابعه الرقيقة والأظافر النظيفة}. وكذلك { سمعْتُ صوت ماء يترقرق، تلفّتُ حولى، رأيت من بعيد خَطًا يتلألأ على الأرض، قادم باتجاهنا، تحوّل إلى قناة عرضُها متر، مرّت بجوارنا. شرِبنا، وملأنا الزمزميّتَين}. بل إن الكثير من الإشارات التى تحيل إلى ماذكره القرآن عن الحياة فى الجنة، مثلما فى [مَثلُ الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم][4] فتقول الرواية{بدأتْ البحيرات تتفكّك، تصاعدَتْ منها رائحة العسل، رفّتْ حوافها كأنها فراشات دبّتْ فيها الحياة، فى الوقت نفسه بدأ الجبل يَشعّ نورًا من أماكن متفرقة دون أن يصدر عنه صوت، حتى تحوّلَ إلى كتلة من نور}. فالمقابلة هنا، بين غياب النهار –فى العالم الواقعى- وحضوره –فى العالم الخيالى- يؤكد سيادة الليل، أو الظلام، الذى يكتنفه الغموض، والخوف، والترقب، والذى معه يغيب الحب، وتغيب الموسيقى، وتغيب بهجة الألوان فى عالمنا، وسيادتهما فى العالم الآخر.

فإذا ما نظرنا إلى عالم الألوان، نجد أنها تظهر فى عالمنا على شكل قوس قزح[5]، الذى يشغلنا المطر حين ظهوره، فلا نستمتع بتجانس الألوان، ودفقاته الشعورية التى تلقى بظلالها على المشهد والرائين فى العالم الآخر{وجدا عند نهايته أرضًا عبارة عن سبعة دوائر داخل بعضها بعضًا، تفصل بينها مسافات متساوية، ولكل واحدة منها لون مختلف. الدائرة الخارجية زرقاء، الثانية بنفسجيّة، الثالثة بيضاء، الرابعة حمراء، الخامسة برتقالية، السادسة صفراء، السابعة خضراء، وفى المركز نقطة صغيرة تنبض}. ثارت المشاعر، وحضر الحلم والرومانسية { شعروا أنهم  يمشون فى المساحات الحالمة من العالم، حيث المطر، الموسيقا، والمشاعر العميقة، فيه حجرة نوم السماء وأسرار قلبها، الأزرق أكثر مكان تحدث فيه قصص الحب من النظرة الأولى. وبدأ كل منهم يتخيل، رؤيته للألوان المتشكل منها"قوس قزح": قالت سيمويا "الأزرق، أحلام البحر"} { قال دوفو " البنفسجى، أحلام الليل"} { قال كاريسكا "الأبيض، حِبْر الأسئلة"} { قال دوفو "الأحمر، وعْد الغواية"} { قالت سيمويا "البرتقالى، محبوب الشمس"} { قال دوفو "الأصفر، طائر اللعب"} { قال كاريسكا "الأخضر، دم الطبيعة"} { قال كاريسكا "قلب الأرض"}. ولنلحظ أن الساردة ذكرت عن تلك الألوان المُشَكِلة لقوس فزح بأن { وفى المركز نقطة صغيرة تنبض}، حيث النبض يعنى الحياة، والحياة تتكون من ليل ونهار ، وتذكر الساردة أن الآخر صديق الأول، وكأن هذه الظاهرة الأرضية، ليست أرضية فقط، ولكنها تربط ما بين الأرض والسماء، بين الليل والنهار{الليل والنهار متقابلان فى السماء، أحدهما يُغطّى جانبًا من العالم، وصديقه يُغطّى الجانب الآخر، ومن خَطّ التقائهما ينعكس على الأرض شريط أثيرىّ شفّاف، ليس نورًا ولا لونًا، إنما مزيج من روحَى الليل والنهار، عَرْضُه خطوة واحدة، ويمتد إلى ما لا نهاية، يبدو ساكنًا على الأرض وفى الوقت نفسه طافٍ فى الهواء، كأنه أَصْلٌ وصدى}.

كما استطاع أن يُسرب العديد من الرؤى، التى تؤكد البحث الجاد عن عملية الهروب الاحتجاجى، والبحث عن الحياة فوق الحياة. فعندما يريد التأكيد على أن عملية الانتقال، من الواقع إلى المأمول، بعملية الموت، يصرح بأنها عملية ليست بالدرجة التى يتشبث فيها الإنسان بالحياة، فلو علم، فلن يتشبث بها { تعرفين جدّتى؟ أعتقد أنك تعرفين، الموت ليس بهذا السوء، فقط جميل وحزين}.

وهذا ما ينفذ بنا إلى الدراسة النفسية التى تقدمها الرواية، فإذا كان الموت، لا يستدعى كل ذلك الحرص على الحياة، فإنما نشأ ذلك من أعماق الإنسان ذاته، من شعوره أو خوفه من الغد والمجهول، فعندما ترى الساردة الخوف بيتا على البعيد، يشرح لها ذلك المرشد الوهمى "وايدو" {قال "وايدو" "نرى على الضفة الأخرى كل يوم ما يبدو أنه بيت جديد، لكنه ليس بيتًا فى الحقيقة، إنما المعنى نفسه، أو الشعور، وقد تشكّلَ بيتًا، مرة يكون سعادة، أو حزنًا، حُبًا، وِحْدة، أو شيئًا آخر"، صمَتَ لحظة وهو يتطلّع إلى البيت."اليوم كان الخوف، لكنه لن يكون موجودًا عند منتصف نهار الغد، سيمرّ فوقه سرب طيور فى هذا الموعد، ويُغطّيه بظلّ كبير يُخفيه عنّا، وبعد أن يمرّ نرى بيتًا جديدًا، أو بالأحرى شعورًا جديدًا"}.

وتؤكد الرواية تلك الرؤية، عندما تُفلسف الساردة تعاملها مع الشيكولاته، والبنية منها تحديدا، تلك التى كانت تغلف كل الحياة بالنسبة لها فى ذلك العالم، ربما لتؤكد أنه فى هذا العالم، يجد الإنسان ما يحبه ويتمناه { قالت سيمويا "تعرفان، الشيكولاتة البُنيّة هى الشيكولاتة الحقيقية، لا يمكنكَ القول أنك أكلْتَ شيكولاتة لو لم يكن لونها بُنّى}. بل إنها عندما تريد إبلاغ الحبيب بحبها، تمنحه بعضا منها، فظلت تتبادل مع "دوفو" قضماتها، عندما كان عليها أن تبلغه بحبها. كما تفرق بين تعامل كل من الرجل والمرأة مع الشيكولاته، وكأنها تحدد طبيعة كل من الرجل والمرأة مع الأشياء، وبما يبرر لماذا جعل الكاتب بطل روايته إمرأة، وليست رجلا؟ لأن المرأة تنظر للأشياء بالعاطفة، وتُفتن بالألوان والموسيقى التى توحى بالرومانسية، التى تجذبها أكثر من الرجل، وهى العناصر التى وصف بها الكاتب تلك الحياة الأخرى {"الرجل لا يُعامِل الشيكولاتة مثلما تُعاملها المرأة، أنتم تمزّقون غلافها بقسوة، كأنكم تغتصبونها، تأكلونها بلا إحساس، فقط لتسدّوا جوعكم، المرأة تفتح غلاف الشيكولاتة برقّة، تحافظ عليه كأنه قطعة من ملابسها، تأكلها للمتعة، السعادة، واللذّة"، نقرَتْ ذقنه نقرَة خفيفة بسبّابتها}. ولتؤكد الساردة تلك الرؤية، تعرض الرواية موقفا آخر {صعدْتُ إلى قمة الجبل، وجدْتُ زهورًا من نور تتمايل برفق مع الهواء، بِرَك مياه صغيرة تسبح فيها أسماك، وفى الهواء عصافير، وفراشات تطير على مهل، أحاطنى سرب منها لدقائق، تفرّق فراشة بعد أخرى......... تلفّتُ حولى، رأيتُ البعض يقطفون الأزهار، فتتحوّل على الفور إلى رذاذ وتتلاشى، توقّعْتُ أن شيئًا مثل هذا يحدث مع الفهود، الوعول، الفراشات، وبقية كائنات الجبل}.

وتتبدل الأشياءن مع التغيرات النفسية، فتتحول من رؤية أرضية، لرؤية متسامية، لحياة كلها سلام وطمأنينة، ويتحول المحدود إلى كون واسع مثل البحر، ذلك الذى ارتبط فى أذهان أهل الأرض بالموجات المتضاربة، والعمق الغامض، والمجهول، إلى عالم كاملن لينفتح العالم، ليصبح بلا قيود، أو حدود{البحر أكبر عراء فى العالم، أكبر بيت، تشرّد وسَكَنْ، خوف وأمان، هو للجميع وليس لأحد، جَموح، مغامر، يصاحب القراصنة، البحّارة والصيادين، الإنس، الجن، والعفاريت، المجانين والحكماء، المذنبين والأبرياء، السفن والقوارب، السماء والأرض، الليل والنهار، الرمل واللؤلؤ، المحكوم لهم بالحياة والمحكوم عليهم بالموت، والمتبرّعين بحياتهم للحياة، يُصاحب ما لا نعرف، لا يفرق بين أحد، حُرّ، بلا منبع ولا مصب، لا ينتمى لأحد أو مكان أو وقت، ولا يحمل هويّة. البحر هويّة نفسه}. وهو ما تسعى، وتتمنى الساردة أن تكونه.. الحرية، والانطلاق.

ومن الأشياء التى ساقها الكاتب، دون تصريح، لتكشف عن رؤيته للحياة، وللواقع على الأرض، فى وطننا العربى كله، والتى تعتبر أحد دعائم تخلفه، هى الاتكالية، والمصادفة. فحين تقف الساردة بيعدة –قليلا- عن زميلها "دوفو" تمطر السماء عليها وحدها المطر، ذلك الذى تحبه –أيضا- بل تعشقه، فيسألها "دوفو" لماذا أمطرت الدنيا عليك وحدك؟ ولتجيبه {كَوْننا لا نعرف كيف أو لماذا حدث شىء ما، لا يحوّله هذا إلى مصادفة، لذا، لستُ مطالبة بتقديم تفسير عن كيف أو لماذا أمطرَتْ علىّ مرتين فى مقابر الورد"}. وكأنها ترفض ذلك التبرير الحاضر كلما واجه الإنسان العربى شيئا، ويسعى بإلقاء اللوم على غيره، وكأنه لا يخطئ أبدا. وكما تسوق الرواية، من تكرار قراءة الأحداث قبل وقوعها، ثم تقع كما قرأتها فى "أوراق الليل"، لتوحى بأن مصير الإنسان مكتوب ومحسوم، من قبل، وما هو إلا مسير، فاستنام إلى ذلك، فهناك دائما من يحمل عنه مبررات أخطائه. ولنصبح أمام رواية مدهشة، تحتمل الكثير من التأويل، والكثير من الرؤى، يتصورها القارى توهان وتغييب، بالخيال عن الواقع، بينما هى تنغرس فى جوهر الواقع، وتعرى فلسفة تخلفه وتراجعه، ليتدبر القارئ، ويتمعن، عل يوما يجئ ، نجد فيه الإنسان على الأرض يعيش تلك الحياة التى استغرقت كل تلك الرحلة المرهقة، الممتعة، والتى تاه فيها القارئ مع الزمن، فلا يدرى أهو الحاضر أو الماضى، أم المستقبل؟ أنشا فيها محمد الفخراى، عالما مما يتوق إليه الإنسان ، ذلك الذى لا يرى فيه إلا الموسيقى، ولايسمع إلا الأنهار، ولا يشعر فيه إلا بالزروع، وبالخضرة. عالم يتسع للخيال وللحرية، فإذا كان كل من دانتى، والمعرى قد زرعا الآخرة فى عمليهما، متضمنا وجهى العملة، الجنة والجحيم، الجنة والنار، بينما الفخرانى لم ير، ولم يرينا إلا الوجه المضئ فيها، فرغم غياب النهار، راح يبحث عنه، بعد أن هرب منه. وليثبت أن "للعالم ألف جناح" ليطير ويبحث عن متعة التخيل، والعيش مع الأمانى، والبحث فى استمرار الرحلة، المستخْدْمِة مطية الزمن فى أعماله الأخرى. والتى توحى بالأمل مع الحفيدة الجديدة، فيُعْدُ لها "أوراق النهار".

 

 

[1] - محمد الفخرانى- قصص تلعب مع العالم – ميريت للطباعة والنشر  - 2011.

[2] - محمد الفخرانى –ألف جناح للعالم- الكتب خان للنشر والتوزيع – 2016.

[3] - سيجمند فرويد – محاضرات تمهيدية فى التحليل النفسى- ترجمة د أحمد عزت راجح –مراحة محمد فتحى -مكتبة الأنجلو المصرية 2008 ص93.

[4] - الآية 15 من سورة محمد

[5]- قوس قزح: ألوان قوس قزح يتكّون قوس قزح من العديد من الألوان المرئيّة التي تتضمّن على اللون الأحمر، واللون البرتقالي، واللون الأصفر، واللون الأخضر، واللون الأزرق، واللون النيلي، واللون البنفسجي مرتبة من الخارج للداخل، هذا كما يوجد ما يقارب مليون لون في قوس قزح، ولكن تُعد هذه الألوان غير مرئيّة؛ لذا لا يُمكن رؤيتها كباقي الألوان الأخرى.