بحرفية كبيرة استطاع محمد حسنى عليوة، أن يصنع قصة قصيرة، من قماشة تم استعمالها كثيرا فى الأعمال الروائية، حيث أحاط الرؤية بالكثير من المواربة، ولك يفتح أمام قارئه إلا بعد النوافذ التى تمنحه بصيص من الضوء عن ما بالداخل ، كاشفا عن عالم القرية بناسها، وما يتحملون، والمدينة وناسها وما يفعلون بأموالهم. فحملت القصة المتعة والتشويق، وإعمال الفكر.

قشرة برتقال لا تقطعها سكين

محمد حسني عليوة

 

باءت بالفشل محاولتها في فكّ القيد بأسنانها. صرخت بقوة في رغبة ليسمعها أحدهم بالخارج.. لم يكن هناك غير ولد يافع، يراقبها كعادته، عبر ثقب صغير صنعه في النافذة بآلة حادة التقطها خلسة من عامل دريسة القطارات.

دائمًا ما كان، الولد، يهرب من ملاحقة أبيه بتسلق شجرة التوت الملاصقة للبيت والإختباء بين فروعها، ما أن يغيب ظِل أبيه عن الرؤية، حتى ينزل فاردًا ذراعيه على براحهما، محلقًا بروحه المرحة حول البيت، يُتْمم طوافه سبعة أشواط ينهيها عند النافذة.

كان قد وضع حجرًا تحتها تمامًا، يعلّق جسمه الخفيف على إفريزها بيديه النحيفتين، ويراقبها من الثقب. هذه المرة وجدها مكومة بالأرضية تضع رأسها بين قدميها، فأخذ يطرق على ضلفة النافذة بحديدته حتى كلّت يده؛ لكنها في النهاية فُتحتْ.

لم تدم فرحتها طويلاً، فبينما كان الولد يحاول القفز داخل الحجرة، كان قد فتح أبوها الباب وهو في ثورة غضب عارمة، توعد الولد الذي غاب في الحقول في لمح البصر، وانهال عليها بحزامه حتى فقدت الوعي.

بعد إلحاح وضغط نزلت على رغبة أبيها في العمل في بيت “الرجل الكبير”.. وبدافع الشفقة بنفسها، وعدم إهانتها بين قريناتها في القرية وهو يسحبها كبهيمة بحبل خيش سميك.

في الطريق سقطت أكثر من مرة منهارة، فكان يجذبها من ثوبها بقبضة يده ويصرخ في وجهها أنه لو تراجع سيفقد لقمة عيشه والبيت وتفقد هي حياتها.

من أسبوعها الأول، في البيت، فهمت واجباتها التي ستقوم بها على نحو روتيني معتاد.

  • الخدمة هنا ليست صعبة!

شرحت لها زوجة” الرجل الكبير”:

  • فقط كوني مطيعة وسنعطيك أجرة جيدة!

مرّ أبوها مرتين أو ثلاث، يسأل عنها.. حدجته الزوجة بنظرة غريبة ومطت شفتيها:

  • اذهب لعملك، واتركها لشأنها!

كانوا قد تركوا لها غرفة صغيرة يُفتح بابها على حوش كبير، كان يشغلها في الماضي رجل يرعى الخيل، لا زالت تحتفظ بكثير من رائحة موته -غدرًا- فيها.

في مساء تلك الليلة الشتوية الباردة، التي سادت فيها عتمة كئيبة، تدثرت بعباءتها وخرجت إلى الحوش، قادتها خطواتها إلى غرفة ملحقة بالمنزل، وبدافع الفضول سمعت نقاشاً حادًا بين الرجل وولديه، وكان أحدهم يصرخ غاضبًا:

  • لا يهمني ماذا ستفعل؟ الأمور فلتت من يديه! وعليّ أن أتصرف.

يشارك “الرجل الكبير” شجارهما:

  • أخبرني أولاً، كيف عثرتَ على هذه الورقة؟

………………..

سادت فترة صمت. وعند عودة الكهرباء وقد أضيئت الغرفة، فوجئا بأبيهما مغشيًا عليه بين قدميهما، حاولا إفاقته بما استطاعا، بعد دقائق تأكدا من أنه فارق الحياة.

جاءت الزوجة بابنتها الصغرى، قادتها بعكازها إلى “مسرح العمليات”.. اكتفت بشهقة كتمت أنفاسها للحظة، ثم هدأت من روعها فيما يشبه تماسكًا مصطنعًا، وأشارت لهما بحمله للداخل: “ليرقد في سلام!”، ومنعت ابنتها من البكاء عليه أو الصراخ.

خلال يومين كان كل شيء قد تم. الجنازة المهيبة التي دعي إليها كل “الرجال الكبار”، العزاء وقد أقيم له سرادق امتد بطول وعرض القرية، رعبها الشديد – وهي ابنة رجل فقير لا ناقة لها ولا جمل في ما حدث!- الذي شيعته نظرات ووعيد أولاده وزوجته، الليالي الطويلة التي قضتها، بعد ذلك، وهي تفزع من نومها كمجنونة تطارد شبحًا متجسدًا في قشرة برتقال سوداء تغطي مساحة كبيرة من خدها الأيمن، “هي السبب!” “أغلب رفيقاتي تزوجن” يغصّ حلقها جفاف الحسرة، فتلعن سنوات حظها السيء.

كانت قد عثرت على مرآة صغيرة في طيات ملابسها، إستعملتها في كشط القشرة برفق، ثم بعنف. فكرت في سكين “ربما تفي بالغرض”، أو شفرة موسى الحلاقة الخاصة بوالدها. أغشي عليها عند رؤية أبيها وقد صعقه ما فعلته بنفسها. اختطفها من الأرض، ضمها في صدره، كفكف دموعها، ووّد لو تنشق الأرض عنه، فليس لديه ما يطفئ حرقتها.. ليس لديه غير سنوات الخدمة في النظام الميري خفيرًا، حتى أكلته العِشرة الصارمة فصار عظمًا على جلد، تكاد تشفّ ضلوعه من تحت صديري مهترئ وجلباب يستره من سنوات بعيدة.

يومها، ويومها بالذات، أكد لشيخ القرية موافقته على فكرة “الزواج برجل ميسور سيقدّرها وقد تجد فيه عوضًا عن أي تعاسة بحياتها.” (خاصةً أنها لم تعد بِكرًا!) كانت الجملة التي يرددها أكثر واقعية –في نفسه- من أن يبحث عن خيار آخر.

في قطار الصباح المتجه إلى المدينة، كانت تجلس إلى جوار أبيها منكمشة، مذعورة، أحست أنها تنسلخ من عجين عالمها رغم كلّ ما فيه؛ لكنه، على أية حال، أرحم من عالم تجهل كل ما فيه. هي لا تعرف كيف ركبتْ القطار وهي تخافه حدّ الرعب! فالقطار، في مخيلتها كوحش يلتهم المسافات، يبتلع الزمن في جوفه، ولم تكن تسمع عن المدينة غير صخبها، غير سحب الأغبرة التي تجثم على صدرها، وغير البشر المرتحلين في شوارعها/أزقتها، بلا هوادة.

هو يعرف مدى ضعفه أمام مواجهته بنظرتها تلك:

  • إلى أين نذهب؟

تبدت عنه ابتسامة ماكرة:

ستعرفين كل شيء في حينه. ولا تخافي! لن تضيعي مني كما ضاعت أمك.

حين جاء ذكر أمها، نزعت للبكاء بحرقة. وبنظرات منكسرة، ودّعت القرية التي تلوح من النافذة كقطرة ماء تتبخر سريعًا!

بعد مشقة سفر وبحث عن العنوان لثلاث ساعات متواصلة، وصلا أخيرًا إلى المنزل المنشود، وقد هالها من النظرة الأولى؛ للمساحة الشاسعة التي يشغلها؛ لشارع لا يتحرك فيه سوى صدرها بأنفاس مضطربة، ونظرات أبيها الفاحصة للمكان بانبهار؛ ولتلك البوابة الحديدية التي تراها كصفحة نهر تمرر يدها عبر سطحه الوديع، فتتحرك دوائر لانهائية من ابتسامات طفلة صغيرة.

راعتها محتويات المنزل من الداخل. سألت عن كل قطعة أثاث، عن كل تحفة، عن تلك اللوحة التي تحتل الحائط طولا، تُظهر صورة رجل عظيم الهيئة، بشاربه الكث وجبهته العريضة، فتخبرها الأم وهي تضع يدها بحنان على كتفها: (هذا جدّه الكبير، كان وزيرًا في عهد الملكية) يأخذها دوار خفيف، من القصة التي سمعتها، عن ذاك الجد/الباشا، بإنصات وتأثر شديدين وهما تتمشيان بين أروقة المنزل.. ويكاد يطير عقلها من ضخامة الأبواب ومتانة خشبها العتيق، فتحاول الجلوس إلى مقعد قريب بمسندين مدهبين، أذهلتها نقوشه فتنهض عنه مسرعة.

لحقت بهما إحدى عاملات المنزل، وأخذت بيدها.. تسلمتها بعرقها المتصبب، بقرويتها، بارتعاشة أطرافها وقلبها المستكين. حاولت، العاملة، في غرفة مجهزة للاستحمام، نزع ملابسها بلطف، فتمنعت بشكل يضعها في مأمن من تعرّيها أمام أحد. وما أن انتبهت العاملة للباب المفتوح حتى رجعت إليه بالخطوة السريعة وأغلقته. لحظتها، على الأقل، منحت “بُشرى” صدرها براحًا يتنفس بطمأنينة، وقبولا بالأمر الواقع.

وهي تقف متصلبة أمام المرآة تفحص حالتها الجديدة، فكرت في خسارة محتملة لو كانت تلك القشرة السوداء، عائقًا أمام طريقها في العيش هنا.

أخذت بيدها العاملة إلى حجرة كبيرة، تنبعث منها رائحة نفاذة ملأت صدرها. يتوسطها سرير عريض فخم، تضيئها شمس الظهيرة وهي ترسل أشعتها عبر تخاريم ستارة مسدلة بعرض النافذتين المشرعتين.

من خلف كتفيها، انتبهت لحركة قادمة من ناحية الباب. كانت الأم تتمشى في خطا يعلوها جلال الثقة بالنفس. اقتربتْ منها وهي تقول، باسمة:

تعلمين أن والدك وافق على زواجك بابني؟

تلعثمتْ:

و… آه.. !

نحن هنا عائلة واحدة. وأريدك أن تعلمي أن ابني الوحيد سيرث كل ما رأيتيه.

بينما كانت العاملة تدفع بمقعد متحرك يجلس به شاب، ملامحه الصافية وهندامه جذباها لتبتسم في دعة.

وبنظرة غامضة شردت في مهب خيالها، حتى أحست أنها غائبة عن الوعي باللحظة، بالزمن ككل. لا ترى غير شريط بلا نهاية من قضبان السكة الحديد، تمر بباب تصفقه القطارات ذهابًا وإيابًا. وبولد يتمرغ في تراب الحقول، يغرد كعصفور مشاكس، وينقر بآلته الحادة في شجرة التوت العتيقة، ليصنع ثقبًا أكبر يراقب منه إحدى جنيات القرية الحبيسات، ولا يترقب خروج خفير نظامي غاضب من وراء جدران البيت الأربعة، التي أزيلت منه النافذة وعُلق بدلاً منها لافتة صغيرة تحمل اسمه الثلاثي..