هذا كتابُ حياة شَرارة (١٩٣٥ـ ١٩٩٧) عن نَظِيرتِها نازِك الملائكةِ (١٩٢٣- ٢٠٠٧)، ألّفَتْهُ شرارةٌ ظِلالًا تحجبُ عنها قيظَ الزّمنِ. أَيْ زَمَنٍ حَفَزت قلمَها مُلِمَّاتُهُ بين (١٩٨٩ - ١٩٩٢)، وقَبله شَهِدَت مجامعَ الشَّقاءِ تطوِّقُ المثقّفَ المستقيمَ، ولما لم يُطِع الخَلاصُ، التمست حياةٌ سَلْوَةً دانيةً إليها، كأنّها أصداءُ نَفْسِها وعائلتها وبيتها، بيت محمد شرارة (١٩٠٦ـ ١٩٧٩)، وليس أَمثلُ من بيتِ صادق الملائكة (١٨٩٢ـ ١٩٦٩) بِهِ، وفريدته نازك بها. ابتدرت الكاتبةُ إلى السّنينَ لتكفّ كلوحَها عَمَّن تُحبُّ بذكرياتٍ عزيزةٍ وانطباعاتٍ وثيقةٍ احتشدت في صَفَحاتٍ رَسَمنَ صورةً شفّافةً لشخصيةِ نازك ومطاويها. وأكبر الظنّ أنّ العقودَ الأربعةَ المُبدّدةَ لِمام عائلتي شرارة والملائكة، مهما قَسَتْ زَعَازِعُها ما تَمَكَّنَت من جذِّ الصلات القديمة بينهما؛ ومن مَحْو وجهِ نازك الوادِعِ القَسَمَات من ذاكرة الصبيّة[i] حياة المُرهَفة الذات؛ أَجَل، لم توهِ الأعوامُ المتطاولةُ صوتَ نازك، وهي تقرأ الشِّعر، وتعزفُ على العُود، وتغنّي ما تحفظُ من روائع محمد عبد الوهاب. كما لم تتنكّرُ حياةٌ لصداقتِها العهيدةِ ومرحِها وعذوبتِها مع الشاعرةِ، وليس غير صفحات هذا الكتاب أسعفَتْها على استجلاء دِفء هذه العلاقة، واستخلاص الموقف الأدبي والفكري التي تقع الأديبة حياة في صميمهِ، ولا ريبَ في استيائها مما نالَهُ من الزّيف والضّعف، والتفاتها إلى نَّقْص سِيَر الأدباء في تأريخ الأدب العراقي. وكانت إحسان الملائكةـ شقيقة نازك الكبرى مُصِيبَةً، إذ توسَّمت في حياة الأمانةَ والتهذيبَ والمَقدِرة على تقديم هذا الموقف بما سيرضي أختَها وعائلةَ الملائكة[ii].
وإذا أوغلَ القارئُ في فصولِ الكتاب الواحد والعشرين بعد المقدّمة الضّافِية عمّا ذُكر آنفًا، وأمعنَ في مبناها ومحتواها؛ وجدَ مِرْقاةً إلى تشكّل السِّيرة الغَيْرِيّة، والعُنوانات أولى الدَّرَجات فيها، بها يتوقعُ القارئ الحقائقَ التي حرصت الكاتبةُ على إبقائها متدفقةً، بحيث يُسَهِّلُ مضمونُ كلِّ فَصْلٍ ووَحْيِ عنوانهِ طريقَ الآخر بما يقتضيه نظامُ الأحداث. فلا تُتَصَوَّرُ نازكٌ وهي مولودةٌ تغمُرُها فرحةُ أبيها، وَهِيَ طفلةٌ، ثم يافعةٌ حادّة الشعور، دون تمهيد ضافٍ[iii] على جوِّ دار العاقوليّة الكبيرة لجدّها، ثُم دارُ الكرّادة لأبيها، وكِلتاهُما عامِرةٌ بأفرادٍ وتقاليد وعناصِر وصِلات يندرُ مثيلها في غيرِ بيتِ الملائكة. فَكَم مِن الشّعر وحديث الأدب وشأنِ الثقافة وَدَرَكِ البلاد التي كانَ نفرُ آل الملائكة ـ أَيْ جَدّ نازك ووالداها وأخوالها ... - يتفكّهون بتوارِدها، وقد طافَت في مَسْمَعِ نازك، حتّى استوت سَمْتًا تُعْرَفُ به لمّا اكتملت شخصيتُها. ثُم يترى سردُ الصفحات ما يلتئمُ بنفسِ نازِك، ويَتلَئِبُّ به لُبّها، تُرِيَ تلقّفَ نازك اللّغات الإنكليزية واللاتينية والفرنسيّة، وتزوّدها من الآداب والفلسفة، وإقبالها على دروس الموسيقى، وانصرافها إلى الشّعرِ وشواغله. وما أوقعَ ذلك كلّه في نفسِ شرارة، بحيث ما إن أفَرَغَت قلمَها من عرضِ أَدْرَاجِ نازِك في الدراسة والثّقافة والحياةِ حتّى رفعَت الغشاءَ عن خَلَجَاتِ الفَتَاة في خُطُوبٍ شِدادٍ أهونها مشقّة السّفر والشّوق إلى الأهلِ والوطن أيام سافرت للدراسة في أمريكا، لكنّ أعسرها ما لَقِيَتُهُ نازكٌ من عَنَتِ فَقْدِها أمّها بمستشفى لندن ومواراتها هنالك في مُنْقَطَعٍ عن أحبّتها وأرضِها. وطالما استجلَتْها الخطوبُ رزينةً راجِحَةً، تُسلّيها العُزْلَةُ، ويُترعُها الشّغفُ بالمعرفةِ، ويُشخّصها خُلُقها القويم، ويطبعُها اعتناؤها بالجوهرِ وتفريطها بأناقةِ المَظْهَر.
ولا تزالُ الصفحاتُ تستشرفُ لمعانَ نازِك على الشِّعرِ العربي الحديثِ، وتوردُ شَأوها في مزاولةِ النّقدِ، وتواكِبُ وَكْدَها في التّدريسِ، حتّى تنتهي عند عتبةِ بلوغِ نازك الثمانينَ، وما أحوجَ من يبلغُها إلى إيصادِ الباب كيلا ينفذَ منها إلى جمهورهِ فتورُ المَلَكَاتِ، وَكَرُّ العِلّات، ولذلك اجتنبت شرارةٌ إطالةَ النّظر إلى نظيرتِها، وقد أَشْفت على الأفولِ من المشهدِ الأدبي، ولو فَعَلَت غيرَ ذلك لانقطعَ خيطُ الرَّجاءِ من هذه البقية النَّفيسة في محيطِها وجَوِّهِ المُكْفَهِرِّ !
وهذا الكتابُ بصفحاتِه الأربع والستين بعد المئتينِ، وبطبعتيهِ الأولى صادرة عن دار رياض الريّس ١٩٩٢، والثانية صادرة عن دار المدى ٢٠١١؛ مزاياه تَتّضِحُ لقارئ السِّيَر في ثلاثٍ، أُولَاها لغةٌ حيّةٌ مَسَّتِ الشَّخصيةَ الموصوفةَ مسًّا واقعيًّا دون أن تخدشَ مُثُلَ نازك وعائلتها المحافِظة. وثانيتها تصويرُ الأحداث[iv] وتدريج المَعلومات[v]، وتهيئة الأجواء[vi] بما أحلّ نازكَ في مدارٍ مُحْكَمٍ لا ينقضهُ تفصيلٌ شائهٌ أو إغفالٌ مقصود. وثالثتُها التوثيقُ الدقيق والاستشهاد المنسجم ومقتضى الأحوال المسرودة، بحيث استوفى الدليلَ على صحةِ الواردِ، نحو لقاءات شرارة المتكررة بأخت نازك التي مهّدت السبيل للقاءِ الكاتبة الأول بنازك نفسها، وأيضًا الاستشهاد بشعر أمِّ نزار الملائكة وزوجها صادق لِرسمِ الكَنَفِ الذي نشأت فيه الشاعرة، والاقتباس من بعضِ فِقْرات مُقدمات دواوين نازك[vii] ومذكَّراتها الخاصّة[viii] وكُتبها[ix]، وبعض مقطوعات من دواوين شعراء[x] مألوفين لدى بيت الملائكة. وَلِئَلَّا تحيدَ شرارةٌ عن سَمْتِها الأكاديمي في التثبّت مما تُوردُه وتقويته في ذِهنِ القارئ أَفَادَت من مراجع تاريخية [xi] وأدبيّة[xii]، مجتهدةً في إبانةِ المشهد السِّيري وجلاء تفصيلاته المحيطةِ بشخصيةِ نازِك وحياتِها.
وعندي هذا الكتابُ مِثالٌ نادرُ الصِّدق ناصِعُ الوَفاء مُحكَمُ المعرفة في المكتبةِ العربيةِ، ولا أظنُّ قَلَمًا نسويًّا يجودُ بِمثْلِهِ عمّا قريب أو .. .
الهوامش
[i] في الاتصال الهاتفي بين حياة شرارة ونازك هتفت الأخيرة بحبور: " الصغيرة حياة! كيف حالك؟ ضحكتُ وأنا أسمعُ عبارتَها، فمازلتُ في ذهنها تلك الصبيّة الصغيرة، التي كانوا يتكلمون معها بتحبب وملاطفة" ص ١١ المقدمة.
[ii] حياة شرارة حين أخبرت إحسان عن نيتها كتابة سيرة نازك قالت: " لا أحد يستطيع أن يكتب مثلك سيرتها لأنك تعرفين طبيعة حياتنا وروابطنا منذ طفولتِكِ، ولأنك ستكونين موضع ثقة أقاربنا، فهم يعرفونك ولن يترددوا في إعطائك المعلومات اللازمة" . ص ١١ المقدمة.
[iii] استوفت شرارة سردها عما يتصل بتنشئة نازك وبيئتها الأسرية والاجتماعية وما يوثق عُراها في أربعة فصول هي: الطفولة والأهل ودار الأجداد، ونازك وأخواتها ووالدتها.
[iv] خُذْ مثلًا : غُربة نازك الأولى ص١٤٣ – ص ١٥٦، وأيضًا فجيعتها الكبرى بفقدِ أمّها ص١٥٧ – ص ١٧٠ .
[v] نَحو توالي الفصول من الطفولةِ حتّى عتبة نازك التّامة في الحياة.
[vi] يُنظر: وصفُ شرارة لبيت العاقوليّة حتّى يستقبل المولودة نازك فيه ص٥١ – ص٦٢، وأيضًا نازك وأخواتها ووالدتها ص٩٥ – ص١٠٦.
[vii] ينظر: مقدمة ديوان قرارة الموجة ص١٧٣، ص١٩٥. ومقدمة نازك لديوان أمّها أنشودة المجد، ص١٥٨.
[viii] ينظر: اقتبست شرارة فقرات من يوميّات نازك عن أختها سُهى ص٩٩.
[ix] ينظر: اعتمدت شرارة في الاقتباس بشكل موسّع على كتاب نازك: لمحات من حياتي وثقافتي، فيما يتعلّق بطلائع تجربة نازك الشعرية والفكرية ومآلها، ص٦٤، ص٦٩، إلخ.
[x] أوردت شرارة مقطوعة من ديوان محمد سعيد الحبوبي، ص٤٢، أيضًا من ديوان الجداول، إيليّا أبي ماضي، ص٩١.
[xi] للترجمة عن جدّ والدة نازك اقتبست شرارة فقرة من كتاب العقد المفضّل، السيد حيدر الحسيني الحلي، ص٤١.
[xii] ينظر: استشهاد شرارة بفقرات من كتاب نازك قضايا الشعر المعاصر، ص٢٤٥. أيضًا استشهادها بكتاب عبد الجبار البصري، نازك الملائكة الشّعر والنظرية، ص٢٢٢، وكتاب إحسان عبّاس عن بدر شاكر السّيّاب حياته وشعره، ص٢١١.