الظل الذي كان يجاوره على المقعد، كان أسود داكنا، وخشنا، وله أنياب حادة ونظرات شرسة، لم يتعود من ظله أن يكون بهذا الجفاف والقسوة، لكنه اليوم يشعل مقعده سخونة وعنفاَ، لم يتحمل امتداده الأسود القاتم ، هب واقفا ليتجنب التصاقه به، امتد الظل على الأرض حتى وصل إلى الرصيف الآخر. كانت العربات تدوس الظل بلا رحمة، وكان سعيداً بتعذيب ظله، لكن عين الظل الغولية ظلت تلصقه بأهدابها دون أن تهرب من العجلات الثقيلة والقذرة، أراد لو أنه يدحرج على الظل حجراً ثقيلاً يثبته في الأرض لينهي ذلك الألم، كان الحجر ثقيلاً جداً، والظل كخرير الماء انساب من ثنايا الصخر، وظل ينظر إليه ويبرز أنيابه، تَلَفَّتَ إلى المشاة بجواره، كان البعض يحمل أكياساً وهموما، والبعض لا يحمل إلا فكرة أو جنونا، وظلالهم تجري خلفهم في استكانة واستسلام ارتعب حين فكر أن ظله قد ينقض عليه ليفترسه لو رآه وحيدا .
قرب محطة الأتوبيس كانت الناس تجري لتلحق قصصها الحياتية، توقف في مهب البشر. وجعل الظل يمتد حتى رأس المحطة، كانت الأقدام المسرعة تدوس الظل ولا تبالي، كانت ظلالهم تلتصق بظله وتختلط معه ؛ لكنها تظل جافلة منه وسعيدة بتخلصها منه، هو فقط لم يستطع أن يتخلص من الظل القائم، وظل يسحبه وراءه معتلاً وحزينا، وكان الظل ينمو وتطول أظافره كلما ابتعد عن المدينة وكلما فارقته الأقدام الدواسة .
فجأة برزت للظل عين نارية وشرر، فجرى خلف رعبه والظل متمسك بأقدامه يحاول أن يشده للأرض، فلا هو يهرب من ظله ولا الظل يفلح في إيقافه عن الركض، كانت قفزاته هائلة، ولم يدر في أي اتجاه يسلك. لما اصطدم فجأةً بجدار عريض، استند إليه يلهث، والتفت ليرى ظله فلم يجده .. كان ظل الجدار قد ابتلعه، فهدأ روعه واستكان، وجلس يلتقط أنفاسه المتقطعة والمتسارعة، ولم يدر أن عضلاته ارتخت وجفناه ثقلا، ولم يشعر إلا سيخا شمسيا يدخل من أذنه اليمنى ويخرج من الأخرى، ونظر فرأى رأس الظل وقد انحنى ليبدأ في أكل قدمه فانتفض مذعوراً، سحب ظله الشرير ونأى حيث الشجرة العملاقة ليربطه بها، لكنها رفضت لأنها لا تأمن لظلال الآخرين. عجز عن التفكير، وعن الركض والقفز، وعن الهروب ... رأى عجوزاً تماشي كلبها المتوحش، توقف الكلب ورفع رجله الخلفية ليبول، فاقترب حتى صار رأس ظله تحت رجل الكلب، ابتل الظل وانتشى هو، حاسبًا أن الشرارات انطفأت، لكنها لم تنطفئ .
عاد الظل ليتبعه، والرائحة الكريهة وبعض الأشواك المسروقة من جذع الشجرة، كانت أضلاعه تغلي كقطعة لحم صغيرة في قدر من الماء، تكوم الظل تحت رجله وكأنه سقط من جسده، وحين حاول أن يدفن الظل وجد أنه مضطر لأن يدفن نفسه معه؛ فكف عن المحاولة، وعاود الركض حتى أطفأت الشمس مصابيحها وتساوت رؤوس البشر والأشجار والصخور الغليظة، توقف حين اختفى امتداده الأرضي، كان يلهث وجد أنه يشتهي أن ينام على صدرها، وجد أنه اقترب جداً من جدرانها تركته حين جاء تاجر العنب ليخطبها، ثم عادت إليه ليلاً حين اكتشفت أن تاجر العنب لا يسكر .. ما قال «لا»، لكنه أبدى مزيداً من المراحب !
اشتهى أن يشكو إليها قصة الظل الشرير المكسو بالبول والأشواك توجه نحو الدرجات المكسورة التي اعتاد ارتياد القداسة من خلالها، وجد كومة من القمامة تسد الدرجات، ود لو استطاع أن يأمر الظل القذر برفع القمامة، لكن الظل كان قد تلاشى، ثم إنه ليس ممن يسمعون الكلام فيتبعون أحسنه ، ليته يختفى من كل الصباحات .
متأفقا صار برفع الكومات القذرة وهو يلقي بها على قارعة الطريق، ظهرت الدرجة الأولى الدرجة الثانية مغطاة بطحالب ميتة وأسرار كونية بائدة، هاجمه خوف فطري لا يعرف التكوم أو الإنسلاخ، توجس من امتداد يده نحو الدرجة الثانية، لكن اشتهاءه لها كان غزيراً والرغبة في البكاء تأكله، لم يحتط كثيرا، واصل العمل على رفع الموانع، يداه المرتجفتان استندتا على جدار عكسي الاتجاه، فإذا بنور أزرق يملأ عينيه وسمعه، وإذا بظله يتعملق من جديد ويصير الهول الذي لا يقهر ، هاجمته الرائحة الكريهة، والأشواك انغرست بأصابعه، توجع وهو يرتد كالريح اصطدم بصخرة، عاد أدراجه يلعن القذارة والدرجات وصدرها المشتهى وكل تجار العنب وأصناف الفاكهة وكل الألوان الخضراء.
كان رأسه منتكسا، وشفتاه متدليتين إلى الأسفل، وعيناه تكادان أن تسقطا أرضاً وهو يبحث عن ظل - أو بقايا ظل - قد يعض ساقه ، لم يكن من ظلال حوله، قال لنفسه : لابد من قتل الظلال في صغرها قبل أن تكبر وتصير ماجنه ، قال إن صغار الظلال قادرة على الطيران فوق الرؤوس، وقادرة على العبث بالأدمغة ، تمنى لو أنه قتل ظله في صغره .
تذكر الصغير الذي ولدته الزوجة الأولى منذ عشر سنين في القرية البعيدة ولم يره حتى اليوم، لابد أن للصغير اليوم ظلاً في حجم الأرجوحة ، ليت الصغير يخنق ظله من الآن فتتقدم ساعاته المريرة ! تمنى لو أنه أملى للصغير ما عليه أن يفعله الآن، لكنه تذكر أنه لا يعرف أرض الصغير ولا يعرف أي سيد قائم بتربيته، أي طريق للمدرسة يسلك الآن؟ طأطأ الرأس أكثر وحدث نفسه " ربما صادق الصغير ظله، وربما صار صديقه لأيام السفر، وربما عليه أن يتحمل بعض أوزار الآخرين، أو عليه عبء الغفران اللذيذ ، أنا لن أكون أسير اشتعالات البراءة السخيفة في كفه الأبيض، يكفيني ما أنا فيه من ظل".
سار حتى توقف عن التفكير في الصغير وأمه المختلطة بالنسيان وحين رأى باب بيته أمامه دون أن يقصده دخل وأضاء النور ليهتدي للسرير، كان الظل الكريه في انتظاره امتلأ جو الغرفة بالبول والرطوبة والأشواك المنثورة أطفأ النور بسرعة فتحول المكان إلى ظل كبير أسود، عبوس صلب وبارد وحش جائع لا يفرق بين طائر الماء أو صوت القادم، سرمد هائل يحتل الأكوان ويساوي بين السماوات والأرض، ويملأ الغابات بحزنه وأسرابه السوداء. صمت لا نهائي يعربد في مسامعه، ويطفو عند توق تفاحته الآدمية ، قبل أن يختنق أضاء النور؛ فعاد الظل في شكل البشر المبهم، لم يتحمل عنفوانه الشمسي وانقض على الظل يخنقه بيده عجنه بين أصابعه كقميص متسخ، كقطعة صلصال، ورماه في صندوق خشبي ثم أحكم الغطاء، تنفس كذلك الصباح البعيد، وعاد للباب يوصده ويحكم ربط سلاسله فلا تتسرب منه الظلال، وجد قصاصة ورق تنفذ من عقب الباب "حسابك المصرفي قد وصل إلى الرقم الذي حددته، الديك المذبوح لم تهمل دماؤه، اطمئن لن يدري بما فعلت إلا ظلك الذي لا ينطق ".
التفت سريعا نحو الصندوق الخشبي والسر المحبوس بداخله، كان بول الكلب قد بلل القاعدة، والبقعة السوداء تتخلل موضع المسامير والشوك يعمل على فك طلاسم القفل، كان يرقب ولهاثه يعلو كالكلب البوال، استدار نحو المطبخ خطف الموقد الصغير من مكانه، أسرع به إلى الصندوق قبل أن تفرغ محتوياته من التسلل أفرغ قلب الموقد في قلب الصندوق، ثم قذف بعود ثقاب مشتعل على ذلك القلب الأسود، وجلس يرقب الدخان وهو يتصاعد.
بقول المثل الشعبى، عندما يصير ضجر الإنسان لذروته (أنا مش طايق نفسى)، وهو المثل الذى عبرت عنه الكاتبة القطرية هدى النعيمى فى قصتها الرائعة "الظل يحترق" والتى استطاعت فيها أن تعبر عن ذلك الضيق، بلغة شاعرية، تُضمر أكثر مما تُظهر، وتُكثف الحزن والمطاردة، فى كل مسيرة الحياة، منبثقا من عمق الماضى، مقترنا بالأصل الذى وجد منه، من الأم التى هى مصدر وجوده، ليطارده حين تتسع الدائرة وتخرج من الحيز المحدود إلى اتساع الحياة، متمثلا فى ظله الذى لا يفارقه، والذى يحمل معه الروائح الكريهة، التى تطارده، فلا يملك إلا ان يحرق صندوق الذكريات، الذى يحمل تلك الذكرى، وتلك الرائحة.
اعتمدت الكاتبة على روح الشعر، فنقلت الإحساس بالمطاردة، والإحساس بالغضب، قبل أن تسوق (حكاية) أسباب تلك الحالة، حيث أضغمتها فى ذلك الإحساس، وتركت للقارئ أن يبحث هو عما خلف هذه الإحسان.
فبدأت القصة بإضافاء ذلك الجو النفسى الذى يسيطر على السارد، أو الساردة، فلم تبح الكاتبة بنوعيته، فى إيحاء بالتساوى، أو عدم الفرق بين من يكون، سارد أو ساردة، لأنه إحساس الإبن، والإبنة معا { الظل الذي كان يجاوره على المقعد، كان أسود داكنا، وخشنا، وله أنياب حادة ونظرات شرسة، لم يتعود من ظله أن يكون بهذا الجفاف والقسوة، لكنه اليوم يشعل مقعده سخونة وعنفاَ، لم يتحمل امتداده الأسود القاتم}. فالمفقود هو الإحساس بالأمان، افحسان بالحض الدافئ، الذى يمنح الحب، ويمنح الانتماء فقد { وجد أنه يشتهي أن ينام على صدرها}. حيث تكشف الجملة عن كينون السارد، وكينونة المشكلة، ف(أنه) تُنبئ بأن السارد ذكر، كما توحى على صدرها بأنها الحبيبة، أو الأم، غير أنها –الكاتبة- فى موقع آخر تذكر{ سار حتى توقف عن التفكير في الصغير وأمه المختلطة بالنسيان}. لنتبين أن أسا المشكلة النفسية التى يعانى منها، هى الأم، وأن السارد -مرة أخرى- هو ذاته ذلك الطفل الذى كانهن عندما كانت الأم موجودة فى حياته، وكانت تمنحه الدفئ والحنان { توقف حين اختفى امتداده الأرضي}. فهو الامتداد (الأرضى) لتلك الأم التى { تركته حين جاء تاجر العنب ليخطبها، ثم عادت إليه ليلاً حين اكتشفت أن تاجر العنب لا يسكر}. فقد تركته، وإن كانت قد عادت، إلا أنها لم تعد لأجله، بل لأن تاجر العنب لا يسكر، بينما كان هو لا يملك أن يقول { «لا»، لكنه أبدى مزيداً من المراحب !}. ولنلجظ أن الكاتبة اختارت{ ثم عادت إليه ليلاً} حيث توحى كلمة (ليلا) بأكثر من إيحاء، فتوحى بما يحدث فى الليل، وأنها عادت إلى طفلها عندما وجد تاجر العنب لا يسكر، بما تكتنفه كلمة السكر. وتوحى بأنها عادت إليه (ليلا) بأنها عادت بعد أن كانت بذرة القلق والسواد قد استقرت فى النفس، وأصيح { يشتهى أن يشكو إليها قصة الظل الشرير المكسو بالبول والأشواك}.
ثم تأتى الكاتبة بإشارة ترمز إلى مراحل العمر، وكيف أن الظل، بما يحمله من رائحة تكم الأنوف عندما ذكرت{ توجه نحو الدرجات المكسورة التي اعتاد ارتياد القداسة من خلالها، وجد كومة من القمامة تسد الدرجات، ود لو استطاع أن يأمر الظل القذر برفع القمامة، لكن الظل كان قد تلاشى، ثم إنه ليس ممن يسمعون الكلام فيتبعون أحسنه ، ليته يختفى من كل الصباحات}. فالدرجات المكسورة هنا هى درجات العمر، التى أصبحت مكسورة، خاصة إذا تأملنا{ التي اعتاد ارتياد القداسة من خلالها}، فالقداسة هنا تشير إلى قداسة الأم. وبعد أن اصبحت تلك الذكرى تطارده أينما ذهب، فى الصباح وفى المساء، فى البيت وفى الشارع، فقد تملكه الغضب، والكره الذى طال كل الألوان الخضراء، ف{ عاد أدراجه يلعن القذارة والدرجات وصدرها المشتهى وكل تجار العنب وأصناف الفاكهة وكل الألوان الخضراء}. أى أن تلك الواقعة غير المسئولة، طارته طوال حياته، فما كان منه، عنما جاءته ورقة من عقب الباب لتخبره { الديك المذبوح لم تهمل دماؤه، اطمئن لن يدري بما فعلت إلا ظلك الذي لا ينطق"} فالديك المذبوح ليس إلا السارد، فكان طبيعيا أن{استدار نحو المطبخ خطف الموقد الصغير من مكانه، أسرع به إلى الصندوق قبل أن تفرغ محتوياته من التسلل أفرغ قلب الموقد في قلب الصندوق، ثم قذف بعود ثقاب مشتعل على ذلك القلب الأسود، وجلس يرقب الدخان وهو يتصاعد}. وكأنه أوقد الحريق فى صندوق ذكريات، ظنا منه أن بذلك يتخلص من الماضى الجاثم على حياته. اتكون القصة أصدق تعبيرا عن بدء التعبير الأدبى من الذات، وتنطلق منها إلى الدوائر المحيطة بها، صغيرة ثم كبير ولتتسع إلى أن تشمل الكون كله.