المشهد بعيد، لكنه متكرر، تسبقه رائحة أعرفها جيدا، وفي كل مرة يأتي أكثر وضوحا، ليكون بوسعي اكتشاف تفصيلات لم أنتبه إليها من قبل، فالبلوزة البيضاء التي بلا أكمام لم تكن بيضاء تماما، بل يغلب الزهري على خطوطها العرضية، والفتاة أقرب لأن تكون خلطة مصرية أوربية،وهو ما يفسر الشعيرات الدموية التي تشكلت فجأة في مقلتيها حين هزت الرجل الذي كنت أعتقد أنه أباها كأنما لتتأكد أنه حي متسائلة إن كان يعرفها، والرجل الذي تكاثف على جبهته عرق بارد كان يومئ برأسه ولا يرد، فتلاحقه بدموعها وأنفاسها الساخنة في لهفة: "طيب أنا مين؟!" لترتسم على وجهه ابتسامة شاحبة، وتتلألأ على جبهته حبات العرق البارد، وتنضم شفتاه بصعوبة ويخرج من بينهما صفير خافت قبل أن يعاود الغطيط.
لماذا ينسلخ بحذافيره دون كل المشاهد الكثيرة التي اكتظت بها حياتي، ليقتصر على استقبال خافت الإضاءة بمستشفى شبه مهجور في منطقة نائية، وطبيب عام أعزل لا يعرف ما الذي عليه أن يفعله عندما تترك سيارة إسعاف رجلا في شبه غيبوبة وفتاة ببلوزة بيضاء على بنطلون جينز ثم تنطلق؟
المشهد كأنه في حلم، و"كوكب" لا ترد كأنها ميتة، ورنات التليفون في السكن تصل إليَّ في الاستقبال ولا تسمعها هي، فلا يبقى في الكادر سوى طبيب أعزل وفتاة ببلوزة بيضاء وصدر في كامل عنفوانه، لا يفصل بينهما سوى أنبوب رفيع ينقل قطرات الجلوكوز برتابة إلى وريد خارج الكادر باستقبال مستشفى خارج الخدمة، يتناوب عليه أول الليل ممرضة، وآخر الليل طبيب عام أعزل، ليصير المشهد في جوف الليل كأنه حلم، يتعانق فيه القلق مع السكينة وتمتزج الوحشة بالأنس والتعب بالراحة والخطيئة بالغفران، وتتسرب رائحة الموت إلى رائحة البرتقال حتى يبزغ نهار وتزقزق عصافير، وتأتي من خارج الكادر سارينة إسعاف متهالكة، تخرج على إثرها كوكب من السكن متثائبة، وهي تعرف أنها قادمة بحالة، لكنها لا تعرف أنها ستحمل ميتا في صمت.
ما الذي يفعله طبيب عام أعزل تهاجم أنفه بقوة مع قدوم الليل رائحة خل سوى أن يسأل الممرضة التي تجذب شمتين متتابعتين نافية أن تكون في الجو أية روائح ثم تفتح النوافذ وتقول: "شكلك مرهق.. اطلع السكن نام شوية بس خليك جنب التليفون" لكن الرائحة في السكن تتكاثف، وينفتح المشهد في نسخته الأخيرة على فتاة تزداد شُقرتها في كل مرة، وهي تدلك في ذهول كتف رجل مريض وتخمش صدره وترجوه ألا يتركها، فيغبط رجلا جاءه الموت على صدر أبيض برز بكامل عنفوانه وبلا قصد من حلق واسع نسبيا لبلوزة قطن على بنطلون جينز أزرق في استقبال خافت الإضاءة.
ما الذي أفعله والمشهد يأتي وحده مسبوقا بزهور البرتقال، فأرى كما كل مرة الوجه المضرج بالحمرة، والنهدين أسفل البلوزة البيضاء واسعة الحلق متحررين، والإبطين أبيضين ونظيفين، فتصحو الحواس، وتتسلل ككل مرة كفي عبر الحلق المتسع نسبيا وتلمسهما، وتنتابني ككل مرة نفس الرعشة، فأمرغ بينهما وجهي، وتتحسس أنفي الشعر المائل للصفرة، فتتكاثف رائحةالبرتقال، وأضمها بين ساعدي بعنف حتى يسرى في أوصالي خدر، وتصير اللغة البدائية موسيقى بعيدة، وتستحيل النشوة إلى سعادة مطلقة، فأتسلل كلي بداخلها، متعجبا كيف لبلوزة بيضاء واسعة الحلق يطل منه نهدان أن تتسع لتخبئ بداخلها رجلا مثلي، وتجعله يحلق في عوالم ملونة يستحيل معها المستشفى إلى نقطة في فراغ بالحارس النائم على البوابة، و"كوكب السنوسي" الممرضة العجوز الساهرة في الاستقبال، والطريق الدولي، والمنطقة النائية بأسرها، لأكتشف في كل مرة لذة جديدة في النوم على نهدين جميلين لفتاة من المفترض أن يكون اسمها نور، وأفهم مغزى الابتسامة الشاحبة على وجه يداهمه الموتُ صرتُ متأكدا أنه ليس أباها، كما صرت مشفقا على الطاعنين في السن الذين يموتون على صدور نساء صغيرات، يتكرر المشهد فأرى امتزاج الألم باللذة في الوطء والولادة والموت بين نهدين، وانتهاء المعارك بلا غالب ولا مغلوب، يتكرر المشهد فأكتشف مزايا جديدة للنوم بين نهدين يطلان من حلق متسع لبلوزة قطنية ليس من بينها تغلُّب رائحة البرتقال على رائحة الموت، ولا تجمُّع الألوان في قوس قزح، ولا اختلاط اللذة بالألم، ولا اختلاط رنات التليفون بروائح عجين يختمر، ولاترقيق "كوكب" لصوتها الأقرب إلى صوت رجل أجش ليتردد بنعومة ورقة، فلا أعرف إن كان آتيا من تليفون نصف آلي أسود، أم من أسفل السكن، أم من قاع حلم بعيد إلا بعد أن أنهض من سريري في السكن، وأفتح النافذة على سكون مطبق، ثم أهبط درجات السلم الحديدي.
"حالة مغص في الاستقبال ..انزل "
المسافة بين السكن وغرفة الاستقبال هي نفس المسافة بين الاستقبال وسكن التمريض، والممشى الذي أسير عليه كأنما لأول مرة ساكن إلا من حفيف ريح، وهسيس أشجار، وخرفشة أوراق جافة تحت قدميه، لا جلبة ولا صراخ، فهل سأجد حالة بالفعل أم أنني سأتوجه إلى الاستقبال كما يحدث في كل مرة ولا أجد أحدا؟
هاجمتني رائحة خل، فواصلت التقدم، وتناهت إلى أذني همهمات استحالت حين اقتربتُ إلى همس مكتوم وأنين. ناديتُ بقلق، فلم يأت رد، كررتٌ النداء، فانفتح الباب ورد صوت أجش عرفتُ أنه لكوكب، وتحولت رائحة الخل التي شممتها أول الليل إلى زهور برتقال، ورأيت حالة بالفعل تتأوه في صمت. قالت كوكب: " انت جيت؟.. لسه كنت هنده لك.. حالة مغص". هي لم تتصل إذن، ولم تناد بعد، وضعتُ راحتي على بطن المرأة ثم قلت باندهاش " دي حالة ولادة يا كوكب!" فحملقتْ كأنها تخلي مسئوليتها وقالت: " المسعف اللي جابها قال واحدة بطنها بتوجعها" ألا تعرف كوكب التي ستحال بعد عام إلى التقاعد أنني طبيب عام ولا خبرة كافية لديَّ لتوليد حالة؟ شعرتُ بالحيرة، والحالة راقدة في هدوء وسكينة وسرَحان لا تقطعه على فترات إلا نوبات مغص تتشبث على إثرها بمقابض السرير، فيتضرج وجهها بالحمرة ويبرز نهداها أكثر من خلف العباءة السكري ثم لا يلبث الهدوء أن يعود إلى صفحة وجهها، ويعود شعرها الناعم وحده إلى تسريحته الأولى.
ما الذي يفعله طبيب عام أعزل بعد استلامه العمل بتسعة أشهر في مستشفى عتيق ومهجور منذ الحرب العالمية الثانية حين تترك له سيارة إسعاف حالة ولادة على أنها حالة مغص؟ هل ينتظر حتى تأتي سيارة أخرى أم يتأمل في ضوء الاستقبال الخافت ذلك التكوين البديع، والحوض الذي ينقبض مع كل طلقة، ورائحة البرتقال التي لا تخطئها أنفه؟ مالت كوكب نحوي وسألتني عن جدوى الخوف والقطة تلد والكلبة تلد، ثم قالت إن هذه الأنثى أيضا سوف تلد، فتشبثت المرأة بمقابض السرير، وانحسر وشاح فوشيا عن عنقهاالأبيض ووجههاالمضرج بالحمرة، وحين تشكلت في مقلتيها شعيرات دموية، صرخت في وجهها قائلا:"انتي اسمك نور.. صح؟!" فلم ترد، وتشبثت مرة أخرى بمقابض السرير من الألم، وتساءلت كوكب إن كنت سأسمي الناس على مزاجي، فقلت إنها أمضت ليلة هنا قبل تسعة أشهر برفقة حالة غيبوبة، فقالت إنها لم ترها من قبل، كما أن حالة غيبوبة واحدة لم تأت هنا منذ سنة، ذكرتها بسارينة الإسعاف المتهالكة التي أنزلت مريضا وحملت آخر ميتا، فقالت: "مش صحيح"، وأخرجت سجل الاستقبال، فقلت لكنني أذكر، وقد اتصلت بها في السكن عشرات المرات ولم ترد، فهزت رأسها وهي تمر بإصبعها على الأسماء في السجل، وكنت متيقنا أن الرجل في الغيبوبة لم يكن أباها، خاصةعندما تغلبت في الاستقبال رائحة البرتقال على رائحة الموت، وفاحت رائحة ليمون منعشة من بلوزة قطن لا شيء تحتها ومن بلورات عرق شفاف تسيل على عنقها.
سألت كوكب السنوسي هذه المرة بوضوح عن رائحة برتقال يختمر، فطوت السجل وهزت رأسها مؤكدة، فتشبثت الحالة التي بدت منصرفة عن العالم كأنها في لحظة نشوة بمقابض السرير، ثم شهقت شهقة كبيرة وحبستها في لحظة طويلة وغامضة كأنها لحظة ذروة، وانزلق من بين فخذيها بلا أدنى ألم شيء،فقالت كوكب "مش قلت لك؟"، وارتخت أصابع المرأة عن مقابض السرير وتنهدت، ومالت بعنقها الأبيض المعروق نحو مولودها وجذبته إلى صدرها وابتسمت، لكن الطبيب العام الذي صار فيما بعد طبيب ولادة ظل يرى ولآلاف المرات التي يأتي فيها المشهد أن الفتاة التي ضمت الرجل في الغيبوبة إلى صدرها المطل بعنفوانه من بلوزة بيضاء، لم تكن ابنته، وحين هزته بإلحاح: "طيب أنا مين؟" تكاثف على جبهته عرق بارد، وارتسمت على وجهه ابتسامة شاحبة، وانضمت شفتاه بصعوبة ليخرج من بينهما صفير هواء خفيف، ظل يسمعه لآلاف المرات: "نووووور!".