«وما الدنيا إلا مسرح كبير»
يوسف بك وهبي
إنعام
تمنت أن يمتد المسرح ليصبح بديلا عن الحياة لكن لا بد وأن يُسدل الستار. أمام المرآة المشروخة العتيقة ضحكت،وبعد ثلاثة مشاهد بأسلوب البانتوميم اصطنعت جمهورا وهميا وانحنت.
وإذا كنت لا تسكن معها ربما ستظن أنها مجنونة ،حواجب غليظة وتحت أنفها شوارب كثة كالأشواك واعتمرت عمامة وتلاعب عينيها وشفتيها ،لكن هذا لن يطول كثيرا،لأنها في ملل ألقت بكل ما فوق رأسها بعيدا وبان شعرها فضحكت ..أصبحت الآن امرأة عجوز بشوارب بعد مسرحيتها الفاشلة ورددت مع نفسها..: "لا.. لا.. لابد من متفرجين".
الخرق وأقنعة التقمص علّقتها على المشجب والجدار،وعلى الفور تململت على الحائط عرائس خشبية تربطها خيوط وعيون العرائس تتأهب لتنطلق وتنطق وتتأملها في شغف في انتظار دورها.إنها عرائس للمسرح وبشكل أو بآخر يمكنها أن تتكلم إذا طلبت منها ذلك.
إنعام عملت بالتدريس طوال حياتها لكنها لم تكن معلمة اعتيادية،وتعلّم على يديها الأطفال المسرح والتمثيل والغناء.. أربعون عاما كاملة.. يوما بعد يوم.. ألم يكن ذلك كافيا؟
لا.. فقد كانت ترجع لتعجن وتطبخ وتغسل..
أولادها الأربعة كانوا كلهم ذكورا وفي غاية الضخامة..
كثيرا ما سألت نفسها في استغراب:"كيف وجد كل هذا اللحم مكانا في جسدي؟"..
كانت جنسا وحيدا في هذا البيت لو أنجبت بنتا واحدة لساعدتها لكنها عاشت وكل يوم ينقبض لسانها معارضا كل السكان الحاضرين..
وفي صالتها نتيجة الحائط.. اليوم والشهر والسنة.. الأوراق لا تحس ولا تفهم.. تجاوزت الثمانين منذ سنوات.. ولا تريد أن تعرف الباقي.. وصديقاتها سيحضرن اليوم وتفرك يديها الآن متحمسة لتقليب السمك في الملح والتوابل.. بعد ساعات ستقف أمام الموقد وتدير مفتاح الغاز وتشعل النار..
ملابسها الفضفاضة تخفي مخدات الشحم على جسدها.. لا شك أنها ترهلت وفقدت رشاقتها وكل الأشياء معها من زمان..
لم تفرح بفستان الفرح الأبيض يوم تزوجت عبدالله..
يوم زفافها كان يمسك ذراعها ذاهبا إلى سرير العرس وكأنه يمشي وراء جنازة.. وكان غشوما.. ولم يتبق سوى بعض الألم ونزيف.. وكان أحد أولادها يسكن بطنها عندما تأكدت أن ذلك زوجها وأنها لن تطيقه، لكنه استمر في القفز عليها وظلت تنجب منه..
طوال عمرها عاشت ما بين لحظة الانتهاء من العمل والارتماء أخيرا في الفراش قبل أن يبدأ يوم أشد قسوة..
كان زوجها لا يساعدها لأنه لا يعرف موطئ قدمه أساسا.. في أيام الخطوبة كانت تتشابك أيديهما عند الخروج إلى الطريق وهما بعيدان كل البعد عن بعضهما.. لم تستطع أن تتقاسم قلبها معه..
تأملت الجدران.. كل يوم ندخل من الأبواب نفسها ونخرج.. ماذا نفعل؟ لا شيء..
كانت تقطع المسافة للمدرسة في نصف الساعة، يوميا تركب الأتوبيس 18 وتمشي تجر بطنها نحو نصف كيلومتر لتصل..
ومرت السنوات وكان النسيان تدريبها الدائم خلالها..
اليوم أجبرت نفسها على تذكر ما حدث لها في العام 1960.. ما الذي كانت تريد أن تتذكر؟ ليس مهما.. ربما كان عمرها 25.. شعرها مرفوعا للأعلى ذيل حصان والجوب قصير.. ترى ما كان أحب الملابس إلى قلبها وقتها؟ يبدو أنها فقدتها كلها مع سنوات الحمل وانتفاخ البطن.. لم يبق سوى ثياب فضفاضة تعيش بداخلها كبرميل.. أيام البلوزات الضيقة ذات الورد والفرحة بدوران الكعب وامتلاء النهد لن تعود.. كانت رقبتها تتراقص على ذيل الحصان وأحيانا تسدل شعرها على ذراعين ولا أجمل.. لكن كل ذلك ضاع.. وصار ما ترتديه وجوبيا لإخفاء العيوب..
محبطة تدفن رأسها في مخدة الصباح لتسأل نفسها: ماذا ينتظرني في ذلك اليوم الطويل؟ تغطي عينيها ووجهها وكفوفها وتدس رجليها داخل جوارب وتطل من داخل كل هذه الخرق على التليفزيون المطفأ.. تسكن الدور الأرضي واعتادت أن تلتقط بأذنها السليمة ضجيج الناس في الشارع عبر شبّاكها الخشبي الطويل.. بائع يتجادل على السعر مع مشترٍ.. أو يصيح ببضاعته.. تسليات الناس وأحاديثهم الفارغة.. وأحيانا غزل.. ولد وبنت وقفا تحت شباكها في تلك المساحة الخالية.. ولم ينتبها لمرور خيالها في الداخل.. يتهامسان.. كانا يتعاركان على المواعيد وعلى اللهفة.. لكن الولد والبنت اختفيا ولم يعودا أبدا..
تستمع إليهما في شغف.. ليس عندها قصص جديدة..
أخبرها يوما عبدالله أنه سيتركها وجمع بعض أغراضه في حقيبة واختفى.. ولم تعرف ماذا ستفعل بكل هؤلاء الأولاد؟ غاب أسبوعين وعاد ولم تستطع النوم أثناء رحيله.. لم تشكُ لأهلها لأنها اعتادت أن الأفضل أن تعيش بدونهم.. ولم تعرف هل ما جرى أمامها حقيقة فعلا وهل اختفى زوجها؟
غفت على حافة السرير ونامت بلا أحلام وكان الظلام قد مضى وأزال الصبح لليل أستارا..
في بداية زواجهما كان عبدالله يضربها بلا توقف باعتبار أن هذا حقه ولما رك من الخمر والحشيش اعتاد أن يتجول خيالا ذابلا وضربته يوما بالحذاء على رأسه فتوقف عن ضربها بلا سبب وتوقف أولادهما عن التلصص عليهما..
كم الساعة الآن؟ وألقت نظرة نحو النافذة..
بعض الكلمات تطارد أذنيها منذ أن تنبهت: "لا تضعي عيونك في جيوبك ولا تبكي على وفاء أحد.. "متى قرأت هذا؟ يبدو أن هذا جزء من حوار في مسرحية.. كانت مدرس أول للمسرح والنشاط المدرسي بمصر الجديدة أيام زمان.. حياتها كانت تعرج.. وساعدها المسرح على الاستمرار..
أتعبها عبدالله طوال العمر ولما مات خلا السرير وأصبحت تمد ساقها على الآخر..
حين تحركت من النوم مدت يدها نحو الكومدينو.. لم تجد النظارة في مكانها.. أين وضعتها؟.. لا تتذكر.. تستطيع السير في هذا البيت وهي مغمضة.. ليس ضروريا أن ترى شيئا هذا اليوم.. ستعيش على أذنيها..
لم تعد تخاف من البيت ولا من الظلام.. صمد هذا البناء القديم بحيطانه المقشرة في وجه الزمن.. حجارة حوائطه العتيقة عريضة ومتينة ولا يهم القشور.. عموما لن يسقط عليها الآن..
تحت مستطيل الضوء وشعاع الشمس القادم من الشباك اعتادت أن تقعد تحت الدفء وتفكك فساتينها القديمة وبلوزاتها وتصنع منها جوارب من القماش للبرد ومفارش للطاولات.. هناك أكوام من الكراتين المعبأة بقطن الخرق القديمة..
رمت شرائح البصل في الزيت وراقبت لونه الذهبي يهدده السواد.. طعم خادع يزور لسانها وهي تتذوق توابل طبق السلاطة اللازم للسمك صديقاتها سيهجمن عليها الآن حسب الاتفاق.. وكانت تراقب خروج البخار من طنجرة الأرز الكهربية وتتداعى ذكرياتها مثل مسار أعوج..
اغترابها الذهني راح بعيدا.. فاجأتها الذاكرة باللحظة التي تلقت فيها نبأ موت ابنها الرابع على التوالي.. كل شيء يعود بشكل صادم.. لكن هل سيعود فعلا أي شيء؟ يدها اليسرى ترتجف.. ومن الممكن أن تموت في أي لحظة.. وهذا ليس أمرا جديدا..
"لا تثق فيمن يدفنون الناس تحت الأرض" لا تتذكر أين قرأتها.. لكنها على ما يبدو إحدى عبارات الهنود الحمرالذين يرفعون أمواتهم لأعلى على محفات في مواجهة الريح..
شوحت بيدها.. تلك عبارة صادقة.. وعلى أفضل تقدير ستكون مثل هؤلاء الذين يلقونهم هناك في الظلام ويرحلون بعيدا عنهم..
هكذا كانت تنظر لكل الناس..
إن أحدا منهم لن يتوانى عن رفعك على آلة حدباء أو إلقائك في منخفض تحت أقدام الناس بعيدا بعد لفك في قماش أبيض ليعود ليقعد على الكرسي مسترخيا ليحتسي القهوة ويستمع للقرآن، بينما الدود يأكل عينيك وحواجبك.
أعظم ما فى الدنيا سحر المسرح وأن تأكل وتشرب وتذهب لتنام أما ما سوى ذلك هموم وأحزان..
سألتها صديقتها المشاغبة نادية: وإذا لم يدفنوهم.. ماذا يمكن أن يفعل الناس غير ذلك؟
لكنها شبكت يديها وظلت صامتة..
لم يكن لديها إجابة..
لقد فعلت هذا مع أولادها الأربعة وزوجها..
كانت تريد أن تمتلك فضاء لا يشاركها فيه أحد.. لكنهم لم يسمحوا بذلك أبدا.. وظلوا يركضون فوق رأسها.. حتى ماتوا جميعا.. وتركوها وحيدة شبه عاجزة..
دق جرس الباب وأخرجها عن تركيزها.. فتحت بلا تفكير ولم تكن إحدى صديقاتها..
جاء ساعي البريد مبكرا وأعطاها خطابين وبرقية.. لا تعرف ما في تلك الرسائل وهل هي قديمة أم جديدة لقد مات أولادها وانتهى زمن التلغرافات والعزاء والصبر والسلوان.. فما الجديد؟
شقيقتها تسأل عنها وخطاب من البنك يطلب مراجعته.. يظنون أنها ماتت أو يحاولون التأكد من موعد ذلك..
راقبت توقف تصاعد البخار على طنجرة الأرز.. وقلبت السمك داخل التوابل..
البرودة أمسكت بأعصابها وأرادت الاستلقاء هناك وغلبها النوم..
تذكرت أمها أيام زمان وسحبت اللحاف ليغطي جسدها وأذنيها من البرد..
ارتعشت.. وهي تتخيل نفسها.. في عمل كل يوم.. حاملة "سطل" الماء الأخضر في يدها من غرفة لأخرى.. لا.. لن تفعل ذلك اليوم.. فقد مسحت الأرض ليلا.. لا تفتح النوافذ كثيرا.. خوفا من التراب.. ولا أحد تقريبا يتنفس هنا.. ليشاركها الهواء..
من آخر الدنيا جاءت أمها.. ومعها أمها.. كانت المصافحة وقتها عشرة أصابع.. لكنها.. جدتها ذات الملامح الحادة.. وضعت كلتا يديها على يد أبيها.. وأقسمت على الخمسة عشر أن تزوّجه ابنتها.. وليتها ما فعلت..
عاشت تسب وتلعن ذلك اليوم.. قبل أن تموت فقدت ثلاثا من أصابع القسم واثنين من قدميها.. وكانت على سرير موتها كل صباح تعدّ أصابعها في غم وتقسم أن زوج ابنتها السبب.. ضربها بالحزن.. منذ أن رأت وجهه.. وترفع وجهها لأعلى وتكشف رأسها وتدعو عليه..
ماذا كانت تريد جدتها من أبيها؟ يقول أبوها إنها امرأة عاتية.. تظن نفسها رجلا بلا شوارب.. وفي عائلتها حكمت الرجال.. لكنها وقعت في آخر زمانها في قبضة رجل.. هي وابنتها.. والرجال الذين تعرفهم جدتها من عائلتها- ليسوا رجالا - ويهابونه.. فانزوت بعد أن منعها عن رؤية ابنتها الوحيدة.. والتزمت الصمت حتى ماتت.. وهي تعاقب أصابعها على ما فعلت..
أيامها كانت الشمس تميل نحو الشرق.. وتحت كل جدار قصة حزينة وطفل يبكي..
وكانت إنعام تلك الطفلة التي تتشوق لأن تكبر.. وتتخلص من مشاحنات كل هؤلاء الذين يسمونهم أقرباء كبارًا..
عبدالله هذا الذي تزوجته بقرار من أبيها على غير إرادتها لم يستمر طويلا وأكلته السنون وبعد موته كانت الأمور تسير بلا عناء الأولاد في المدارس وهي في المدرسة وأجبرتهم على مقاسمتها بعض شقاء البيت..
تخرجوا في الجامعة وصاروا ضباطا ومهندسين ومحاسبين، لكنهم يشاركون في كنس الشقة وشراء المستلزمات ونشر الغسيل.. وكانت في كل الأحوال تعمل كخادمة عليها القيام ببقية الوظائف والمهمات.. والآن لم يبق غيرها والجدران..
قفزت الأيام كعادتها بلا منطق.. ومات الأولاد وبقيت الجدات والأمهات.. وكان جيلا كاملا يودع الدنيا..
صديقاتها من زمان من أيام المدرسة سيحضرن اليوم، معلمات بلا فصول خرجن على المعاش يتكلمن ببطء حين يلوون شفاههن وكل واحدة تجر نفسها جرا..
تعتم الدنيا في عينيها في مطلع النهار حينما تتذكر ذلك.. لقد بقيت وحدها والكثيرون رحلوا.. وأغلب من سكنوا هذا الشارع هجروه.. صار الطريق بيوتًا قديمة ولم يفكروا في العودة إليه أبدا وهكذا حتى الشارع سيموت..
الغرف المغلقة أبدا مختنقة بروائح المرض والشيخوخة.. وموعد صديقاتها يقترب، وأخيرا وقفت على قدميها بالاستناد على الحائط وحاولت الوصول للهاتف الأرضي لتتصل.. لكنها توقفت.. هي تتحرك أم أنها الجدران؟ كل شيء يقفز أمامها.. من الدوار استراحت عند الكنبة المركونة بجوار النافذة..
الإحالة للمعاش قضية لم تطرحها على نفسها لكنها حدثت.. ومرت بعد ذلك سنوات وسنوات..
بقيت بشعرها غير الممشط وتلك إحدى فوائد الوحدة لن يراها أحد.. وألا تجد أحدا في البيت صار أمرا طبيعيا واعتادت عليه..
تضع يديها تحت الماء وتملأ كفوفها وتغسل عينيها وتقوم بتنشيف وجهها أمام المرآة.. شعر ذقنها عمره أسبوع الآن وما كل تلك البقع والندوب؟
عادت إلى الصالة.. تيبس جسدها من البرد وأزاحت الهاتف بعيدا وأصبحت أقل رغبة في الكلام..
في أول النهار مالت تنحدر نحو السوق القديم.. لم يتغير الشارع.. وإن بدا متهالكا أكثر مات بعض البشر والرصيف والشجر والدكاكين..
نصف ما يعرفه الناس عنها أكاذيب.. والباقي هي نفسها لا تعرفه..
تنتقى حبات الطماطم والباذنجان بعناية وأوراق الملوخية وترتبها داخل سلة الخضراوات.. هل نسيت شيئا؟
واستخرجت من جيبها ورقة مكتوبة بعناية بداخلها الطلبات..
لمحها أحد أصدقاء ابنها المرحوم مجدي وعبر إلى الجانب الآخر من الطريق وتوقف ليراقبها من بعيد فكر أن يساعدها لكنها كانت قوية إلى درجة تسمح لها بحمل الأشياء.. كان لا يدري ما يقوله لها في هذا الموقف وآثر الابتعاد كان لا يريد أن تتذكر برؤيته حزنها..
يستوقفها رجل طاعن في السن في السوق ليقول شاكرا إنه كان أحد تلاميذها.. كان يجر قدميه وابتسمت في دهشة وشكرته.. من كثرة الأطفال الذين مروا على فصولها صار مستحيلا أن تتذكرهم الآن..
تلك التصرفات تنذرها باقتراب الموت.. ويبدو أنها من زمن آخر..
إنهم يصافحونها في إعجاب من أجل مصلحتهم.. ويسألون أين أيامها؟ الكل يشكو الآن من الغياب الكامل من المدارس والدروس الخصوصية.. لم تفهم أبدا كيف تكون الفصول بلا تلاميذ ولا كيف يمكن أن تمد يدها في المدرسة للحصول على بعض جنيهات من هؤلاء الأطفال؟
ليس بعيدا أن يسخر منها هؤلاء الذين تلمح إعلاناتهم على الجدران وصنعوا ثروات هائلة من الدروس.. وهي ترتب بعناية مصروفاتها حتى لا تخرج عن حدود راتب المعاش.. استغنت منذ سنوات عن اللحم إلا قليلا.. والسمك يوم واحد في الأسبوع..
لكن كيف كان سيعيش هؤلاء المدرسون في هذا الغلاء.. رواتبهم لا تكفي..
ولم يعد التعليم رسالة.. فلم تعد هناك أي رسالة أصلا..
تأملت بقية الشارع وهي عائدة نحو البيت القديم.. الطريق تقدم في العمر هو الآخر وتهدم معظمه.. وعلى اليمين تلال من قمامة وفي المنتصف حفر ومستنقعات.. عند ناصية الشارع برج شاهق.. يغوص قلبها ولا تريد أن تراه.. هدموا البيت الجميل القديم..
هنا كان يسكن محمود.. وكان أول كل صباح ينتظر مرورها من الشباك.. وعبر المشربيات والأرابيسك تلمح عيناه صامتا..
كان لون البيت أبيض والشبابيك بلون الخشب وحوله حديقة ضيقة بداخلها شجرة خضراء وحيدة..
أرادت أن تحبه.. وكانت الأيام أسرع منها.. كان حبهما صامتا ومستحيلا وهي تجر خلفها كل هؤلاء الأطفال..
ولما كبروا صنعوا جدارا عازلا.. كان كل الشارع يتحدث عن الجدران الأربعة أولادها وطولهم وعرضهم.. وكان مجرد ظهورهم في الشارع إعلانا عن عصابة.. ولم يعد أمام محمود أي فرصة فرحل بعيدا..
جاء من آخر الدنيا لعزائها في وفاة ولدها الرابع.. كان كلاهما قد تهدّم ولم يعد منهما نفع في شيء.. صافحها متأثرا.. وذهب ولم يعد.. ويبدو أنه مات.. عندما أحضروه إلى داخل شقتها ليقف بين الحريم ليعزيها كان صوت القرآن بالسرادق في الخارج عاليا واستعادت اسمه عدة مرات قبل أن تدرك أنه هو..
لماذا رجع وما الذي كان يبحث عنه هذا المجنون؟ لقد رأت في ملامحه ما أصابها.. لم يعد لديه عضلات وخبا من عينيه ذاك البريق وتساقطت أسنان وبعض شعر الرأس.. لم تتعرف عليه إلا بعد أن أخبروها باسمه فارتعدت.. هو أيضا كان ذاهلا.. لا شك أنه وجد واحدة أخرى غير تلك التي أحبها..
الآن تندم لأنه جاء.. كان الأفضل أن يختفي لتظل صورتهما القديمة..
انتبهت لوصولها للبيت ولم يعد أمامها سوى تخطي الرصيف وثلاثة سلالم وقفز طفل وتحسست جيوبها لاستخراج المفتاح وركنت السلة على الأرض وبدأت تعافر لفتح الباب..
النور مضاء في إحدى الغرف.. هل نسيته أم أن هناك لصًا في الداخل تسلل في غيابها؟ تركت الباب مفتوحا وتوقفت مترددة.. هو الآن يبحث عن نقودها ومصوغاتها في غضب لأنه لم يجد شيئا.. لاشك أنه سيخنقها لتعترف ويقتلها بسهولة.. انتظرت أن تسمع أي صوت أو بادرة.. وكان الصمت سائدا.. يبدو أنه توقف بعد أن سمع صوت الباب.. قفزت القطة نحوها.. لكنها لم تعرف منها الإجابة.. لو كانت كلبا لعرفت أن هناك غريبا.. مرقت أمامها طفلة من الجيران طلبت منها أن تحمل السلة إلى الغرفة بآخر البيت وتضعها على الأرض ولما ذهبت ورجعت قافزة سعيدة عرفت أنها نسيت عند خروجها إطفاء النور.
إنها عجوز تخرّف.. لماذا يهاجمها اللصوص ولا يوجد لديها شيء؟ لا شك أن هذا لن يحدث أبدا.. إلا لو كان اللص شديد الغباء أو أعمى..
استراحت وأغلقت الباب.. وأدارت المذياع.. منذ وفاة أولادها.. يزورها أحيانا أحفادها ولم تعد لديها رغبة في تربية أولادا جدد.. لقد نشأوا على تربية أمهاتهم ولما مات آباؤهم انقطعت بهم كل صلة..
ابنها الرابع قفز من السيارة في يوم شتوي غائم مثل هذا كان يرتدي معطفا ثقيلا وعلى كتفيه نسر ونجوم ونزل ليقبّلها ويحتضنها ويودعها ويغيب شهورا في الصحراء.. وهناك قتله ناس لا يعرفونه.. ومات بدون أي مقدمات.. ويبدو أن ليس هناك سبب للموت.. كان معجبا بنفسه وبكونه ضابطا.. وكانت في آخر مرة تنظر إليه وتتأمل ما جرى.. طفلها الصغير صار ضابطا ولديه صلعة وشوارب.. وهاهو يتقدم في العمر..
هل تظنون أن هذا العالم يصنع نفسه؟ لا إننا نحن الذين نصنعه بكل شروره..
لقد قتله هؤلاء.. الذين لا تعرفهم.. كيف يقتل أتباع الشيوخ الذين يدافعون عن الإسلام ضباط الجيش؟ لا هذا ليس طبيعيا.. ما هذا العالم؟ ومتى ظهر هؤلاء الناس.. ؟
إنعام حين كانت تذهب للسوق ثم تعود للبيت وتطبخ للأطفال كانت تنسى أن تضع لنفسها صحنا على مائدة الطعام.. وتتخلص من تعب يومها بأن تنام..
الآن تحاول جاهدة جر ضوء الغرفة الضئيل لعينيها لترى شيئا..
لم تعد تستطيع إبقاء عينيها مفتوحتين من شدة التعب.. وزاد الأمر برد الشتاء والآن حين تضع البطانية على ركبتيها يصبح الأمر مقبولا..
حلت الشيخوخة ونزل هذيانها وامتلأت الأعضاء آلاما وانمحت القوة والقيام والقعود سيان كلاهما يؤلم..
لم يطل انتظارها طويلا.. رن جرس الباب وحضرن واحدة وراء الأخرى..
صديقاتها الباقيات على قيد الحياة اليوم عليها الدور باستضافتهن وبالمصادفة حضر الطبيب في موعده الدوري ليفحصها وهن موجودات.. أدخلته إلى غرفة نومها.. ومدت ذراعها واستخرج جهازا للقياس.. لماذا تكون مريضة؟ جئن وراءها..
: طمئنا يا دكتور.. حامل؟
قهقه الطبيب ضاحكا وكانت تلملم ملابسها لتخرج من تحت يديه.. عمرها خمسة وثمانون عاما على الأقل ويعرف أن زوجها ميت منذ سنوات بعيدة وطمثها انقطع.. لكن رؤوسهن المتطلعة في شغب واضح جعلته يدرك النكتة..
:صاحباتك هؤلاء.. يردن ولدا..
: ملاعين.. أين أذهب؟ .. نعم.. حامل.. أخرجي يا قليلة الأدب أنت وهي..
خرج الطبيب لهن.. وبدأت هي تستعيد تغطية يديها وتتدثر بالمعطف الثقيل.. وكن ما زلن صاخبات..
:حامل من مين؟
:من فريد الأطرش.. أصلها بتحبه من زمان..
نظر الطبيب نحوها ضاحكا كانت معلمة مدرسته وهو طفل وكانت مسؤولة عن الإذاعة المدرسية والمسرح وكانت حصتها من أحب حصص الفصول للأطفال..
قال باسما: قياس الضغط أفضل.. والسكر..
بذلت جهدا مضاعفا لكي يبقى فمها مغلقا أثناء وبعد فحص الطبيب.. أضاعت عمرها وهي تفعل الأشياء وعكسها تفتح الأبواب وتغلقها وتتسخ الأطباق وتغسلها وتنام لتصحو وتصحو لتنام.. إنها حتى الآن ليست مريضة.. لكنها عجوز.. وكادت تهاجمها عاصفة من البكاء.. أصبحت وكأنها طفل مفقود بلا أهل ولا حماية..
واليوم صاحباتها حضرن وصرن خمسة وفي الطريق سادسة..
لكن تلك حكاية أخرى..
سلوى
أمرها الطبيب بأن تخلع.. راحت ورجعت بنصف ثيابها.. ردد دون أن ينظر أو يلتفت بأن تتجرد عارية تماما وشعرت بالمهانة..
الزوج مات وأولادها رحلوا بعيدا وليس لديها سوى أن تكمل وحدها..
بدأ يفحص جهازها التناسلي بالمنظار..
وألصقتها الممرضة في جهاز يخص الأشعة وضغطت على ثديها بعنف فتركت نفسها للألم الصامت والطبيب يتأمل ثدييها كل واحد على حدة ويدقق..
لم يعد فيها ما يثير الرجال..
إنها تضمُر والغريب أن هذا النحول لا يزيل الشحوم والتجعدات وحدائقها القديمة لم يعد بها سوى أشواك..
في حجرة نومها سرير صغير ومقعد صغير أمامه مكتب صغير والحوائط عارية..
الستائر مسدلة والضوء خافت والصمت يروح ويجيء ويلف في دوائر..
تدريجيا بدأت تفقد الوعي.. ودماؤها وجدت طريقا.. والدائرة الحمراء تتسع على الأرض.. واللاب أمامها.. وهي وحيدة على الكرسي..
عشرات من الرسائل السلبية كانت تتلقاها كل يوم..
كل يوم كل يوم تصلها تلك الرسائل..
تستيقظ قبل الفجر وفي العتمة تمد يدها وتضغط على اللاب توب وتدخل في مستطيل النور..
وتهاجمها الرسائل وتبدأ في فتحها خائفة..
قالت تحريات الشرطة: "لا.. ليس هناك شخص آخر.. كانت تكتب رسائل تهديد بالقتل لنفسها طوال الوقت ومنذ سنوات"..
سلوى خرجت من الدنيا.. ووجدوها على الكرسي نازفة تحيطها بركة حمراء..
تناولت المخدر وقطعت شريانها لتنزف دماؤها ببطء تلك التي كتب عنها زمان مدرس الجغرافيا:
"مالت.. ليرقص نهدها.. لحنا يعذبني مدى أيامي"..
كانت بغمازتيها ورجليها الملفوفتين ونعومة ملامحها الأجمل بين معلمات المدرسة وشاعت القصيدة وكانت فضيحة وانتقل العاشق لمدرسة أخرى..
سلوى لم يعد لديها شيء من تلك الأنثى التي كانت.. سوى نفسها المختبئة داخل بعض خرق لا تريد أن تخرج منها..
حضرت الشغالة في غير موعدها ومعها المفتاح.. اتصلت بابنتها.. كانت نادرا ما تزورها وتسأل عنها أو تطلبها وأبلغت الشرطة وانقلبت الدنيا..
واللاب توب كان لا يزال مفتوحا..
وفي الأدراج بقايا أوراق لأطباء وتحاليل.. كانت تحارب زحف السرطان على مكامن ضعفها ووحدتها في وقت واحد..
رجعت إنعام من جنازتها.. وظلت تدور حول نفسها وتبحث في بيتها عن الكرسي الأخير.. وانكفأت بين الجدران الباردة.. وفي رأسها وأذنيها ترن معالم زيارتها الأخيرة لسلوى وبعضا من أوراقها وكلماتها.. قبل أن تتغيب سلوى عنها تماما منذ شهور..
كتبت سلوى بين السطور:
"الأربعاء.. يوم رمادي.. حتى الذباب لم يستطع خلاله أن يطير.. اشتريت كتابا بلا صفحات.. وقعدت أقرأ..
أريد أن أعرفكن بهذا السرير.. الذي أنام عليه.. لديه أربعة قوائم.. وفراشه حشية غليظة ومسند خشن..
مات عليه جدي وأبي وبعض أخوتي وأعمامي وآخرون ربما لا أعرفهم..
كان يقبع في ركن منعزل في بيت أختي الكبرى ويحملون إليه كل أصحاب اللحظات الأخيرة
ولما ماتت شقيقتي تفرق الأثاث..
وكان ذاك السرير نصيبي من الميراث..
أول الصباح.. أيقظت تلك البطة المسالمة والدجاجة الحمقاء وكتمت صوت الديك..
وذبحتهم جميعا..
لا أريد البيض.. ولا أحب الفجر.. والصياح
حبيبي.. واعدني بأن يطلق على رأسي النار عندما أبلغ الستين لكنه مات.. وصرت في ورطة..
هناك ما هو أسوأ من رائحة البراز.. ما من أحد كان يريد أن ينام بجانبي.."
ماتت سلوى.. وكانت كاتبة وشاعرة وعاشت وحدها بعد موت زوجها وزواج ابنتها الأخيرة.. وصار بيتها مزدحما بهم أخيرا..
وصديقات المدرسة حضرن للعزاء في أول الصباح.. وجلسن وحدهن في ركن بعيدا عن ثرثرة المعزيات.. وعند الظهيرة كن يتدحرجن من عندها عائدات كصناديق بلا رأس ولا أقدام..
يومها وعند الغروب راحت إنعام للعيادة مجهدة وقال لها الطبيب: أنت تتكلمين أحيانا مع الطاولة والثلاجة وموقد الغاز وهذا النوع من الهلاوس طبيعي جدا.. لكن إذا نطقت الطاولة أو تكلمت الثلاجة.. لابد أن أفحص رأسك فورا..
كانت قد بدأت تهاجمها أحاسيس الموت..
ومن يصدق هؤلاء الأطباء؟
إنها ستتدهور وسوف يجدونها مثل سلوى بجوار جدار ولا يعرف أحد لماذا ماتت؟
وحتى آخر الليل لم ينقطع رنين الهاتف للسؤال عما جرى لسلوى .
في الجنازة سألتها ضي: لم تقل سلوى أنها محبطة.. ونظرت إنعام بعيدا..
:لا.. قالت كثيرا.. وأخبرتنا جميعا..
أمسكتها من كتفها وهن خارجات.. حتى أوقفتها عن المشي..
:ماذا تقولين.. أنا لم أسمعها تشكو..
:لا.. فعلت.. كانت تنظر لنا في حزن وكأن العالم لا يتناسب معها.. وبدأت تختبئ في غرفتها كثيرا.. وعندما كانت تتمتم: لست جائعة.. كانت تخبرنا..
كانت لا ترد على الهاتف وتتحجج بالنعاس وتذهب لسريرها مبكرا ولا تريد أن تستيقظ..
وعندما التصقت بالجدران وتوقفت عن الخروج.. وعندما ارتدت ملابس داكنة مرارا..
وأخبرتنا بوجهها الشاحب وعينيها الحمراوين.. بأنها مريضة.. ولم نسأل.. وأخبرتنا بأنها تتألم وتموت حتى وهي تبتسم وتقول: أنا بخير..
كانت في أغلب وقتها تكتب مذكرات بحروف مبعثرة ورسومات غامضة.. ولم تعد تهتم بأن يقرأ لها أحد شيئا.. كانت تكتب لنفسها.. وتكره ما تكتبه.. وترسم صورا مفزعة لأشخاص يهددونها بالقتل بالسكين أو بالحبل أو بالنار..
عندما راحت ضي إلى المقعد الذي ماتت عليه سلوى.. وجهاز اللاب توب.. التقطت صورا لرسائل القتل.. سلوى كانت لا تجيد الرسم.. لكنها صنعت خربشات تبدو وكأنها بدائية لهؤلاء الذين تناوبوا على مخاوفها..
كان الشارع يهتز وهن ماضيات في طريق العودة.. قبل أن يتفرقن من جديد.. الآن ودعن بيت سلوى.. فلم يعد لهذا المكان وجود في حياتهن.. وأردفت إنعام:
كانت تخبرنا طوال الوقت.. بأنها تموت..
كن خمسا من الباقيات وكلهن وحيدات..
أنعام عرضت عليهن..
كل واحدة تستضيف الخمس الأخريات في بيتها يوما في الأسبوع وتعد الطعام والمشروبات وبرنامجا لليوم حسب رغبتهن..
من الثانية عشرة صباحا وحتى العاشرة مساء..
إنعام قالت:"أريد من هذا الاجتماع الدوري أن يساعدني على استعادة المسرح وأقف أمامكن وأتقمص الأدوار وأخرج مسرحيات" وصاحت نادية في إعجاب لتؤيدها:"نعم.. وسأرتدي ميني جيب وأرقص تويست وتشات شات شاه" وغمغمت رتيبة: "لو كان مسموحا سأشتري عسلية وكعوب قصب.." صرن ثلاثا، وقفزت إخلاص في سرعة: "سنتفرج على مباريات الكرة معا وعلى كلارك جيبل وأودري هيبورن ورشدي أباظة وسعاد حسني ويوسف بك وهبي وفاتن حمامة وليلى مراد" وفوق كل الكفوف وضعت يدها ضي ورددت: "أنا عموما مجنونة.. وأعشق المجانين"..
أذاعت إنعام الدستور الدائم:
" ليس مهما ما يجري في هذا العالم، لأننا سنصنع عالما آخر..
بيوتنا قريبة وحتى رتيبة البعيدة يمكنها الركوب مع إخلاص في سيارتها..
أول أهدافنا استعادة الأبلة الناظرة جيلان من بيت المسنين..
الناظرة سيكون عليها أن توافق على الدستور وتنضم وبعدها سنصبح ستا ويتبقى يوم واحد في الأسبوع من أجل الراحة التامة والقراءة ونظافة وصيانة البيت..
لن نترك للحياة أن تمشي بنا كما تريد ومسموح لأي واحدة أن تصنع مسرحية على هواها وتمثل وتغني وتلقي الشعر والنكتة وأن تشارك بالاستماع للأغنيات القديمة ومشاهدة مباريات الكرة والأفلام الأبيض والأسود.. "
كان أول يوم عند إنعام.. وبعد الأرز والسمك.. جاء الشاي وتدفقت من داخلهن الكلمات.. وبدأت كل واحدة منهن تحكي شذرات عن قصص غرامها الأولى ، ووقفت ضي وهن قاعدات على المساند لتعد على أصابعها الرجال الذين أحبتهم وقالت إنها تحتاج لآذانهن لثلاثة أشهر على الأقل.. وشوحت في وجهها رتيبة وضحكت نادية..
إخلاص
لا أحد يتحدث هنا غير الراديو والتليفزيون واللاب توب والمحمول.. وباستثناء الخادمة لم يعد هناك من يسأل عنها غير هؤلاء..
زميلاتها بمدرسة مصر الجديدة الابتدائية المشتركة..
اليوم يومها لاستضافتهن وبكت إخلاص مدرسة التربية الرياضية..
أجبرتها إنعام مدرسة الأنشطة والمسرح على تجربة الانتحار حزنا على روميو وارتداء فستان جولييت الأبيض..
صالتها واسعة وبيتها الفسيح على مستويين.. أزاحت إنعام المنضدة والكراسي وصار المستوى الأعلى مسرحا ورفعت في الخلفية بعض ملاءات السرير لتصنع فضاء ساكنا.. وأضاءت الأنوار على مغارة الموت وأطفأت كل المصابيح في المستوى الأدنى واختفت الكراسي ومن عليها..
كانت إنعام بعيدا عن بقعة الضوء قد تأهبت ووضعت فوق رأسها طرطورا وتحزمت لتتقمص دور روميو الداخل إلى المقبرة..
لكم تمنت إخلاص أن تنتحر وتنهي حياتها بتلك الطريقة الرومانسية وهي نائمة بجوار حبيبها.. لكن أيامها مضت خرساء بلا معنى.
قبل أن يموت احتضنها حبيبها في الفراش وظل كلاهما يرتجف كان خائفا عليها وكانت خائفة عليه..
لكنه مات.. مات قبل أن يتحرك هؤلاء القساوسة من أماكنهم.. كالأصنام لا يريدون أن يسمعوها.. ولما مات قررت أن تنتقم منهم بتغيير الملة.
تفعلها وهي لا تطلب شيئا من الكنيسة الجديدة..
حبيبها يرقد هناك بعيدا في المقابر وابنتها الوحيدة ماتت صغيرة وسافر الولد إلى أمريكا ولم يعد هناك سوى صوت بعيد..
وزوجها مازال كالحية الرقطاء يحاربها حتى لا تحصل على الطلاق من الكنيسة..
على المسرح شربت إخلاص عصير الجوافة في قارورة كدواء لتبدو ميتة وفقا لنصيحة الراهب ولما أفاقت في المقبرة كان روميو قد انتحر بالسم بجوارها حزنا عليها فطعنت نفسها بخنجره لتودع الدنيا وتمددت بجواره وبكت..
وشعرت براحة بعد أن أغرقتها الدموع..
وفي مقاعد المتفرجين ظلت رتيبة في الظلام تتأملها صامتة ولم تسخر منها نادية كالمعتاد..
كانت إخلاص معلمة التربية الرياضية بالمدرسة وأكثرهن رشاقة ولما استلقت ميتة راضية شعرت رتيبة بكل ما بداخلها وطفرت من عينيها دموع..
أخبرتها بقصة حبها لدانيال وعواء الكنيسة في وجهيهما بمنع الطلاق والزواج الثاني..
ولم يبق مسموحا سوى الزنا وحتى هذا صار ممنوعا بالموت..
ساعدتها إنعام على زيارة دانيال الميت واستلقت هناك بجواره..
دانيال كانت ستتزوجه حتى لو كان عمرها مئة عام.. لكنه مات ولا تريد أن تتذكر الآن كيف مات حتى لا تتألم..
أخبرتها شقيقته أنه ينتظرها هناك في الجانب الآخر، حيث لا قساوسة ولا حرومات ولا أحد يقف بين الرب والإنسان..
لقد ماتت الآن راضية وأغمضت عينيها على دموع..
كانت داخل فستان زفافها الأبيض عروسا في الثانية والثمانين.. تضع أحمر الشفاه ويقطر من بين رموشها مطر أسود يفسد العيون..
ابنها تركها هاربا من العنصرية والتطرف والآفاق المسدودة.. الإرهابيون يقتلون المسيحيين والمسلمين أيضًا.. لكنه لم يقتنع.. وبعد ثلاثين عاما عرف أن هناك أيضا من سيضطهدونه في أمريكا لأنه مصري..
ولم تعد كوارث مصر تكفيها وتصحو من الرعب على أخبار عن أعاصير في أمريكا وتنام خائفة مما يحدث في مصر.. وهو هناك لا يدري بما فعل..
تزوج أمريكية بعد أن تأخر طويلا وأنجب طفلا جميلا كان يقول لها: "أهلا ياتيتة.."، لكنه يفقد القدرة على الفهم بمجرد أن تبدأ بالكلام..
الأيام أكلت أسنانها وتهتمت وصنعت طاقما ميتا من الحجر ووضعت كاميرا ليشاهدها حفيدها ويتحدث معها لكن كان واضحا أنها بالنسبة لطفل مولود هناك ويريد أن يلعب شيئا مملا..
ابنها الغائب.. إنه لا يدرك أنها تريد أن ترى حفيدها الصغير وهو بأول تدريب سباحة وأن تساعده في تهجي الحروف في أول الدروس وأنها لن تلقي بالا ولو قلب البيت على رأسها.. ولا يعرف أن الذين طعنوا في السن لا يمر بهم أحد.. وأن حزنها يزداد في أيام الأعياد وعند تغير الفصول..
تهللت دموعها عندما تذكرته هو الآخر.. هل سيلحقها عندما ستموت.. ؟
دخل بقية الحاضرين في جماعة على المسرح عندما اكتشفوا موت الحبيبين روميو وجولييت.. وانتهت المسرحية بإسدال الستار وأضيئت الأنوار..
وساعدتها إنعام في التخلص من التاج والتخفف من الثوب بعد المشهد الأخير والتصفيق الحاد..
وصاح صوت رتيبة من الظلام: "كفاك يا روميو.. شكسبير لن يملأ بطوننا وأنت يا جولييت.. نريد أن نأكل"
وكانت ضي طوال الوقت تحتضن مقعدا خفيفا بالمقلوب وتلف سجائر رفيعة وتدخنها باستمتاع..
انفض المسرح وبدأ يعلو صوت الأطباق على مائدة السفرة.. وكانت ضي لا تزال تنفث دخانها الأزرق..
:كفاك.. هذا سم..
زجرتها رتيبة.. فهزت كتفيها في استهانة..
:لا.. هذا حشيش..
: لكنه يضرك؟
:لا.. وحتى لو كان ضارا فإنه يساعدني قليلا على تحمل الألم.. إنه يحملني بعيدا عن منطقة لا أريد البقاء فيها..
: ولماذا تهربين؟
: لأننا جميعا ذاهبات إلى الموت.. ونموت حتى إذا صنعنا حياة أخرى على خشبة المسرح الذي نصنعه بإرادتنا.. نحن نتحايل بكل ذلك لننسى..
نحن لا نحزن على موت آخر غريب، بل موتنا نحن، فنحن داخل تلك الأبدان التي تبعث فينا الحزن، ولا نملك شيئا..
: ما كل هذا الأسى؟
:إننا نبحث عن الحزن لنصل إلى الموت الحي، الموت الكامل، وعلينا أن نعتبر أنفسنا جثثا لنعبر عليها..
:لمَ لا تجربي الصلاة؟
:جربت.. وتألمت أكثر، وساعدني الحشيش..
:لكنه حرام..
:من قال هذا؟ الشيوخ؟ إنهم يقولون كل شيء وعكسه طوال الوقت..
:هذا كلام للهروب..
:لا.. هذه قوة اليأس.. والإيمان بعدم الجدوى.. نحن في أواخر أيامنا.. والزمن يمر بأقصى سرعة.. وكان قديما لا يريد أن يتحرك من مكانه..
عندما كنت صغيرة كان هناك طفل اسمه أسامة يسكن مع أسرته في الناحية الأخرى من شارعنا وكانت جدته تعيش معهم وبين الحين والآخر تخرج من المنزل ولا تعرف كيف تعود؟ وكان والدا أسامة يخرجان للبحث عنها وذات مرة غابت يوما كاملا وعندما وجداها كانت تحدق في كل ما حولها وغارقة في التراب.. وهتف والد أسامة قائلا: إنها ليست مريضة لقد كبرت فقط..
تلك الجارة أتذكرها في كل وقت..
رصت لهن جولييت العجوز بعد أن تخلصت من فستانها ودموعها أطباق بصارة باردة طهتها لأنها صائمة وبناء على طلب الجميع.. ومع البصل الأخضر عادت على المائدة بعض عناصر الحياة وحلقت العيون..
تراهن إخلاص على الصبر.. أملا في ولد لن يعود.. وبعد أن غادرن رفعت صوت الراديو وامتلأ المكان بصوت الأغنية..
"وحيدة أنت.. وسط كل هذا الزحام"
ما أقسى أن تكون هرمة وثرية ووحيدة.. سوف ترى في عيون الناس أن الكل يتطلع لموتها..
كانت صاحبة محلات شهيرة للملابس ورثتها عن أبيها.. وتعاني طوال الوقت من طمع العمال لأنها بلا رجل وعجوز..
:لمَ لا تطرديهم؟
سألتها إنعام قبل أن ترحل..
:وهل الذين سيأتون بعدهم أفضل؟ دعيني أتعامل مع لص أعرفه..
منذ أيام دخل عليها مدير المحلات.. وكان يبدو مجهدا لأنها لا تموت..
كان بشعره الأشيب وجلده الأجرب يقف كأحد الضباع والسعار يسيل من جانب فمه عندما يتكلم..
ووجدت نفسها تقول: "هل تظنني سأموت؟ لا تقلق سوف أرثك.. أنت مريض بالكلى والكبد وعمرك 50 عاما.. أنا عمري فوق ثمانين لكنني سأعيش بعدك".
رتيبة
رتيبة لا تعرف كيف تعيش..
السمينة المكومة في ركن الصالة لم تختلف ملامح وجهها كثيرا عن زمان.. كانت مشهورة بأنها تعشق زوجها بجنون، لم تنجب ولم يتزوج عليها وحتى بعد أن زاد وزنها وانتفخ ثدياها وكأن الزاد لا يذهب إلا إلى صدرها ظل يعشقها ويلاعبها وفي كل مرة تبكي وتطلب منه الزواج من أخرى لينجب طفلا..
الآن صار نصفها الأعلى أقرب للكرة.. مدرسة اللغة العربية مات زوجها بجوارها على السرير بعد خروجها على المعاش بنصف عام وودعته كما يليق بمحبوب وتحرص على قراءة أجزاء من القرآن على روحه..
حمودة زوجها لم يسألها أين تذهب ولم يمنعها من رؤية أحد أبدا..
لم يكن وسيما لكنه كان يحبها ولا يقدر على الحياة بدونها ويسلمها أول الشهر راتبه وينام سعيدا..
كان حبه ينمو طوبة فوق طوبة حتى صار شاهقا وصنعت لنفسها قيودا من أجله وأصبحت عيناها لا ترى غيره..
عندما مات وتقدمت في العمر صارت تنسى.. وتتكلم مع نفسها.. وتتكلم معه.. وتزور سريرهما أكثر من خمس مرات في اليوم.. وتنام بشكل متقطع وتصحو بعد ساعة غالبا.. منهكة بدون كفايتها من الراحة.. وعلى الفور يتجمع في عينيها حوض دموع.. غاب حمودة.. وحلمها بألا تصبح سمينة صار مستحيلا وبلا معنى لأن حبيبها مات..
في هذه الحياة لم يعش أحد بكامل حريته..
وحتى بعد أن أصبحت وحيدة تحاصرها القيود..
حمودة في آخر أيامه.. كان يفقد النور تدريجيا.. ويظل يحفر في الكتاب حتى تكل عيناه.. كان لا يرى شيئا تقريبا حتى ينظر خارج عينيه..
تحملته سنوات..
كانت أبسطهن حالا.. وعند زيارتها في بيتها نصبت لهن سبورة وقررت تحفيظهن بعض سور القرآن ولما تضعضعت إنعام فتحت يديها وضربتها بالمسطرة على راحتيها ولما راحت لإخلاص لتضربها راحت في الضحك قائلة:
"أنا مسيحية يا أبلة"
عيد ميلاد رتيبة كان يوما للتاريخ اشترت ضي درجا من خشب يرتب لها وينظم مواعيد الدواء ويظهر متى تم تناول الدواء لآخر مرة وفي أي ساعة وأي يوم.
وأعلنت نادية صاحبة التورتة أنها لم تشترِ شمعا لأن رتيبة عمرها الآن لا يقل عن مئة ألف عام..
واستلت إنعام سكينا وقالت: أخيرا سأتمكن من تمزيق وجهك..
كانت صورة وجهها على التورتة وبكت رتيبة وقالت: أنا لم يكن عندي عيد ميلاد أبدا وحتى عندما كنت صغيرة أفهموني أنه حرام..
وانتشرت في الشقة الضيقة عناقيد الزينة والطراطير والبالونات وارتفعت أصوات الزمامير..
أصرت رتيبة على إشعال النار في وجهها وإيقاد اللهب كن يقفن في دائرة حول منضدة السفرة المتواضعة وراحت لدرج في أحد أركان المطبخ وأحضرت شمعة الطوارئ التي تختزنها لتشعلها عندما تنقطع الكهرباء كانت الشمعة عجوزا وسمينة ولها كرش من كثرة تساقط الدموع الشاحبة..
وقالت: هذه مثلي.. عمرها مئة ألف سنة.
بيت رتيبة هذا الذي تدور سلالمه الضيقة في نصف متر يقع في آخر الدنيا ويصعدن نحوه بصعوبة تقطع الأنفاس،ووصفت ضي يوم زيارتها المقرر على الجدول بيوم الهول العظيم..
سكنت في حي قديم مع حبيبها الوحيد وكانت ضي عندما تغيظها تغني في دلال: "حمودة فايت يا بنت الجيران.. حمودة حاسب.. أنا خايفة موت.. حمودة حاسب.. أنا سامعة صوت" وتتأمل صوره على الحوائط وتتابعها وتلاعب حواجبها أمامه وتغازله وتعلن عن قدراته الهائلة فتصمت رتيبة في خجل..
ليس من حق أحد أن يعرف بما كان بينها وبينه.. لقد كان لها وحدها وكانت له وحده..
في غرفة النوم مازالت بيجامته على المشجب وملابسه الداخلية تحتل نصف الدولاب.. وروائح وعطور وبعض من الكبريت وعلب السجائر..
كل شيء يمر سريعا والطبيعي في هذه الحياة الأحزان.. الاستثناء هو الفرح..
رتيبة في شبابها كانت قنبلة متفجرة تكاد تخرج من ملابسها ودارت على كل شباب الحي.. كانت تظن أنها لن تكتفي من جنس الرجال وأن رجلا واحدا لن يكفيها..
لكنه حمودة.. هزمها بالضربة القاضية.. ويوم تزوجته وغلّقت الأبواب ظل تائها أمامها.. خلعت التاج والفستان.. وخفضت النور.. كانت متاهة من اللحم ثديان ناهدان وحلمتان نافرتان وبطن داعج وأرداف وارفة..
توقف أمام عينيها وشفتيها حائرا وقال: لا أعرف؟
كان لا يزال قاعدا على الكرسي.. ويومها ارتجفت.. وأوقفته وخلعت حذاءه وملابسه.. قطعة قطعة.. وقبلته في شفتيه حتى ارتوت.. واحتضنته حتى دار رأسها وراحت معه إلى السرير ورمت بكل سراويلها ودخلت معه تحت الغطاء.. كان محتدما وضاجعته وضبطت نفسها تصرخ وبعد أن ذابت كان لا يزال يحتضنها وهمست: أنت تفعل بداخلي كل شيء.. كل شيء..
حاولت نادية أن تستفزها ومعها ضي للتحدث عن حمودة ولو قبل الزواج.. لكنها أبعدتهما.. وفاجأتهن جميعا وأدارت الراديو القديم الكبير.. وخفضت الأضواء.. وضبطت المؤشر.. وانطلق الصوت عند الخامسة..
"ألف ليلة وليلة.. كل ليلة ليلة.. ها.. ها.. هاهاااا.. "..
"بلغني أيها الملك السعيد.. ذو الرأي الرشيد.. أن الأمير حمدان.. لما جلس على صدر الإيوان.. طاب له عرش الزمان.. وجاء ليخطب وده ملوك الإنس والجان"..
وانكمشن عند سماع صوت الساحرة العجوز وعروس البحور وظللن غارقات حتى انتبهن على صوت زوزو نبيل تتثاءب وتتنهد لتنهي الحلقة: "مولاي"
وصاح الديك..
رحلت نادية مع محمد محمود شعبان وكورساكوف لسنوات مراهقتها الأولى.. ومسلسل الخامسة في الإذاعة وحلقات سحر رمضان..
كانت سنوات التبرع بالدم والتطوع للقتال وأمجاد يا عرب أمجاد وأزمات في السكر والدقيق والكيروسين.. لكنهم كانوا سعداء.. سنحارب..
نذهب للمدارس بمريول واحد وحذاء يعالج ونعود لمراجعة الدرس..
لم يكن هناك تليفزيون ولا حتى بوتاجاز.. فقط كان هذا الراديو..
أول مرة خرجت مع حبيبها كانت الناس مشغولة مع: "حسن ونعيمة" وتنهدات الحبيبين تعلو لتعلن عن نفسها في الراديو وكان المسلسل وقتها ثورة من نوع جديد.. ليس الأجانب فقط الذين عندهم روميو وجولييت.. ومن حق البنات أن تحب..وعندما قابلته عند أول الميدان وضعت يدها في يده..
جارها في الشارع ويغازلها من الشباك وينتظرها وهي تتفتح منذ سنوات.. وبعد أن كانت تنظر نحوه في غضب لانت.. وصارت تنتظر إشاراته.. وبعد قليل صارت تقلدها..
كانت في الإعدادية نهدها مازال في حجم كف اليد داخل القميص الأبيض والجوب الأزرق قصير..
راحت معه وشربت عصيرا وتمشيا على الكورنيش وكانت خائفة أن يراها أحد ولما قعدت معه على الدكة وضع يده عليها في حنان ومع الغروب سكن الشارع وانشغل الناس بالمسلسل فاحتضنها طويلا ومن بين خصلات شعرها تسلل ومال ليقبّلها ولما لامست حواف شواربه شفتيها زقزقت عصافير واختفى الناس والنيل..
رجعت للبيت لاهثة.. لا.. لن تستطيع الحياة بدونه..
لم يتزوجها.. كان طالبا مثلها وجيبه خاليا إلا من القبلات..
إنعام أعادتها ألف ليلة وليلة وصوت زوزو نبيل لمعارك أمها مع أبيها خصوصا في رمضان.. وقبل مدفع الإفطار.. دائما تتسرب حكايات.. كانت جدتها هناك تشعل النار من خلف ستار.. لتنطلق الشتائم والتهديدات من الأب.. فتبتلع أمها الإهانات صاغرة.. ليفطر الأطفال على الخوف.. في الأيام المباركة..
إنعام اقتنعت بأن هذا قدر كل امرأة على وجه الأرض.. أن تواجه رجلا عاتيا.. وتسعى لترويضه.. وحتى شهرزاد ذات الحسن الساحر والحكايات.. كان كل هدفها مع شهريار أن تتفادى شروره..
وكانت تسأل نفسها دائما:هل شهرزاد أحبته؟
اعتدلت نادية.. وأخبرتهم بأنها قرأت النسخة الأصلية لليالي قبل حذف المقاطع الإباحية منها.. وعلى الفور لمعت عيونهن وانطلقت الضحكات والتففن حولها في فضول بعد أن أسهبت في وصف أبي العروق والبطن الداعج كالعجين الخمران والهراش والعكم والعض..
قالت ضي وهي تنفث بعضا من سيجارتها: "إنها شهرزاد.. تسيطر على عقل شهريار بالحكايات.. وبالاستثارة الجنسية تمتلك جسده.. ولا يبق شيء خطر.. من صاحب السيف والنطع الراغب في أن يقتلها.. "
وهزت إنعام رأسها في أسى.. وتمتمت:"هل كان ضروريا إرضاء ذلك الدموي الظالم؟"
قالت إخلاص: "هو أيضا مسكين.. كان ينتقم.. زوجته رآها تحت عبد أسود.. تتلوى"..
وتمتمت نادية: "كان الأفضل أن تقتله شهرزاد.. حتى لو توقفت الليالي "
تركتهن رتيبة وراحت بعيدا عنهن وعن الراديو..
كان كل ما يحدث كابوس وسينتهي وحبيبها سيعود وبرغم مشاهدتها لما يجري ومشاركتها في الغسل والتكفين وإجراءات الدفن لم تستوعب ما تراه..
ازداد حنينها إليه والإحساس بوجوده معها في كل مكان.. تتذكر حركاته وتسمع صوته وتلمحه وهو خارج من الحمام ليذهب تحت اللحاف ويختفي وينام..
رفعت الغطاء ولم تجد شيئا وبقيت تنتحب..
إنها تسمع صوته فعلا وتراه وتلوم نفسها لأنها قصّرت.. كيف سمحت لنفسها وهي نائمة أن يموت؟
نادية
لن تلعب الورق معهن مرة أخرى.. هزمنها بجدارة.. أيديهن خفيفة.. لا شك أنهن يسرقن.. والأنكى أنهن أجبرنها على الرقص.. لخسارتها.. وانطلق صوت ضي وهي تدق الطبلة في خلاعة : "خلى بالك يا ولا خلي بالك.. أمي وابويا ضربوني علشانك"..
حزمتها إخلاص وأعادتها الأغنية إلى شجن قديم وهزت نفسها بدلال وظلت ترقص وتميل وتتثنى وسط صياحهن حتى شعرت بالدوار وأغرقها العرق وارتمت مجهدة..
مع قليل من النعناع تحسن مزاجها كثيرا.. وكانت ممددة على الكنبة.. عندما فرشت ضي ورق الكوتشينة إلى جوارها.. وبدأت تقرأ لها البخت..
كانت لا تسمعها.. فقد مرت أيامها وهي تقطع المسافات ما بين الغرفة والمطبخ وحدها.. جلدها شاخ والشحم تهدل على بطنها.. وعاشت برغم موت السنين من حولها..
القمر لم يتغير لكنها الأيام تغيرت..
لم تصمد قصة غرامها طويلا في زمن المراهقة.. وتعايشت مع زوجها هذا العتل وجدار يفصل بين غرفتيهما حتى لا تراه..
زوجوها من رجل يقتل روحها لم يمسك يدها يوما ولم يُسمعها كلمة حب وكان يلجأ إلى الصمم وعدم السمع كسلاح يستعين به لإسكاتها وإفحامها لكن هذا التصرف العدواني انتقام قصير الأجل فقد كان معظم الوقت لا يصغى لها وتتفرغ جهدها لترغمه على الإصغاء وكلما تتمادى في محاولتها تمادى هو في الانصراف والابتعاد..
يسمح لها أحيانا بأن تتكلم عن الزواج وإغضائه عما يحوجها لكنه لا يسمح لها أبدا بالكلام عن عواطفها ومخاوفها أو علاقتها بأولادها..
في الطريق وفي المدرسة كان هناك دائما من يغازلها وهو يهينها ويضربها ويجاهر بعلاقاته الغرامية لكنها صبرت عليه عشرين عاما كاملة وليتها ما فعلت زوى جمالها وضاعت أيامها ورضيت بأن تكون خادمة لمن لا يستحق..
وعندما ضبطته كانت الخادمة طفلة تموء وهو يتوسل لها ليرى صدرها وهي لا تعرف ما الذي يريده منها هذا الرجل فهي مازالت طفلة عذراء..
ولم يعتذر وجلس مسترخيا لمشاهدة إحدى المباريات..
يومها كانت أمام النارتدور حول نفسها لتعد من أجل أولادها ومن أجله الطعام وتجرعت في حلقها ألما لا يزول ولما لملمت الخرق ووضعتها في داخل الغسالة قررت أن تخونه ولو مع كلب أجرب..
وأن واجبها أن يعرف أنها تخونه وأنه ليس رجلا..
رتبت وأطفالها في المدارس ليراها عارية على السرير مع كلب عابر.. فتحي حارس السيارات نصف المجرم كان يتعمد في حذر أن يعترض طريقها ليحادثها ولما وافقته أبدى دهشة عندما طلبت أن يزورها وأرادها في بيته وفاتحها بخوفه من حضور زوجها فقالت له في استهانة:اضربه وأنا معك..
لم تكن تحبه ولا تحب زوجها..
وسوف تنام مع رجل لا تطيقه وهذا ليس جديدا عليها..
ولما سمعت دوران المفتاح في الباب كانت تتراقص فوقه عارية وظلت تعتليه وترتج وعلا شهيقها وغنجها ليسمعها الداخل ولا ينتبه الجسد النائم تحتها ولما دخل عليهما في غرفة نومه كانا على السرير وقفزت وقفز الممدد من تحتها بحثا عن ملابسه..
كان من الواضح أنها تستمتع بما تفعل بإرادتها وجحظت عيناه من هول ما رأى وخار كالخنزير.. وهجم عليهما ليضربه ويقبض عليه صاغرا.. كما يفعل الزوج في الأفلام.. لكن فتحي المعتاد على معارك الشوارع أوقفه وانهال عليه وأوسعه ضربا ولكما.. حتى سقط غارقا في دمه.. من التأديب عاجزا..
في البداية حاول أن يكون ندا في المعركة، لكنه سرعان ما خار ولحس البلاط.. وتورمت عينه وارتطم رأسه بالدولاب وكانت هي تساعد وترفسه.. وضربته بآنية فخار فتهشمت على جمجمته.. وساعدت فتحي ليخرج آمنا.. من الباب وبلا ضجيج.. ورجعت على حافة السرير نصف عارية تتأمله وهو يتلوى من الألم..
كانت قد جمعت ملابسها في حقيبة استعدادا لرحيل بلا رجعة وتركت مصوغاتها وكل شيء..
لم يضربها كما تعود دائما فقد كان من الواضح أنها متنمرة وأنها حتما ستضربه، وتركها تخرج بحقيبتها وصفقت الباب خلفها وعاشت وليتها ما عاشت..
كل امرأة تخون يلزمها رجل خائن.. فلماذا يعاقبونها ولا يعاقبونه..
هؤلاء الرجال.. إنهم يتباهون بالخيانة.. أما هي فعليها أن تداري عارها..
قالت ضي: "رجل أسمر.. واقف ينتظرك بعد ثلاث عتبات.. عاوز يعمل لك امتحان"،هتفت ضاحكة: "أموت أنا.. وأعيد السنة.. وحشتني المذاكرة"
لم يفضحها زوجها في المدرسة لأنه خائف على سمعة أولاده..
ولم تعد إلى بيت أهلها وسكنت في بنسيون لبضعة أشهر وبعد قليل انتقلت إلى سكن آخر.. وكانت الشقق وقتها متوافرة.. واختارت بيتا منعزلا..
ولم يعد أحد يسأل عنها غير هذا الوسيم الأسمر في أوراق الكوتشينة..
الآن تقدمت في العمر وصارت رجلا بلا شنب..
ربما تتذكر أولادها لكنها ليست مهتمة بأيام زواجها ولا تشعر بأي حنين نحوها..
الناظرة
بعض الناس لا يريدون مغادرة الجدران.. اختلطت جيناتهم الوراثية بالمكان فاصبحوا جزء من دار المسنين.
تجلس هناك بشعرها الفضي وقد اسدلته على ظهرها وجهها مازال الجمال يعلوه والله أعلم كيف كانت تبدو في شبابها.
استسلمت تماما.. تسدد كل معاشها وبعض فوائد مدخراتها في جناح ببيت فاخر للمسنين.. وطوال الوقت الممرضات متجهمات والخادمات لا يتحركن من مكانهن وآذانهن اكتسبت مناعة من سماع أنين الألم وتكرار وقوع الموت..
نائمة في انتظار الخروج من الدنيا..
تليفونات على الحوائط كالشباشب.. وفي الطبق مكرونة كرباط الأحذية..
عواء الذئاب ورعب المقابر والظلام.. لا يساوي أصوات الأنين في نصف الليل من العطش والخوف من اقتراب الموت وألم قرح الفراش..
كل شيء باهت الحيطان والمنضدة والدولاب وملاءات السرير وعيون الممرضات والخادمات..
نادت على كبيرة الممرضات ولما رأت ابتسامتها المحايدة سألتها:هل هناك مصل يجعلني أموت؟
أنا سوف أفعل كل ما تطلبين وأنت تساعدينني أن أموت..
الحياة ألم لا يطاق.. الجسد لا يتوقف عن الصراخ.. الصراخ؟ لا.. ليته صراخ.. إنه أصعب.. إنه الوهن إنه الضعف.. والوخز الذي لا يتوقف..
منذ أيام فقدت الشهية تقريبا وصارت زاهدة حتى في تذوق الشاي ما جدوى كل هذه المحاليل والأدوية إنها تمنعها من الموت..
عندما حضرت إنعام ومعها بقية أفراد العصابة بكت واعتقدت أنها ماتت وأنهن حضرن لدفنها بالمقابر..
تأملت وجوههن يصافحنها وشفاههن تتكلم بلا توقف..
لا تعرف أين راحت مفاتيح شقتها؟ ولا تقوى على الوقوف إلا بصعوبة وتعاني من الضعف وراحت إنعام وجاءت وانتهت من الأوراق وحملتها إلى بيتها..
ولما دفعت الباب بعد غياب كان الأثاث مكفنا في انتظار موت صاحبته ومغطى بملاءات بيضاء والأجهزة داخل أكياس وفي صدر الصالة البيانو الأثري القديم..
ووقفن منبهرات وهن يستخرجن مايوهاتها وملابسها الداخلية الناعمة وقمصان نوم حريرية ونظارات شمسية من الدولاب الخشب القديم وقبعات ومظلات وعطورا..
وعلى الحوائط وفي الأركان كانت هناك لوحات أصلية ودواوين للشعر..
بدأت تستعيد وجودها ومكانها القديم.. لكن رأسها كان مازال هناك..
في بيت المسنين الممرضات يتحركن بتثاقل عند سماع الجرس المجاور لسرير مريض على قائمة المصابين بمرض مفضٍ إلى الموت أو المرض الأخير.. وفي الغرفة المجاورة لغرفتها مريضة من ألزهايمر لا تعرف اسمها طلبت منها أن تحرك سريرها عند منتصف الليل لتدق على الجدار فتجيبها بالطرق فتئتنس.. ولتجد من تتحدث إليه بتلك اللغة لو ماتت..
تعاني من الخوف من عملية الاحتضار ومن التحطيم عقب الموت وموت الشعور ومصير الجسد بعد الموت والتلاشي الشخصي..
لا تعرف أن الموت يجيء بلا صوت..
.. وماتت من لا تعرف اسمها.. وأغلق فمه الجدار..
كان عمر جيلان سبع سنوات فقط في بيت المسنين كادت تقتلها..
لا.. هي كانت تموت بالفعل وبيت المسنين أنقذها..
كانت وحيدة عاجزة عن الاستحمام ولا تتذكر ساعات الدواء..
وسددت ثمن من يُحممها ويخدمها وعاشت وسط هياكل هذه الأسرّة البيضاء الكئيبة..
واعتادت أن ترى تفاعل الممرضات مع المحتضرين وكن غالبا يُسكتن المحتضر وأسئلته بإجابات على شكل تطمين أو إنكار أو تغيير للموضوع..
هتف شيخ عجوز: هل سأموت الآن؟
وقالت الممرضة وهي تحقنه بالدواء: اليوم مباراة ليفربول وروما.. سنشاهدها جميعا.. لا لن تموت قبل نهاية المباراة..
وصاحت على رجل آخر وكان بالفعل يحتضر: لا تنس تناول الزبادي اليوم مع العسل..
نادرًا أن يتفاعلن مع المريض بمناقشة مشكلاته وأفكاره ومشاعره.. ويوجهن همومه نحو شيء آخر.. وسيجيء عليها الدور.. أو ربما جاء وهي لا تشعر..
اللواء شاكر أحد رواد البيت قرر أن يلاعبها قليلا من الشطرنج ويفتح الراديو الترانزستور على الموسيقى..
كان ذلك قبل خروجها بعام واحد وكانت تعيش بمفردها تماما وكان يضحك لأنها لا تريد أن تقتل القطع بعضها البعض، كانت تريد لها أن تتصالح وأن تعيش كلها في سلام..
ماذا يريد هذا الرجل؟ لقد انقطعت الدورة الشهرية من أربعين عاما وأكثر لا شك أنها أصبحت الآن أقرب شبها بالرجال..
لا تتكلم كثيرا ولا تعترض أثناء الأكل في المطعم..
تنفق كثيرا.. لكن حتى هذا لا يكفي.. هناك أشياء لا تشترى..
تقريبا لا تأكل وتأملها شاكر صامتا..
شاكر
طويل ونحيف وأنيق.. ويراها من وراء الزجاج تتكلم مع الزرع وتنظر بعيدا للأفق.. وتضع فتاتا للعصافير..
ووجد الفرصة.. عندها منديل أحمر من حرير وعليه ورود ولما سقط أخفاه في جيبه ليفاتحها في الكلام..
يطلقون عليها لقب: الهانم.. مهندمة ومرتبة يراها النزلاء بالفستان وحقيبة اليد وطلاء الأظافر وكانت رصينة حتى وهو يعلمها قواعد الشطرنج:الحصان يقفز والفيل يميل والقلعة تدافع في خط مستقيم والوزير يهجم في كل الاتجاهات والبيادق تضحي بنفسها..
شاكر من حوله معجبات كثيرات لكنه كان يتحايل ويختارها ليجلس معها..
كان هو الآخر وحيدا.. وإكراما لصديقه ميهوب ترك الفيلا مؤقتا ليعيش وسط هذا المخزن من النفوس القديمة.. منذ سنوات بعيدة بدأ يتقلص دوره الاجتماعي ولا يجد في البيت أحدا سوى نفسه طوال الشهر ويشعر بفراغ مميت وإحساس باليأس ويمر اليوم وكأنه جبل شاهق..
ما فعله اليوم سيفعله غدا ولا جديد وما يشاهده داخل الفيلا من أثاث ومناظر خارجية هي نفس المشاهد التي اعتاد على مشاهدتها يوميا.. وينقضي اليوم من الصباح إلى المساء في طقوس ونمط روتيني وكأنه آلة..
أخيرا وجد امرأة عاقلة يتحدث لها.. وازداد اقترابا منها بعد موت صديقه الوحيد في بيت المسنين رفيق العمر الجنرال ميهوب..
كان المفروض أن يرحل عقب الوفاة لكنه لم يفعل من أجلها..
ميهوب انتهى مثل كل المقيمين في هذا المكان على سرير بجوار الجدار..
سيادة اللواء ميهوب مدير عمليات البوليس السياسي كم كانت ترتعد فرائص من يقف أمامه.. وهاهو في أواخر أيامه يراقب عاجزا يديه المهزوزتين وارتعاشة القدم..
كان يقاتل لتصل ملعقة الشوربة إلى حافة الفم..
كان يقول: "أتدري ما هو المحزن؟ لقد انتهت حياتي.. ولم يلاحظ أحد ذلك..
إنهم يبيعون الجرائد وفي الراديو أغان وناس تنادي على بضائعها في الشارع.." ميهوب جاره في العمل والسكن.. عاش وحيدا بعد أن ماتت زوجته وانقطع الولد وسافر.. في بيته خادم وطباخ.. لكنه كان يتدهور.. وآخر مرة اختفى ثلاثة أيام كاملة وضاع في الشوارع ووجدوه بصعوبة بالغة.. كان غارقا في التراب وكأنه خارج من قبر..
وتدهور سريعا وصار طفلا يبكي لأقل كلمة ويعيش داخل حفاضات ويرضع الطعام..
حجز له جناحا ببيت المسنين وأعطاهم تعليمات عنيفة بمنعه من الخروج ومن أجل العشرة القديمة حجز جناحا آخر وأقام معه..
هل سيلاقي يوما المصير نفسه؟..
"كم أنا عجوز والحياة تمر سريعا جدا.. والجنائز أكثر مما أتخيل وكل يوم ميتين"..
كان شاكر أيضا يقيم وحيدا في تلك الفيلا بعد دفن زوجته تحت الأرض وسفر حفيده أو عودته بلا حضور..
ميهوب قبل أن يموت بأيام كان جالسا على حافة السرير بجوار منضدة واستعاد بعض مهابته القديمة.. بدد الإرهاق أنفاسه ولم يعد قادرا على إخراج الكلمات من صدره.. وكان يتكلم دون أن تحمل ملامحه أي مشاعر للترحاب:لا تثق في كلامي كثيرا يا شاكر.. هل ترى؟
هذا القلم سيعيش عمرا أطول مني.. وربما سأموت قبل ملك الشطرنج..
:لقد قتلنا الكثيرين أليس كذلك؟
:هذا ليس ذنبنا.. كنا ننفذ الأوامر..
يومها خرجا للتريض في الحديقة قليلا وحكى لشاكر قصة لا يمل من تكرارها عندما استدعاه حكمدار العاصمة وطلب أن يقبض على بديعة مصابني، لكنها كانت قد طارت بمعاونة طيار.. عادت الذكريات وتذكر ميهوب أنه نسي مفتاح الباب..
تجمع جيران بيت المسنين ووقفوا أمام البالكون وتطوع أحد شباب عمال دار المسنين بالقفز على الجناح من النافذة المجاورة للعجوز وصرخوا وهو يكاد يسقط من الدور الثاني لكنه تشبث وأمسك بحديد البالكونة ودخل وخرج.. وقال لهم لاهثا وهو يكاد يلعنهم: كان الباب مفتوحا أصلا..
كل هؤلاء المقيمين في نزل الأموات كانت أرجلهم في القبر..
وفي آخر المساء كان ميهوب الممنوع من التدخين نهائيا يعاني، فقد اعتاد طوال عمره أن يحرق التبغ بلا انقطاع..
كان يشير بأصابعه ليدخن في الهواء وهي خالية..
وعرف شاكر أن عقله تأثر وأن المخ وصل لحالة حرجة..
وكان خارجا من كل هذا العنف بعد دفن صديقه اللواء عندما رأى في عينيها كل هذا السلام..
ومضت الأيام.. وكان شاكر يتحسس الطريق خارجا.. من باب الفيلا القديمة..
اشترى منديلا ورقيا وأشعل سيجارة.. ورمى جنيهين في الطبق على الرصيف.. كان فارغا.. وتمتم الشحاذ الأعمى على صوت الرنين.. وارتبك..
تركه خلفه.. وراح يعبر في الهواء.. ويبتعد.. ماذا سيفعل؟ يزداد عمى كل عام.. ويومئ عابسًا في وجوه الناس.. والسيارات العابرة..
الآن مات صديقه الأخير.. وصار قليل الكلام وحزينا وكأنه مصنوع من الظل..
عمره يقترب من مئة.. وأبوه فارق الدنيا وعمره خمسون عاما.. أي أن أباه في عمر أولاد أولاده..
.. عندما سيموت لا يعرف كيف سيقابله.. ولا من منهما سيقول للآخر: "يا بابا"؟
وكل صباح لا يصافح غير وجهه.. إنها المرآة.. هل كان مسموحا أن يرى غير ذلك.. ؟
وكان تقريبا يتحدث إلى نفسه لأنه لا يجد أحدا ليكلمه:
"السرير أرجله الخشبية.. ستتحملني ساعات أخرى.. وبعدها ستتركني لأهوى على الأرض.. الآن ينبغي أن أستيقظ.. عجلا هائجا يجتاح رأسي.. ومرايا وصور.. وطموحات قديمة.. كلها غرقت.. وتطفو.. "..
أمس سأل نفسه: "لا أعرف لماذا يكرهني؟
مددت أصابعي داخل المرآة لأتحسس وجهه، لكنها خرجت من الإطار، ديدانا، على الأرض والجدار والسقف والورق"..
خشخش في جيبه ببعض الجنيهات المعدنية.. من كان منكم له مال فلا يخلفه لوارث.. فلن يترحم عليه أحد..
وتذكر هذا الذي يقيم معه في الفيلا نفسها وهو تقريبا لا يعرفه..
هذا الجاهل ابنه وما هو بابنه.. حفيده وانتهى إلى الوحدة وعقه وخالفه وباغضه.. رباه صغيرا وأتعبه كبيرا وزجره ووعظ وخاطبه وحذره وخوّفه فما انتفع..
هو امتداد لأمه وأخواله..
والعرق لا ينام ولابد للأصل من أمارة في الفرع..
عمره الآن فوق خمسين وهو بلا صاحبة تؤويه ولا زوجة تحظر عليه..
عند عبور الميدان توقف عند بائع الصحف واشترى الجريدة الأدبية التي يكتب لها هذا الأخرق أحيانا.. تصفحها ووجد اسمه تحت قصيدة عنوانها "مطعم":
"وجهي بصفحة الطبق..
والدجاج يدور على النار مصلوبا على عجلة الملاهي، مع الموسيقى ورائحة الشواء..
وكنا نتسامر.. وتمددت أمامنا دجاجة..
لا أحب الصدر.. وبادلني صديقي بالفخذ.. ورمينا الأجنحة..
خارجان من مطعم الدجاج كنا..
كتكوت صغير يبكي : "هل شاهد أحدكما أمي؟"..
ما هذا الهراء المكتوب؟
كان حفيده الوحيد، فقد أمه وأبوه في حادث سيارة ويفعل عكس ما يقوله جده.. أراده في كلية الشرطة فقرر دراسة التصوير والموسيقى وكتابة الشعر وأطلق شعره على كتفيه ولما هدده بالحرمان اختفى لسنوات في أوربا..
كان في الفيلا معزولا في جناحه طوال الوقت.. يعزف ويرسم..
الآن شاكربعد التقاعد هزمته السنون ولم يعد عنده أحلام سوى أن يسمع ويرى ويمشي على الأرض..
أغنية للحياة
الاحتفال باستعادة الأبلة الناظرة كان يوما..
انتهين في اليوم الأول من نظافة وترتيب البيت وفي اليوم التالي حضرن مبكرا جميعا ومعهن أنواع من التوابل والخضراوات واللحوم والبيض والخبز ومستلزمات الثلاجة والمبرد وتفرغت رتيبة ومعها نادية وإخلاص للانتهاء من ترتيب المشتريات في أماكنها وتجهيز الإفطار والغداء..
كن يعملن بسرعة للتفرغ..
إنعام أحضرت معها أزياء تنكرية لزوم التمثيل وأجهزة إضاءة وعود للموسيقي،ووضعت برنامجا غنائيا حافلا وأحضرته مطبوعا في ست نسخ، وكن يتداولن ما يقرأن ويتناقشن ويسقطن على بعضهن من الضحك عند معرفة أدوارهن..
عقب الغداء وفي ساعة العصاري تجمعن في الصالة الفسيحة وجاء صوت إنعام من خلف الكواليس للإعلان عن بدء الحفل..
: فرقة فاتنات مصر الجديدة - العواجيز سابقا - تقدم
نجمة الاستعراضات الغنائية: جيلااااان..
واختبأت ضي لتنظم الإضاءة وإغلاق وفتح دوائر مفاتيح النور..
وعلا التصفيق الحاد وراحت إنعام على البيانو وبدأت تعزف وتقدمت الناظرة جيلان إلى وسط الصالة في ثوب أبيض رقيق لتغني: "اللي يقدر على قلبي يخطفوا وأنا أجري ورااااه واللي يقدر على حبي يخطبه وأنا أعيش وياه"..
وانتقل النور وقفزت من خلفها رتيبة بصدرها الكبير صائحة مدمدمة "هي هو هي" وهي تمد بوزها وشفتيها: "أهو أنا أهو أنا.. ولا حد ينفع إلا أنا.. شكلي صحيح مالوش دوا.. لكن اختصاصي ف الهوا.. ماما فاتت لي ف البلد أطيان كتير ما لهاش عدد.. كان عندها اتناشر ولد مافضلش منهم إلا أنا"..
كانت تقفز داخل كيس من صنع إنعام وعلى أنفها طماطم من البلاستيك..
وعاد الضوء على جيلان لتردد حلم المحبوبة: "كلام جميل وكمان معقول.. ما أقدرشي أقول حاجة عنه.. لكن خيال حبيبي المجهول مش لاقية فيك حاجة منه"..
وخرجت رتيبة من الضوء وتتابع ظهور المحبين..
ضي ببنطال مرقع وجيوبه البيضاء خارجة خاوية وقميص مهترئ وتهز في يدها منشة لتطرد الذباب: "سيبك منهم دا مافيش غيري قيمة ومركز ووظيفة ميري.. مربوط عالدرجة الثامنة والناس درجات ومرشح آخد التاسعة غير العلاوات.. ماأعرفشي لا كده ولا كدا م الباب للباب ولا لي أصحاب.. يعني الماهية من الصراف مع العلاوة على الأنصاف هايكونوا ملك إيديك نظاف.. وإنشالله آكل أنا عيش حاف"..
ورفضته المحبوبة: "كلام جميل وكلام معقول"
وطاردوه بالمقشات لخارج المسرح، لتدخل نادية بجلباب بلدي عليه حزام من الوسط في دور ابن البلد وهي تهز وسطها: "من ناحية قلبي ونار قلبي واد حبيب موت وحبيبي لو غاب يوم عني أرقع ميت صوت"
ولما قاطعته بصوتها المهذب بمقطع: كلام جميل وكمان معقول خرج مهرولا، ليدخل عريس لبنان وكانت إخلاص بطولها الفارع قد لفت حولها لفائف حتى تملأ سروال سكان الجبال الفضفاض ودخلت صائحة وهي تلوح بالمنديل: "جيتك من آخر لبنان مسلوب الفكر وطمعان بحياة من صور هالنور ماتخليني أرجع عطشان
نظرة واحدة تشبك قلبي بها العنتين كلمة واحدة تصير معاهدة بين قلبين.. نكتبها بغزل وجنون نبصمها بحبات عيون وتصيري ليلى وأنا المجنون أنا المجنون"
ولما رفضته هو الآخر.. أخرجت إنعام زمارتها الطويلة وأطلقت منها صوتا ناشزا فصرخت جيلان: حبيبي..
وغرقن من الضحك في هيستريا..
لم يكن البرنامج مقصورا على هذا وبعد قليل وقفت نادية تغني في انسجام الصورة الغنائية الجوز الخيل والعربية..
وبعد استراحة وقليل من الشاي بالنعناع اقتحمت إنعام المسرح وهي تدفع أمامها تروللي الشاي وتقديم الطلبات وفوقه مكدسات من الآيس كريم..
جيلان احتلت مكانها على البيانو وكانت إنعام على صدرها مريول المطبخ وترقص حول التروللي وتروح وتجيء وعلا صوتها والمجموعة:
"دوق دوق.. دوق الدندورمة.. مصنوعة بذوق تروي العشاق وتطفي الشوق الدندورمة"..
وهمست وهي تقف تحت الدولاب وتغمز بعينها
"الدندورمة.. حلويات.. ياللي ف بالي قول لي هات"..
وفي مفاجأة أخرى خرجت نادية من الدولاب بجلباب فلاحي وملاية لف وذراعيها عاريتان في إغراء.. : عندك أيه؟
:عندي كريمة..
: بندق في؟
:عندي جنينة لو تزوريها هاتلاقي فيها أشكال وألوان
: مانجة في؟
: مانجة عظيمة والشوكولاتة والكاساتا غير الرمان
: إديني مانجة واتوصى بيا
: الغالي يرخص عشان زكية..
وسقطن على بعضهن من الضحك..
عندها غمغمت رتيبة غاضبة وهي قاعدة وقد تربعت على الكرسي وبجوارها إخلاص ترد عليها: "الواد توفيق دا زودها.."
: "يا معلم عيسى دا طينها": "إزاي دا ييجي ف حارتنا ويعاكس في بنات حتتنا؟": "ويهيص قدام قهوتنا"
: "روح قول له يمشي على طول"
: "وان طوَّل؟ "
: "إديه على طول"
ونهضت إخلاص ودخلت على المسرح لتتعارك مع توفيق
: "انت انت ياجدع انت روقنا غور من حتتنا"..
: "ودي كانت حارتكم دي ولا حارتنا"
ودفعتها قائلة: إحنا معروفين وفتوات ياجدع انت"
:"طب خد ف سنانك" ".. آي أي.. " "طب دي علشانك.. ".. "سيبه يا مجرم"..
"حوش يا بوليس"
تناولن قليلا من الكيك والآيس كريم من عربة مرزوق وسط الضحكات ولما اعتدل المزاج سحبت إنعام العود لتغني: "يا خال أنا خالي روقت لك بالي غني لي يا خالي"..
واستعاد خيالهن صورة حارة الكحكيين والصرماتي مرزوق العتقي على القرمة حامد ربه وهو يغني: "إن طال عليَّ الليل أقصره بغنوة"
وهتفت إنعام مقلدة صوت محمود الشريف: "افتحوا يا عيال" وصحن جميعا: "مين؟"
: "أنا مرزوق"
ورددن جميعا ضاحكات:"أبويا جه أبويا جه ههههه"..
وبدأت تغني من جديد: "دنيا أرزاق قسمها الخلاق لا بجهدك تنساق ولا بعرق وخناق.. سبحان الرزاق سبحانه.. الراضي يعطيه ربه والساخط تعبان قلبه"..
".. واللقمة تحلالي بين أهلي وعيالي.. غني لي.. غني لي.. يا خالي يا خالي".
وامتد براح الليل وهن يستعدن مقاطع من الليلة الكبيرة وتحزمت رتيبة وانطلقت ترقص على نغمات: "طار في الهوا شاشي وانت ماتدراشي؟"
واقتحمت ضي المسرح بشوارب ملفوفة لتتغزل في قوامها: "ياغزال ياغزال.. العشق حلال دوبتني دوب.. خليتني خياااال.. ياااااليل".
"يا شفتك فص فراولا وأنا لا قوة ولا حول"..
وتاهت رتيبة وجيلان تلاحقها من على البيانو: "آهين ياناري.. منك يا جاري.. خدني ورماني رماني.. عليك هوا العصاري"..
أرادت إنعام إسدال الستار..
لكنها جيلان صاحبة الحفل طلبت صورة غنائية أخيرة..
طلبت "عوف الأصيل" ووقفت تغني: "يا حلو نادي لي وشوف مناديلي يا حلو نادي لي"..
وهتفت نادية من الانسجام: "يااااا.. عوف"
يومها تأكد لجيلان أنها عادت..
ضي
لم تعد ترسم إلا صورا عارية.. هكذا خُلق الإنسان فلماذا نخجل من الأصل.. ليس مهما أن يشتري تلك اللوحات أحد..هذا موقف من الوجود..
هناك طريقة للحياة تأخذك للموت.. لكنها لن تمشي على هذا الصراط..
والأصدقاء مثل عائلتك لا يريدونك أن تتغير لكنها تغيرت..
جسدى ليس أمراضا وجرائم..
وهؤلاء الملاعين الذين يحرّمون كل شيء لا أحد منهم يساوى حد السكين الذي سيذبحه.. يقولون إنهم يدافعون عن المبادئ والتراث.. لم يكن عند هؤلاء بيوت أصلا.. كانوا يسكنون الذل داخل ملابسهم.. ويسددون الإيجار..
ربما كانت الوحيدة بينهن التي تخطت جدران المدرسة ولم تتوقف عن العمل بل إن قدراتها زادت بعد المعاش ومعارفها..
عندما استيقظت هذا الصباح كانت عصابة إن وأخواتها على موعد لزيارتها.. في بيتها غطت قماش لوحتها المفتوحة لتداري ثديين يطلان فى نزق من صدر بلا رأس.. ووقفت ضاحكة لتعد لهن ساندوتشات إفطار الصباح..
كانت الأبلة الناظرة جيلان كالمعتاد من أيام المدرسة أول الحاضرات ومعها نادية، سألتها نادية عن آخر نكتة قبيحة ولما ألحت صاخبة نظرت للأبلة جيلان مترددة فقالت: قولي يا ضي لننتهي..
لسانها لن يدفن معها..
أخبرتهما أنها لن تقول نكتة لكنها ستحكي قصة حدثت فعلا..
صديقنا الصحفي والأديب حسين قدري دخل المستشفى في لندن يتوكأ على عكاز ولا تكاد تحمله قدماه وهو عجوز في الثامنة والثمانين.. بعد التحاليل والأشعة تقرر إجراء جراحة عاجلة.. هو حاصل على الجنسية البريطانية هناك..
طلبوا منه التوقيع على إقرار بالموافقة على الجراحة لأنها خطيرة وأرفقوا مع الورقة نموذجا يمكنه الموافقة عليه أو رفضه للتبرع بالأعضاء السليمة إذا حدث له لا قدر الله ومات.. تأمل النموذج صامتا.. كانت كل أعضائه قد ماتت تقريبا فعلا.. فملأ النموذج ووافق على العملية وارتجت المستشفى الإنجليزية الباردة من الضحك..
اختار عضوا لا يمكن الإشارة إليه ليتبرع به إذا مات..
وكان نائما بعد نجاح الجراحة والممرضات الإنجليزيات يتجمعن من خلف زجاج غرفة الإنعاش ويشرن إليه ويسقطن من الضحك وهو يشير إليهن بإصبعه معترضا:"لا.. لا.. لا يمكن أن تأخذنه الآن.. عندما أموت.. عندما أموت"..
وضعت جيلان يدها على فمها وغرقت في الضحك وقهقهت نادية وراحت لتفتح الباب لبقية الحاضرات..
إنعام تؤم ضي حضرت ومعها رتيبة وإخلاص وأزاحت الستار لتتلصص على مشروع اللوحة الجديدة أول ما وصلت..
وجاءت من خلفها ضي..
قالت رتيبة عندما تأملت اللوحة.. : "أجمل شيء في شيخوختنا أخيرا نحن أحرار"..
:"لسنا أحرارا كما تظنين.. هل توافقين مثلا على أن أرسمك عارية؟ "
قالت إنعام: "لماذا رتيبة؟ لمَ لا ترسمينني أنا؟"..
: "لا.. أنت لا تخجلين من جسدك.. هي تفعل.. وأريد أن أرسم ذلك"..
تدين إنعام لضي بثلاثة أشياء أولا أنها أول من أطلق عليها اسم "إن".. ولأنها تميل للتجريد اختصرت لصديقتها اسما ومن حرفين فقط مثل اسمها ضي..
أما ضي فلا تدين لأحد بشيء..
الأمر الثاني أنها أطول منها لكنها لا تنظر إليها باستعلاء..
والثالث لا تتذكره الآن.. لكنها متأكدة أن لها الفضل عليها في ثلاثة أشياء وربما أربعة ولا تعارضها إنعام..
وعندما تجتمع الاثنتان يصبح مجموعهما واحدا "ضياء" لكنها بالضرورة تنطق مكسورة ولو كانت مبتدأ أو فاعلا وتُنطق "ضيا إن"
ولعنتهما رتيبة لأنهما تسعيان لخراب اللغة العربية..
الحرية ألا تملك شيئا يستعبدك هكذا كانت ضي تقول دائما..
بعد أن تطلقت بنجاح لم تتزوج ثانية أبدا لكنها لم تعش وحدها كان بيتها طوال الوقت مزدحما بالعرائس والتماثيل والوجوه والهياكل المطلة من اللوحات ولم تحرم نفسها من الرجال..
الرجال ليس في العالم أجمل منهم..
كانت تحبهم وترسمهم وعاشت في هذا العالم وفقا لقوانينها الخاصة..
تشارك في المعارض وتبيع لوحاتها أحيانا وتكسب وأحيانا لا تغطي تكلفة العرض والإطارات..
لا بأس.. إنها الدنيا مائدة قمار..
كانت عندما تشعر بثقل الحياة تضرب بفرشاتها..
دقيقة في حساب كل شيء وأمها قالت لها يوما: "زوجك الله يكون في عونه هاتوزني له الأكل"..
لكنها لم تتزوج أصلا أو هكذا عرفت بعد زواجها القصير..
الآن ضي تراود الفراغ عن نفسه وهاهو يستجيب..اعتادت أن تطلق لنفسها الحرية ولا تتوقع النتائج.. تتلطخ المساحات البيضاء ولا تعد أبدا مثلما كانت.. اللوحات مثل طفولتنا وأيام العمر..
وماذا تريد من الرسم؟ ومن سيجارة الحشيش؟سوى الاستراحة قليلا من فكرة أنها تموت..
منذ سنين فقدت الرحم بعملية جراحية.. الذهاب لتلك المستشفيات أصعب من لقاء الموت..
سقطت على كتفها يد إنعام.. كن جميعا ضيوفا عندها.. لكن صديقتها تعرف أنها الآن انفصلت في لحظة خاطفة وسوف تعوض غيابها..
ناولتها قهوتها السادة وانصرفت..
وعلى امتداد الصالة كن يتداولن حكايات السنين، ونادية أخرجت من حقيبتها بعض صور قديمة من بيت جيلان..
قالت إخلاص إنهن أنانيات وإن بعض صديقات المدرسة مازلن على قيد الحياة والواجب السؤال عنهن.. الصور أعادت بعض الوجوه الغائبة..
نادية تطوعت بأنها تعرف عناوين بعضهن ولو أنها منذ سنين وحلمت إخلاص برؤية صديقتها في السيدة زينب وصاحت إنعام مع نادية في نفس واحد عندما تذكرتا صديقتهما زهرة..
نجية
كن من الدنيا على حذر..
نجية مدرسة الكيمياء أخبرت الموتى بأنها ستعيش معهم..
لم يكن هناك معمرون كثيرون في هذه المدينة.. كانوا يموتون بسرعة من الضجيج والزحام وتحت السيارات في طرقات لا تعرف كيف تتعامل مع الشباب فما بالك بالشيوخ؟
لم تنجح خطة إنعام: "أتركوني لأموت وحدي أمام الجدار.. لا أريد أن أرى أحدا"..
خرجت لهن نجية منكوشة الشعر ولم تقدم لهن كأس ماء ولما فتحت الباب كانت تحدق في وجوههن ولا تعرفهن تقريبا والشقة يعلوها الغبار ويصعب القعود على كراسيها والتراب في كل مكان..
حاولت ضي أن تحتضنها فتراجعت محذرة بأصبعها ورفضت أن تصافح إخلاص وزاغت عن عين إنعام..
صفقت في عيونهن أجنحة دجاجات حمقاء وحلقت إحداها مرفرفة بجناحيها لأعلى من الفزع حتى كادت تلامس السقف وعلا غبار وتبعثرت أشياء وتراجع قط نفور متحفزا وهو يرى أنواعا أخرى من البشر..
على الأرضيات وفوق غبار الكراسي كان هناك بيض وبقايا زبل الدجاج وبراز القط..
كانت الأبلة الناظرة تقف خائفة عندما التفتت نحوها نجية وطاف في عينيها رد فعل يصعب فهمه..
وخرجن من عندها مطرودات..
تأخرت عليها إنعام كثيرا ورجعت ضي لفرشاتها ولوحاتها وهي تغلي وبكت رتيبة على الباب..
ولما رجعن ومعهن الطبيب نظرت إليهن من ثقب الباب ورفضت أن تفتح..
كان هاتفها المحمول يرن من الداخل وظلال عينها تروح وتغيب عن ثقب الباب ولما يئسن وحاولت إنعام كسر الباب صاحت من الداخل بأنها ستطلب لهن الشرطة إذا لم ينصرفن حالا: "يا حرامية.. يا أولاد الكلاب.. أنا معي سكاكين".
كان واضحا أنها وضعت متاريس خلف الباب..
ونزلن يتدحرجن على السلم.. وفي عرض الشارع كانت تراقبهن من خلف الشيش..
إنعام تطاردها صورة أبيها المريض في آخر أيامه.. كان أخوتها يقفون في انتظار أن يموت لكنه كان يتأخر ولا يرحل والبيت ينزف مصروفات العلاج..
لم تكتف الحياة بما فعلته عندما دفعتها للزواج من عبدالله..
ليست هناك حياة تتمناها وتتحقق إلا على المسرح.. هكذا آمنت بضرورة مقاومة الحياة وصناعة عالم آخر لا يعرف قوانينها بل ويحطمها.
رأت صورة أحفادها يكرمونهم في الصحف باعتبارهم أولاد الشهيد إنهم يشبهونه لكنهم ليسوا أولادها فأولادها ماتوا..
لماذا لم تمت قبلهم.. هذا هو الترتيب الطبيعي..
لم تصمت إنعام وطلبت الشرطة وذهبت واقتحمت الشقة وكانت كلها مبعثرة من أولها لآخرها..
كانت عين نجية لا ترى غير نساء يحاولن التسلل لسرقتها واغتصابها وقتلها..
وبدأت تصرخ عاليا للاستنجاد بالجيران
لقد سمعتهن وهن يتفقن على خنقها بالحبل وحبسها على الكرسي لتعترف بمكان جنيهاتها..
لقد كان صوتهن خفيضا لكنها سمعته بوضوح..
وهاجت نجية وفحصها الطبيب وبعد الأشعة والتحاليل قال إن الأوان فات بعض خلايا المخ تلفت تأخرت في العلاج وفي أفضل الأحوال ستقضي بقية أيامها بمستشفى الأمراض العقلية والأفضل أن تموت في بيتها: لا تحزني على نجية فتلك امرأة أخرى
قال لها الدكتور مواسيا: نجية ماتت..
:إنها لم تتذكرنا
:ولا تفعلن ولا تحاولن.. لأنها لو تذكرت ستنتحر..
رتيبة سرحت في أيام حمودة.. كانت دائما تعطيه استسلاما لذيذا في لحظة مفاجئة غير مألوفة في الحمام أو المطبخ أو على السجادة أو حتى على الباب مما أعطى لحمودة اعتقادا بأنه فحل لا يقاوم وقد كان كذلك..
سحره الصبياني يتحول أحيانا إلى غضب طفولي فهو لا يقبل بأن زوجته تنساه وبرغم انشغالها في تصحيح الكراسات لا تنفك تزوده بنبع من العصير والشاي والعاطفة وحساء الدجاج ولما سألها عن إمكانية إضافة الجنس إلى قائمة الطعام اعتذرت حتى تنتهي من التصحيح فتجهم غاضبا وخاصمها يومين وظلت تروح وتجيء لتصالحه..
كان يرتب الحياة كحفل وطاقته الصبيانية مستعدة لذلك في كل وقت..
رتيبة غابت في المطبخ..
طلبت منها إنعام أن تعد الشاي.. بعد ربع ساعة كانت واقفة حائرة في المطبخ لا تتذكر لماذا جاءت إلى هنا؟ وتتأمل تلك الأواني والقوارير..
كانت تنسى ارتداء أحد جواربها وتكتشف ذلك في الشارع.
مشت رتيبة على قضبان القطار.. حمودة من البدرشين ولا شك أنها ستجده هناك.. بعد ثلاثة أيام عثرت عليها إنعام في أحد الأقسام وأخبروها أن حمودة مات فبكت..
كانت الناس تمر أمامها تماثيل من البلاستيك..
تسمع صافرة أخيرة ثم يبتلع المنحنى القطار بكل شغب ركابه وسرعان ما يتحول نظرها للقطار التالي..
تذكرت اسمها للمرة الألف وتذكرت تاريخ ميلادها وتذكرت وزنها وطولها ولون عينيها..
تقفز الأزمنة من داخل رأسها وتضرب في حائط الذكريات..
قالت بعد أن وجدوها تائهة في محطات القطارات: أتذكر الماضي بتفاصيله أنا خائفة من الذكريات وأريد أن أهرب منها لكنها تناديني..
إن الذكرى لا تموت في النهاية..
حمودة كانت تريد أن تنثر سكر القلب عليه.. لكنه مات..
عبدالله زوج إنعام مات ووجدوه ساقطا خلف باب غرفتها وكانت والأولاد في المدرسة..
كانت على كل خبراتها لم تر الموت أبدا..
لم تفهم أبدا كيف يصمت هذا الجسد الصاخب ويصبح غير آبه لأي نداء أو حركة رفعت يده وأنزلتها فسقطت وحركت قدميه لكنه صار مثل دمية الأطفال القطنية لكنه كبير..
انسال على البيت أقاربه ومعارفه وظلت تدور حول نفسها حتى خلا البيت إلا من الأطفال..
لم يعد هناك من عبدالله سوى ملابس قديمة وصورة على الجدار.. وسوف تنزلها من مكانها فيما بعد حتى لا يظل يراقبها في الذهاب والإياب..
كان عمره خمسين عاما وبضعة أشهر عندما أخذوا يقرأون على رأسه القرآن ويلقنونه أشياء عديدة لأنه غالبا ينسى كل شيء..
ملامحه صامتة حتى وهو ميت..
وأسدلت الستار على مسرحية البكاء وتلقي العزاء..
بعد الانتهاء من تكفينه دست دبلة زواجه داخل الكفن وأخفتها بعناية ليتزوج هناك من أخرى إذا أراد ويتركها في حالها..
لم يعد يربطها به شيء الآن..
:أنت لا ترفع رأسك حين تنام.. فاسترح الآن.. هذا يكفي..
وجدت نفسها تقول ذلك على رأسه..
الآن في هذا البيت لم يعد أحد يتذكر عبدالله وأولادها الأربعة سواها وتلك القطة..
وكادت النار تشتعل في بيت رتيبة..
دخلت لتنام.. لم تتذكر ما فعلت.. مقلاة الزيت على النار.. وصحت على دخان أسود كثيف.. وبصعوبة شديدة وصلت للشباك وفتحته ليدخل الهواء.. أغلقت الغاز في ضجر.. ولما حضرن قعدت تبكي..
كان هذا متوقعا.. وعندما ذهبن لزيارتها لم تكن تتذكر أن هذا موعد استضافتهن..
تريد أن تسافر للسعودية وليس معها ما يكفي للحج..
كيف يطلبون من عجوز على المعاش مئة ألف جنيه.. الدولة تتاجر بالخائفات من اقتراب الموت..
إنها لا تريد الحج من أجل نفسها بل من أجل زوجها.. وهذا معناه أن تحج مرتين..
طيبت خاطرها إخلاص وعرضت عليها أن تساعدها.. تمتمت عاجزة: حتى هذا لا يجوز لأنني يجب أن أسافر بأموالي ولا أستدين من أحد..
جاء الطبيب ونصح ببعض المقويات ومنشطات للذاكرة ولاحظ أن ضغطها منخفض..
نامت على سريرها بعد أن ساعدنها على تعاطي الدواء..
الضغط المنخفض معناه لا يوجد أكسجين.. عربة رمل فوق رأسك وعليها نجوم تطير مثل لعب الكارتون تريد أن تفرد جسمك وتنام في أي ركن وترى الشارع الفارغ مسدودا ولا يزيد عن ثقب الإبرة ولو دخلت محل أو شقتك المسافة بينك وبين من بجوارك ينبغي أن تكون مترا على الأقل حتى تقدر على التنفس..
رتيبة عندما سألوها عن قصة حبها الأولى قالت إنها أحبت في عمر 13 عاما.. كان وسيما يكبرها بعامين.. وينتظرها بالطربوش والكرافت أمام باب المدرسة ويغلق عينيه عندما يراها..
لم تكن تتوقع أن ينتظرها أحد كل يوم وارتبكت..
أضافت: أمي كانت عجوزًا لئيمة وسيئة وورثت ذلك عنها..
كانت دائما تتذكر قصة وتتوقف في منتصفها..
:لا تخبرينا أن تلك نهاية القصة..
:نعم
:وصرخن في احتجاج
:هل ستأكلين الستائر؟ ولا نعرف ما حدث؟
هل كانت على حق عندما أحبت حمودة كل هذا الحب لدرجة أنها لا تحب أن تتذكر سواه،لقد كان حتى وهو عجوز يطلب أن تفركه في مغطس الحمام ويملا عينيه الصابون ويصيح دامعا لقد صار زوجها وأبيها وولدها الصغير.
عروس المدينة
يوم القمامة عند ضي طقس مقدس وصرن جميعا يشاركنها في احترام آداب التعامل مع النفايات والاقتناع بأن كل شيء يمكن أن يتحول إلى فن.عثرت على الأرض بقطعة خشب جرداء خشنة الانبعاجات غزيرة التشققات حتى أن النجار رماها ليتخلص منها فقد كانت مزعجة حتى لو رماها في النار كوقود يومها فوجئوا بأن ضي تتأملها في إعجاب وتصافحها في همس ولما ارتفعت حواجبهن قالت: " يا إلهي ..هذا ديك"تلك التضاريس الخارجة من شظية الخشب بلا نظام صارت جناحين وفي المعمل مسحت عليهما ضي بالغراء وزرعت ساقين في بطن القطعة وغرستهما في خشبة متشردة أخرى لكنها شبه مستوية فبدت بكل وضوح كقاعدة للتمثال.
ولم يطل انتظارهن طويلا وركّبت على طرف الرأس عرف ومنقار وحفرت عينان ثبتت بداخل كل منهما خرزة زرقاء لامعة فبدا الديك مهيبا ومنتفشا بتجاعيد ريش يصعب حفرها بتلك الدرجات من الطبقات والألوان.
"تلك الشظية لم تكن أبدا إلا ديك حتى عندما كانت غصنا في الشجرة."
رددت الناظرة وضحكت وهي تتحسس منقار وعرف الديك وجناحيه.
هكذا اعتاد أصحابها من عصابة الكحكح على التعامل مع الأشياء بمحبة بالغة خصوصا المخلفات.
جراب صغير ترفعه ضي طوال الوقت لتخفي في بطنه جواهر المخلفات ومعها قفازات تستخدمها لتلتقط صخرة صغيرة أو زلطة ملونة أو حتى علبة سجائر قديمة لتستحيل عند العودة إلى البيت في المعمل لقطعة فن تستحق الدراسة.
في هذا اليوم لم يتوقع أحد أبدا أن تبكي ضي العزيزة البكاء.
بدأ خروجهن أول الصباح الباكربناء على إصرار من الناظرة التي شطح خيالها وأرادت أن يساعدنها لتصعد الباص وتقوم بدور نشالة وتدخل اللواء شاكر مصرا على منع هذا الخطر وبعد مفاوضات ومجادلات اقتنعت الناظرة وانخفض سقف طموحها بأن تقف كمتسولة في الشارع.
أحد أحلامها وهي سليلة الأثرياء أن تجرب كيف يشعر هؤلاء الذين يمدون أيديهم وكيف يرون أنفسهم في عيون الناس؟
سيارة ضي حملتهن جميعا إلى كافيتريا فاخرة في وسط البلد جلسن عليها عند تنفس الصباح لاحتساء القهوة والشاي بالدور الثاني ووسط الأبخرة والضحكات كان يمكنهم من خلال الزجاج مراقبة ما يحدث للأبلة الناظرة على الرصيف المقابل وتصويرها.
ارتدت جيلان فوق ملابسها ثوبا قديما مهلهلا ووضعت بقدميها حذاء مهتريء وقعدت حزينة على الرصيف ومعها طبق صغير من صفيح الزنك على الأرض.
حرصت على عقص شعرها الفضي تحت منديل كالح اختارته ضي بعناية ورسمت على رقبتها ألوان تشوهات وتسلخات حرق قديم.
الآن تخلصت جيلان من بنت الأكابر نهائيا وعيناها تتطلعان في رجاء للعابرين .
مرقت فتاتان جميلتان وبعد تخطيها ببضعة أمتار توقفت إحداهما وأعادت النظر للعجوز على الرصيف ملامحها تشبه خالتها رحمها الله فتحت حقيبتها واستخرجت ورقة عشرة جنيهات ووضعتها في الطبق وربتت على كتف الناظرة التي بادلتها الابتسام في امتنان.
ومن خلف الزجاج ضي سحبت أوراقا لترسم اسكتشات سريعة لما يحدث والعصابة تصفق لنجاح الأبلة الناظرة الساحق في مهنتها الجديدة والمدينة بدأت تتحرك مع لحظات الصباح الأولى ويتزايد رنين الجنيهات في الطبق الصغير.
عمال الكافيتريا في الدور الثاني بدأ يلفت نظرهم أن هناك علاقة بين زبائن أول الصباح ومتسولة الجانب الآخر من الرصيف.
بعد ساعة ونصف تقريبا تجمع عند الناظرة ثروة صغيرة في الطبق الصغير وكادت تبكي عندما أصرت طفلة على أمها أن تعود لتلك الجدة الطيبة لتعطيها قروش لأنها عاجزة أن تحتضنها.لكن هذا النجاح لم يستمر طويلا وانشقت الأرض عن امرأة سمينة من أصدقاء المهنة كالغول وفي ثوان معدودة شدت الناظرة من شعرها وطار المنديل وأسقطتها على الأرض وبدأت ترفسها وتعضها بعد أن فوجئت بأنها لا تقاوم.
اللواء شاكرالأسرع في الاستجابة قفزسلالم الكافيتريا في عشرين ثانية وخلفه نادية ليعبر الشارع للوصول للمعركة بعد أن تجمهرالعابرين.
ووصل والمتسولة المصرة على شد شعر الناظرة تصيح في وجهها مع الضرب: " يا سنية مقشط أنا عارفاكي ..مين رماكي علينا ؟ أكيد هاتقتلي أو تسرقي .. إحنا مش قدك ..إحنا غلابة وشحاتين "
رفعها من فوقها شاكر بصعوبة وكانت الناظرة تتأمل كل ما جرى فوقها في ذهول .والمرأة المتسولة فرت هاربة ببعض غنيمة طبق التسول بعد أن رأت تعاطف الجمهور مع غريمتها.
جيلان نهضت ونفضت عنها نادية التراب وعلى الرصيف الآخر خلعت الثوب القديم والمنديل الكالح لتصعد معهما للكافيتريا لتحتسي بعض الشاي بالنعناع.
لاتزال تشعر بالذهول هل كانت يوما ما سنية مقشط ؟ ربما ..وتلك المرأة تتعامل معها وكانها تعرفها بلا شك منذ زمن بعيد.
تمنت أن يستعيد شاكر تلك الغولة ليسألها عن جيلان وحياتها القديمة أيام كانت سنية مقشط .
وإنعام تأملتها في إعجاب مضروبة ومعضوضة ونادية تداوي جروحها وهي تخرج تدريجيا من التقمص وتعود أبلة الناظرة.لكن هذا الإسم سيظل لصيقا بها وكانت تبتسم في براءة وحب وامتنان عندما تناديها إحداهن باسم مدام مقشط.
الأجمل في الموضوع أن إخلاص صورت كل الوقائع من عض ورفس وبعثرة القروش بالكاميرا وظلت ضي أياما تستعيد مشاهدة اللقطات وأيقافها وتكبيرها ورأسها يشتعل.
جيلان تبرعت بما تبقى في حصيلة الطبق وكانت 77 جنيها كاملة لعمال الكافيتريا.
لكن هذا اليوم لم ينقضي إلا بعد بكاء ضي بحرقة.
بعد رجوع الناظرة بالسلامة نزلت وعلى ظهرها زكيبتها الصغيرة وفي يديها القفازات لتمر كعادتها على مواطن المخلفات.
غيابها لم يطول وعادت من دخول أول شارع جانبي ممتقعة اللون واستخرجت كنزها الثمين من الزكيبة.
عروس صغيرة من البلاستيك طولها ثلاثين سنتيمترا قرعاء منحولة الشعر بقسوة فستانها الجميلوتمزق وصارت لا يستر عريها إلا بقايا سروال متسخ ولديها عين واحدة ومكان الأخرى ثقب أجوف عميق.
ووقفن جميعا يتأملنها وهي تبكي وتضع الدمية أمامها على طاولة الكافيتربا وكأنها تتحدث معها .
على أحد جانبيها آثار حرق كثيف أكل جانبا من البلاستيك حتى استحال اللون الوردي إلى هباب دخان أسود.
الدمية الصغيرة مازالت خدودها حمراء وتبتسم .
لم تدخل عليها ضي تعديلات وبالعكس كل ملامحها كانت ترضيها.
لوحتها العملاقة المدينة كانت في بيتها بلا روح وأزاحت عنها القماش.
رسمت ضي المدينة جبالا من المعادن والأسمنت تتخللها ثقوب من الضوء كنوافذ وعلى الأرض جيوشا جرارة من حديد سيارات وأتوبيسات ومترو.
شوارع المدينة مخططة بعناية هندسية مصمتة كمعادن البيوت والسيارات واللوحة عن مدينة بلا روح.
عندما أنزلت ضي دمية الشارع صديقتها لتطل مع القمرعلى كل ذلك الجفاء من سماء اللوحة تبدلت اللوحة خلقا آخر.
وصديقاتها صفقن طويلا لمشهد اكتمال اللوحة.
زهرة
اجتمع الأولاد.. لم يعد هناك يوم جمعة.. ولا من يتندرون عليها ولا بيت للعائلة..
هل كان هناك شيء يستحق البقاء؟
عزيزتي ضي: لقد حاولت معي.. لكن ذلك مستحيلا..
كانت قد حاولت التواصل معها واستمعت لصوتها لمدة ساعة كاملة حكت خلالها ما يجري معها للمرة الأولى والأخيرة.. وبعدها لم يعد يصلهم منها سوى رسائل مقتضبة..
أنجبت سبعة وكانوا كلهم ينهشون كالضباع ويحضرون يوم الجمعة ويسخرون مع أطفالهم من وجودها..
تمتمت: "إنهم يعيشون عالما آخر وينبغي لكي يستريحوا أن أموت الآن "في ذلك الصباح البعيد من يوم السبت كانت وحيدة.. غادروا جميعا.. والشقة في فوضى وعليها تنظيفها وترتيبها استعدادا لحضورهم من جديد..
في خطتها الأخيرة باعت ونقلت كل شيء دون أي صوت وتنازلت عن الشقة لصاحبها مقابل تعويض واختفت وصارت لغزا..
الله أعلم ما اسمها الآن ربما كانت ابتسام أو سميرة لكنها في مكان ما تعيش حياة جديدة، حيث لا يعرفها أحد..
أحد أولادها يعمل في المخابرات سعى للبحث.. بطاقة صرف معاشها تنقلت بين بني سويف والفيوم ولكنها لا تصرف المعاش من ماكينة واحدة، بل من عشرات الماكينات ومن المستحيل العثور عليها بمراقبة كل هذا العدد..
يوما ما سيخبرهم أحد بأنها ماتت ليدفنوها هذا إذا فعلت وتركت عنوان وربما لن تهتم بمصير الجثمان..
وحش متعدد الرؤوس يلتهم كل من سواه حتى يلتهم ذاته.. هؤلاء كانوا أولادها وبناتها..
الأصغر يفضّل ألا يعمل ويبقى شاردا على المقهى بالساعات والأيام.. تطلقت زوجته ولديه طفل.. يسدد النفقة خصما من راتبه.. ولا يمانع أن يعطيه أحدهم مصروفا للتدخين والمشروبات..
أين هو المكان الذي يستضيفهم جميعا بعد اختفائها؟
لقد اعتذروا واحدا وراء الآخر وفي النهاية تفرقوا ولم يعودوا إخوة، صاروا يتقابلون أحيانا في شوارع المدينة الواسعة أو في سرادقات العزاء ويومئ بعضهم لبعض ويتذكرون أيامهم بصعوبة..
وكان زوج ابنتها الكبرى وحيد أمه مدللا طوال العمر ولما صار ضابطا ازداد انتفاخا حتى خرج على المعاش وبقيت بداخله ذكرى الطفل المدلل..
ابنتها الموفورة الصحة كانت تموت أمامها..
الضابط المتقاعد يقتلها بتربية حفيدهما البكر ليتدلل كما كانت تفعل أمه معه..
ليس عنده سوى الأوامر والنواهي.. لينتقم من صحتها..
لابد أن تتقاسم معه المرض والوهن واقتراب الموت..
عندما أخبرتها الممرضة بحالته كما وصفها الطبيب حملته إلى المستشفى وكان في غيبوبة كاملة ونامت بجواره ثلاث سنوات..
ولما أفاق كان قد استأصل كلى وبعض الأمعاء ويشعر بالغضب من كل ما حوله..
لماذا يعيش كل هؤلاء أصحاء؟
الضابط المنقوع في الكآبة يدمر يومها بل يفعل أكثر طوال أيام الأسبوع وفي يوم الجمعة يحدجها بنظرة قاتمة ويثور متى أضاع جوربا أو سقطت منه ملعقة.. يمشي بلا غاية ولا هدف بغضون خفيفة بين حاجبيه وبكتفين هابطين مسترخيين وبشفتين مزمومتين وينظر متجها إلى قدميه ويتقلب مزاجه بين لحظة وأخرى ولا يعجبه شيء ولا يروقه أمر يقف أمام الثلاجة المفتوحة ويضرب الأرض بقدمه صاخبا متسائلا عن موضع الزبدة ومكان البيض..
يخترع ويستنبط النكد.. الستائر معلقة باعوجاج ووعاء السلطة ليس هذا مكانه.. وأين اختفى الحذاء؟ وأنت تفتشين جيوبي..
والبنت الصغرى كانت مستاءة لأنها لم ترث شيئا وزوجها يعيّرها بذلك وتحضر يوم الجمعة بأولادها ولا يحضر زوجها..
وتنظر نحو أمها في تأفف باعتبارها مسؤولة عما حدث..
وتعودت أن تستدين منها ولا تسدد باعتبار هذا تعويضا..
سألتها بشكل مباشر لماذا أنجب أبوها كل هؤلاء وهو ليس إلا موظف؟
ابنتها على حق لكن هل كانت هي صاحبة القرار في إنجاب كل هؤلاء من الموظف؟
ثم ما عيب الموظف؟ وقتها كانت كل الدنيا موظفين..
ولم تكن هناك وسائل لمنع الحمل..
لا تتصل بها إلا عندما تكون بحاجة للمال إنها لا تمتلك مدخرات ولكن يبدو أنها قد نوت أن تأخذ كل ما معها وهو قليل.. لقد طلقها ذلك الزوج العصبي مرتين وهي الآن بلا عمل ولا تنوي البحث عن وظيفة وتكتفي بمناكدة العيش معه ومنح أمها بعض المشاعر المؤلمة..
كل هذه العاهات تسخر منها..
وولدها ذلك العتل الطويل لا يتوقف عن ترديد فضائح أخوته وأزواجهم..
زوج مرام تزوج من مومس سرا.. وبكت أخته وحملت أولادها وخرجت حتى لا تسمع بقية القصة.. لقد كتب أولاد المومس على اسمه.. وصاروا أخوة لأولادها.
كان خارج السيطرة وبحجمه الكبير لا أحد يجرؤ على منعه من الكلام وكان كل يوم جمعة يجيء وفي جعبته من الحواديت الكثير..
في بيت إنعام جلسن يتناقشن في الرسالة القادمة من مرسى مطروح..
هل ستظهر زهرة مرة أخرى؟
قالت رتيبة: ممكن..
وقالت إنعام: لا..
وصار بينهن صمت طويل..
لكن ماذا سيقول الناس؟
الأولاد لم يعد أحد منهم يظهر عند بيت العائلة القديم.. لقد حكمت عليهم بالاختفاء.. كما فعلوا بها..
جارتهم سنية العجوز سألت ضابط المخابرات: أمك فين يا ممدوح؟
ليس لطيفا أن تكون أمك مختفية.. كما أن البيت لم يعد موجودا أصلا.. حضر سكان جدد وانمحت جدران طفولتهم القديمة وسنوات المراهقة.. لم يعد سوى بعض المتطفلين..
ضي كان يحلو لها أن تتخيل وترسمها كثيرا.. زهرة معلمة التاريخ في حياتها الجديدة انقطع هاتفها الجوال واختفى صوتها وغابت ملامحها في الزحام..
بعد سنوات ستصل من زهرة رسالة أخرى إلى بيت إنعام عليها مكتوب: "أنا بخير"، كان ختم الرسالة قادما من أسوان في أقصى الجنوب..
الكحكح
إنعام مريضة.. نوبة برد عاتية في عز الصيف وحضرن كلهن عندها.. كانت معها إخلاص من أول الصباح ولما أفاقت سألتها رتيبة في لهفة:"ماذا جرى؟"
: "يبدو أنني كبرت في السن"
قهقهت رتيبة وقالت: "أخيرا ".. وأوقفتها إنعام قائلة:
"لا.. أريد أن أعرف.. ماذا قالت اللغة العربية عن العجائز؟ "
تمتمت رتيبة:
قال القرآن الكريم على لسان زكريا: "رب إني قد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا"..
وقال لقمان: "يا بني إن أباك قد فني وهو حي وعاش حتى سئم العيش".. :لا.. لا.. هؤلاء رجال..
نصحها الطبيب بعد أن تحسنت بتغيير الجو.. وحملتهن جميعا سيارة إخلاص للإسكندرية وزغردت رتيبة في الطريق.. وأخرجت رأسها من الشباك لتستقبل الهواء..
الشاليه الأبيض القديم عند شاطئ العجمي كان مثاليا ومنعزلا وسط الرمال البيضاء.. وفي ساعات الضياء الأولى كن ينزلقن نحو أمواج البحر واحدة بعد الأخرى.. رتيبة تسلقت بشحمها ودخلت في عوامة وقلدتها نادية والباقيات كن يجدن السباحة.. وعلا صياحهن من رش الماء.. والدفع بالخائفتين نحو الأعمق..
الشاطئ لا يزال خاليا وتكومت على الرمال كتل من اللحم العجوز..
ذابت الأصباغ والمساحيق في الماء المالح واستعاد شعرهن لونه الأبيض الطبيعي ومسح البحر كحل العيون وكل محاولاتهن للمقاومة..
كانت كل واحدة تنظر للأخريات في دهشة..
ورجعن مجهدات لينمن عميقا على الشاطيء كما لم ينمن من قبل..
لم تعد الإسكندرية كما كانت.. لكنها ستظل أرضا للأحلام المستحيلة بالشفاء والاستراحة من الضجيج..
استعادت إنعام ولدها الثالث وأولاده وهي تنقر على الرمل..
كان طوال المرحلة الإعدادية والثانوية يثير المشاكل ويدخل في معارك مع الطلاب..
وكانت إخلاص تلاعب رتيبة الطاولة وتهزمها كالعادة..
مجدي ابن إنعام هذا الطويل العريض انصلح حاله وتخرج في كلية التجارة ولم يجد عملا بعد الخروج من الجيش كان وسيما ولما سافر دبي غاب هناك وبعد سنوات تزوج من روسية وحضر مع أولاده منها وسافرت معهم للمصيف..
وجاء الدور على الأبلة الناظرة لتغلب إخلاص..
كانت هزيمتها حتمية.. ورتيبة تراقب وتضحك.. "درجي.. يا إخلاص" وتصيح إخلاص صاخبة ومحتجة: "لا.. شيش يك يا أبلة".. :"لا درجي.. وإلا أخاصمك" سقطت رتيبة من الضحك من هذا الابتزاز الواضح.. ووافقت إخلاص.. وأمسكت جيلان بقشاط إخلاص.. في لعبة المحبوسة..
إنعام عندما أخبروها بأن مجدي أصيب بأزمة قلبية ومات لم تعرف ماذا تفعل؟
وانتظر أخوته وصول الجثمان..
بعد أشهر أخرى حضرت زوجته لتسأل عن الميراث.. لم يكن هناك أي ميراث..
كان أحفادها الثلاثة من مجدي يلعبون حولها.. بنتان وولد.. ملامحهم البيضاء روسية.. ويتحدثون معها.. بلغة أخرى.. وربما لا يعرفون تلك الجالسة مع أمهم من تكون..
بعد عدة مناقشات اكتفت زوجة مجدي وأصابها اليأس ورحلت مع أولادها..
أخذت الأمواج نادية.. أكثرهن انعزالا.. ابتعدت بعوامتها.. وأفاقت جيلان على صياحهن.. وانزلقت تسبح وتضرب الماء في رشاقة وانتظام خلف نادية المبتعدة حتى صارت أمامها، كانت نادية تبكي.. ولا تريد أن تنظر خلفها وترى الناس والأرض..
"إن كنت تريدين الانتحار أخبريني أولا حتى أرسمك"، همست ضي التي وقفت في قلق لتتابع رجوعها في أذنها فضحكت وسندتها ووسدتها تحت المظلة..
كانت ترتعد من البرد والخوف وصبت لها قليلا من الشاي..
قالت لها إنها كانت في حالة عجيبة يتساوى عندها أن تعود للشاطئ أو تغيب وتذهب للنصف الآخر..
نادية استقر النوم في عينيها تحت المظلة وغابت طويلا حتى أيقظتها جيلان..
لم تعد ترى إلا قليلا.. نصف أيامها مع نفسها ونصفها الآخر مع جيلان..
ذهبت معها لتؤنسها لكنها في الحقيقة كانت خائفة أن تموت وحيدة..
كانت خائفة من سقوط المصباح على رأسها وهي نائمة ولم تفكر أبدا في تعديل مكانه أو النوم بعيدا..
حين الظلام تكتفي بإغماض عينيها.. وتتخيل ماذا ستفعل عندما ستموت؟
سوف يمددونها على ظهرها وسوف يكون فوقها سقف منخفض لكن لن يكون هناك هواء ولا ظل ولا ضوء سوف يلفونها في قماش أبيض عارية..
فشلت محاولات رتيبة معها للصلاة لكنها الآن تصلي بلا مواعيد..
كل يوم تنتظر ابنتها أن تعود.. وربما ليست ابنتها كما ظنت..
لقد تركتهم أطفالا ولم يمنحها أحد الفرصة لتربيتهم..
لا.. هي كانت لا تريدهم.. ولا تريد أباهم..
كانت تريد أن تتطلق بالثلاثة من هذا الأقرع الذي تخرج الرائحة من رأسه..
لكن ما يحدث الآن شيء آخر.. لأنها تتمنى رؤية البنت والولدين
كانت البنت الصغرى والأجمل بين أولادها ورقيقة ولديها غمازتان كأمها.. وشعرها ناعم وجميل ومن حسن الحظ أن صلعة الأب لا ترثها البنات..
لم يكن عندها من أولادها سوى بعض ألبومات صور قديمة تأملتها صامتة منذ سنوات وأزاحتها بعيدا..
الولدان ربما كانا يشبهان أباهما ولا تريد رؤيتهما..
وربما أخبرهما أبوهما بما فعلت.. فليذهبوا جميعا في ستين داهية..
عاصرت الطرابيش والبراقع ورسائل الغرام وزمانهم بالطبع يختلف عن زمانها
قبل أن تنتقم من هذا العتل الظالم اقتحمت ابنتها غرفتها الصغيرة وقالت في عذوبة: لمَ أنت حزينة يا ماما؟
رتبت ضفيرتها وقبلتها في وجنتيها وغابت في حضنها..
انتقلت بالسكن لمكان بعيد كان منعزلا وصار الآن صاخبا..
هربت قبل أن تصبح مشاعا لكل أنواع الضباع إلى حيث لا يعرفها أحد..
عشيقها الذي استخدمته لإذلال زوجها تناقل القصة مزهوا مع أصحابه.. ولو بقيت لطمعوا فيها جميعا كلحم رخيص..
لكن من أين عرفت ابنتها عنوانها؟ لابد أنها سألت أحدا في المدرسة.. لكن حتى المدرسة مضى على خروجها منها وقت طويل..
ربما تلك التي تأملتها وهربت ليست ابنتها..
قالت لها إنعام: نظري يضعف يوما بعد يوم اقرئي هذا الجزء الأسفل..
تضع نظارتها وتقرأ.. رسالة من زهرة من الإسكندرية: أنا بخير.. شكرا يا بنات..
إنها زهرة.. تلك الوحيدة التي نجحت في أن تختفي..
رتيبة على الشاطئ كانت تقرأ كتابا وأغلقته.. وفتحت النت على المحمول.. وأغرقت في الضحك.. نظرن نحوها.. لكنها ظلت تضحك بلا توقف..
حاصرنها فقالت إنها كانت تبحث لإنعام في لسان العرب عن وصف للعجائز اللاتي تجاوزن الثمانين.. وتبين أنهم يطلقون عليهن: الكُحكُح"..
وأضافت تقرأ لهن: ومن طال عمره التوت عليه الأيام، ومشت به على غير استقامة، من حوادث الدهر وضعف الجوارح..
وعلا الصخب..
كان البحر ممتدا وعيونهن تخوض في بطن الليل..
مالت ضي نحو إنعام عندما تذكرت زهرة: الزواج والأولاد مشروع فاشل.. بناء من أجل غيرك..
:الأولاد إن منعتهم مالك ملوا قربك واستثقلوا حياتك وتمنوا وفاتك..
ونادية راحت بعيدا في البحر لترى.. وها هو الموت يقترب..
وجيلان فاجأتهن وطلبت نفسها المسرح وفي آخر هذا المساء كانت واقفة على الخشبة تتململ وهن غير قادرات على أن يفهمن من تكون؟
كانت منحنية في مهابة وتتوكأ على عكاز وتنظر نحوهن في شر.. وفي النهاية صرخت ضي: المرأة العجوز.. وزيارتها.. دورينمات ياللهول..
كانت المسرحية بسيطة ومختصرة.. وأخرجت جيلان بضعة جنيهات معدنية من جيبها وقذفتها في وجه نادية وإنعام ورتيبة.. كانت عائدة لتنتقم وتذبحهن جميعا.. وقالت لهن: اشترين كل لوحات ضي ومسرحيات إن وأحرقوها جميعا على حسابي..
صاحت ضي: وأشعار رتيبة؟
: لا.. رتيبة سوف أدخلها النار..
تعبت جيلان من الوقوف وراحت لترتمي على الكنبة وانتهت المسرحية قبل أن تبدأ..
إنعام ظلت صامتة.. المسرح ذلك المستطيل ألهمها بأن تضرب عبدالله إذا ضربها وليكن ما يكون..
يومها تجمع أولادها صامتين وهم يرونها خارجة غاضبة من غرفة نومها..
تعمدت أن يسمعوا كل شيء..
وبعدها بقليل مات عبدالله..
هل قتلته؟.. ربما.. وربما الحشيش..
كان ولداها الأخيران توأمين كانت إذا ضربت أحدهما على خده بكي الآخر ولو كان في بلد آخر..
كانت حين تنادي على أحدهما يأتي واضعا يديه على وجهه أو يتجنب الاقتراب خشية العقاب..
أولادها تركت مسافة بينها وبينهم ولم تغرقهم في الحب ولا بأس فالأب يعاقب بنيه والمعلم تلاميذه والرئيس جنوده والدنيا تعاقبنا على اختياراتنا..
لكزتها ضي: "مساء الذكريات التعيسات يا جميل"..
بينهما كيمياء عجيبة وتكاد كلتاهما تقرأ الأخرى..
قالت لها إنعام هامسة إن رتيبة أخبرتها أنها وافقت أن ترسمها عارية.. وقفزت ضي من مكانها..
قبل الاستسلام للرسم قالت رتيبة: "ماذا سترسمين ثديان منتفخان مترهلان وكرش سمين وتجاعيد وأسلاك شعر على رأس أقرع؟ "
:"حسنا أنت تنظرين للمسألة من ناحية الجنس..
الذكر يرى الأنثى ساقان ناعمان تحت بطن لين وثدي ناهد وردف ناعم سمين..
لا.. أنا أنظر إليك.. كما أنظر إلى الكون.. بلا مشاعر.. كما هو.. "
:هل ستظهرين ملامح وجهها؟
:ربما نعم.. وربما لا..
إنعام تأملت رتيبة عارية وضي تخطط بالقلم علامات لترسمها..
أي كون يختبئ في هذا الجسد وكيف تتبدل عليه الفصول..
إنها أيضا تعبت من المرآة.. وتريد أن ترى نفسها..
أمها أغمضت عينيها قبل أبيها.. وتعلمت منها الكثير..
لم تكن تقرأ ولا تكتب.. ولا تعرف بيتا آخر.. ولا تتحدث مع أحد غير نفسها.. واعتادت من زوجها أن يزدريها وتصمت..
ولابد أن ينتهي الزواج بأن يكره كل طرف الآخر..
هل فكرت يوما بأن تقتل أحدهما حتى يستريح الآخر؟
سقط السؤال فوق رأسها.. في وجودنا جدران لا يمكن إدراكها.. الآباء الملاعين تظنهم جيدين وأنت صغير..
حكم أبوها على أمها.. ومنعها من رؤية أمها وأقاربها.. ومن الخروج للشارع.. ومن النوم مادام مستيقظا..
وحكم عليها عندما ماتت جدتها: "إن التي ستذهبين من أجلها ماتت"
دخلت إنعام يوما وهي طفلة غرفة نومها دون أن تقصد.. كانت ترتدي ملابس زاهية غريبة لم تتعود رؤيتها.. وتضع أصباغا على شفتيها.. ولما رأتها انزعجت..
كيف كانت تنام تحت هذا الرجل؟
يوم ماتت أمها لا تتذكر الآن سوى صوت نهنهة شقيقاتها البنات وسرير عليه رداء ممدد ووجه تغطى..
كانت أمها تحت كل تلك الأشياء..
وأبوها زاغت عيناه ولم ترجعا لمكانهما أبدا..
هل استراحت أم أن هناك عذابا آخر..
عندما حملوها على رؤوسهم كانت خفيفة كالورقة ولم يعد في البيت سوى آثارها وظلت رائحتها في كل ركن لسنوات..
كانت تضطر أن تصغي لزوجها ولما يقول لتستمع إلى حديث لا طائل من ورائه.. وتبقى مستيقظة لتلبي طلباته التي لا تنقطع كل نصف ساعة..
وظل يضطهدها ولما ماتت كان يبدو خائفا من الموت حتى أنه طوال الوقت ينظر وراءه..
وضبطته إنعام يبكي.. وحيدا وضعيفا.. ولم يكن هذا والدها على أي حال..
تعطلت ذاكرته وصار يجتهد ليقول كلمة واحدة ويدخل موضوعين في موضوع واحد..
آخر مرة رأته فيها..
ثنى الخيط وأخرج من جيبه يدا خاوية وتدحرج بجوار الحائط وقعد متعبا..
كان يهذي: "أين هي؟ أريدها أن تغطيني"..
أمها تلك المعلقة صورتها على الجدار لم يكن عندها وقت وأورثتها استكانتها لشقاء البيوت..
خرج من بطنها اثنتا عشرة نفسا واعتادت على البيت الفسيح تكنس وتمسح وتوقد النار وتصنع الطعام وتغسل وتخبز الأرغفة وتلفق الثياب..
لم يكن هناك مبرد ولا موقد غاز ولا مكيفات ولا غسالة.. ترص أربع طناجر عملاقة وتوقد تحتها نار الكيروسين وتنقل بينها الثياب عند الغليان بعصا طويل من الخشب قبل أن تغرقها في الصابون والمواد الكاوية..
كانت تجهز لهن الفساتين وملابس المدرسة ولم يكن عندها ملابس للخروج..
وكن يحضرن لها بعض فساتين أو ملابس لتصنع مثلها على ماكينة الخياطة..
اعتادت إنعام أن تعاونها قليلا مع شقيقاتها وكانت تنظر لبناتها بامتنان..
أما الأولاد فقد ورثوا أبيهم ويلقون أغراضهم في كل مكان ويهدمون ماتبني ويشعلون الحرائق..
وسط كل هذه الأعباء رضيت باضطهاد زوجها ولم تكن تواجهه أبدا.. وتركته يعربد وحيدا في البيت حتى هزمته قامات أولاده..
كانوا يتمددون إلى أعلى واحدا بعد الآخر وهو ثابت في مكانه حتى نجحوا في تجاوزه..
إنعام أولادها الأربعة ورثوا هذا الطول والعرض من أخوالهم لكنها لم تذهب معهم لغرف نومهم لتعرف ما يفعلونه مع النساء..
كانوا لا يدخلون غرفتها ويهابونها ولما مات أبوها لم تذرف دمعة واحدة..
كانت بعد موت عبدالله تتعامل مع الحياة بلا تضحيات وتحرص على الابتعاد عن العواطف والأحلام إلا على المسرح..
هناك تعيش حياة تختارها ولا يفرضها أحد وتبدأها وتنهيها كما تشاء..
لوحة ضي بدأت معالمها تتضح على القماش وسألت رتيبة: لماذا تصرين عند رسمي على كشف ملامح لا أراها؟
:لا تقلقي الفن حينما يصور الواقع ينفصل ويصبح شيئا قائما بذاته لا علاقة له بالواقع
: لكنني متأكدة أن هذه أنا..
:نعم.. هذا صحيح..
بعد ثلاث جلسات وأسبوع من العمل تمدد تكوين من جسد سابح وسالت بعض الأصباغ الزرقاء على اللوحة وغافلت رتيبة الجميع ووجأت القماش بسكين.. وطعنته عدة طعنات..
كانت منهارة.. ولم تعنّفها ضي.. ولملمت قماش اللوحة بعد أن مزقته السكين..
وراحت مع إنعام وشاهدت كاميرا المراقبة.. رتيبة عندما ضربت اللوحة بالسكين.. كانت ملامحها تستحق..
وانتابت إنعام مشاعر ما قبل إسدال الستار..
بعد موت أبيها شقيقاتها تدحرجن واحدة بعد الأخرى في غياهب أزواجهن واختفين..
أخوتها الرجال كانت تتناحر معهم بخشونة ولم تكن مستعدة أن تتعامل معهم وفقا لقواعد أبيها وبالتدريج ابتعدوا عنها.. ولم يعد يجمع بينهم غير المقابر..
آخر مرة شاهدتهم عندما مات ولداها التوأم خلال عامين واحدا وراء الآخر، مهندس وصيدلاني فقدتهما أول ما فقدت وكانت الناس تحضر لمصافحتها على ما حدث وترحل..
بعد شهور من عودتهن للقاهرة وفي معرض الفن التشكيلي السنوي اكتسحت إحدى لوحات ضي المعرض العام.. رتقت ضي قماش اللوحة برقاع وخيوط واضحة.. وعلقت في أحد جوانبها عقدة ليتدلى منها السكين.. وتركتها بطعناتها لوحة جريحة ممزقة.. ولم تكتمل.. وتناوبت الصحف على وصفها..
وكان الناس كعادتهم دائما يمرون بصمت أمام المنازل..
ولم يكن هذا كل ما جرى في الإسكندرية على مشارف شاليه العجمي..
فقد كانت إخلاص تدربهن صباحا على موسيقى الإيروبكس لاستعادة بعض اللياقة والنشاط بدون إصابات ملاعب وكانت محترفة..
وفي آخر المساء كن يشاهدن مباراة لكرة القدم على شاشة التليفزيون..
وأوصلت ضي الكاميرا بالشاشة الكبيرة لإذاعة المباراة..
وجاء صوت معلقة المباراة الناظرة جيلان..
سيداتي آنساتي مساء الخير اليوم مباراة نهائي كأس الكحكح على شاطئ العجمي، على يمينك الست رتيبة بلباسها البمبي كابتن فريق "إمسكني من فضلك" وعلى الشمال إخلاص كابتن فريق "أوعى رجلك"
واحدة تسألني عن أهمية تلك المباراة وأقول إن الفائزة سترفع كأس الكحكح وقبل كل شيء أريد أن أشكر مدير أمن الملعب والسيد محافظ الإسكندرية ورئيس الجمهورية..
بدأت المباراة واشتعل الحماس بين المتفرجين ووضعت نادية أصبعها في فمها وأطلقت الصفافير.. كانت إخلاص طويلة وبوصفها معلمة تربية رياضية أكثر رشاقة وعندما اشتبكت معها رتيبة بكل ثقلها أخذت تراقصها وتمر بالكرة من بين أقدامها ذهابا وعودة وتلف حولها وأحرزت في مرماها بسهولة خمسة أهداف ولم يكن أمام رتيبة سوى أن تحاول التسجيل بالتصويب بركل الكرة بأقصى قوة لأن إخلاص برشاقتها ستستولي على الكرة، لكن كل كراتها كانت طائشة وبدأت إخلاص تراوغها من جديد أملا في إحراز السادس فلما داخت رتيبة أمسكت بها وأوقعتها على الأرض وعضتها..
بعد دش ساخن كان كلا الفريقين ممددا من الإجهاد على الأنتريه في صالة الشاليه..
والتفتت إخلاص نحو رتيبة: ما أخبار إصابات الملاعب؟
:أنا عندي ركبة..
:وأنا عندي عضة..
وجاءت الأبلة الناظرة منتعشة وصاحت رتيبة عندما رأت نادية: يعني لازم تعطيني إنذارًا يا حكم؟
وقالت جيلان: يا رتيبة أنت خلاص.. كنت هاتأكليها..
وضجت ضي بالضحك..
إنعام الغارقة في تجهيز الأرز والسلاطات استقبلت السمك المشوي القادم من الفرن من حارس الشاليه وبدأت تتوالى الأطباق..
:حتى في الكرة مهزومة.. والحكم ظالمني..
رددت رتيبة..
أحضرت لها إخلاص طبقا من السمك والأرز..
كانت روحها رياضية لقد فازت بالمباراة وأعطوها كأسا.. وأعطتها الكأس المصنوع من الورق..
: أنت لولاكي ما لعبنا الكرة أصلا..
كانت جيلان عند الشاشة لا تزال تذيع تفاصيل المباراة..
سقطت إخلاص وفوقها رتيبة وأطلقت نادية صافرة الحكم وأشارت لضربة جزاء ولما اعترضت رتيبة أشارت في الهواء بمستطيل ولجأت لتقنية الفار وإعادة اللقطة وتصوير الكاميرا..
كانت إخلاص تئن من تحتها ونزل الملعب اثنتان من المسعفات إنعام وضي ومعهما حقيبة الإسعافات الأولية لإنقاذها وتبين أنها معضوضة فأغرقن في الضحك..
اشتاقت رتيبة للعب كرة القدم رأت عارضة الجول منتصبة ولما صارحتهن استخرجت إخلاص من المخزن كرة ابنها الغائب في أمريكا من سنين..
خواطر بحر
الأربعون عامًا الأخيرة لم تكن كافية..
نادية صحيح أنها ألقت بزوجها وأولادها وأقاربها في صندوق القمامة وانعزلت لكنها تكورت بمفردها..
أحيانا تبدو الحياة وكأنها ثلاثة أيام أو أقل..
ما كان ذنبها لتتزوج من هذا الرجل الذي يشبه الباذنجانة المعطوبة؟
والأغرب أنها أجبرت على الإنجاب منه وكانوا يراقبونها من أول لحظة.. لماذا لم تصبر عاما أو عامين؟ أنجبت أولادها الثلاثة في عامين.. وتورطت واستحالت حياتها جحيما.. صار أكثر بخلا وارتبكت ولم تعد تعرف ليلها من نهارها..
هو لا يعنيه الأولاد لأنها هي التي أنجبتهم..
هو فقط مهتم بمباريات كرة القدم والأكل والصراخ على طلباته التي لا تنقطع..
تذكرت يوم أن دخل عليها ليلة زفافها واستراحت مخالبه على جلدها وظلت تصرخ لم يكن في وعيه وكان يريد أن يفعل شيئا ويشعر بالمهانة لأنه لا يعرف..
عندما تمكن منها في اليوم الرابع اعتدل قاعدا وكانت تنزف بغزارة..
كان مزهوا ويعتقد أن الألم يرضيها..
واعتاد أن يطرق يوميا بابها بعنف حتى أوهمت نفسها بأنها لا تسكن في هذا البيت وتركته يفعل ما يشاء صامتة..
يرتدي فانلة داخلية بها ثقوب والنمش والزغب يغطي صدره ويخرج من الفانلة..
كانت أصابع من أحبت لا تزال على جسمها وعنقها.. ولم تتوالف أبدا مع دهس الشاحنة..
كان زوجها يتفاخر بأنها بلا تجارب وهو لا يعرف..
تدين لضي بالكثير..
واعتادت أن تبكي معها بلا نهاية..
ضي هي الأخرى تبكي أيضا.. أحيانا من أجل شجرة.. أو قلم رصاص ذاب من أجلها وأوشك أن يفارقها..
وفي الوقت نفسه مهتمة بالعلوم الطبيعية والاكتشافات والنظريات العلمية.. أما أجمل ما فيها فهو أنها تتعامل مع الأشياء كما هي ولا تحاسبها ولا تعاقبها ولا تنتقدها..
طوال الوقت تستمع.. وأكسبها هذا إحساسا صوفيا..
لكن أربعين عاما لم تكن كافية لها كفنانة..
دانيال
إخلاص أغمضت عينيها على البحر واستغرقتها السنون..
هنا نامت مع حبيبها دانيال ولم تدخل هذا الشاليه من يومها..
أي عدل على هذه الأرض دانيال يموت ويبقى زوجها ذلك الأخرق..
يومها نامت نوما عميقا.. لم تشعر بالسلام إلا معه..
لقد كان متزوجا هو الآخر من خرقاء.. زوجة تريد أن تقتله.. وترى أنه تأخر كثيرا على الموت..
كلاهما طوق نجاة للآخر..
لكنه تركها وحيدة أمام هذا البحر مع وحدتها ولصوص يحاصرون أيامها ودكاكينها وابن غائب وحفيد تتمنى أن تراه..
كتب عنها دانيال لما استعادها على الفيس بوك : نجمة الصبا كما كان يسميها دائما..
وقال لها إنه ظل يتأمل صورتها ثلاثة أيام متوالية.. قبل أن يرسل طلبا للصداقة..
لم يصدق أن الفيس بوك اختراع كان من أجله خصيصا لإنقاذ ثلاث سنوات باقية من حياته..
أيامه العرجاء تمضي مع تلك الحيزبون ثريا أيضًا وورث محلات وبيوتًا وأولادًا تحرضهم أمهم ضد أبيهم..
لقد ضاعت من بين يديه جوهرة.. وتمنى لها السعادة..
عندما قبلت صداقته على الفيس بوك ارتعدت وسألت نفسها: ماذا فعلت؟
لكنه لم يكن أي أحد..
حبيب الصبا وذكريات الشباب وصاحب القبلة الأولى والرعشة البكر والعيون الزاهية..
في زمانها كانت البنت تطيع ولا تجرؤ على الاعتراف بالحب..
لم يكن أبوها قاسيا وأمها عاقلة..
لكنها لم تجرؤ على مفاتحتهما بحب دانيال وكان وقتها مازال طالبا بالجامعة..
ودفعا ثمن كارثة إخفاء حبهما..
وظلت بينهما مشاعر على التواصل الاجتماعي لا يملكان غيرها..
لكنه زارها وعرف بانفصالها جسديا عن زوجها من عشرات السنوات وانطلق قطار تأخر كثيرا..
هناك في ذلك الركن من الشاليه أسلمت نفسها ليديه ونامت معه على الأريكة واستقبلا الصباح على شاطئ البحر ينظران لأفق لا يغيب..
عرفت أنه يموت منذ سنوات وزوجته تشجعه على ذلك..
وكان يسألها ألا تضع يدها على مواضع الوهن والألم ويبكي..
دانيال عرض أن يسافرا للخارج وأن يتزوجا في أي كنيسة ولو في غابات إفريقيا لكن الداء أسرع من الطائرة والقطار والأمنيات..
كتب لها من ميراثه ثروة..
كل أسبوع يصلها ثلاث وردات من محل بائع الورد في شارعهم القديم..
سدد لصاحب المحل ما يساوي عشرين عاما قادمة ليحمل لها مع صباح كل يوم سبت ورداتها الثلاث..
الرجل صاحب الدكان أحيانا لا يرسلها مع الصبي ويأتي بنفسه ليطمئن على وصول الورد البلدي إليها ويبتسم في حسرة..
عندما كتب معه العقد أعطاه عشرين ألفا من الجنيهات وأخبره أنه سيموت..
في العام 56 أسبوعا على الأكثر والوردات الثلاث بعشرين جنيها في العام ألف جنيه وأعطاه قيمة عشرين عاما قادمة..
ورداتها الثلاث في هذا الأصيص الذي اشتراه دانيال لا تغيب.. تضعها على حافة ركن استماعها للموسيقى وتدير بقربها الأسطوانات القديمة وترحل معه بعيدا.. وأوراقها تتبدل وتدعو من أجلها ومن أجله..
كان بطلا رياضيا ولعل هذا ما شجعها على دراسة التربية الرياضية، قوامه جميل ومن أسرة كريمة لكنه مازال طالبا وهي كذلك والبنات من العيب أن ينتظرن بلا زواج حتى تنتهي الجامعة..
إخلاص متربعة على ذروة الدنيا عملها عظيم ومقرها سكن رائع وأصدقاؤها وصديقاتها من المختارين والمختارات شكواها الوحيدة أن زوجها أحال الحلو إلى مر وأذاقها العذاب ولكم تناسى ما فرض عليه من مال لابنهما..
الزينة والملابس الأنيقة لم تنجح في إزالة اللون الباهت من على هذا الرجل البخيل حتى في عواطفه، وفي النهاية رفضت أن يلمسها شريكها وانسحبت لتبدي الضيق ومضى وهو يتذكر أنها رفضته..
وتعلمت أخيرا أن ثمة شخصا واحدا في الدنيا يستطيع إسعادها هو: هي..
وقالت لنفسها: لن أنحو باللائمة على زوجي وكل شيء لا يفعله لي سأفعله أنا.. ولن أنتظر أن يسعدني ولن أسمح له بتوجيه حياتي..
تستيقظ على صوت المنبه وتقضي ساعة ونصف الساعة وحدها لتقرر كيف تستهل نهارها ويعود لها أمر رفع الستائر أو إبقائها مسدلة وتختار مغادرة الفراش أو ملازمته أو الذهاب للعمل أو الإضراب عنه وأحيانا تلجأ إلى مناجاة نفسها بكلام إيجابي وأحيانا تظن أن جسدها ليس على ما يرام وأن واجبها أن تعول على خلق جسد جديد رائع فتقفز لتمارس الإيروبكس في عنف ونشاط..
التماسيح
في بيت ضي توقفت نادية عند بعض لوحاتها القديمة: "أحب التماسيح.. تذكرني بمن يريدون أن ينهشوا لحمي.. وبأهلي.. الذين أجبروني على الزواج من هذا العتل وعلى إطاعته والإنجاب منه.. أعتقد كلهم ماتوا الآن ويعرفون أنني أدعو عليهم"..
قبل أن تفضحه بقليل قالت له:"طوال الوقت تبصق وتتمخط وأنت تتحدث معي.. هل تتكلم مع حوض؟"
نادية رأت من نافذة بيتها ابنتها من بعيد تتأمل المكان والشارع ولما نزلت مهرولة ووقفت أمامها فرت البنت هاربة..
سألتها ضي
:هل أنت متأكدة؟
:نعم لقد كبرت صار عمرها الآن يزيد على خمسين عاما لكنها ابنتي ولا يمكن أن أخطئ في تحديد ملامحها..
:وهل زوجك مات؟
:لا أعرف..
الأبلة الناظرة كانت تتأمل لوحة ضي وتقعد هناك في الظل..
بيوت وذكريات
من أول الصباح الباكر حملتهن سيارتين واليوم أجازة والشوارع خالية.
الهدف كما خططت ضي بكل عناية زيارة لبيت الزوجية لنادية لتقطع باليقين مدى صحة حكاية ابنتها التي تظهر وتختفي وتهرب.
تركن لسائس الشارع أمر السيارات واضطررن للتقدم سيرا على الأقدام لأن المنطقة مزدحمة بالأسواق والناس حتى في يوم العطلة الرسمية.
مشهدهن لم يعد لافتا وهن يسترخين في جانب على الرصيف على المقهى المختار وعلى مدى النظر يفصل بينهن وبين شقة زوجية نادية شارع لا يزيد على عشرين مترا .الشقة في الدور الثاني شبابيكها خضراء وبلكونتها تطل على الشارع في مواجهتهن وجاء الجارسون فرحا بنوعية جديدة من الزبائن وطلبن يانسون وقهوة وشاي وتململت نادية.
تعرف ذلك الجارسون كان ولدا صغيرا من الجيران في عمر أولادها وطمأنتها ضي فلن يعرفها أحد.
قبل الذهاب لتنفيذ الخطة اشترت لها ضي نقابا محكما على مقاسها ولما دخلت بداخله لم يعد من ملامحها سوى عينيها.
وتململت نادية مرة أخرى.من البالكونة أطل بالفانلة الحمالات زوجها.لا مستحيل هذا أصغر كثيرا .زوجها الآن فوق الثمانين لو عاش.دققت طويلا ربما هذا ولدها الكبير بملامح والده ولم تطل شكوكها وشاهدته بعد دقيقة واحدة ينزل ويتقدم نحوهن ويصافح أحد أصدقائه على المقهى ويتبادلان الشتائم.
وكادت تسقط من طولها.
بجانب عينه تأمل ولدها الأصلع كوالده تلك المجموعة من العواجيز ساخرا ومط شفتيه وهو لا يعرف أن هناك عينان تراقبانه من خلف النقاب وأدارت نادية وجهها حتى لا تقع عينيها على عينيه.
انصرف الولد وعاد همس نادية مع ضي وإنعام وتوقفت سيارة أمام البيت ونزل منها ولد وبنت وزوجة وزوجها ووثبت نادية من مكانها كانت تلك بالفعل الفتاة التي تتأملها الأن تأكدت تماما إنها ابنتها لكن أين أبيها؟ ومن أين عرفت عنوانها؟
سددن الحساب مع البقشيش مع حرص نادية على الانصراف.قالت إنها لا تضمن أن تمر ابنتها أمامهن لشراء طلبات وتلك ستعرفها من عينيها حتى لو اختبأت خلف ألف نقاب.
بالسيارتين انتقلوا إلى مزار آخر: بيت أبيها القديم .ومضت نادية تتجول على قدميها. أغلب البيوت انهارت واختفى بيت العائلة والذكريات.لم يتبق سوي بعض الدكاكين.من هنا عاشت تشتري الحلويات وطلبات الأسرة وتقفز على الرصيف عائدة وتروح كل صباح للمدرسة وتعود وانزلقت معهن نحو النهر القديم إلى دكة خشبية قديمة مكسورة تقف فوقها ظلال شجرة عجوز.هنا قبّلها جارها حبيبها وهي لا تعرف أنها لأول وآخر مرة تتذوق الحب.
انخرطت في البكاء عندما تذكرت أبوها وأمها وأخوتها وأولاد عمومتها. كل هؤلاء خرجوا من حياتها.واحتضنتها أنعام وأعادتها للمقعد الخلفي للسيارة لتستلقي هناك وتنام بعد يوم حافل.
بيوت الموت
ربما ينقذن واحدة أخرى مثلما فعلن معها.. لكن ترى كيف يعيش هؤلاء الناس هناك الآن.. في بيت المسنين وما مصير الأيتام؟
نعم في هذا النزل الفاخر كان هناك أيتام..
الفكرة في هذا المكان المميت أن كبار السن بدلا من معاناة الوحدة سيشعرون بالسعادة عندما يطوف حولهم بعض الأطفال اليتامى مثل أولادهم..
لكن هؤلاء الخادمات اللاتي سيدخلن نار جهنم، كن حريصات على ضرب الأيتام بلا توقف ويعلقن البنت من رجليها في السرير ويضربنها على أي هفوة..
تلك التربية أفرزت شياطين وأصعب من الشياطين..
بالدار كلها غرفة وحيدة لهؤلاء الأطفال الأيتام الخمسة ينامون فيها معا الأولاد والبنات.. وبقية الدار غرف وأجنحة فاخرة للمسنين بالإيجار..
لم يكن الأيتام يسددون أي أموال لكنهم كانوا الدجاجة التي تبيض الذهب..
التبرعات لا تنقطع من أهل الخير وكل شهر أكثر من مئة ألف جنيه بخلاف اللحوم والدجاج حتى أن صاحب الدار اضطر لشراء ثلاجة عرض كالبقالين ليضع بداخلها عجلا بعد أن تبرع أحدهم به للأيتام في عيد الأضحى..
ضبطوا ولدا وبنتا البنت عندها 9 سنوات والولد 12 سنة كان الولد يحاول أن ينزع عنها ورقة التوت وهي راضية..
ضربوا الاثنين عدة مرات علقات ساخنة وبرغم ذلك كانوا يضبطانهما معا..
وكان هذا عبثا.. فقد كانا ينامان في غرفة واحدة.. وأحيانا على سرير واحد..
كانوا حريصين على هؤلاء الأيتام برغم مشاكلهم حرصا على الموارد.. البنت حضرت للدار عمرها 7 سنوات والولد عشر الآن كبرت البنت وصارت عروسًا مثل القمر..
هربت من دار المسنين وراحت للخبيرة الاجتماعية لتعيش عندها وقالت لها إنهم مازالوا يضربونني..
الخبيرة بيتها لا يتحمل.. اليتيمة في مدرسة لكنها لا تتعلم.. لحقت المدرسة وسنها كبيرة وقالت إنهم لا يعلمنها شيئا ويجعلنها تخدم هناك لأن ليس عندها شهادة ميلاد وتكنس الحديقة وتلملم الورق والأكياس من الأرض وقي آخر النهار تعود..
هناك ولدان آخران واحد في ثانية إعدادي والآخر في الحضانة..
طفل الحضانة الأصغر بلا شهادة ميلاد عامل النظافة حمل مخلفات الدار ليلقيها كعادته عند المقلب العمومي كل مساء.. وهو يرمي القمامة سمع صوت بكاء طفل ووجده ملفوفا في قطعة قماش ومازال الحبل السري مربوطا في بطنه وواحدة من الخادمات قصت الخلاص..
عوض صار ولدا كبيرا الآن لكنه شيطان..
وبنت أخرى جاءت للدار متخلفة وغير طبيعية وعنيفة في تصرفاتها أبوها تزوج أربع مرات وفي كل مرة يطلق زوجته لأن ابنته لا تتحملها وفي الآخر أدخلتها الدار مدرسة المعاقين وتحسنت في المدرسة وبدأت تصبح أقل عدوانا.. واستدعى المشرف أباها وقال له:ابنتك تحسنت.. وينبغي أن تستعيدها..
والولد شهاب الذي كان ينام مع البنت أمه وأبوه ماتا ورجع إلى عمه..
ذهب هو الآخر وطلب من المشرفة أن يعيش عندها لكنها خافت.. أفطر معها ونام قليلا وبعدها خرج للشارع..
الأيتام مجتمع خفي.. فاقدين لإرادتهم وأغلبهم يتمنى الموت..
أفاقت جيلان وسط كل هذا السرحان على حضور اللواء شاكر..
وقعد في بيت ضي مذهولا وسط كل هذا الكم من اللوحات والمنحوتات والجداريات والخزف..
كان الحوار دائرا حول بطاقة تصممها ضي لمعرض رائدين لفن الكاريكاتير..
كان لكل منهما وجهة نظر في الحياة..
حسن حاكم في أواخر أيامه ابتدع "نفيسة ومرسي" كل لوحاته سياسية أو إنسانية ويرسم بالقلم الرصاص الملون.. طلبوا منه شيئا عن الحب.. قال: "لا سأرسم لوحات يعاقب عليها القانون.." قبل أن يموت بقليل ابتدع سلسلة ضاحكة.. زوج وزوجة في الثمانين.. وكيف يكون الحب بينهما..
يرسم ليسخر من نفسه.. وكل لوحات الثنائي نفيسة ومرسي تدور حول محور واحد: أين مرسي؟
نفيسة العجوز شمطاء الشعر بثدييها المتهدلين وركب سيقانها العجفاء تطارده بقمصان الاشتهاء الساخنة.. ولما تبحث في اللوحة طويلا طويلا.. تكتشف أن مرسي المسكين داخل الثلاجة أو يختبئ في فرن الغاز أو خلف مقشة أو تحت سجادة أو هرب متعلقا بحبال الغسيل..
بهجت عثمان عاش مختلفا كان في الثمانين واتهموه بقتل صلاح عبد الصبور وظل يبكي عليه طوال حياته.. كان حادا ويكره الظلم.. وفي النهاية رسم نفسه الإمبراطور بهجاتوس الحاكم الملهم على جمهورية بهجاتيا العظمى.. بنظارته الطبية السميكة العمياء ومفاصله المتهالكة ويديه المهزوزتين..
جاءت عناوين صحف جمهورية بهجاتيا العظمي الصباحية: "بهجاتوس خرج من الحمام.. الشعب يلف على وسطه الفوطة.. أصداء عالمية لخروج بهجاتوس من الحمام"..
توقفت ضي عن الشرح.. كيف أربط بين الاثنين في عنوان واحد؟
"الكتابة في الممنوع" صاحت رتيبة وأعطتها ضي عشرة جنيهات فورا جائزة اختيار العنوان واعترضت "إن" قالت إن البطاقة عن رسامين وكان حاكم يرسم لوحات بلا تعليق لأن الاستعانة بالكلمات دليل على فقر الرسم، رفعت الأبلة الناظرة يدها وقالت: "الممنوع" وصاحت ضي: هذا هو العنوان ونالت عشرة جنيهات على التصحيح والاختزال..
حوار من الشارع
"ماما.. زوجي لن يسامحني.. وأنا خائفة"..
هل أخبرتها بما كان يفعل أبوها؟ لا لم تفعل..
يكفي تلويث أحد الأبوين
ولا شك أنها بعد أن تزوجت عرفت كيف يكون صنف الرجال..
منذ أيام قليلة حدثت المعجزة.. وشاهدت نادية ابنتها.. واحتضنتها بقوة.. وتأملت ملامح وجهها بعد أن أبعدتها.. لم يعد باقيا من طفلتها الصغيرة شيء.
: "لا ..لا ..أديري ظهرك.. ولا ترجعي"..
هل كانت تلك التي نطقت من داخلها شخصا آخر؟
ووقفت تتأملها وهي تبتعد وتنظر خلفها..
كان هذا كل ما قالته عندما غافلتها واستوقفتها في الشارع.. وتأكدت أنها هي.. ظلت واقفة معها على ناصية البقال وكلاهما تتأمل الأخرى..
لاشك أنها أيضا لم تتذكر فيها ملامح أمها القديمة..
الآن كل ما يربطها بهؤلاء الناس أن ابن أخيها لديه رقم هاتفها.. وسوف يلقيها مع بقية الأكفان في مدفن العائلة عندما تموت..
مينا
يوم حضور ولدها وزوجته من المطار كادت إخلاص تسقط من طولها وهي ترى حفيدها يركض نحوها ويترك أباه وأمه والحقائب..
ويتعلق برقبتها..
قضوا معها عشرة أيام وكان ابنها جورج وزوجته مشغولين طوال الوقت بشرم الشيخ والجونة وكانت هي مشغولة بحفيدها وتسعى لإقناعه بأن يعيش معها..
:ولمَ لا تحضرين أنت يا تيتة إلى نيويورك..
:أنا كما ترى قديمة..
عصابة الكحكح عقدن اجتماعا عاجلا لمناقشة حضور مينا..
وطلبت ضي أن ترى صورته..
ولما رأتها احتضنتها، لكم كان وسيما..
عندما حضر ونزل من الطائرة كان والداه يدفعان عربة الحقائب أمامهما في صالة المطار وجرى نحوهما سائق سيارة إخلاص، أما مينا فقد جرى قبل الجميع مندفعا نحو حضن جدته التي ركعت بركبتيها على الأرض لتتلقاه..
بمجرد خروجهما من صالة المطار راحت الحقائب للسيارة..
أما مينا فقد طلبت منه جدته أن ينتظر معها ولا يركب مع والديه في سيارتها،اتصلت بالهاتف وفي خلال دقيقتين كانت أمامه مفاجأة مذهلة،وعلى بوابات وصول المسافرين توقفت سيارة نقل البضائع لسلسلة محلات "فرحة" لملابس الأطفال وعليها صورته وهو واقف وسط المحلات بحجم عملاق ومكتوب تحتها: مينا.. يزور محلات فرحة..
وفي الناحية الأخرى صورة أخرى له وهو قاعد على الأرض ممددا قدميه على أرضية صالة البيع مع عدد من الصغار وسط ملابس الأطفال..
الصور أرسلها من نيويورك وعالجتها ضي على الكمبيوتر وأدخلت عليها تعديلات..
متى صنعت جدته العبقرية كل هذا؟
بل وأصرت أن يركبا هو وهي في شاحنة نقل البضائع مع السائق، وساعدوا جدته لتصعد بعناء إلى المقعد المرتفع وقفز خلفها وانطلقت السيارتان، وانبرت أمه لتصويره بكاميرا الفيديو وهو يلوح لوالديه من الشباك من داخل كابينة النقل بجوار صورته العملاقة..
راحت معه للأهرامات والكنائس العتيقة والمساجد.. وتجولا بين الناس في الشوارع.. كان عقله الصغير يستوعب رسائلها بسرعة، ومن أول يوم عندما صعدت لتنام كان أول من يصعد في الصباح بمجرد أن يسمع صوت الكركبة وكثيرا ما انتبهت في مطلع الصباح وهو واقف فوقها يتأمل قسمات وجهها وهي نائمة..
اعتادت أن تناقشه في مشاكل العمل والحياة باعتباره مسؤولا عنها أيضا..
بعد سفرهم بكت من قلبها طويلا واعتادت أن تفكر في الموت قبل الذهاب إلى النوم مباشرة وهذا يحدث كل يوم وتخاف من احتمال واحد أن تدفن قبل أن تموت فعلا..
وفي مواجهة الأحزان لابد من مخرج ولم يعد الانخراط في البكاء كافيا ولا الانفعالات..
حفيدي ليس هذا ذنبه..
الأطفال في عمره لا يصدقون الموت.. ذلك أن رجل الموت يأتي لينقل بالقوة شخصا.. إنها مجرد خدعة لا أكثر.. تستطيع أن ترى الموت قادما.. صغار السن والأصحاء فقط يمكنهم الهروب من ذلك الرجل.. وكبار السن والمرضى لا يقدرون..
كان عليها أن تستعد للموت بشكل أعمق..
إن ما ندعوه الموت ما هو إلا وجود آخر ويجب ألا نحزن على الموتى لأنهم سعداء أكثر والموت أفضل من حياة مؤلمة وفي الموت الناس جميعا متساوون.. أخيرا تحققت العدالة..
أخبرها حفيدها عن زميلته في الفصل جينيكا ذات الأصول اليونانية تلك الجميلة التي يتنافس على جذب اهتمامها كل التلاميذ..
يشعر بالغيظ لأنها لا تلتفت نحوه كثيرا..
نصحته بأن يعرض عليها صورته أمام الأهرامات..
جاء حفيدها منبهرا بعبقرية جدته على كاميرا شاشة الكمبيوتر..
قال لها إن الفتاة الجميلة تطارده كل يوم وتقف معه بمفردها ليحكي لها شيئا عن مصر..
:حسنًا.. الآن لابد كل يوم من تدريب ضغط الصدرالذي تعلمته في القاهرة عشرين مرة.. ومن التغذية جيدا..
: لكنه متعب جدا يا جدتي.. وأنا لا أحب الأكل..
: نحتاج لصدر قوي جميل وعضلات رجل.. ولابد من الرياضة والطعام المفيد.. وإلا سنفقد البنت الجميلة.. لابد أن يتلفت التلاميذ نحو مينا صاحب القوام الممشوق..
: سأفعل يا جدتي..
: الآن تثاقل عليها قليلا لنعرف إن كانت تحبك، حاول ألا تنظر نحوها ولا تعترضها،أريد أن أراك في هذا القميص الأزرق وتلقي على كتفك هذا البلوفر الأبيض، أنيقا وواثقا..
حضرت جنيكا وسألته مرتبكة: هل لديك شيء آخر عن مصر؟
استخرج لها صورته وهو يطل من الشاحنة وصورته العملاقة على الشاحنة من الناحيتين..
: لا.. لا.. هذا مستحيل.. لابد أنها خدعة.. تلك الصورة مصنوعة فوتوشوب..
استدعى مينا على اللاب توب فيلم الفيديو الذي صورته والدته من السيارة أثناء العودة من المطار وهو يلوح لها..
وصفقت بذهول عند رؤية فيديو الشاحنة العملاقة في شوارع القاهرة وعليها صورته وجولات مينا داخل المتحف المصري..
: قلت لها إن جدتي صاحبة تلك المحلات وهي تحبني..
: لا.. لا يا حبيبي.. قل لها أنك صاحب هذه المحلات.. وأن جدتك التي تحبك تديرها من أجلك..
: وهل عندما ستموتين يا جدتي ستحبينني.. أنا خائف ألا يحبني أحد مثلك؟
: الآن الأهرامات ليست مهمة ولا أبو الهول ولا التاريخ ولا جدتك، الأهم أن تحبك تلك الجميلة وأن تراك نظيفا مهندما ولا بأس بقليل من تصفيف الشعر والقمصان الملونة والعطر المصري لقد كان أجدادك في غاية الوسامة وأنت لا تحتاج ومن تكون هذه حتى تقدر على مقاومتك..
لقد أوقعت في غرامك حتى صديقاتي العجائز..
:لكنني يا جدتي.. لا أتحدث عن صديقاتك.. أحبهن نعم.. لكن أريد هؤلاء العجائز العبقريات أن يخبرنها.. أو أن يجدن حلا.. أريدها أن تحبني..
: لا.. لا.. في الحب لا أحد يتدخل..
دعني أخبرك لماذا تحب البنت الولد..
ذكي نظيف رائحته طيبة مهذب قوي وسيم جذاب موهوب.. وأنت لا ينقصك كل هذا..
لكن حسنا دعنا نبدأ وبعد أن نصفف شعرك أريدك أن تنهض حالا وأراك بملابس الخروج..
وتتابعت لنصف الساعة مشاهد خروج مينا من الكادر وعودته مع بنطال وقميص جديد وأحيانا جاكت..
وكانت إخلاص تضع ملاحظات أخيرة حول تناسق الألوان وتقترح: تلك السترة تحتاج منديلا أبيض وهذا القميص مناسب على بنطال أزرق وتلك الملفحة الصوفية مناسبة تماما للون البلوفر الصوف..
وضحكت من قلبها قائلة: المسكينة ليس أمامها مهرب، سوف تقع في غرامك..
: هل تعتقدين هذا يا جدتي؟
: نعم.. يا حبيب جدتك.. فقط أخبرها عن نفسك ودعها تتحدث واستمع لها بكل كيانك..
الدخان
ضي تلك التي كانت حياتها تجريبا دائما تؤمن بأن لا أحد خارجك يمكنك الاعتماد عليه كانت تذهب للسرير مع الرجال بقدر ما تستطيع وكل الرجال متاحون وعليها الانتقاء بعناية لترضي ذوقها..
تململت.. كيف تستطيع جمع القوة لترفع يدها وتدفع اللحاف بعيدا لتنزل من على السرير؟
إن يوما جديدا أطل..
بلاطات الحمامات المكسورة وفرشاة الأسنان المهترئة والشرفات القديمة..
كيف يطير الوقت؟
أصبحنا لا نعرف أحدا في هذه الشوارع..
إن العالم سيظل موجودا وهي ليست موجودة فيه..
لم تغسل يديها من الألوان وانتابتها رغبة في تلطيخ العالم بالأحمر والأزرق والأسود..
يوم أن باعت ضي لوحة رتيبة العارية برقم كبير عرضت عليهن الاحتفال بأن تعقد لهن جلسة تحشيش..
رفعن حواجبهن ورفضت رتيبة ووافقت كل من إنعام ونادية وأبطلت صوتها جيلان وترددت إخلاص..
صار وجوبيا وفق الأغلبية أن يحضرن الاحتفال قالت رتيبة إنها لا تدخن وقالت ضي: لا يهم..
وأغلقت النوافذ جيدا وعلى جفنة من فخار بداخلها مجمر للفحم أطلقت بخور الحشيش تلقمه قطعة وراء الأخرى وسرى عبق في المكان..
"مساء الفل على السطل" قالت رتيبة وجاوبتها ضي: ".. مساء الليل في عز النهار"..
بعد دقائق وقفن ليرقصن ويتطوحن وانهارت جيلان من الضحك وبكت نادية..
تمددت نادية على الأريكة واضطربت ونقلتها ضي داخل غرفة نومها لتستريح لكنها أمسكت بيدها حتى لا ترحل.. كانت تريد أن تتكلم..
:"فشلت مع كل العلاقات.. كنت أريد الغوص في أحضان أول رجل أقابله لعله يعيد كرامتي الضائعة وبكيت طوال الليل لأبحث عن مكان لا أحد يعرفني فيه وأحاول الاختباء من الناس ومن نفسي..
لكن الهروب من أيامي ظل نسخة بالكاربون مكررة.. بلا لون..
كنت فتاة من ذلك الحي الشعبي تعتقد أنها تعرف كل شيء عن الحياة وقادرة على وأد أية محاولة من الرجال لغزو حصونها..
الجميع يتحدثون عن جمالي وأنوثتي ومجرد عبوري بشارع التروللي كان كفيلا بثورة..
كنت أوافق على اختيار أبي لصديقاتي وانتقاء أمي لملابسي وتحديد أبي لمستقبلي عندما أرغمني على تحديد نوع الدراسة بالجامعة واتفقا على زواجي وجاء يوم زفاف بلا معنى..
ودخلت على رجل فشلت في أن أحبه أيام الخطوبة..
الزواج عنده امرأة فوق الفراش فقط ابتعدت عنه كثعبان يريد افتراسي تمنيت رجلا أحبه لا رجلا يغتصبني بعقد مأذون..
حاول معي عدة مرات ورفضت وقاومته بشدة ودافعت عن أنوثتي وعن كل ممراتي التي لم يهبط فيها أحد من قبل وتمسكت بملابسي بشدة وأحكمت الحصار وصفعني بشدة..
تركته يجردني من ملابسي وأنا أبكي وبعدها تركت له جسدي ليفعل به ما يريد..
ولم يتركني برغم إحساسه بكل شيء.. وأصر على إذلالي..
نعم.. لقد اغتصبني..
أحسست براحة كبيرة عندما ابتعد عني غير أنني كنت عاجزة عن الحركة..
اغتصبني ثانية في الصباح وصار كل يوم يغتصبني.. وأهلي ومعارفي وصديقاتي يضحكون ويباركون هذا..
أصبحت أخشى الصفعات وأستسلم له كل يوم..
كانت طبيعته تخيفني كصفعاته وعندما يفرغ من العشاء يصرخ في وجهي بلهجة آمرة لأتبعه إلى غرفة النوم..
ويمارس معي كل شيء يشعره باللذة..
عندما قبلني في شفاهي لأول مرة تذكرت قبلة من أحبني على ضفاف النيل كان زوجي تقريبا يعضني وهو يختلج لامتلاك المرأة وامتلكني وتركته يعضني ويأخذني كما يشاء وعلى طريقته..
وكنت كلما رأيته ازدادت ضربات قلبي وانخرس لساني..
لم تستكمل نادية قصتها وبكت شاحبة وانسحبت ونامت..
وضحكت ضي عندما تذكرت ما جرى وقررت العمل..
لكن ماذا سترسم؟ تنتابها وحشة ملامسة قماش اللوحة المشدود.. كان التوال مصلوبا.. تعرف أنها تعذبه وكانت أصابعها تردد: ليس عندي جديد..
ترى نفسها مقلوبة على رأسها وأصابع قدميها عارية أرادت أن تعيش مع الخفافيش لتشعر بالدم يتدفق إلى أسفل لوسط الدماغ..
وضعت بعض الرتوش على اللوحة لكن بلا جدوى وكانت منهكة وأقرب للسلبية واللامبالاة..
عندما يموت أحدهم لا تتعرض للألم المباشر وليتها تبكي أو تصرخ.. وتظل أياما وسنوات يصعد الحزن بداخلها..
عندما راحت مع إنعام لإنقاذ الناظرة من بيت المسنين لم تنس وجه تلك العجوز المقيمة هناك بلا أمل ولا عينيها الحزينتين.. أقاربها أغنياء.. تركوها هنا لتنتظر أن تموت.. وسددوا كل التكاليف..
والآن ماذا سترسم؟ لن تشبعها العيون ولا الأجسام.. رسمت خطا كالحا.. على طول النظر.. وظلالا غاربة.. واكتفت..
هل كانت حياتها رمادا مثل ذلك الرسم الذي خافت من الاقتراب منه؟ وأين ذهبت النيران؟
أحبت كثيرا وبجنون ولم يمتلكها أحد.. ولم تحبس رجلا ولا عصفورا.. ومن فرط حريتها صارت الآن سجينة..
كانت ترى ذاتها من خلال وجودها في الواقع ولا يهم كيف يراها الآخرون ولا تهتم بأن تكون مثالية من وجهة نظرهم..
ولم تكترث للانضمام لحزب أو طائفة دينية كانت حرة تماما..
لديها ذات مركزية كالنواة تتجمع حولها الأجزاء الأخرى، لكنها لا تتأثر بالمحيطين كثيرا وكانت تعبر عن ذلك بشكل لفظي لعدد محدود جدا من أصدقائها المقربين..
كانت ترى ذاتها العميقة بغرائزها العدوانية لرؤية الكون على حقيقته أملا في أن تسعى دائما للوحدة والتكامل..
كثيرا ما فكرت في قتل إن وإخواتها أو إشعال النار فيهن وهي معهن..
وماذا سيتأثر العالم؟
ستظل الجرائد لمدة يومين تتحدث عن حريق المسنات العجيب وبعدها تخفت الأصوات وتغيب..
تتدرب على أن ترى نفسها على حقيقتها وليس كما تتمنى وتكتشف جسمها ومظهرها وقدراتها على الرسم والنحت والتفكير..
كانت طوال الوقت تعيش في منطقة ما بين الشعور واللاشعور وتحاول الاحتفاظ بتوازنها وثباتها حتى عند هروبها إلى عالم الحشيش..
العمر شريط سريع جدا.. ومرت بخبرات متعددة بالحياة.. وكانت المطلقة الوحيدة بينهن..
زوجها كان يعاني كل مشاعر النقص وكان يعرف جيدا أنه مفلس دائما..
ماتت أمها وهي لا تتجاوز الثامنة هي وأختها ورباهما أبوهما السكير كان أبا محبا للحياة والفن، ولكن إدمانه سلبه وعيه وجعله فوضويا..
ولما بلغت التاسعة عشرة من عمرها التقت بفؤاد الذي يكبرها باثنتي عشرة سنة فراقها وراقته وطلب يدها وأيقنت من نضجه ورجاحة عقلة واعتبرته برج القوة والحماية والرعاية..
كانت ذات يوم عاصف في شهر يناير وهي واقفة على قارعة الطريق بانتظار الباص وخطر على بالها أن تنقل حقيبة الكتف الذي حل به التعب إلى الكتف الآخر.. ولمح هو ما فعلت ووقع في هواها..
وكان كل ذلك وهما ومر خمسة عشر عاما قبل أن تكتشف أن زوجها على عكس كل ما تمنت..
هو لا يفعل شيئا..
أنشأت عملا صغيرا وافتتحت مكتبا للزخرفة لتعيش وازداد ريعه بينما تأخر زوجها وقل الإقبال على عمله في الدعاية، تزوجت من رجل خاسر ولما ضاق صدرها واجهته وأصرت على فتح العيون الأربعة على الحقيقة وانفصلت..
ومن أب يعاقر الخمر إلى زوج متواكل يقضي سحابة نهاره وساعات الليل بعيدا ولا يتكلم إلا لماما تلك كانت حياتها..
كانا يتشاجران دائما وإن تركت النافذة مواربة أو نسيت نظافة منافض السجائر أو على رف المطبخ كسرة من الخبز وثب الواحد منهما على الآخر..
عندما التقت بهذا الرجل الذي أصبح زوجها بدا لها خبيرا بالناس والحياة ويتفوق عليها.. لكنه في الحقيقة كان يتراجع وينحدر بقوة..
"أنت الملومة وأنت العلة والمرض" هكذا كان يجيبها من خلال أسنان تشد على بعضها بعضا وكل صباح تجد نفسها أشبه بمن يحاول أن يملأ السلة بالماء ذلك أنها لا تستطيع منحه التعليم والمال اللذين لم يتوفرا له أبدا..
وفجأة تتحول نظرة أحد الزوجين إلى الآخر ويراه إنسانا لا يمكن احتماله ولا مجال للعثور على حسنة واحدة في تصرفاته..
والذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بتكراره كانت تردد ذلك دائما ولا تتذكر قائل العبارة..
عندما قررت أن تنفصل عنه جسديا اعتادت على توجيه الأوامر له وكرهته أكثر لأنه سمح لها بذلك..
ولا جدوى من العناد وإلقاء اللوم على الطرف الآخر..
والآن أهم شيء بالنسبة لها بعد أن وصلت لمرحلة التقاعد هو مشاعرها تجاه الكراسي والحيطان..
تتخير وقتا تتحدث فيه مع نفسها بهدوء وتقوم بتشغيل الكاسيت ثم تغلق عينيها وتترك جسدها ليسترخي..
كانت تسجل انفعالاتها وتعود إليها بعد قليل وكأنها تتفرج على شخص آخر..
كانت داخل نفسها دوائر في دوائر..
بئر حزن تعود إليها.. ولا شيء يهمها في الخارج..
حادث سعيد
كل شيء كان صامتا في الشارع ..
جيلان أسقطتها نادية في المغطس بين الفقاقيع والصابون ودلكتها بالفرشاة الناعمة وكانت تشتاق للماء الوفير..
وقفت وخرجت إلى الشرفة..
يوما ما عرفتها تلك البيوت وشوارع مصر الجديدة، تعشق الآيس كريم وترتاد نادي هليوبوليس.. بطلة النادي في سباحة الماء.. كانت تقدم استعراضا مذهلا، لكنها صامتة وخجولة..
تفتح صفحات مجلة قديمة.. صورتها تملأ نصف صفحة.. ومعها بنات وصديقات الفريق.. ترى أين ذهب فريق فاتنات مصر الجديدة؟
كانت تصل لحمام السباحة للتدريب في السابعة صباحا..
لم يكن رشاش الماء فقط ينعشها بل مقطوعات الموسيقى..
وترتاح في المترو بجوار النافذة وتتمشى بجوار الأسوار بين الخضرة عائدة للبيت..
تزوجها الوسيم ابن خالتها.. ولما مات كان عمرها خمسة وستين عاما.. ولم يتبق سوى بنات شقيقتها اللاتي طرقن شقتها أياما ثم شعرن بالملل..
لم تنجب ولم تكن نادمة.. العالم ليس في حاجة للمزيد.. وما الذي فعله من لديه أطفال سوى بعض الجحود والشقاء؟
عصابة إنعام كن ينتقمن من صرامتها أيام الدراسة ويضحكن صارت ضعيفة وخفيفة كالورقة وفي أمس الحاجة لمساعدتهن..
لكنهن في الزيارة الأخيرة فوجئن بها ومعها نادية وقد رفعت علما بوسط الصالة وأمرتهن بالوقوف جميعا ولما امتثلن خاضعات صاحت: مدرسة صفا.. مدرسة انتباه..
لكن حنجرتها.. لم تطاوعها وكانت غير قادرة على رفع صوتها مثل زمان..
وغرقن في هيستريا الضحك وهن يستدرن للخروج في طابور..
كان هذا أحد مقالب الناظرة الخفيفة.. لكنها أدارت الجراموفون العتيق على نشيد قديم جعلهن يسرحن بعيدا:"أيها الخفاق في مصر الهواء.. أنت المجد عنوان الولاء
خضرة تبعث في النفس الأمل.. وهلال ليس يطويه الأجل"..
وكان مارش الانتصار في أوبرا عايدة لفيردي ينساب محييا العلم الأخضر ومصر والسودان والنوبة ثلاثة نجوم..
وشدا الجراموفون القديم بصوت أم كلثوم:
"اجمعي يا مصر أزهار الأماني يوم ميلاد المليك
يا صاحب الملك السعيد يا فاتح العصر الجديد"..
كان يوم زيارتهن عندها.. والناس يمرون بصمت أمام المنازل ويتجاهلون ما يحدث بداخلها..
كانت ليلة شم النسيم وأعلنت إنعام الطوارئ، ممنوع الرنجة والفسيخ والملوحة وتونة فقط للاحتفال مع بيض الدجاج الملون المسلوق..
ودق الجرس..
وكان شاكر حاملا باقة من الورد..
تركتهما بمفردهما في الصالون ضي..
قال لها إن عودتها لبيتها أفضل قرار وإن العصافير تسأل عنها هناك في بيت المسنين والنباتات.. وأن الملك الأبيض انتحر والملك الأسود أطلق على نفسه الرصاص.. تذكرت رقعة الشطرنج وضحكت وأخفت وجهها حتى لا يراها أحد..
آخر اليوم جلست تبكي ولما حاصرنها قالت مختنقة: طلبني للزواج.
ألبومات الصور
من بين أرفف مكتبتها تصفحت الأبلة الناظرة عددا من ألبوماتها القديمة وجلسن بجوارها وهي تفتح ألبومات أسرتها.. طفلة ذات جدائل وأبوها لديه شارب وأمها تتدلى يداها في فستان سواريه، منذ طفولتها لديها غمازتان وعينان ساحرتان..
توقفت طويلا أمام صور الغائبين شقيقتها الوحيدة رحلت وشقيقها وهتفت ضي: أين ذهب هذا.. أنا سأحبه فورا.. يا الله لكم كان وسيما.. وابتسمت جيلان وقالت: جدا.. كان بطلا للنادي في الفروسية، لكنه سافر وعاش ومات في الخارج ولم ينجب..
واستخرجت من آخر الألبوم لفافة كبيرة من رسائله إليها وصوره..
بين الألبوم صور مضحكة عندما كانت في عمر عام وهي عارية وقصاصات صحف عن أخبار انتصاراتها الرياضية ويوم فوزها ببطولة إفريقيا والميدالية الذهبية وهي تصافح الملك فاروق..
صرخن عندما شاهدنها بالمايوه كانت تغطي شعرها بكيس محكم وكأنها شخص آخر..
لم تكن شقيقتها تشبهها ولا أمها كانت ملامحها قريبة من أبيها وشقيقها أكثر..
وتوقف الكل عند حفل زفافها على ابن خالتها الوسيم..
قالت لهن إن لديها مفاجأة أخرى وطلبت من إنعام ورتيبة البحث عن حقيبة صغيرة لونها أخضر ولما أحضرنها وفتحتها كدن يسقطن من التهافت على ما بداخلها كانت هناك أربعة ألبومات كاملة مزدحمة عن آخرها بصور المدرسة رجب حارس المدرسة يدق الجرس وطابور الصباح ورفع العلم ورتيبة في شبابها على السبورة تشرح للتلاميذ والعصا في يدها لا تفارقها وإخلاص بزي الرياضة تمارس التدريبات مع فتيات القسم المخصوص وإنعام مع الأولاد في مسرح العرائس ونادية في رحلة الهرم..
استوقفتهن صورة سلوى وبكت رتيبة كانت نظرة عينيها الأكثر رقة منهن جميعا..
هل أكل الموت كل هذا الجمال؟
سلوى كانت تقوم بإرسال كروت تهنئة لنفسها في عيد ميلادها والأعياد قبل أن تنقلب إلى رسائل سلبية تطلب موتها..
شاهدت نادية صورتها قبل الزواج وصورتها بعد الفشل وغاص في صدرها نصل حاد..
أخبرتها ابنتها في حوار الشارع أن أباها مات.. لم يتزوج من أخرى.. يعرفون كل شيء.. هو لم يفتح فمه.. لكن عشيقها لم يتوقف عن التفاخر..
وكاد شقيقها الأصغر يموت في عراك.. عيره أحدهم بأبيه المضروب من راكب أمه.. والكلام المسموم في تلك الحارات الشعبية لا يتوقف..
كانت دائما تتذكر أول يوم دخلت المدرسة وهي طفلة كانت طريقا غامضا واعترتها مشاعر الخوف وإن تظاهرت وفقا لنصائح أمها بالشجاعة..
فجأة وجدت نفسها وسط كل هؤلاء الأولاد والبنات العصبيين..
ومنذ أصبحت في الخامسة صار لها أصدقاء ولزاما عليها أن تختار وتجتاز اختبارات..
عندما سألوها هل أنتِ مستعدة للتقاعد قالت أحاول ألا أفكر في الأمر وعندما سألوها وما أكثر ما يضايقك قالت: سني..
عادت إلى ألبومات الناظرة وكن جميعا يكدن أن يسقطن فوقها من لهفة المتابعة..
صورة جماعية لكل أعضاء هيئة التدريس جعلتهن يقفزن انبهارا كانت رتيبة قصيرة وإخلاص طويلة وسلوى نحيفة وفي وسط الصورة الناظرة وفي الخلف يطل وجه مدرس الجغرافيا الذي أحب سلوى وكتب فيها شعرا وتذكرن الأستاذ زغلول مدرس الرياضيات وكرشه السمين.. وعوض أمين المكتبة..
أين ذهب كل هؤلاء واستوقفتهن إخلاص عند رؤية صور صديقتها إلهام وسألت: أين راحت؟
بحثن لها عن صور أخرى وبكت إخلاص بشدة..
واستخرجت الأبلة الناظرة من مفكرتها القديمة عنوانها الأخير.. كان هناك رقم هاتف لكن أرقامه تغيرت بلا شك..
آخر المساء وصلن إلى شارع المبتديان بالقرب من مقام السيدة زينب وكان الزحام على الآخر فأوقفن السيارة وحملتهن ثلاث عربات توك توك إلى بركة الفيل، حيث سكنت إلهام..
وكانت إخلاص تبدو حائرة..
بحثت بصعوبة عن صديقتها مدرسة اللغة الإنجليزية بالمدرسة ودارت على البيوت العتيقة وتوزعت جهودها مع ضي أحيانا ومع إنعام أحيانا أخرى.. أما بقية العصابة فقد استراحت على المقهى القريب..
بعد صعوبة قابلهما وجه امرأة باستغراب وحكت لهما..
إلهام عاشت العشرين عامًا الأخيرة وحيدة ماتت أمها وأبوها وزوجها.. كانت على حافة الموت عندما جاء جارها الأستاذ شعبان الموظف بالسكة الحديد..
إلهام صديقة والدته، وشقيقاته البنات الكبار تعلمن على يديها بلا مقابل هن وأعداد من بنات الشارع..
يذهب الأستاذ شعبان الموظف بقسم حسابات السكك الحديدية للعمل في السابعة صباحا ويعود في الثالثة عصرا.. لم يتغير الجدول صار فقط ينزل في السادسة صباحا ويفتح بابها ويتولى إفطارها ويفتح النوافذ ويتأكد من وجود التليفون بجوارها ومواعيد أقراص الدواء..
كل يوم وهو عائد يشتري من أجلها الخضار ويعود ليطبخ لها قليلا ويكنس الشقة..
كانت بلا موارد سوى المعاش وكانت مجرد عظام تموت..
لكن كيف ينسى أنها صديقة أمه وأنها كانت ونعم الجارة الطيبة؟
تكبره بثلاثين عاما على الأقل ولن يتركها تموت.. ماذا جرى للدنيا؟
استكمل كل ما ينقصها من جيبه وظل على هذا الحال عشرين عاما كاملة يفتح بابها ويطلق رائحة الشاي بالحليب ويفطر معها ثم ينطلق للعمل ويعود في الثالثة ليطمئن على مواعيد الغداء والأدوية ويرحل..
وفي يوم الجمعة يقرأ لها الصحف والمجلات ويفتح التليفزيون والشبابيك ويستعين بخادمة لتساعدها على الاستحمام وأحيانا شقيقاته يحضرن للسلام على معلمتهن وليتناوبن على خدمتها..
واستوفى شعبان أوراق تأميناتها وصرف الدواء وتابع المعاش..
وأول الشهر يسدد فواتير الماء والكهرباء ويصلح الأجهزة الكهربائية وعيوب السباكة وأعمال الصيانة..
يوما ما كان الأستاذ شعبان العائد بحزمة من الجرجير وكيس ورق بداخله بعض حبات البرتقال يعبر الشارع من وسط السيارات وقفز موتوسيكل هائج في الاتجاه المعاكس واخترق ضلوع جسده.. هرب الموتوسيكل.. وتجمع الناس ونقلوه للمستشفى مصدوما في صدره وكان هذا كافيا..
كانت إلهام تطلب منه دائما أن يأخذ قسطا من الراحة حتى يستطيع القيام بشؤونه في أثناء النهار..
وكان يترك مفتاحا احتياطيا عند جارتها لعلها تطلب أمرا يستدعي السرعة في التدخل قبل الرجوع من مكان عمله البعيد..
فلما مات ارتج الشارع حزنا عليه وحملوه للبيت وحضر على عجل إخوته.. وانتبهوا لضرورة إبلاغ إلهام واتصلوا بها فلم ترد.. وتطوع بعض الحاضرين وراحوا عندها ودقوا جرس الباب فلم تفتح وقالوا ربما تكون خرجت وبعد مداولات خرجت الجارة على الصوت وفتحوا عليها ووجدوها قد أسلمت الروح.. تقريبا في نفس التوقيت..
وكان كل شيء مرتبا في الشقة كما تركه الأستاذ شعبان..
كيس بداخله كفنها وجنيهات لسداد التكاليف كانت في أوراق موضوعة بوضوح داخل مظروف على حافة منضدة السفرة لكي يراها من يدخل عليها وبكت الناس على الاثنين..
أقاربها الذين لم يسألوا عنها تركت عناوينهم وأرقام هواتفهم.. كانت لا تطلب منهم خدمة.. فقط ليتعرف الناس على مكان وعنوان المقبرة المكتوب..
ترحمن على إلهام التي رحلت منذ أعوام ومن على المقهى وأصوات المنشدين عرفن أن اليوم يصادف قبل اليوم الأخير لمولد السيدة زينب..
وحملتهن أرجلهن بين الحواري وضجيج المريدين..
إخلاص اشترت عشرة أكياس من سكاكر النعناع ورتيبة خمس علب من البسكويت وإنعام وضعت يدها في يد الأبلة الناظرة خوفا عليها من الزحام.. وكانت نادية خلفهن وقد انتابها ذهول..
استوقفتهن خلوة في زقاق مسدود تحت أحد البيوت القديمة وشيخ ينشد بصوت جميل ومعه فريق للموسيقى وكانت صاحبة الدار تتطوح على شدو الإنشاد..
دعاهن أصحاب الذكر للحضور وقعدن على كراسي أحضرت على عجل وبعد قليل كانت رتيبة داخل الحلقة تتطوح على دفوف المنشدين وانضمت لها إخلاص لتتطوح هي الأخرى وإن بدت وكأنها ترقص وكادت الناظرة تسقط من الضحك لولا كتف إنعام..
قامت نادية وتطوحت قليلا ولما علا الإنشاد بدأت تترنح بشدة وعصبية ودخلت ضي معها لتهدئتها وأخرجتها باكية..
منحت إخلاص المنشد وفرقته الموسيقية مئة جنيه كاملة..
وتوالت النقوط من العابرين لتحيتهن..
وأحضرت لهن صاحبة البيت أرغفة بداخلها أرز ولحم وتهافت أطفال المولد على أكياس الحلوى والبسكويت..
خرجن بعد التصوير بكاميرا المحمول وهن يتطوحن وعند كل منعطف يستوقفهن أحد للاستضافة..
أحد الدراويش صرخ في وجه نادية زاعقا وكانت تسير بينهن شاحبة وأعطاها ورقة ونصح بألا تفتحها إلا حينما تعود للبيت..
كانت الورقة تطلب زيارة لمرقد أم الغلام بالقرب من مقام الإمام الحسين وهناك تقرأ على روحها الفاتحة وتدعو دعاء مستجابا..
وبعد أيام راحت وحدها هناك وبكت.. ودعت أن ترى أولادها الثلاثة قبل أن تموت..
عندما حملتهن الأقدام للميدان كان المولد شيئا آخر هنا مقام الشريفة بنت الحسين والقبة والمئذنة تغطتا بكرنفال من الألوان والمصابيح المتعاقبة تنطفئ وتشتعل دوائر ومثلثات ومربعات وتنسحب والناس تتدفق كالخرير الهادر وسط بنادق ولعبة حظ ونشان وأعلام وعرائس ووجوه جاءت من آخر البلاد ومنشدين ومريدين وتلال من الحمص والفول وخيام في كل مكان..
ركبن المراجيح وتشبثت رتيبة في رقبة الحصان وخلفها إخلاص على أجنحة الأوزة ودارت بهن الأرجوحة في سرعة وتطايرت شعورهن في الهواء والتقطت الناظرة غطاء رأس رتيبة..
ضي ومعها إنعام جرت بينهما مباراة في التجديف بركوب أرجوحة القارب والارتفاع بها لأقصى مدى.. واكتفت الناظرة بركوب الكتكوت ليرتفع وينخفض في مكانه وأمسكتها نادية وكانت لا تزال حزينة..
امتلأت روحهن بالمكان ودخلن جميعا ومعهن إخلاص لزيارة أم العواجز السيدة زينب..
واختفت هناك رتيبة ووجدنها بصعوبة..
الفرعون الأعرج
"اليوم أرجو أن تموت رسائلي أو تضل الطريق.. ولا تبتغوا ظلا فإن الظلام قادم ويسود"..
فاجأتهم ضي بهذه الكلمات الغامضة وبأنها الملك الفرعون..
انتبهت إنعام وصاحت وهرولت وأطفأت الأنوار باستثناء دائرة فوقها لتفتح لها مجالا: "مولاي إن شمس آمون تشرق على وجهك يا ابن الإله"..
وكانت ضي تدور حول نفسها وتهمهم:
"تلك المراعي ليست سوى حرثا من الشوك.. "
وأجابتها إنعام: "إنها الأشباح وتلك عوالم يخطئها العد.. والنور يأتي من الشرق موطن الآلهة ومسكنهم والظلام في الغرب، حيث أوزير وجباناته وأرواح الموتى ."
ورددت ضي غاضبة:
"ماذا جرى لهذا العالم؟
الآلهة تمنح ثدييها للتماسيح وأوزير الإله الميت حي لا يدق قلبه..
وعند خسوف القمر اقتلع ست إله الظلام عين الصقر حورس ولم يصمت حورس وانتقم من ست وانتزع خصيتيه..
ومازالت الأرض تدور والضفدع تذهب في الظلام لتحضر ولادة الشمس
انظروا : رع حكم العالم طويلا حتى طعن..
الشيخ المهدم كانت عظامه من فضة وأعضائه من ذهب وشعره من اللازورد
لكنه طعن في السن ولاحظ البشر ذلك وتآمروا عليه..
وعرف رع فاستدعى كل الآلهة وسجدوا على بطونهم.. قال رع انظروا إلى هؤلاء الذين ولدوا من عيني؟
أنا لن أقتلهم قبل أن أسمع رأيكم
فانطلقت الآلهة حتحور تقتلهم وتطاردهم حتى الصحارى والجبال
وخاف رع أن تبيدهم جميعا فقال لها أحضري بسرعة مثل الظل وسقاها خمرا إلهية حتى تنسى وتتوقف..
انتهى رع وشعر بعدم الرغبة في البقاء بين هذه المخلوقات الناكرة للجميل فاعتلى ظهر الآلهة نوت وصار قرصا للشمس يطل علينا من فوق السماء.."
بعد تجربة إخلاص مع جولييت وتجربة جيلان القصيرة مع السيدة العجوز أرست إنعام قواعد المسرحيات التلقائية..
وعلى الجميع المساعدة ويتحرك النص على هوى المتقمصة للدور..
واللواء شاكر كان يتأمل ما يجري على المسرح المفاجئ صامتا، رحلت جيلان بلا مقدمات من بيت المسنين واختفت.. بحث عن ملفها حتى وجد بين الأوراق بطاقتها الشخصية وعليها عنوانها في مصر الجديدة وقرر أن يبحث عنها..
وهاهو يقعد في انتظارها صاغرا وفي بيت جيلان كان الملك الفرعون واقفا عاقدا ذراعيه على الصولجان في انتظار المهابة.. لم تكن الحيل التي يستخدمها في الشطرنج مع جيلان ستفلح معهن فقد هزمته ضي بجدارة في الشطرنج ولقنته رتيبة أضعفهن في لعب الورق درسا ولم يكن مسموحا له بالحضور سوى يوم واحد في الأسبوع وبلا هدايا سوى وردة..
هرولن جميعا لاستكمال مشهد الفرعون.. لم تكن هناك مراوح كانت هناك مكانس لجلب الهواء يلوحن بها أمام وجه ابن الإله..
لم يضحك في حياته من قبل كما ضحك على نهاية هذا المشهد..
كان الملك واقفا منبعجا ببعض الهلاهيل وجواربه تدلدلت وحذاؤه ينعقص بكعب عال..
ولما تعبت الناظرة جيلان من التهوية بالمقشة وكادت تخر على ركبتيها راحت نادية وأحضرت لها كرسيا..
التفت الملك الفرعون لصوت الكركبة وقال:
ليس مهما الملك سيتغاضى عن ذلك..
شاكر عندما يريد أن ينفرد بجيلان يقف على باب الغرفة اثنتان من الأشداء..
يأكل معهن وعندما حاول أن يحضر معه تورتة أو طعام قلن إنهن يرفضن أي تصرفات من إنفاق وخلافه من محاولات التباهي الذكورية المعروفة ونزل ومعه التورتة..
لم تتم الموافقة على حضوره معهن بسهولة وجرى اقتراع سري مباشر للتصويت عليه كانت الأصوات تقريبا معروفة نادية سترفضه وضي ستوافق وربما إخلاص أما إنعام فستبطل صوتها وقررت رتيبة تأجيل اتخاذ القرار إلى ما بعد صلاة استخارة..
كن خمس وانتظرت جيلان خائفة وجاءت النتيجة ثلاثة مقابل واحد وصوت باطل..
النتيجة لصالحه..
لكن عليه الانتظار ثلاثة أشهر لفترة اختبار..
خلالها اعتاد أن ينتظر..
لن يسمحن لأي رجل باختراق الحصار..
كان يقيد حريتهن في إطلاق النكات القبيحة وتهرول رتيبة قبل أن يدخل لتسجن رأسها داخل طرحه في عز الحر ولما يخرج ترميها بعيدا وتتنهد وتتنفس الهواء..
والآن هو يجلس صامتا وها هي ضي تتحايل بعد أن لاحقتها إنعام وتخلع حذاءها العالي لتصبح حافية وتضع قناع الملك الذهبي المخطط وتلصق ذقنه الملكية وتلوّح بصولجانه المقدس: ما كل هذا الحر اللافح أيها الكاهن إن؟
وأجابت إنعام..
:مولاي سنقوم بتشغيل التكييف حسب إرادتك الإلهية..
:وما هذا الهراء في التليفزيون؟
:مولاي لقد اخترعنا من أجلك الريموت كنترول لتختار من القنوات ما تشاء..
:أريد توم وجيري.. ومشاهدة القنوات البورنو الممنوعة..
: لتكن مشيئتك يامولاي..
: ومن تلك الجارية؟
ونظر الفرعون نحو جيلان..
نهضت جيلان متعبة من على الكرسي وأسندت رأس المقشة على الجدار وتقدمت وهي تترنح قائلة: جيلا بنت رحبعام ابن توت خادمتكم يا مولاي..
تأملها ودار حولها ولعّب الملك حواجبه: جميلة جميلة.. وما أحلى تلك الغمازتين
:احترم نفسك يا مولاي..
قالتها وهي تنسحب بظهرها منحنية إلى الخلف من أمام الملك..
: جيلا.. جيلا.. سوف أبني لك مسلة وهرما وينحتون لك تمثالا..
: مولاي..
ألتمس من جلالتك أن أنصرف.. قبل أن يشيط الأرز.. أنا سأجهز السلاطة.. الشعب على وشك أن يموت.. يا مولاي.. إنهم لا يؤمنون بالآلهة.. يؤمنون بملء بطونهم..
استدار الملك وخلع قناعه وأسقط لحيته وصاح قائلا:
أيها الشعب العظيم.. إلى الطعام..
على المائدة تناوبن على تقديم الخدمة..
بعد ثلاثة أشهر انتظر اللواء شاكر مصيره المجهول للتصويت عليه ونجح مرة أخرى لكن بصعوبة..
كانت وردته في يدها بعد نجاحه في التصويت وعزفت إنعام على البيانو ووقفت جيلان تغني: "ياورد مين يشتريك وللحبيب يهديك يهدي إليه الغزل والهوى والقبل ياوردي"..
حمودة
لم يكن هناك حل في رتيبة سوى أن تنتقل مع نادية والناظرة لتعيش معهما وأصدرت الناظرة أوامر صارمة بألا يسمح لها بالخروج من البيت للشارع..
كن جميعا خائفات عليها..
ولما سرح البواب قليلا على الدكة شاهدها وهو جالس على باب العمارة على الرصيف المقابل في طريقها للميدان فجرى خلفها مسرعا واستوقفها فلم تتعرف عليه..
وتجمع الناس معتقدين أنه كان يضايقها وأصر ألا يتركها واتصل بالموبايل..
حضرت نادية ومعها جيلان وانفض الناس وبكت رتيبة وقعدت على الرصيف..
تذكرتهن أخيرا..
وصار بيتها القديم خاويًا مثل القبر..
وكانت تنتحب وهي تفك حزم الملابس التي أحضرتها معها.. وتذكرت حبيبها.. كانت معها بعض ملابسه القديمة ونظارته.. لابد أن تعود لبيت حمودة لكنهم يقولون إنها ستضيع..
ذهبت رتيبة مع إنعام، أجرى لها الطبيب اختبارا للذاكرة وبعد عدة مقابلات أطلعهما على النتائج، تعاني من ضعف في الذاكرة متعلق بالتقدم في العمر وكان صعبا أن تتقبل ذلك..
كان الطبيب يلف ويدور حتى لا يجرحها ولا يعرف كيف يشرح لها المخاطر التي تعترض رجلا يمشي ويسأل من لا يعرفهم كيف سأذهب إلى المنزل؟
سألت رتيبة إنعام وهي عائدة: وماذا يريد مني أن أفعل؟
الفن الضائع
ضي على أريكتها المفضلة وسط ألوانها ولوحاتها تلف سيجارة في كسل وتحتسي فنجان القهوة في غبشة الفجر وسط الظلام..
أدارت مذياعا فانسكبت الموسيقى وأغرقت المكان.. ولامست التماثيل وأعمدة القماش..
خلعت قميص نومها ودخلت في تي شيرت قطني خفيف وبنطال ورمت فوقهما معطف المرسم الملطخ بكل ذكريات الألوان..
حبيبها الأخير شيراز كان يركب في أول عربة بالقطار ليصل إليها قبل بقية المسافرين..
لكم كانت جميلة وفاتنة..
الآن تخلع أمام المرآة..
هل كانت رتيبة على حق عندما مزقت نفسها بالسكين؟
صار الجسد القديم شيئا من الوهن..
تعيش الآن وحيدة باستثناء صديقاتها.. وهؤلاء الأقارب ماذا يتوقعون منا؟ أن تصلهم رسائل بأننا نعاني من طلوع الروح وأننا نشتاق ونتمنى أن نراهم في اللحظات الأخيرة؟
لا لن يحدث..
تحلق في الظلام لتبدد ذلك العمى.. أحيانا لا نرى غير الوجه لنعبر من خلاله.. وأحيانا يكون الجسد بلا رأس..
صديقاتها كبار السن أسنانهن تحطمت بسبب الكلمات أو طول الصمت والهالات السوداء تحت أعينهن زادت..
نحن السجينات في تلك الأجساد ما ذنبنا لنعيش في بطن الموت؟
الموسيقى على الورق وحين نطلقها في الهواء تصبح شيئا آخر..
في الساعة الأكثر ظلمة من الليل يدخل نور الفجر من النوافذ ويمر على الأشياء ويوقظها..
عاشت ضي الحياة في غربة كاملة..
ومع السيجارة الثانية كانت ترسم في شبه غيبوبة وهناك آثار أشجار مقطوعة وحيوانات مذبوحة والكلمات مثل ذباب يطن من حول رأسها ولا تستطيع الإمساك به وحينما تقبض عليه يكون مات..
لديها أحمر شفاه على أسنانها..
وتخلط الألوان وبعض المركبات في استعجال..
تخيلت أن تلك مسرحيتها الأخيرة على طريقة إنعام..
وأنها ابتلعت ربع جرام من السيانيد.. هذا الذي تخلطه بألوانها في حذر يكفي تماما..
عند مقبرتها البعيدة سيقفن دامعات العيون..
ويقلن هنا تسكن صاحبة أرق قلب، حيث لا زوار لا زوج ولا أسنان ولا أصدقاء..
لكن ما جدوى كل ذلك؟
وعلى سرير بعيد كانت أنعام..
إنها السنوات أمواج سوداء تتعالى عاما بعد عام..
"يا أمي هل فكرت بما سيحدث لي عندما كنت تستضيفيني في بطنك؟
إنني أخاف الظلام وأفتح عيناي طوال الوقت.. في تلك الحجرات المعتمة،ولكل واحدة شخصية مميزة وبكاء..
أتمدد على سريري وفي الظلام أتذكر أنني في هذا البيت الضخم والممر الطويل ونهاية السلم والغرف والأبواب المغلقة وسلالم مثل الدهاليز وفراغات وانحدار شديد ترى كيف سيحملونني وأنا ميتة ومن أي طريق؟
كان الصباح قد جاء واستندت بظهرها على الحائط.. وهي تمسك بيديها حديد السلم البارد.. خارجة من البيت..
هل تلك البيوت ينبغي أن تتحرك من مكانها بعد ما جرى لها؟
عبد الله لم يكن معها حين مات أولادها ولا كان البشر.. كانت وحدها..
وبالأمس البنك أوقف المعاش..
عادي.. يظنون أنها ميتة.. وهناك من يتقاضى المعاش غيرها.. الطبيعي أنها ميتة..
لم تحصل على المعاش شهرين.. وفوجئت بأن المعاش انقطع.. وبطاقة البنك تعطلت..
وما المطلوب.. ؟ أن تذهب لهناك لتخبرهم أنها مازالت لحما ودما..
سوف يبتسمون في وجهها ويتخذون بعض الإجراءات ويضيَعون يوما من عمرها القصير..
إنهم يطلبون منها خدمة أخيرة..
هي وصديقاتها كلهن تقريبا جربن هذه التعاسة..
يجب أن تخبرهم.. بالخروج من الدنيا.. عندما تموت..
في هذه الليالي تعود وتعتصرها الكآبة.. لقد نجحت هي وصاحباتها في الانفصال عن هذا العالم.. وصناعة عالم آخر.. لكن أصحاب العالم القديم مازالوا يطاردونها.. وعندما تتأمل لماذا أوقفوا معاشها؟ تحزن.. إنهم يرسلون لها إنذارات أخيرة.. يريدون أن تموت..
لديهم جداول إذا كان عمرك 60 عاما أنت في الجدول الأخضر وفي السبعين تنتقل للأزرق ويبدؤون في إيقاف معاشك للتأكد من وجودك وفي الثمانين تدخل الجدول الأحمر لأنك ينبغي أن تموت الآن وفي التسعين تنتقل للجدول الأسود لأن من المستحيل أن تكون على قيد الحياة..
يظنون أن هناك من يسرق المعاش بعد أن مات صاحبه.. وينبغي إيقاف ذلك بأسرع وقت..
:"مرة أخرى مازلت على قيد الحياة"..
هكذا أخبرت مدير البنك الذي بدأ يتلفت حوله في قلق وهو لا يعرف بماذا يجيب؟
مجلة الموت
من منتصف المسافة بين العقل والجنون تطل ضي على هذا العالم..
تشترك عبر الإنترنت في مجلة "الموت" إنهم يقدمون النصائح اللازمة لكل من ينتظر النهاية.. معلومات وافية عن الاحتضار والتحلل والتعفن.. وكتابات عن عالم ما بعد الموت والمخ والقلب.. كل هذا كان ضروريا ومقبضا.. لكن كل محاولاتها لرسم الموت باءت بالفشل.. كانت تريد أن ترى وجهه.. لكن من قال إن الموت سيوافق؟
بالأمس زارها بعد سيجارة الحشيش الثالثة شاب وسيم ومن بين خيالات غائمة أمسك يدها وقال لها ضاحكا: أنا الموت..
كادت تذهب معه لكنها ارتعدت..
هل الجنس دليل على أننا ما زلنا نستطيع الحياة؟ لم يعد جسدها مرغوبا ولا راغبا منذ سنوات وتوقفت عند ذكريات قديمة..
مالت إنعام الأقرب لروحها وسألتها: هل تريدين رجلا؟
وقالت بلا تردد: نعم..
: وما الذي ستفعلينه معه..
كانت رتيبة ممددة هناك سارحة في حمودة وإخلاص تترقب رسالة من حفيدها وجيلان تنتظر شاكر..
لا شك أنها كانت ستفعل الكثير.. الرجل.. الأب والأخ والابن والصديق والحبيب..
عندما زارتها زوجة ولدها أمسكت إنعام كف أحد أولاد مجدي ابنها الشهيد الراحل بلا عواطف.. جدتهم يفكرون فيها وبأنها سجينة داخل مقعد عال أمام تليفزيون دائر بصوت عال لأنها لا تسمع..
إنعام تمشي ببطء شديد لاهثة وتعود أدراجها للبيت مع كيس بلاستيك ونقود قليلة وحقيبة بداخلها قليل من السمك والخضار ..عجوز ثقيلة تعرج وتقطب جبينها.. عليها معطف أزرق ثقيل ولما رأت سيارة واقفة حاولت الدوران حولها.. كانت خائفة من الموت..
لقد كانت صورة ضي تطاردها.. فهل تنتحر هي الأخرى.. لا.. لن تنتحر..
لكن من منا قادر على اختيار نهايته؟
قصة حب
اللواء شاكر أسند رأسه على كتفها ليستريح..
هو الرجل الأول في حياتها..
كان خائفا أن تكون راغبة في ممارسات جدية قد لا يرغب فيها أو لا يقوى عليها..
وأخبرته عند باب حمامها ألا ينظر إليها..
وعند السرير طلبت أن يغلق النور ويكتفي بالنور القادم من بعيد..
كانت تعرف أن ثدييها ترهلا في ثوب نومها وأن طبقات الجلد تكرمشت
كان من الأفضل أن يرى كلاهما الآخر في الخيال..
وهو مصاب بداء التهابات المفاصل الذي يحد من الحركة ويجعلها مؤلمة
قد يفضلان أشكالا أخرى من الملامسات والقبل والتمسيد والتعبيرات اللفظية..
وهو أيضا اكتشف أنه يحب لأول مرة في حياته وأنها المرأة الأولى في حياته..
كانت امرأة من نوع آخر.. مهما كنت مريضا أو هزيلا تراك أجمل وأقوى رجل في الدنيا..
لا تعرف كيف تنام حتى لو كان من أغضبك شخص آخر.. ترى روحك قبل جسمك وقلبك قبل ملامحك وابتسامتك قبل كلامك امرأة لا تضعك في مقارنة مع شخص آخر مهما كان..
ومهما طال العمر تسند ظهرك وتعطيك دون أن تنتظر أي مقابل..
جيلان زوجها الأول كان يقبلها ويحتضنها ويسعى ليعالج نفسه حتى أصابه اليأس واكتفى بالاهتمام بمظهره وعاشت هي داخل الموسيقى والرسم والمدرسة..
هل كانت خالتها تعرف؟
لن تعرف أبدا..
لكنها عاشت راضية..
والآن لم تكن سوائلها كما كانت في السابق ولا أعضاؤها.. كل شيء فيها يرتعش وشاكر هو أيضا يحاول أن يبدو متماسكا..
كان كلاهما يستريح عندما ينام في حضن الآخر أو قريبا منه.. إنه الونس..
اللواء شاكر كان عائدا من عند زميل قديم.. اللواء محجوب صاحب الشركات الشاسعة والأراضي..
وحكى لها أن الخرف هو فقدان القدرة على إدارة المهمات اليومية ولا يهم إن كنت تضع طاقم أسنان أم لا لكن من المضحك أن تحاول إخفاء الأمر..
كان اللواء محجوب عندما زاره خارجا من عملية دقيقة في العينين وأدخله الساعي مكتبه وهو يتحدث في الهاتف الأرضي..
فرغ من المكالمة بعد خمس دقائق واستدار واعتدل ليسأله: ماذا تريد يا حسن؟
كان لا يراه..
اقترب منه مشفقا أخبره أنه شاكر وليس السائق حسن ووقف وتعانقا..
سأله عن الأحوال وقال: لا أرى إلا بصيصا..
أدير العمل كالأعمى.. ولا أريدهم أن يعرفوا ذلك.. وأرتب مواعيدي على احتقان المثانة.. كل ثلاث ساعات أهرب من المكتب لأعود للبيت في موعد التبول..
لا أستطيع أن أفعل هذا في الشركة لأنني سأرتطم وأتعثر وأغرق نفسي ويراني العمال..
وحتى عندما أصل للبيت لابد أن تكون امرأتي هناك..
غرفة النوم على يمينك.. وبعد ثلاث خطوات على اليسار السرير.. هذا أرز وتلك كوب الشاي وهناك الحساء وذاك كأس الماء..
أريد أن أرى فقط نصف متر لآكل الطعام وأدخل الحمام..
أقرأ عناوين الجورنال ولا أرى يدي.. هذا أنا..
مهرجان الكحكح
عند حضورهن مسرحيات مهرجان المسرح التجريبي الدولي بناء على دعوة إنعام غرقن داخل المقاعد في ذهول.
مراليوم الأول بعد ثلاث مسرحيات كقذائف متوالية زلزلت كيانهن.
خرج المسرح في كل العالم من عبائته القديمة وتجرد عاريا لم يعد علبة أيطالية ولا حلبة يونانية وأمتعهن المشاركة في تجارب المسرح الدائري ومسرح مشاركة الجمهورواختفاء النص.
وواظبن على الحضور وحرصن على مقابلة الفنانين بعد العرض ولم يصدقن أن من يتحدث إليهن في الندوات هو نفسه من كان يقف على المسرح كان بالفعل شخصا آخر.
كل ما تردده إنعام يتحقق الآن وبأساليب مبتكرة والمسرح من حق كل إنسان وليس مهما أن يكون نجما مسرحيا.
على الخشبة السحرية يمكنك أن تختار شخصيتك لدقائق معدودة تخلع خلالها أقنعتك وملابسك الثابتة القديمة لتكون مومسا أوملكا أو رجلا أو مجنونا.وعلى المسرح يمكنك أن ترقص وتصرخ وتقتل وأن تحب وتخون بل وتجرب أن تموت.
العجيب أن الخشبة تنطق بلغات متعددة لكنها مفهومة تماما وبعضهم لا يتحاور على الإطلاق ليتكلم بلغة الجسد وتنطق الأضواء والظلال.
بعد أسبوع واحد من الامتلاء التجريبي كان لا بد من عقد مهرجان مواز لا يقل في الأهمية بل يزيد.
مهرجان الكحكح المسرحي الأول.
تصدرت اللافتة أعلى مدخل الصالة وحضر أحمد ووالده شاكر وبدأت معالم القلق تتسرب على وجوه الممثلين في كواليس شقة إخلاص انتظارا لنقطة الصفر.
بدأت الناظرة يتابعها الضوء وسط الظلام الكامل بالوقوف أمام سلم من أربع درجات أكتافها عارية وهلاهيلها ممزقة وكأنها خارجة من الكهف وعلى جسدها آثار خدوش دامية وأمامها صخرة عملاقة نظرت إلى أعلى نحو السماء وانحنت على الصخرة لترفعها على كتفها النحيل وتصعد السلالم الأربعة وعند الدرجة الرابعة توقفت لالتقاط أنفاسها فانزلقت الصخرة من فوق كتفها وتدحرجت على السلالم نحو الأرض تطلعت نحو السماء ونزلت من جديد الدرجات لتعيد المشهد وترفع الحجر.
كانت تضحك في سعادة وهي تنظر إلى السماء ومن أجبروها على هذا الحمل الثقيل الذي يسقط بمجرد وصوله للقمة حتى هذا هذا المشهد كانوا جميعا يتأملون أسطورة سيزيف وماجرى عليه من حكم الآلهة الأبدي لكن في المرة الرابعة كانت الناظرة قد تعبت ووقفت لتلتقط أنفاسها بعد أن سقطت الصخرة للمرة الرابعة لم تضحك ونظرت نحوها ونزلت غاضبة .
الجديد أن الناظرة رفست بقدمها صخرة الآلهة فتحطمت وتمزقت وانفجرت.
وعلا التصفيق.
طوال العرض كانت إنعام تتابع العزف على الموسيقى وتتولى إخلاص تنسيق الأضواء.
ديكورسلم سيزيف كان الدرجات التي تفصل بين المستويين في شقة إخلاص والجمهور عند المستوى الأسفل تقوده رتيبة بتصفيقها الحاد ونادية التي أطلقت صفافير الإعجاب.
صخرة سيزيف العملاقة ابتكرتها ضي بالونة عملاقة غلفتها بالورق الكارتون الأصفروبعد رشها بالقليل من الألوان صارت صخرة شديدة الصلابة يمكن للناظرة الجميلة أن ترفعها على كتفها وتصعد بسهولة وأن تضربها بقدمها فتتمزق وتنفجر.
الغريب أن ضي نفسها ظلت صامتة في ذهول طوال العرض بل ووقفت أحيانا لتتأمل ما يجري أمامها من زوايا مختلفة وكأنها لم تر تلك الصخرة من قبل ولا تعرفها وكأن للأضواء والموسيقى والملابس والدراما سحر آخر يلغي كل ما فات.
إنعام أخرجت الناظرة بصعوبة من داخل صخرة الورق التي مزقتها بقدميها بعنف وحرصت على استخراجها حتى لا تجرحها أسلاك أو زوايا.
من مفاجآت العرض الأخرى أن أحمد بالاتفاق مع إنعام العازفة على البيانو وقف ليعزف على الكمان وكان لعزفه المنفرد أحيانا دلالات لا تغيب عن معاني تحديات الوجود.
بكت الناظرة طويلا واحتضنته طويلا بعد أن انحنى أمامها على الكمان.
لكن يوما مثل هذا لن يمر.
ورتيبة صارت مسرحا وحدها بلا تقمص ولا خشبة ولا ممثلين.
ظلت واقفة تحت الأضواء وأسدلوا الظلام الكامل وانسابت من كمان أحمد موسيقى حزينة.
من جوانب المسرح امتدت أيادي ترتعش وكلما اقتربت منها رتيبة الوحيدة استحالت أصابع اليدين لديدان وأفاعي فابتعدت مرتعشة لتعود وحيدة لنقطة الضوء .
كل الجوانب أيادي وأصابع ترتعش وبعد محاولتين أو ثلاث عادت رتيبة لتستلقى وحيدة على الكرسي الوحيد وبدأت تصرخ .
وراحت الأيادي تطول وتتلون زرقاء وحمراء وخضراء.
ورتيبة تصرخ وتصرخ والكمان يبكي وأطفأوا الأنوار.
هل كان ذلك تنويعة على جحيم سارتر ؟ أم أن هذا جحيم رتيبة ؟
قلنا أن هذا اليوم لن يمر بسهولة .
وبعد استراحة قصيرة تخللها توزيع العصائر والحلويات دقت على النصف الأعلى من شقة أخلاص الطبول العنيفة.
نادية تمتشق حساما يسيل من أطرافه الدم في وسط النور وعليها ثوب يوناني ممزق وملطخ بالدم وعلى رأسها تاج من الأشواك.
ومن فوق رأسها تتدلى كرة درية عملاقة تلمع بلون الفضة.
صرخت في عزم الإمبراطور : " أين الخصوم والأعداء ؟ "
وبرز الحراس غلى الفور : " أمرك أيها الامبراطور"
: " أقتلوهم جميعا "
خيالات من خلف ستارة عملاقة يظهرها الضوء يعلوها السيف فتسقط صارخة ويتوالى الإعدام حتى يغرق المسرح بفعل الأضواء بلون الدم.
كاليجولا القاعد في ملل يتطلع للقمر يختفي ويغيب يستدعي الحراس مرة أخرى وتدخل إنعام ومعها إخلاص في ثياب الحرس.
: " أريد هذا القمر .. تصرفوا وإلا قطعت رقابكم"
يخرج كلاهما وهو يتطلع للآخر ويشير بأن الامبراطور ضربه الجنون.
من الخارج تتلاعب ضي بالكرة الدرية الفضية العملاقة فتقربها أحيانا من كاليجولا وتصعد أحيانا بعيدا للسقف.
يعتقد كاليجولا أن القمر جاء من أجله فتفصل ضي الكهرباء عن الكرة الفضية ويختفي القمر ويزداد هياج كاليجولا .
: " يا حراس .. أين أنصاري ؟ "
يحضر على عجل الحارسين ويرددان في رعب
: "في البهو يامولاي بانتظارك "
: " لا .. لا .. اقتلوهم أيضا ..أف ..هؤلاء جميعا منافقون"
تعود صور الخيالات والسيوف تقطع الرقاب وتتعالى الصرخات ويفيض لون الدم على المسرح .
كاليجولا : " الموت ..الحقيقة الوحيدة التي نعرفها ..ولا فرق بين القاتل والمقتول"
يتجسس حوله من خلف الظلال أشباح..
كاليجولا : " هههه هؤلاء يخافون أن يقتلوني ..أنا أراهم من زمان يخططون ..لقتلي ..هيا تشجعوا لقد سئمت الانتظار"
يمد يده لأعلى نحو القمر لكنه يبتعد بعيدا فيسقط بائسا حزينا وينكمش حول نفسه ويسود الظلام إلا من كومة كاليجولا .
كاليجولا يهمهم :" هؤلاء الأغبياء لماذا يترددون ..أنا أنتظرهم منذ أيام ليقتلوني "
يهمهم يائسا : " لا فرق بين القاتل والمقتول."
يدخل عليه المسرح كل النبلاء والحراس ويصيح ثائرا : " لماذا تأخرتم أيها الجبناء اقتلوني "
يتلفتون حولهم في فزع من هول المفاجأة بأنه يعرف كل شيءويتناوشونه بالخناجر وينتفض الجسد من الدماء ويمد كاليجولا يده نحو القمر الذي يقترب حتى يسقط.
واشتعل التصفيق الحاد
ونادية ذاهلة لا تريد الخروج من ثوب كاليجولا حتى بعد أن سقط من على رأسها التاج .. إنعام احتضنتها لتخرج من جسد كاليجولا ورتيبة أشعلت مقاعد المتفرجين بالصفافير وصيحات الإعجاب.
"أيها المسرح العظيم أنت الوحيد الذي يسمح لنا بأن نقتل بلا جريمة ونبكي ونصرخ بلا حرج "
"سلاما عليك أيها المسرح من أول مشهد وحتى إسدال الستار.. أنت حياة نصنعها بأيدينا.. وهي بلا شك.. أجمل من تلك التي فرضت علينا"..
أخصائية التعليم بالقسم المخصوص
بمدرسة مصر الجديدة المشتركة
إنعام سيد عبد التواب