عندما ينطق الباطن، ويُخرج المبدع ما يفكر فيه، للإنسانية، فذلك هو الإبداع- كما نتصوره، وذلك ما يبدعه محمد الفخرانى فى إبداعاته، والذى يتجلى فى قصته "سرحان والقرصانة" حيث ينشأ العشق بين الإنسان والعربة، ويتكاملان، فى وحدة واحدة لا تستطيع عثرات الطريق أن تُفرق بينهما. فالتكامل هو ما يؤدى للسلام النفسي الذي فقده إنسان العصر.

«سرحان» و«القُرصانة»

محـمد الفـخـرانى

 

انطلَقَ "سرحان" و"القرصانة"، أمامهما سَفَر لمسافة 655 ميلًا، يمكن أن يستغرق أربعة أيام، أو يمتدُّ لأسبوعين، حسب أحوال الطريق.

"سرحان"، عُمْره 25 عامًا، يعمل منذ أربع سنوات سائقًا لسيارة نقل كبيرة اسمها "القرصانة"، اختار اسمها بنفسه، وقبل أن يصيرَ سائقها كان يعمل عليها مُساعِدًا لمدة خمس سنوات.

"القرصانة" زرقاء، بعين كشَّاف أماميَّة واحدة، اليسرى، يقول "سرحان": "عين واحدة للتمويه واللعب"، تبدو السيارة قديمة، كأنها تجري منذ مئات السنين على الطرقات وفي الغابات والمياه والطين والثلج والصحراء، يقول: "يكفي أنها لم يتعطَّل فيها شيء منذ عرفتها، لم تَشْتَكِ"، عندما تُصادِف "القرصانة" أماكنَ وَعِرَة أو مُنزَلِقة، يتمايل كل جزء منها في ناحية، كأنها ستتفكَّك، يقول "سرحان": "أسلوبها الخاص".

أثناء عمله مساعِد سائق، كان "سرحان" يمشي ما يُمكن أن يكون نِصْفَ مسافة الرحلة، أو أكثر، فالطريق به مساحات طينيَّة، وبِرَك مياه، وأراضٍ رملية، وجسور ضعيفة، ومنحدرات صخرية، وغابات، وممرَّات ضيِّقة، وعليه وقتها أن يمشي أمام السيارة أو إلى جانبها، يُرشِد السائق، ويختبر عمق المياه، والطين، ودرجة تَماسُكِه، ويجمع الأخشاب ليضعها تحت الإطارات كي تتمكن السيارة من المرور دون أن تنزلق أو تنقلب بحمولتها الزائدة جدًّا من بشر، وأجولة حبوب، وأثاث منزلي وغير منزلي، وأغراض أخرى.

   يخوض "سرحان" في الطين أمام السيارة بجسَدٍ نصف عارٍ، فينزلق ويغطس، لن يقلق السائق عليه، يظهر "سرحان" بعد دقيقة وهو مُغَطَّىً تمامًا بالطين، عدا عينيه ببياضهما وسوادهما اللامعَين، يضحك فتظهر أسنانه، لن ينظِّف نفسه وقتها، يَبْقى بطِينه حتى تُجفِّفه الشمس فيتقشَّر عنه.

لم يكن الأمر لعبة مُسَلِّيَة أو طريقة للمرح، لكنَّ "سرحان" يجعله كذلك، هو يحب عمله، ويعرف أنه يومًا سيقود إحدى السيارات، هذه السيارة تحديدًا، ويتحوَّل من مساعدٍ إلى سائق، لا أحد يعرف كَمْ يحب "سرحان" أن يكون سائقًا، هذا حلم كبير يستحق.

على الطريق السريع بائعات شابات وفاتنات بشكلٍ خاص، تَبْني الواحدة منهن غرفة أو شَكْلًا ما بألواحٍ خشبية تُثَبِّتها معًا بمسامير، أو حتى دون تثبيت، فقط أغصان أشجار تتداخل مع شرائح الكرتون، وكلها يمكن إزالتها خلال لحظات، تبيع الشابة وَجَبَات سريعة رخيصة، ومشروبات باردة وساخنة، وهناك خمسمئة متر تقريبًا تفصل بين كل بائعة وأخرى، تقف الفتاة أمام مَطعمها، وتُشير للسائقين كي يتوقَّفوا بسياراتهم، يأكلون عندها أو يشترون منها. 

يحب "سرحان"، أن يتوقَّف عند فتاة لها وجه لطيف، طيِّب ومُغْوٍ على طريقته، إحدى عينيها بها حَوَل خفيف يزيد من طيبتها وغوايتها، تضحك بسهولة وشجن معًا، جسدها بسيط ومُبْتَهِج، وترتدي ملابس مزركشة بألوان، يأكل "سرحان" عندها، ويتبادلان حواراتٍ خفيفة فيها ضحك وأمنيات، بينما تأتيه من داخل "القرصانة" أغنية شجيَّة ومُبْهِجة معًا.

في إحدى المرَّات، وكان "سرحان" وقتها مُساعِدًا، صادَفَ مع سائقه هُوَّة تمتد مسافةَ مترين بين حافتَين مرتفعتَين، ولم يكن هناك طريق آخَر، جَمَعَ "سرحان" أخشابًا وأغصانًا جافة هى كل المُتاح، لم تكن بالقوة الكافية،  ووضَعَها على الحافتين لتصِل بينهما كأنها جِسر، وبدأ السائق يقود السيارة فوق هذا الجسر، وفي ثلث المسافة بدأت الأخشاب تتكَسَّر، وبدا واضحٌ أنها ستنهار، فاندفَعَ "سرحان" واستلقىَ على بطنه بجوار الأخشاب وهو يُثَبِّت يديه إلى إحدى الحافتَيْن وقدَمَيْه إلى الأخرى، جَعَلَ جسدَه جسرًا، فوجئَت السيارة بما فَعَلَه، وقالت في موتورها: "لا بد أنه مجنون؟"، وانتقل السائق بنصف جسد السيارة فوق جسد "سرحان"، في الوقت نفسه خفَّفَت السيارة وزْنَها بطريقةٍ ما، شَعُرَ "سرحان" بذلك وهي تمُرُّ فوقه، في هذا اليوم انتقلَتْ مشاعر السيارة تِجاهه إلى مستوى جديد، هو أَنقذَ حياتها حَرْفيًّا، وتَمنَّت أن يكون سائقها في أقرب وقت.

توقَّف "سرحان" و"القرصانة" عند مطعم داخل غابة، تُديره امرأة خمسينية، خفيفة الروح، يتجمَّع في المطعم أشخاص لا يعرفون بعضهم بعضًا، مسافرون، مُتجوِّلون، لا يُهِمّ، يسهرون معًا، يتبادلون حكايات صغيرة بلا أسماء أو أماكن، يُغنُّون، يرقصون، ثم يغادرون، كلٌّ حَسب رحلته، أو مزاجه الشخصي.

وقَعَ "سرحان"، أو صَعَدَ، في غرام "القرصانة" من النَّظرة الأولى، يَذْكُرُها وهي شابة، جميلة، زرقاء، بعينَين واسعتَين، وعندما فقَدَت اليمنى منهما شَعُرَ أنه فَقَدَ عينَه اليمنى في اللحظة نفسها، ظَلَّ يواسيها طوال اليوم، طَمْأنَها أنها لن تفقد شيئًا من قُدرَتِها على الرؤية، ستنتقل قوة العين التي فقَدَتْها إلى العين المُتبقيَة، "ستكونين مُميَّزة بتلك العين الواحدة، مثل وحش وقرصان وامرأة جميلة غامضة، كما أني لن أَتخلَّى عنكِ أبدًا، لو أنَّ هذا يعني لكِ شيئًا"، سألها: "هل تريدين أن أتخلَّص من عيني اليمنى لأكون مثلك؟"، ابتسمَتْ وقالت: "نعم.."، ضحكَ وقال: "بدأتِ تتحوَّلين إلى قرصان بالفِعل"، ثم خَطَرَتْ له فكرة، قال لها: "أنتِ بلا اسم حتى الآن، لماذا لا يكون اسمكِ القرصانة؟ جميل ومخيف، صحيح؟"، فكَّرَت السيارة لحظة، ابتسمَت وقالت: "يعجبني هذا، أنا القرصانة"، اشتَرىَ "سرحان" طلاءً أبيض، وجَلَبَ عصا صغيرة، غَمَسَ طرفها في الطلاء، وكتب اسم السيارة في جسمها الأزرق، "القرصانة"، كَتَبَه في مُقدِّمتها، وظَهْرها، كان خَطُّه مُتعرِّجًا وغامضًا بعض الشيء بما يليق بقرصانة، فَعَلَ هذا دون أن يستأذن سائق السيارة، أو مالكها، لكنهما لم يَعْتَرِضا، كان الاسم مثيرًا للخيال والابتسام.      

صباح اليوم التالي، سألَها "سرحان" إن كانت تشعر بألم في فراغِ عينها المفقودة، أو العين السليمة، قالت له السيارة: "أنا بخير"، قَبَّلَ "سرحان" فراغَ العين المفقودة وغَطَّاه بقطعة قماش سوداء مُدَوَّرَة، وقال لها: "الآن، أنتِ قُرصانة كاملة".

يُحب هو وزملاؤه السائقين أن يسافروا في الطرقات التي تَكْثُر بها الأشباح، هى الأكثر أمنًا، سيَظهر لهم شَبَحٌ من وقتٍ لآخر، ويُخبرهم عن النقطة التى يجب عليهم الحَذَرَ منها، والطريقة الصحيحة لعبورها، أو على الأقل يخبرهم بالطريقة الخاطئة كي يتجنَّبوها، رغم ذلك لا تنتهى الحوادث، ستكون هناك أشباح جديدة دائمًا.

والسائقون يُكَرِّمون مَنْ يموت منهم في حادث، فيُطلقون اسمه على النقطة التى مات فيها، مثل "شجرة سعيد"، وهي الشجرة التي اصطدم بها "سعيد"، "صخرة ريحان"، "مُنْحَدَر ربيع"، والبعض منهم أُطْلِقَ اسمه على طريق بكامله.

يرغب "سرحان" أن يكون له طريق باسْمِه، بشرط ألّا يموت في حادث، هو لا يريد أن يتوقَّف عن قيادة السيارة.

يحب هذه المهنة، لأنها تمنحه السفَر، ولا يُهِمُّه ألّا يكون له بيت، كما يحب أن يكون الأمر مرهونًا به، فيعتمد نجاحه على أدائه الشخصي، يُرِيحُه هذا كثيرًا، وفي عالم الناقلات الكبيرة يعتمد الأمر بشكلٍ شِبْه كاملٍ على مهارة السائق وقدراته الشخصية، ورغم أنه من اللازم وجود مُساعِد مع كل سائق، إلّا أنَّ "سرحان" رفضَ ذلك، يريد أن يخوض لعبة السفر بمفرده، مع قرصانته، وإذا احتاج إلى مساعَدة في الطريق، كأن يُصادِف مساحة كبيرة من طين، أو ماء عميق، أو جسرًا مقطوعًا، وهذا وغيره يحدث دائمًا، فإنَّ هناك مَنْ يظهرون له، ويساعدون: بَشَر، أو جِنّ، أو أشباح.

لا تتوقَّف أعمال السائقين الذين يموتون في حوادث، هم يتحوَّلون إلى أشباح ويُكْمِلون عملهم في عالم الأشباح بالطريقة نفسها، ينقلون البضائع، ولا يتوقَّفون عن السفر، ويَبْقون على الطرُقات، وعندما يَمُرُّ شَبَحٌ بالنقطة التي مات عندها وقتما كان بَشَريٍّا، فإنه يتوقف لحظة ليتأمَّلها ويتذكَّر كيف مات، وخَطأه الصغير، أو ربما لم يكن هناك خطأ، وإنما كانت هي الطريقة الأفضل لموته، يبتسم الشَّبح للحظةِ موتِه تلك ويُكْمِل طريقه. 

ينحرف "سرحان" فجأة إلى جانب طريقٍ ما، يتوقَّف، يُشَغِّل الموسيقا، ويرقص في الهواء والليل أمام "القرصانة"، وضوؤها ينعكس عليه من عينها الواحدة، فيبدو كأنه نصف شبح نصف إنسان، لو رآه إنْسِيٌّ أو جِنّىٌّ للمرَّة الأولى فلن يقترب منه، وفي الوقت نفسه لن يستطيع تحويل عينيه عنه، الرعب والإعجاب معًا، أمّا مَن يعرفونه فيجلسون بأماكنهم يتفرَّجون عليه، لن يقاطعونه.

يرى على الطريق جِنًّا وعفاريت يقودون سياراتهم، مُحَمَّلة ببضائعهم، يتسابق معهم أحيانًا، ثم يستريحون، فيطبخون معًا، يتبادلون أنواع الموسيقا، ربما يدخلون أحد المطاعم، وكل مطاعم الإنس مفتوحة للسائقين من الجِنّ، وكل مطاعم الجِنّ مفتوحة للسائقين الإنس، كل شيء يمكن مُشارَكَته في السفر.

يلعب الورق مع الجِنّ والعفاريت، وهناك ثلاثة محدَّدِين من جِنِّ غابةِ "المطر الوردي" يريدون تعويض خساراتهم الكثيرة، يقولون له: "أنت تَغِشّ، وترى أوراقنا بطريقة لا نعرفها، أو ربما تساعدك القرصانة بطريقة ما"، يَرُدُّ "سرحان": "أو أنكم خائبون  جدَّا، وأنا ماهر جدًّا"، فيُكمِلون اللّعب صامتِين.

رغم أنّ "القرصانة" بها راديو كاسيت، إلّا أنَّ "سرحان" يحمل معه راديو طوال الوقت، يرفع اللّاقِط، ويلتقط جميع المحطات، ولو حتى في مكان معزول.

يستمع في وقتٍ خاص من الليل إلى محطة ليس بها مذيعون أو برامج أو موسيقا، فقط أشخاص عاديون يتحدثون عن حياتهم، ليس مُهِمًّا أن يَذْكروا أسماءهم، فقط حكايات ومواقف شخصية، ينتهي أحدهم فيبدأ غيره حكاية جديدة.

كان يريد التَوَصُّل إلى طريقةٍ يمكنه بها أن يحكي بعضًا من حياته على هذه المحطة، لا يمكن أن يفشل في العثور عليها، هو الذي تربطه بالراديو علاقة خاصة وقديمة، منذ كان طفلًا، وصبيًّا، ثم مُساعِد سائق.

 وفي إحدى المرَّات، بينما يتنقَّل بين محطات الراديو، ويبحث عن طريقةٍ للعثور على "محطة الحكايات"، توقَّف عند محطة لا يَصْدُر عنها غير تيار هواء خفيف، أَنْصَتَ إليه ثواني وسألَ الراديو: "هل مِن أحد هناك، أيّ أحد، أيّ شيء؟"، فقط هواء خفيف، "هل يسمعني أحد؟"، هواء خفيف، "حسنًا، أنا هنا، يمكنكم أن تستمعوا إليّ"، قرَّبَ فمه من الردايو وبدأ يحكي عن نفسه.

في اليوم التالي كان بعض زملائه يقولون له إنهم سمعوه في الراديو بالأمس يحكي عن نفسه، أو ربما كان شخصًا له صوت يُشْبِه صوته، "هل كنتَ أنت بالفعل؟ نعم، هو أنت، الشخص الذي سمعناه حَكَىَ أشياء نعرفها عنك، لكنه حكَىَ أيضًا أشياء لا نعرفها".

تحب "القرصانة" أحيانًا أن تَبقىَ مستيقظة كي تَحرس "سرحان" أثناء نومه، يقول لها: "لا داع للقلق"، ويُطفئ موتورها، وضوءها، فتُعيد تشغيل نفسها وضوئها، يُطفئها ثانية، فتُشغِّل نفسها، يتكرَّر الأمر عِدَّة مرات فيستسلم. يتبادل "سرحان" "والقرصانة" النوم والسهر من وقت لآخَر، وفي أغلب الأوقات يسهران معًا.

 ينطلقان على شاطئ المحيط، يرى "سرحان" ظِلالَ سفنٍ كبيرة على بُعْد أميال فوق سطح الماء، ويسمع أصواتًا تناديه من هناك، يتوقف، ويُسَلِّط العين الوحيدة ﻠ "القرصانة" باتجاه السفينة فتكشفها له، ويرى وجوهَ ركابها يقولون له من هناك كلمات يسمعها، ويَرُدُّ عليهم، يحكون له حكاياتٍ صغيرة، هذه السفن لا تغادر المحيط، ولا يراها إلا مَنْ تريد هي له أن يراها، تظَلُّ هكذا إلى ما لا نهاية، لا تغرق ولا تَرْسُو، مرئيَّة وغير مرئيَّة. 

يخشى "سرحان" أن يموت ميتَة طبيعية فلا يُطلِقون اسمه على طريق أو صخرة أو شجرة، هذا أقسى ما يخشاه، وفي الوقت نفسه لا يريد أن يموت، يريد أن يقود قُرْصانَتَه إلى ما لا نهاية، يشعر أنه سيتوصَّل إلى حالة يمكنه بها ألّا يموت، وفي الوقت نفسه تجعلهم يُطلِقون اسمه على طريقٍ ما.

يُصادِفُ هو و"القرصانة" مسافرِين على الطريق، يمشون منذ مئات السنين، بعضهم يحمل معه أغراضه، أو تذكارات من منزله، مسافرون بعيدون عن بيوتهم، وبلادهم، بسبب حرب وقتل، وينتظرون الفرصة للعودة، بعضهم جَرَحَ نفسَه منذ خروجه من بيته، ولم يتوقَّف جرحه عن النَّزف، بعضهم يبكي، ولم تتوقَّف دموعه، يرفضون أن يحملهم "سرحان" و"القرصانة" معهما، يقولون إنهم سيواصلون المَشي على الطرقات، لن يتوقَّفوا، ولن يأكلوا، ولن يُظِلَّهم سقف، ولن يدخلوا أيّ بيت، حتى يعودون إلى بيوتهم أو يموتون أثناء مَشْيِهم.

ظهرَ ﻟ "سرحان" و"القرصانة" طريق جديد، دخَلَه، شَعُرَا معه بأُلْفة غريبة، وحلوة، قال للقرصانة: "هل تشعرين بهذا؟"، قالت له: "هل تعتقد أنكَ وحدكَ الحسَّاس هنا؟ مُغَفَّل"، وابتسَمَتْ، بدا له أنه يعرف الطريق بشكلٍ ما، رغم أن أحدًا لم يَمُرّ به من قبل، لا إنس ولا جِنّ ولا أشباح، طريق باتجاه واحد، يستقيم لبعض الوقت، ويلتوي عِدَّة مرات، به مساحات من الطين والماء والرمل والصخور، يمُرُّ داخل غابة، وبجوار نهر، وقريبًا من بحر، يصعد جبلًا، يَعبْرُ صحراء، تَمَنَّى "سرحان" لو أنَّ هذا الطريق يحمل اسمه، لكنه يعرف الشروط، وفي الوقت نفسه يريد أن يخالفها.

رفع "سرحان" صوت الموسيقى وانطلقَ مع "القرصانة"، كانت تهتف له بين لحظةٍ وأخرى: "سرعة أكبر، أسرَع، أسرَع"، تتصاعد دقَّات قلبيهما، تمتزج معًا، يتَّحِد قلبها مع قلبه، يَصيران قلبًا واحدًا، يصرخان معًا بتأثير النشوة، ويَرَيان ضوءًا لامعًا فى الأفق، يُحَدِّق فيهما الضوء، ويُحَدِّقان فيه، تنقلب "القرصانة" على الطريق مئة مرَّة، وتتوقَّف بعدها في وضْعها الطبيعي، متوازنة، هادئة، دون خدشٍ واحد، وبداخلها يجلس "سرحان" بمكانه، يداه على عجلة القيادة، وعيناه مفتوحتان على الطريق، ويهدأ صوت الراديو، تتسرَّب منه موسيقى مَرِحَة.

عَثَرَ زملاؤه عليه، وكأنَّ الطريق انكشَفَ لهم بعد أن دَخَلَه هو، اعتقدوا في البداية أنه فقط يستريح، أو أنه يُشاغبهم بوقوفه عَرْض الطريق، لكنه لم يَرُدّ عليهم أو يلتفِت إليهم، لم تَرْمِش عيناه، وكان قلبه بلا صوت، حاولوا أن يُبعدوا يديه عن عجلة القيادة، لم يستطيعوا، ظَلَّ مُتشَبِّثًا بها، لم يستطيعوا مَنْع أنفسهم الضحك، قالوا: "كنّا نعرف هذا، حسنًا أيها العاشقان، سنتترككما وحدكما لمدَّة ساعة كي يُودِّع كلٌّ منكما الآخر"، وانصرَف السائقون، كانوا يعرفون أنَّ "سرحان" و"القرصانة" لديهما خطة ما، ولن يتنازلا عن بعضهما بعضًا.

مَرَّت الساعة، عادوا، لم يجدوا "سرحان" و"القرصانة".

 أطلقوا اسمَيْهما على الطريق: "طريق سرحان والقرصانة".

تَحَوَّل "سرحان" إلى كائنٍ هو الأول من نوعه، حالة وسَطًا بين الشبح والإنسان، مزيج من بعض ما هو موجود فيهما، ولديه في الوقت نفسه قُدرات تَخُصُّ هذه الحالة الوَسَط، يمكنه بها أن يفعل أشياء لا يستطيعها الشبح النقيّ، ولا الإنسان النقيّ.. فقط "سرحان" و"القرصانة".