في هذه المقالة يقدم الباحث الفلكلوري والناقد الأدبي العراقي قراءة في المسيرة الشعرية للشاعر العراقي المبدع حميد يحيى السراب، وقد سبق لمجلة الكلمة أن نشرت بعض قصائده، ويشير الناقد في هذه المقالة إلى الأساليب الشعرية التي وظفها الشاعر في قصائده جميعا، فضلا عن تحليله لقصيدة (نجوم ساطعة)

الشاعر حميد يحيى السراب: مسيرة إبداعية ناضجة

محمد علي محيي الدين

 

يعدّ الشعر وسيلة للتعبير عن المشاعر والأفكار بأسلوب فني راقٍ، وقد شهد الأدب العربي تطورًا ملحوظًا في العصر الحديث، حيث ظهر عدد من الشعراء الذين أسهموا في تجديد القصيدة العربية والارتقاء بها نحو آفاق جديدة. ومهدوا لأجيال جديدة سارت على خطاهم، ومن بين هؤلاء الشعراء يبرز اسم حميد يحيى السراب، الذي وُلد في مدينة الحلة، التي عرفت بتاريخها الأدبي والثقافي العريق، وقد ترك هذا الشاعر بصمته الخاصة في الساحة الأدبية من خلال إصداره لعدد من المجموعات الشعرية، وكتابته للشعر الحديث في مختلف الأغراض.

 لقد تميّز بأسلوب شعري يجمع بين الأصالة والتجديد، حيث استلهم من التراث العربي العريق وأضاف إليه عناصر الحداثة، ما جعل قصائده تحمل طابعًا فريدًا يوازن بين الموسيقى الشعرية التقليدية والتجديد في البنية والمضمون. وقد جاءت قصائده محملة بصور شعرية متميزة تعبّر عن تجاربه الحياتية وانعكاساته الفكرية والثقافية.

ومن أهم الملامح التي تميّز شعره، التنوع في الأغراض الشعرية: كتب في الغزل، الرثاء، الوطنيات، الفلسفة، والتأملات الذاتية، ما يعكس ثقافته الواسعة وعمق رؤيته للحياة، والتجديد في البناء الشعري باستخدام الأوزان الكلاسيكية في بعض أعماله، لكنه في الوقت ذاته وظّف قصيدة التفعيلة وأحيانًا قصيدة النثر للتعبير عن أفكاره بحرية أكبر، وتكثيف الصور الشعرية فقد اعتمد على الرمز والإيحاء، ما أضفى على قصائده أبعادًا دلالية عميقة، وتميزه بلغة شفافة عذبة تجمع بين البساطة والعمق، حيث جاءت كلماته قريبة من القارئ، لكنها تحمل في طياتها معان متعددة.

ولقد تنوعت موضوعات شعره وفقًا لتجربته الحياتية ورؤيته لها، فهو شاعر ملتزم بقضايا وطنه، كتب قصائد تتغنى بحب العراق، وتعبر عن آلامه وطموحاته، وفي أشعاره الوطنية، نجد صوتًا صادقًا يدعو إلى الحرية والكرامة، مستخدمًا صورًا مجازية تجسد معاناة الشعب وأحلامه، وتميّزت قصائده الغزلية برقة العاطفة، حيث عبّر عن الحب بمعانٍ عميقة، تتجاوز الوصف التقليدي للحبيبة، لتصل إلى مستويات فلسفية تتناول المعنى الأسمى للحب كقوة إنسانية سامية، وقد حملت بعض قصائده بعدًا فلسفيًا، حيث تأمل في الحياة والموت، الزمن، والوجود، مقدمًا رؤية خاصة تجمع بين الحكمة والوجدان.أصدر عبر مسيرته الأدبية عدة مجموعات شعرية، ضمّن فيها تجربته الخاصة التي تأثرت ببيئته الحلية، وتفاعله مع الأحداث التي مرت بها بلاده. وهذه المجموعات تمثل محطات مختلفة في مسيرته الشعرية، حيث يظهر فيها تطوره الفني وتحوله من الكلاسيكية إلى الحداثة.

 وقد أشاد النقاد باستخدامه المبدع للغة الشعرية، واهتمامه بالصور الشعرية الغنية التي تحتمل أكثر من تفسير. ولكن بعض النقاد اعتبروا أن الأسلوب الرمزي الذي استخدمه في العديد من قصائده قد يسبب بعض الغموض في الفهم، ما يضفي على شعره طابعاً من الغموض والتعقيد، فقد اعتمد على الرموز والإشارات التي تنقل معاني متعددة وتفتح أمام القارئ آفاقًا واسعة من التأمل والتفسير، واستعمل الصور الشعرية التي تحمل دلالات بعيدة، وجعلها تتناغم مع المواضيع الإنسانية العميقة التي يعالجها، وشعره قريب من القلب لما يحمل من عاطفة جياشة تميز قصائده، وقد نجح في التعبير عن المشاعر الإنسانية بصدق وشفافية.

لذلك يعدّ الشاعر حميد يحيى السراب أحد الأصوات الشبابية البارزة، فقد تمكن من بناء عالمه الشعري الخاص الذي يجمع بين التراث والتجديد، ما جعله يحتل مكانة متميزة بين الشعراء الحليين. ورغم التحديات التي واجهها، ظل مخلصًا لفنه، مؤمنًا بأن الشعر رسالة سامية تعبّر عن روح الإنسان، معاناته، وأحلامه، ولا شك أن إرثه الشعري سيظل حيًا في الذاكرة.

في قصيدته ( نجوم ساطعة) تتدافع صور شتى تحمل في طياتها تساؤلات كثيرة، يستلهم من خلالها القارئ الابعاد الفنية التي يعتمدها في اختيار المفردة المتفاعلة مع الصورة لتعطيها دفقاً شعورياً يعتمل بأحاسيس تنداح في مخيلته، لتسير به في متاهات متشعبة، فالشوق المرهق يشد رحاله محملاً بالحنين والأنين، ليتخذ مساره بين صعوبات وعقبات يتمكن من تجاوزها بما يحمل من أصرار وعزيمة للوصول الى بغيته، وتحقيق مآربه في لقاء من يحب، هذه الصورة المصاغة وفق ترتيب تسلسلي يمكن لها أن تعطينا ملمحاً لما يمكن للشاعر أن يرسمه في لوحته الشعرية، بما يقدم من رؤى متفاعلة تتسابق بين مفرداته لتأخذ طريقها الى ذهن المتلقي، ليستشف منها عمق ما يعتمل في ذات الشاعر، وما بين المتخيل والواقع من متلازمات متواصلة يجعلها مثابات للوصول الى حقيقة متناغمة في تفكيره وتصوره :     

في اخر الليلِ ترتبكُ قصيدتي

يرهقها الشوقُ وهي تشدُّ الرحال اليكِ

تقودُ قوافل الورد

والحنين.. وما تبقّى من انين

ويشاكسها حرّاس الحيّ ببنادقهم الصدئة

او بالهراوة والسكّين... طعنةً بالخاصرةِ

كيف أتّقيكِ؟  وقلبي اثخنتهُ الشظايا

ترهّلت نبضانهُ

كم مرّةً يدنو ... كم مرّةً يحبو

كم مرّةً تعثّر بالياسمين؟  في اخر الليل

هل كنتِ تعلمين؟

ابي كان يدسُّ في جيبِ سترتهُ فاكهةً لامّي

يخفي ملامحها بالكذبةِ والتدخين

وانت فاكهتي في اخر الليل

كيف أخفيكِ؟ وقصيدتي كالشمسِ نمّامةٌ

حتّى مطلع الفجرِ