راقبت لاعبة السيرك وهي تحاول أن تتوازن على الحبل الذي تسير عليه، تماهت مع ميلها للتوازن، وحرصها على عدم السقوط، تتحرك اللاعبة بخفة وحذر، تضع قدمها الصغيرة التي تنتعل فيها حذاء مطاطيًا على الحبل المتدلي بين طرفين.
ثمة أسد رابض على الأرض، يفتح فمه، ربما يكون جاهزًا لالتهام الفتاة، يسوطه مدربه بقوة تحزنها. تراقب الجميع حولها، الأطفال يدركون أنها لعبة، والكبار يستمتعون بالمشاهدة، لا توجد أي ملامح اضطراب على وجه أحد سواها. تنظر إلى أعلى، إلى الخيمة المخروطية، تتأكد أن كل ما يحصل يجري في مدينة الألعاب، وأن هذا كله مجرد عرض ليس إلا، عرض سينتهي بعد قليل.. تعود عيناها لمتابعة حركة الفتاة التي صارت معلقة في وسط الحبل، فوق رأس الأسد تمامًا. تندفع من فمها شهقة تدفع ابنها ليقول لها:
«ماما، أنت خائفة؟ لقد شاهدتُ هذا العرض قبل الآن في رحلة المدرسة، لا تخافي، لن يحدث شيء».
تجنبت مرارًا الدخول لمدينة الألعاب، إنها مكان مفزع بالنسبة إليها، كل ما فيه يدفع للدوار، لأن الأشياء تكون في موضعها المناسب تمامًا، وفي العالم الخارجي الأشياء لا تكون على هذا الحال، العالم في الخارج مضطرب، ومدينة الألعاب تخلق اضطرابها الخاص الذي تراه منظمًا مقارنة مع اضطراب العالم، وهي لم تعد قادرة على احتمال هذا النظام والخروج من اضطرابها إلى نظام لا تعرفه. العالم في مدينة الألعاب يقوم على لعبة. لعبة متقنة ليس إلا. وهي لم تعرف متعة الاستمتاع باللعب.تذكر وهي طفلة، حين انكسر سنها الأمامي بعد ارتطام السيارة التي تقودها في لعبة السيارات بسيارة أخرى. نزفت الكثير من الدم، ولم تعد قادرة على الإستمتاع باللعب أبدًا.
عبرت الفتاة الحبل الرفيع، ونزلت منه بخفة، طوت جذعها لتحي الجمهور، ثم رفعت ساقيها في الهواء، لتتسلق حبلًا يتدلى من الأعلى. لم تكن قادرة على مواصلة المشهد أكثر، كانت الفتاة تؤدِّي كل الحركات التي لم تستطع هي يومًا القيام بها. تسمع صوتًا في عقلها يقول: «إنها لاعبة سيرك، لاعبة تعرف كيف تمشي على الحبال الرفيعة». فتسمع صوتًا آخر يرد: «لا يهم، لا يهم، لكنها قادرة على القفز، على التسلق، ومراوغة الأسد والفرار منه دون أن يلتهمها».
يتجادل صوتان في داخلها، تحس أنها على وشك الصراخ، وهي تتخيل أنها لو كانت مكان اللاعبة، سيلتهمها الأسد لا محالة.
تترك ابنها في داخل الخيمة المخروطية، تخبره بأنها ستنتظره في الخارج. يهز الولد رأسه وهو يتابع حركات المهرج الذي يدهن أنفه بالأحمر، ويضع على رأسه قبعة الساحر، قبعة سوداء من قماش الشاموا، لا تتناسب مع وجهه المدهون بأصباغ كثيرة، يبدو أن تلك القبعة استعارها في اللحظات الأخيرة من رفيقه الساحر لأنه فقد قبعته الحمراء. أليست الأشياء مرتبة في مدينة الألعاب؟ كيف يفقد المهرج قبعته إذن؟ كيف يستعير قبعة الساحر الأنيقة التي يستخدمها لإخفاء الأرنب؟
في الخارج، أشعلت سيجارة، لم تكن تدخن في المعتاد، إلا حين تحس باضطراب كثيف. كانت على وشك الدخول في حالة من الإغماء، تقاومها بالتفرج حولها، تأمل عوالم المدينة الصغيرة. التي تتوزع إلى غرف بلاستيكية، وخيم، وتنطوي على حيلها وحكاياتها وخفاياها. ستظل جالسة هنا، ريثما ينتهي ابنها من متابعة العرض، لن تبرح مكانها أبدًا، خشية دخولها في دوار جديد. على يمينها شاهدت أشكالًا مرعبة لأشباح مرسومة على قماش سميك، وستارة سوداء طولية خلف الرسومات الشبحية، وفوق الستارة عبارة «مدينة الأشباح»، وبجانب العبارة رسم لعلامة القرصان عظمتين متقاطعتين. على يسارها كانت مجموعة من الأرجوحات التي تعلو وتهبط في حركة مستمرة. قررت ألا تنظر إلى أي الاتجاهين، لكن رغمًا عنها كانت الاتجاهات تتدافع أمامها وتتقاطع عند نقطة واحدة. عند بوابة إحدى الخيم ارتفع صوت دوي نار، أو انفجار مفرقعة ارتفعت في الهواء، وانتشرت معها رائحة البارود، الناس حول الخيمة يصفقون كما لو أنهم في كرنفال.
قررت السير للأمام، بحثًا عن مقعد آخر ليس ببعيد، كي لا تشم رائحة البارود، ولا ترى مدخل مدينة الأشباح أو الأرجوحة التي تسبب لها دوارًا. سارت عدة خطوات بحثًا عن مقعد، كان رجل خمسينيًا أسمر يرتدي بنطلون جينز أسود ومعطفًا رماديًا، يجلس على طرف مقعد مجاور لخيمة السيرك من الجانب الخلفي، لم تستأذنه لتجلس على طرف المقعد. التفت نحوها، ثم أبعد وجهه بسرعة، تلك الالتفاتة كانت كافية لتتذكره على الفور. لم يتذكرها الرجل أبدًا، لكنها هتفت به:
«ألا تذكرني؟».
ابتسم الرجل وهو يهز رأسه باستفهام. حاولت أن تذكره بنفسها، بأنها ابنة فلان صديقه، قالت له إنها تذكره من أيام الطفولة، حين كان يأتي إلى بيتهم، وكانت تجلس أحيانًا على ركبته، وكان يحضر لها شوكولا مارس، أخبرته بأن أباها اختفى بعد نهاية الحرب، في ظروف غامضة، ولم يُعرف عنه شيئًا، كانت تتحدث وتتحدث، عن تفاصيل مضت من أيام الطفولة. لكن الرجل استمع باهتمام من دون أن يقول عبارة تفيد بأنه تذكر شيئًا.
عادت لتقول له مؤكدة: «أنت تمثل لي شيئًا مهمًا، ظل أبي بعد سفرك إلى لندن يحكي لنا عنك، عن حنينك لوطنك، عن القصائد التي تكتبها، كان يقرأ لنا أبياتًا من قصائدك».
وكأنما لمعت في عيني الرجل ذكرى شحيحة، أضاءت وجهه.
في تلك اللحظة، خرج ابنها من خيمة السيرك، اندفع نحوها ويبدو عليه بعض الغضب: «ماما أين أنت، بحثت عنك»، نظر إلى الرجل الذي يجلس على طرف المقعد الآخر، لم يعره اهتمامًا، شدها من يدها وهو يقف بجوارها قائلًا:
«ماما، تعالي، أريد أن أدخل إلى مدينة الأشباح».
ظل الرجل صامتًا، لم يقل أي كلمة. ربما تابع خطواتها وهي تمضي مبتعدة.
كانت تفكر، ماذا يفعل هذا الشاعر في مدينة الألعاب، هل كان ينتظر أحدًا ما؟ لم يجلس هنا، لمَ لمْ يتكلم أبدًا، لمَ لمْ يتذكرها، لم يتذكر صداقته لأبيها، وأيامهما التي مضت بين حرب وحرب؟
سار الولد خطوتين، وهي خلفه، يشدها من يدها وهي تسير ببطء. التفتت إلى الوراء، كان المقعد شاغرًا، والرجل الخمسيني ذو المعطف الرمادي يمضي في اتجاه آخر، ربما نحو خيمة السيرك.
في مدينة الألعاب، تعود الأشياء إلى أماكنها المناسبة، ويبدو الأشخاص على حقيقتهم أكثر مما هم في الحياة.