أولاً - إضاءة في الشخصية :
مما لاشك فيه ، أن حدود المقاربة الروائية تضع الشخصية في موضع متميز ذلك أنها العنصر ذي الأهمية الأكثر اهتماماً ، لأنَّها تمثل مركز الأحداث التي تنبني عليها أحداث الرواية ، وتتمثل في خلالها سيرورة الزمن وحركية المكان وثباته في الآن نفسه ، فمجمل تفاصيل العمل الروائي عبر السرد ، إنما تصطبغ بصيغة الشخصية الروائية واقعية كانت أم متخيلة ، ولهذا فإن ما تلتقطهُ ذاكرة القاريء »ليس تطور الأحداث وتعقدها ، بل الشخصية الإنسانية النابضة التي خلقها الكاتب»([1]) ، إن ما يثير الإعجاب والإنبهار فيها هو ذلك الروح الذي يبثه الروائي في شخصيات روائية ، وبذلك تمنح الشخصية سماتها، وتكون قارة في ذهن متلقيها([2]) .
إن تنوعاً واضحاً يصيب الشخصية الروائية، منظوراً إلى ذلك النوع بحسب الوجهة التي يتبناها الكاتب الروائي ، والهدف المرجو من تقديم ذلك النوع من الشخصيات ، وفي كلِّ الأحوال فإن الشخصية لابد أن تعكس واقعاً يراد له أن يكون في درجة من الوضوح والتمايز ، وإن بدا يطفو في عوالم من الخيال عبر النص المكتوب ، غير أنّهُ في الآن نفسه يصدح بواقعية حياتية عبر شخصياته ، ولهذا فأن تبايناً واضحاً يصيب الشخصيات من رواية لأخرى ومن كاتب لآخر وإن بدا الموضوع متقارباً متشابهاً في الطرح والمضمون .
وعلى وفق هذا فإن تعدد وجهات النظر ، تفتح آفاقاً رحبة لتقديم الشخصية الروائية «وللخروج برواية تعرض نفسها بنفسها ، من دون تدخل مباشر من الراوي كان من الحتمي أن تتحرر الشخصيات من سيطرة هذا الأخير التي طالما خضعت لها في ظل الرواية الواقعية التي قامت على الإخبار ؛ لذلك أكد (هنري جيمس) ضرورة إحداث تفاعل بين الأحداث والشخصيات ، وتستقل الرواية بذلك عن أي طرف خارجي يتولى أمر سردها»([3]) على أن الراوي في كل الأحوال يضع في حساباته الأولى محاكاة الواقع ونقله نقلاً يتسم بالتصوير الأمين لفعاليته ومحتواه ، وبذلك «فما يمكن للشخصية أن تكون غير حتمية الفعل ؟ وما يمكن للفعل أن يكون غير إبراز الشخصية»([4]) ، ومع ذلك فإن الروائي قد يستخدم الشخصية لأغراض تتجاوز التصوير أو خلق شخصيات العالم الروائي ، فالشخصية قد يكون من مهامها تعزيز جانب الحبكة الروائي ، أو الإرتباط بأفعال واشياء لغرض يرتبط بموضوع الرواية ، أو هي في إطار فاعلية تقديم الإخبار للقاري المتلقي([5]) ، وبذلك فإننا «إذا قلنا أن هنالك انماطاً مختلفة من الشخصية فإن ذلك يعني واقعياً أن الروائيين يستخدمون الشخصيات ونماذجها لسلسلة من الأغراض المختلفة ، لذلك فمن الخطأ عادة أن نتحدث عن الشخصيات في الرواية كما لو كانت شخصيات حقيقية . من الواضح أن الروائي يعتمد على معرفتنا بالناس الواقعيين وباستجاباتنا تجاههم وذلك أثناء خلقه للشخصية ، بيد أن الشخصيات عادة يخلقها الروائيون لأغراض تتجاوز البحث داخل الشخصية البشرية أو علم النفس . فقد تستخدم الشخصيات لحكاية قصة، أو لتمثل معتقداً ، أو لتساهم في نمط رمزي في الرواية ، أو لمجرد أن تساعد في تطوير حبكة معينة»([6]) .
إن الشخصية الكردية بوصفها كائنا إجتماعياً يخضع للتغير والتبدل على وفق الأسباب والمسببات التي تحكم افراده في علاقاتهم وصراع وجودهم ، ذلك أن أكثر ما تعانيه هذه الشخصية هو هاجس الهوية الذي يبقى في جدل مستمر يحدث التراكم الذي يؤدي إلى التغيير ، وفي ذلك محاولة حثيثة جادة لرؤية العالم أو فهمه وتغييره عبر أسلوب واضح في مواجهة الحياة ومشاكلها ، وعلى وفق هذا سنحاول رصد أنماط الشخصية الكردية التي رأينها أنها تمثل تعدداً ثقافياً عبر منظور الهوية المستلب ، على تشكيل صورة الشخصية عبر بحثها عن هويتها يتشكل من مزيج من المعطيات الموضوعية عبر النص الروائي قد يسهم القارئ في احداث توازن فيه عبر اسهامات القراءة([7]) .
والشخصية هنا إنما تتجلى في صورة الشخصية الثائرة التي تتجاوز حدود الثورة إلى الانتقام ، بسبب من ضياع الحلم في تحقيق الهوية التي تصل إلى حدود عابرة للواقع بإتجاه الأسطرة ، على أنها تتدخل في علاقات فيها من التشابك الكثير بين الجماعات الكردية أو أنها تدخل في علاقات صداقة مع العربي أو غيره ، ولا تختص الشخصية الباحة عن هويتها هنا بالرجل فقط ، بل تشاركه المرأة الكردية في بحثه عن حلم التحقق .
ثانياً – إضاءة في التكوين:
يقدم العالم الروائي ، تمثلا لصورة الشخصية الكردية ، التي تتميز بسماتها الخاصة في البنية الجسمانية التي تستطيع التكيف ، بل التقلب على البيئة الجبلية القاسية ، التي اتحدت معها الشخصية الكردية فتجسدت فيها حياتها في أكمل صورة ، فحيث ذكر الجبل كانت الشخصية الكردية ، وحيث ذكرت الشخصية الكردية ذهبت الدلالة نحو الجبل .
لقد قرَّ في ذهن الشخصية الكردية ، ما تناقله الأجداد ، من أن الشخصية الكردية تتميز بالصلابة والتجلد وأنها تفوق غيرها من القوميات العربية وغيرها في قدرة تحملها للأعمال ومشاق الحياة ، ولذلك فهي من الممكن أن تحقق لها نفوذاً في المدينة الكبيرة المنشودة ، بغداد : «وكلّما شحّ العمل وتعسرّت لقمة العيش نزحوا غرباً حتى بغداد حيث المدينة الكونية الكبيرة التي يحتاج سكانها وكثرة فرص العمل فيها إلى مثل أجسادهم القوية وهممهم المشحوذة دائماً ، قيل لهم أن العربي لا يقوى على الكثير من الأشغال التي تتطلب مجهوداً جسدياً هائلاً ، ... فكل تفوق عرقي مزعوم هو علاوة يضيفونها إلى ذواتهم ويمكنها أن تعينهم وتحميهم من خيبات الحياة التي ستصادفهم بسبب عرقهم المختلف»([8]) .
لقد استمر سرد هذه الحكايا التي تؤكد تفوق نمط الشخصية الكردية على الطبيعة والعرق الآخر من جيل إلى آخر عبر السلالة الكردية :«هؤلاء الذين يعملون دون كلل ويحفرون في الصخور والجبال منذ أزل وجودهم ، ... هكذا كان الأجداد يتناقلون الصور التي ينمطونها وفق ما يروقهم ويسردونها بغرور الفحول المتناطحة دون أن يتركوا فرصة ليُبرِزوا ويباركوا فيها تفوقهم الجسماني الذي يختالون به حتى على البقية من اقرانهم من كرد غرب وشمال كردستان»([9]) ، لقد تأكدت صلابة الشخصية حتى عبر التلفاز فها هو الراوي في رواية (في باطن الجحيم) يسرد علينا ما يؤكد مصداقية ذلك عبر متابعته لجلسات محاكمة طاغية العصر ، وفي واحدة منها كان الشهود من القومية الكردية : «في الساعة الثانية عشر من صباح يوم من أيام المحاكمة ، وعندما رُفعِتْ الجلسة لإستراحة الظهيرة ، قمت من أمام التلفاز منتشياً من وجوه أولئك الفلاحين الأكراد المتماسكة وهي تقف لتروي ما رأت وتجشمت من أهوالٍ بصوتٍ واثق قوي يزيد من صلابة وجوهم المتخذة من صلادة الجبل قوامها ، وجوه كنت منذ التحاقي في نهاية صيف 1982 أطيل التحديق في ملامحها ، في غرف بيوتهم ، وهم يقدمون ما توفر من زاد للثوار ، أو حينما تحتدم معركة فيقومون بتوفير الزاد والعتاد للثوار المنشغلين على القمم ومتاريس السفوح وهم يصدون هجوماً للجيش ، أو في رحلة الهجرة الطويلة مع حشودهم صوب الحدود التركية، ثم في معسكرات اللجوء في أقصى الشمال الإيراني وجوه تقف أمام طغمة الطاغية وتروي فأحسها بعمقٍ وشجنٍ مختلف تماماً عما يحسه المشاهد ممن لم يعش التجربة بالجسد خطوة ... خطوة.»([10]) .
لقد عاش الكردي نوعاً من الإستلاب القاسي فرضته عليه طبيعة البيئة القاسية ، ثم تضخم هذا الاستلاب عبر شعور جارف بفقدان الإرادة والهوية عندما لم تمتحنه السلطة الحاكمة ، حرية الاختيار في طريقة عيشه وحياته ، فأخضعتهُ لإستلاب أفقدهُ الرؤية الناصعة لحياة متجددة وعندها كانت حياتهُ معاناة لا تنتهي بين كل هذا : «فالجبل لغة غامضة لها أكثر من دلالة أحياناً تأتي على شكل رصاص وسلاح ومفارز وعصابات قتل ، وأحياناً على شكل أفكار نيرة وثورات تريد تغيير النظام وتحرير المدن بالقوة ، الجبل دروب سرية وكمائن واشجار بلوط ونيران موقدة في رؤوس الجبال تعطي إشارات إلى أشخاص مختبئين في كهف أو غار أو فج»([11]) .
وهكذا هي روح التواصل بين الإنسان الكردي وجبله والنار الأزلية نار كاكا كاوه التي تفتح آفاقاً رحبة للحياة .
ثالثاً – إضاءة في الشخصية الثائرة:
يبدأ تحقيق الحلم مع رواية (المخبر السرّي) حيث تنفتح الرواية على ما يبدو أنَّهُ أولى علامات التحقق عبر سقوط نصب ساحة الفردوس المعروق ، حيث المفارقة المؤلمة أن الشعب بأجمعه لم يستطع حتى إسقاط التمثال الخاص بالطاغية الدكتاتور ، وكانت الحاجةُ ماسة إلى الآلة الأميريكية كي تسحبهُ بالسلاسل ، فأي قدر هذا الذي يتحكم بالعراقيين عرباً وكرداً وآخرين([12]) .
لقد أتاحت هذا الحادثة المشهورة في ساحة الفردوس لأبناء الشعب العراقي تحققاً على مستوى التوحد بعد أن كان حلماً بعيد المنال ، وها هو آزاد الكردي يشارك اصدقاءهُ هذا الحدث ، إذ يأتي الحديث عبر الشخصية الرئيسية في الرواية (ثائر الطويل) تلك الشخصية التي تحلم بالإنتقام : »التفت وإذا بي أجد صديقيّ المقربّين : آزاد الكردي ، وسعدي الثرثار . انسحبت من حلقة الرقص مستأذنا بعد أن فككت يديّ من مراقصيّ وشبكت كفيّهما ، وعطفت على صديقي، فأخذتهما بالأحضان وبدأنا نهنيء بعضنا بسقوط الصنم»([13]) لقد اتسمت شخصية آزاد بالوفاء والصدق في كل المواقف التي جمعتها بالشخصية الثائرة (ثائر الطويل) وكان بحثهما مشتركاً للإنتقام من رجال السلطة الحاكمة ، الذين ارتكبوا أشنع الجرائم وافضعها في حق أفراد الشعب العراقي يستوي في ذلك العرب والأكراد ، فهذه الشخصية تؤكد روح الأخوة العربية الكردية ، إذ ضحى آزاد بنفسه في آخر المطاف من أجل صديقه العربي (ثائر الطويل)([14]) .
إن تحقق حلم الثائرين يمتد على مسافة ومساحة النضال المشترك ضد السلطة الدكتاتورية الحاكمة ، فهو ذو عمق تاريخي طويل ، يؤكدهُ نسيج الصداقة والعلاقة الأخوية العربية الكردية في رواية (في باطن الجحيم) تتمثل تلك الأخوة في طابع الحزن الشديد الذي أظهرتهُ الشخصية الكردية (أبو رزكار) إتجاه الشخصية العربية (أبو فؤاد) الذي أصيب جراء قصف النظام وفارق الحياة ((لكنني لا أستطيع نسيان مشهدٍ سوف يتجلى أمامي كلما وقع بصري على لوحة لمريم وهي تحضن المسيح في لحظة وجدٍ في الكنائس أو الألبومات ، أمام غرفة الطبابة جلس الشهيد – أبو رزكار – متربعاً على الأرض واصفاً رأس – أبو فؤاد «في حضنه ، ومنحنياً عليه ، يهمس بشيء ما ، كأمٍ تحنو على وليدها ... وقسمات – أبو فؤاد – بدأت تَسْوَدُّ شيئاً فشيئاً وكأنها حرقت بفرن»([15]).
إن صيغة التمثيل المشهدي الحاضر للعيان عبر لوحة السيدة مريم العذراء، قد أعطى لهذا الحدث أعلى درجات الاناقة في الطرح والتناول ، لما يمكن أن يكون مفهوماً إنسانياً ، لتأثير عاطفي في لحظة تجمع بين الواقعي والخيالي ذلك أن الشهيد راحلٌ إلى عالم الأموات ، غير أن الذاكرة تسجل هذه اللحظة في المتجدد الذي لا يغادر الإنسان عير لوحة سامية العواطف معادلها سمة السيد العذراء وعاطفتها، وبذلك فقد أسس الروائي صلة قوية بين المواقف الأخلاقية المألوفة وأفعال الشخصيات التي تسمو بها نحو المتخيل([16]) .
إن القول بالشخصية الكردية الثائرة ، التي اتحدت مع الجبل في نضالها ، ورأت فيه معادلاً لها في الكبرياء ورفض الذل والخضوع ، قد حقق لها صورة هي أشبه بالأسطورة ، فقد تجاوزت صورة الإنسان الثائر الاعتيادية ، من ذلك شخصية الثائر السيد علي برنو ، في رواية (ليالي الكاكا) أنه شيخ الجبل «ذي العينين الكهرمانيتين الشبيهتين بعيني قبج الجبال ، هذا المخلوق المكوع على الجمر الذي يمص سيجارته من مشرب طويل من خشب الزان ، ما هو إلا ذلك المقاتل الأسطورة الذي أوقف زحف فرقة من الجيش وهي تتوغل في الجبال اسمه على كل لسان ، السيد علي برنو في ذلك الزمن زمن صعودي إلى الجبل ، كان علي برنو غيمة تلف الجبال من حصاروست إلى حمرين الجميع يتحدث عن بطولاته وفنونه القتالية ، سموه جيفارا الجبل ، وددتُ لو التقيه واشاهد وجهه ، جميل أن يواجه المرء الأسطورة عيانا لكن علي برنو لم يمتهن الرعي إلا إذا كان الأمر تمويها ، الأرواح كانت ترف على الأغنام الغافية في السهل وفوق أغصان الزريبة تنفرش على جمر العفص مائلة نحو سهوب النعاس»([17]) .
لقد جاء النص الروائي هنا تعبيراً عن منظومة متواصلة يتحد فيها الإنسان والزمان والمكان ، حيث أن اللجوء إلى العلاقات السميولوجية الدالة عبر المباشرة ، وخلق مناخات تجعل القارئ يستمتع بأكتناه غموضها الموحي ، ويتنوع ذلك بتعدد التأويلات والقراءات فيما هو مقروء ، فنحن «أمام وصف دقيق لحدث متخيل يبتدي بواقعيته وكأننا نشاهده بأم العين»([18]) .
لقد فطن الروائي إلى الثوار بوصفهم شخصية واحدة ذات تعدد في الوقت نفسه ، عبر اشكالهم واسلوبهم في الحركة والتعامل وكذلك في زيهم الجميل الذي يميزهم عن غيرهم من الناس ، فهم يتميزون بـ«بلفات الجمدانيات الزاهية المرقطة والبشاتيم المزركشة بورود حمر وزرق أو الملونة بألوان الجبل وأشجاره»([19]) ، إذن هكذا هم الثوار الأكراد كما أن نفوسهم آبية كالجبال كذلك هي اشكالهم وازياءهم تمتاز بالحيوية والإثارة ، ثم يأتي الروائي على وصف أسلوب حركتهم : «يبقى الثوار على يقظتهم التامَّة على المسافات المحددة بينهم لدى مسيرهم على استراحاتهم في نقاط مخصّصة ، وعلى أماكن للمبيت معينة سلفاً ، وعادة يقدّر الثوار نهاية مسيرهم ليلاً عند أحدى القرى ليرتاحوا فيها ويناموا ، وقبل حلول فجر جديد يغادرون مآويهم إلى أعماق الجبال : لنصب الكمائن أو إرسال البريد أو التجول كمجموعات قتالية حرّة لإرباك حركة الجيش ورصدها وإعاقتها وغالباً ما يصطدمون بعملاء للجيش من السكان المحليين المأجورين والمرتزقة الملقبين بـ (الجحوش)»([20]) .
لقد عبرت الشخصية الكردية عن اسمى العلاقات الإنسانية التي تتجاوز حدود المكان والزمان والعرق والجنس في تأخيها مع الآخر ، ونجد ذلك يتجسد في شخصية الطبيب الكردي نوزاد الذي يسميه الراوي بـ (الملاك) فيسرد علينا حكايتهُ : «هانذا بعد قرابة عشرين عاماً أرى المشهد ذاك وكأنَّه البارحة ... اللحظة التي هبط بها ذلك الطبيب الكردي الشاب الذي عرفت أسمه لاحقاً – نوزاد – أستعيد صرامة الوجه ، براءة الملامح ، حركة الجسد الواثقة ، فالذي أسرده عليكم الآن جرى بدقائق معدودة .
هذا الطبيب – نوزاد – كان من الإتحاد الوطني الكردستاني – أوك – هو ملاك سرعان ما عاد إلى مملكته بعد سنتين من الأحداث !» ([21]) .
إن الراوي عبر الإسترجاع الزمني لمدة عشرين عاماً ، يفعل ذاكرته أو أن ذاكرته لا تنفك تسرد ذلك العمل الإنساني البطولي للطبيب نوزاد في إسعافه للجرحى من دون النظر إلى أية فئة ينتمون ، بل أن أكثر من انقذهم هم من الثوار العرب : «كان نوزاد في زيارة لقواعدهم المفتوحة حديثاً في منطقة بهدينان – حينما حدث القصف ذلك اليوم التفت نحو عباس رش – يعني (عباس الأسود) وقال شيئاً لمساعديه ، فتحلقوا حوله إزالوا لفة الشاش غرزوا أبراً حول الجرح وأعلى الساق رأيت بعدها – عباس – يسترخي طوال وقت تنظيف الجرح وترتيبه دون الحاجة للتجلد وكتم الألم ، كما كان يجري للجنود في جبهة الحرب»([22]) .
ويتكرر مشهد الطبيب نوزاد في انجازهِ لمهنته الطبية مع الثوار منها يعالج شخصاً آخر ، عبر متابعته لإصابته المعقدة : «أقول ملاكاً و – نوزاد – سيمر بالصدفة أيضاً بمقر الثوار في – كلي حصبة – ويعالج ابن مدينتي ومحلتي – جابر هجيل – (أبو نصار) الذي أصيب في معركةٍ قرب قصبة – بامرتي – برصاصةٍ متشظية»([23]) .
لقد رحل هذا الشخص الطيب الذي مثل ملائكة الرحمة خير تمثيل رحل إلى جوار ربه وهو لما يزل في عنفوان الشباب ، رحل غريباً حيث المنفى في كردستان إيران «أما الملاك الكردي الطيب – نوزاد – فقد سمعتُ ونحن في معسكرات اللجوء الإيرانية أنه قُتِلَ في حادث سير بعد ذلك بسنة داخل أراضي كردستان إيران حسب الرواية التي وصلتنا .. عاد الملاك إلى جناحيه سابحاً في يم ما قبل الخلق جوار العرش إلى الأبد»([24]).
إنَّ الشخصيات التي تقدمت في خضم بحثها عن عالمها القومي الخاص ، ناشدة الخلاص بإتجاه الحرية المنشودة معطية التضحيات الكبيرة ، متحملة قسوة الحياة في طبيعتها ، فضلاً عن قسوة القلق باتجاه المستقبل ، مع هذا كله احتفظت الشخصية الكردية بسمات إيجابية تمثلت في الصدق والوفاء بالعهد والبعد الإنساني منقطع النظير.
رابعاً – إضاءة في شخصية المرأة الكردية:
مثلما حفلت الروايات برصدها لشخصية الرجل الكردي ، كذلك كان في رصها مساحة ليست بالقليلة لشخصية المرأة الكردية ، فمن من المؤكد أن المرأة كان لها حضورها الفاعل في كل الرؤى التي اتجهت نحوها فاعلية الحياة في كردستان ، ومن المؤكد أنَّها كانت رفيقة الدرب في حلو الحياة ومرّها . كما كان لها موقفها الخاص من أشياء كثيرة ، لابد لها من أن تترك بصمة فيها ، ففي أحداث الأنفال نالت المرأة الكردية نصيباً لا يقل عن نصيب الرجل وكذلك أفراد الاسر الكردية ، من القصف والقتل والتشريد : «أكثر من مئة مصاب من بينهم نساء وأطفال من أبناء رفاق في المقر أو أبناء عوائل كانت تمرّ صدفة ، تظهر في الشريط اللاهث الذي سيبطيء قليلاً أثناء تصوير – كانياوا – الرفيقة اليسارية الكردية الإيرانية السمراء الجميلة وهي مسودة الوجه لم تستطع الإجابة عن سؤال وجهه لها – أبو سامر – بل لم تتمالك نفسها نفسها ، فبدأت تتعسر قسماتها متقلصة قبل أن تنشج بخفوت»([25]) أن العرض التسجيلي هنا يظهر معاناة مشتركة عاشتها الأسرة الكردية ، تحملت عبئها الأكبر المرأة بوصفها عماد الاسرة، غير أنَّها كانت شجاعة في تلقي المصاعب والوقوف بوجهها «كانت هي الأخرى امرأة شجاعة مقدامة تناوبت على العناية بأبي فؤاد مع حبيبتي – ناهدة»([26]) .
وفضلاً عن شجاعة المرأة الكردية وثباتها في اصعب الظروف وأحلكها كذلك كانت لديها قناعة بتيسير عجلة الحياة ، لربَّما مع قسوة الظروف وأسلوب العيش الذي يعتمد عليها أحياناً أكثر من الاعتماد على الرجل : «لا احتمل حياة القروية الكردية ، أنها تفعل كل شيء والرجل لا يفعل أيّ شيء»([27]) .
يأتي هذا من منظور الآخر (العربية) التي عايشت الحياة الكردية ، وكانت شاهد عيان لعظيم الجهد التي تبذله المرأة الكردية في سبيل حياة أسرتها وادامة هذه الحياة .
وفي كثير من الأحيان يقدم السرد الروائي المرأة الكردية على أنَّها تلك الشخصية التي تأخذ الأمور على واقعيتها راضية بما قسمته الأقدار لها .
في شخصية (قيم) في رواية (قسمت) يتجلى الأمر بوضوح : «لم تكن قيّم قد استعانت (ببركة البصّار) من قبل على الرغم من احتمالية أن تكون زبونة مناسبة جداً ، ربّما لأنها كانت راضية بحياتها ومقتنعة بمصيرها عن طيب خاطر ، إذ دام زواجها خمس سنوات فقط لتكتشف في نهايته أَنها عاقر ، وقد آلمها ذلك في حينها لكنه لم يترك أثراً طويلاً الأمد فقد تمكنت بقليل من الرضا تجاوز أزمة كهذه وكأنها حادث عارض»([28]) ، وقد يكون ذلك عائداً إلى قوة شخصية (قيم) التي اسهم الرجل (الأخ) في صقلها بهذا الاتجاه : «وقد حرص أخوها الملاّ على مكانتها فجعل لها كلمة مسموعة وأثراً محترماً فلم تشعر قط أَنها زائدة عن الحاجة أو غير مرغوب فيها»([29]) .
ولقوة الشخصية هذه امتدادات عميقة عند السيدة (نازارة) : «وهي تلك العجوز التي شارفت على السبعينيات من عمرها تبدو رهيبة بمظهرها الحازم الذي اكتسب شكل حدادٍ مستمر بعصابة رأسها السوداء التي كانت تربطها على مدار العام وثيابها القاتمة التي لم تغير من لونها أبداً ثم إنها نادراً ما كانت تُرى منبسطة أو مبتسمة ، وكان حزمها وقوتها مبعث إكبار وإجلال ، فلم يكن أحد ليتجرأ على رد كلمتها أو التعاطي معها إذا ما أصدرت أمراً بمن في ذلك رجالات مجتمعهم الكردي المصغر المنتشر بين درابين بغداد»([30]) .
كذلك تبدو المرأة الكردية ذات شخصية واثقة في نفسها ، وفي اتخاذ قراراتها ، حتى وأن كانت في بداية حياتها ، وقد مثلت (بري) تلك الشخصية التي اعتزت بنفسها وبجمالها ، على الرغم من مخالفة الآخر لهذا الرأي : «ورغم أن الأهل والأقارب دائماً ما كانوا يعتبرون جمال بري منقوصاً بسبب نحافتها ويتندرون من كون اسمها والذي يعني (الملاك) غير مناسب لها ، إلا أن ذلك لم يؤثر في ثقة بري بجمالها»([31]) .
وقد قدم العالم الروائي الشخصية النسائية الكردية بشكل آخر مغاير هو شكل المرأة المتمردة على مجموعة القيم وانساق الحياة التي تربت عليها المرأة الكردية ، تلك الانساق التي تشدد على مواجهة ظروف الحياة الصعبة والقاسية : «معتبرات أن كل ما يلهيهن عن مسؤولياتهن الحياتية ضرب من ضروب الترف والرغبة الجشعة في الدنيا وهو مالم يكن مقبولاً في عرفهن فهن لم يتربين على التعامل مع الحياة وظروفها الصعبة يمثل هذا الاستخفاف»([32]) .
لقد مثلت شخصية (شازي) شخصية المرأة المتمردة في رواية (قسمت)([33])، وكذلك شخصية نوال في رواية (ليل البلاد)([34]) .
ومع ذلك تبقى للمرأة مكانتها العالية في المجتمع الكردي الذي ينظر إليه المثقف الكردي (آزاد) : على أنّه مجتمع (الأمومة) أو (الملكة النحلة) لما للمرأة من دور في صقله وتهذيبه: «من الخطأ تعريف مجتمعاتنا على أنها ذكورية صرفة ، فهي أمومية ايضاً بل وإلى حد كبير ، فهذه المجتمعات تقترب بشكل عجيب من أن تكون مجتمعات الملكة النحلة»([35]) ، فالمرأة قائد في مجتمعها الكردي .
الخاتمة
إن القراءة الفاحصة لمجموعة من الروايات بإتجاه رصد فاعلية الشخصية الكردية فيها ، قد أفصحت عن أن هذه الشخصية تمثلُ وجوداً بالأصالة ، يتسم بالبعدين التأريخي والإنساني ، وأن هذه الشخصية على الرغم من قساوة الطبيعة التي أحاطت بها ، فإنها اتحدت معها ، فأكسبتها القوة والصلابة في مواجهة الظلم والعدوان ، وقد تشاركت في ذلك مع كثير من الشخصيات العربية المؤمنة بحق الآخر في عيشه وإمتلاك إرادتهِ ، وكانت تلك العلاقة في أجمل صورها إنسانيا ، كما رصد العالم الروائي فاعلية المرأة الكردية الإيجابية وتشاركها ذلك مع الرجل ، وفي عالم الكتابة الروائية اتضح أن الكاتب العراقي العربي كذلك شارك أخاه الكاتب الكردي في خلق هذه العوالم الروائية وتصوير حياة الإنسان الكردي في بحثهِ عن الحياة الحرّة الكريمة .
شيماء خيري فاهم / كلية الآداب/ جامعة القادسية
عبد الله حبيب كاظم/ كلية التربية/ جامعة القادسية
مصادر البحث
- أثر الشخصيّة في الرواية ، فانسون جون ، ترجمة لحسن أحمامه ، دار التكوين ، سوريا ، دمشق ، ط1 ، 2012 .
- بناء العالم الروائي ، ناصر نمر محي الدين ، دار الحوار للنشر والتوزيع ، سورية ، اللاذقية ، ط2 ، 2012 .
- تقنيات تقديم الشخصية في الرواية العراقية – دراسة فنية ، أثير عادل شواي ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1 ، 2009 .
- حياة ثقيلة ، رواية ، سلام إبراهيم ، دار الأدهم للنشر والتوزيع ، القاهرة ، ط1 ، 2015 .
- فن القصة ، محمد يوسف نجم ، دار الثقافة ، بيروت ، ط5 ، 1966 .
- في باطن الجحيم ، رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال من 1987 إلى 1988 ، سلام إبراهيم ، ط1 ، بغداد ، 2013 .
- في تحليل الخطاب السردي ، وجهة النظر والبعد الحجاجي ، محمد نجيب العمامي ، دار المعرفة للنشر ، تونس ، ط1 ، 2009 .
- قسمت ، حوراء النداوي ، منشورات الجمل ، رواية ، ط1 ، 2018 ، بغداد ، بيروت .
- ليالي الكاكا ، رواية ، شاكر الانباري ، دار المدى للثقافة والنشر ، 2002 .
- ليل البلاد ، رواية ، جنان جاسم حلاوي ، دار الآداب ، بيروت ، ط1 ، 2002 .
- المخبر السري ، رواية ، سالم بخشي المندلاوي ، دار الثقافة والنشر الكوردية ، ط1 ، بغداد ، 2014 .
- مدخل إلى عالم السرد ، موينكا فلودرنك ، ترجمة الدكتور باسم صالح حميد ، مراجعة أ . مي صالح جلود ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 ، 2012.
- مدخل لدراسة الرواية ، جيرمي هوثورن ، ترجمة غازي درويش عطية ، مراجعة د. سلمان داود الواسطي ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 1996 .
- مفهوم الأدب ، تزيفتان تودوروف ، ترجمة محمد منذر عياش ، دار الذاكرة، سوريا ، حمص ، ط1 ، 1990 .
الحواشي
([1]) فن القصة : 52 .
([2]) ينظر : تقنيات تقديم الشخصية في الرواية العراقية – دراسة فنية : 5.
([3]) م . ن : 22 .
([4]) مفهوم الأدب : 131 .
([5]) ينظر : مدخل لدراسة الرواية : 73 .
([6]) مدخل لدراسة الرواية : 73 .
([7]) ينظر : أثر الشخصية في الرواية : 59 .
([8]) رواية ، قسمت : 25 – 26 .
([9]) رواية ، قسمت : 26 .
([10]) رواية ، في باطن الجحيم : 137 .
([11]) رواية ، ليالي الكاكا : 16 .
([12]) ينظر : رواية المخبر السري : 8 – 10 .
([13]) م . ن : 12 .
([14]) ينظر : م . ن : 208 – 209 .
([15]) رواية ، في باطن الجحيم : 25 .
([16]) ينظر : مدخل إلى علم السرد : 114 .
([17]) رواية ، ليالي الكاكا : 118 .
([18]) بناء العالم الروائي : 238 .
([19]) رواية ، ليل البلاد : 252 .
([20]) رواية ، ليل البلاد : 253 .
([21]) رواية ، في باطن الجحيم : 31 .
([22]) م . ن : 31 .
([23]) رواية ، في باطن الجحيم : 33 .
([24]) م . ن : 34 .
([25]) رواية ، في باطن الجحيم : 123 – 124 .
([26]) م . ن : 124 .
([27]) رواية ، قسمت : 300 .
([28]) م . ن : 40 .
([29]) رواية ، قسمت : 41 .
([30]) م . ن : 47 .
([31]) م . ن : 62 .
([32]) م . ن : 51 .
([33]) ينظر : رواية ، قسمت : 49 – 56 .
([34]) ينظر : رواية ليل البلاد : 9 – 39 .
([35]) رواية قسمت : 186 .