الصمت الذي يشير إليه عنوان الفلم ليس مجرد غياب للكلام، بل هو إحساس روحي ساحق: أين الله وسط هذا العالم المضطرب!!! تحاول هذه المقالة قراءة فيلم الصمت قراءة فلسفية وفنية للخروج بإضاءة جيدة عن صراع الانسان مع الأسئلة!

فيلم الصمت: تأملات في القلق الوجودي بين الإيمان والشك

محسـن أغـوتان

 

"الجبال والأنهار يمكن تحريكها ولكن طبيعة الإنسان فلا."

إقتباس من الفيلم

 

ما الذي يعنيه الإيمان في مواجهة الألم؟ كيف يتفاعل الإنسان مع صمت الإله عندما يواجه أعنف أشكال الاضطهاد؟ في فيلمه "Silence"، يبتعد مارتن سكورسيزي عن عالم العصابات والجريمة ليقدم عملاً فلسفيًا وتأمليًا حول معنى الإيمان، والتضحية، والشك، مقتبسًا من رواية الكاتب الياباني شوساكو إندو الفيلم ليس مجرد سرد تاريخي عن اضطهاد المسيحيين في اليابان، بل هو رحلة نفسية وروحية تتحدى ثوابت الإنسان عن الإيمان والخلاص.

 

-بين البحث والتيه.

 

تقع أحداث الفيلم في القرن السابع عشر، حيث يسافر كاهنان برتغاليان شابان، الأب رودريغز (أندرو غارفيلد) والأب غاربيه (آدم درايفر)، إلى اليابان للبحث عن معلمهما الروحي المفقود الأب فيريرا (ليام نيسون)، بحيث يتعرض معلمهما للفشل في عملية التبشير في الأرض اليابانية بحكم الاقلية المسيحية و سيطرة البوذية على جل مناطق اليابان،لكن رحلتهما تتحول إلى كابوس، إذ يشهدان كيف يُضطهد المسيحيون اليابانيون بوحشية، ويُجبرون على التخلي عن إيمانهم تحت وطأة التعذيب والموت. السؤال المركزي الذي يطرحه الفيلم: هل يستحق الإيمان هذه المعاناة؟ أم أن الصمت الإلهي هو إشارة للتخلي؟

 

هذا الفيلم ليس مجرد مشروع سينمائي لسكورسيزي، بل هو امتداد لرحلته الشخصية في فهم الإيمان، والتي بدأت منذ "الإغواء الأخير للمسيح" (1988) والمقتبس أيضاً عن رواية الكاتب اليوناني نيكوس كزنتزاكس. "Silence" ليس عن الإجابات، بل عن الأسئلة، عن صراع الإنسان بين الإيمان والصمت، بين الولاء للعقيدة والتضحية بالنفس.

أسلوب الفيلم البصري يعكس جوهر قصته. اعتمد المخرج على إضاءة طبيعية وزوايا تصوير هادئة تعكس الطبيعة القاسية لليابان في تلك الفترة. في المقابل، يعزز الصمت المستمر في الفيلم الشعور بالعزلة والضياع، مما يجبر المشاهد على التفاعل مع التوتر النفسي والروحي الذي يعيشه رودريغز.

يقدم "أندرو غارفيلد" أحد أفضل أدواره، حيث يجسد بعمق التحولات النفسية "لرودريغز"، من الحماس الشبابي إلى الإنكسار الروحي. أما "ليام نيسون"، فيؤدي دور "الأب فيريرا" بأسلوب هادئ لكنه مرعب، حيث يجسد شخصية رجل تخلى عن ماضيه لكنه يعيش في ظل استسلامه،شبيه بالدور الذي لعبه في فيلم Schindler's List" "،نفس الصراع الاخلاقي والروحي والتحديات الوجودية التي عشاها مع اليهود في الفيلم يعيد تسجيدها مع المسيحيين في هذا الفيلم.

كيتيجيريو: يهوذا الياباني أم صورة الإنسان الضعيف؟

وسط الشخصيات المعقدة في فيلم Silence، تبرز شخصية كيتيجيريو كأكثرها إرباكًا وتأثيرًا. في البداية، يبدو كيتيجيريو مجرد رجل جبان، خائن، يبيع المسيحيين مرارًا من أجل إنقاذ نفسه. لكنه سرعان ما يتحول إلى رمز للضعف البشري والإيمان المتقطع، مما يجعلنا نتساءل: هل هو شرير خالص أم أنه الأكثر إنسانية بين الجميع؟

كيتيجيريو ليس مثل رودريغز أو فيريرا، فهو ليس راهبًا أو رجلًا متدينًا بمعايير البطولية، بل هو شخص بسيط، مليء بالخوف، ينهار أمام التهديد. يتنقل بين الخيانة والتوبة باستمرار:

في كل مرة يسلّم المسيحيين، يعود ليطلب المغفرة.

يعترف بذنوبه مرارًا للكاهن رودريغز، وكأنه يعلم أنه سيسقط مجددًا في الخيانة.

رغم ضعفه، يبقى متمسكًا بخيط رفيع من الإيمان، على عكس شخصيات أخرى استسلمت تمامًا.

هذا التناقض يجعله أقرب إلى صورة يهوذا الإسخريوطي في المسيحية، لكنه ليس مجرد خائن، بل إنسان عاجز عن تحمل العذاب، يبحث عن الله رغم فشله المتكرر.

يمكن القول إن كيتشيجيرو يمثل البراغماتية مقابل الإيمان المطلق. في نظر رودريغز، هو مجرد خائن وضعيف، لكنه في الواقع قد يكون الشخص الأكثر وعيًا بحقيقة العالم من حوله. فهل كان رودريغز غافلًا عن الواقع لأنه عاش في حماية الكنيسة، بينما كيتشيجيرو، الذي نشأ في بيئة اضطهاد، فهم أن النجاة أكثر أهمية من التمسك بمعتقد قد لا يكون له معنى في النهاية؟

في مجتمع كان يُطالب فيه الأفراد بالتضحية من أجل الإيمان، كيتشيجيرو رفض ذلك، ليس بدافع الشر، بل لأنه رأى أن الحياة أهم من أي فكرة مقدسة. وبطريقة ما، هو يمثل الجانب الذي يخاف الجميع الاعتراف به: لو كنا مكانه، هل كنا سنتصرف مثله؟

إذا نظرنا إليه من زاوية أخرى، يمكن اعتباره شخصية وجودية، تشبه في فلسفتها أفكار سارتر أو كامو، حيث لا يوجد معنى أو خلاص خارجي، بل فقط حياة يجب أن تستمر بأي وسيلة. لم يكن مهتمًا بالهوية الجماعية أو بالانتماء إلى فكرة أكبر من نفسه، بل كان يبحث عن النجاة الفردية، حتى لو كان ذلك يعني خيانة الآخرين. يمكن اعتباره شخصًا يدرك هشاشة الإنسان في مواجهة الألم والموت، فبدلًا من التضحية من أجل قضية دينية، اختار أن يحمي ذاته، وهو ما يجعله أقرب إلى الإنسان العادي من الأبطال المثاليين.

رودريغز يمثل الإيمان المثالي الذي يتحطم ثم يعيد تعريف نفسه.

كيتيجيريو يمثل الإيمان المتقطع، الفوضوي، ولكنه لا يختفي تمامًا.

ربما رودريغز نفسه بدأ يدرك هذا الأمر مع الوقت. فبعد كل المعاناة، وصل إلى نقطة لم يعد يرى فيها الأمور بالبساطة التي بدأ بها رحلته. ربما كيتشيجيرو لم يكن ضعيفًا، بل فقط واقعيًا في عالم قاسٍ لا يكافئ المثالية

وفي النهاية، عندما يبقى كيتيجيريو بجوار رودريغز، محاولًا التمسك بإيمانه حتى بعد سقوط الجميع، ندرك أن شخصيته ليست مجرد أداة درامية، بل انعكاس للنفس البشرية في أضعف حالاتها، لكنها لا تزال تبحث عن الله، حتى لو كان في الصمت.

الجلسة الأخيرة: بين رودريغز والأب فيريرا والحاكم اليباني إينوي .

السقوط والاستسلام؟

يدخل رودريغز هذه الجلسة متمسكًا بإيمانه، معتقدًا أن عليه الصمود حتى النهاية.

يظن أن الأب فيريرا سيقف إلى جانبه، لكنه يُصدم عندما يراه رجلاً مختلفًا، متقبلًا لمصيره، ومقتنعًا بأن الاستمرار في الإيمان العلني لا معنى له.

رودريغز لا يزال يعتقد أن الله سيتدخل بطريقة ما لإنقاذ الموقف.

لكنه صُدم  بأن فيريرا لم يعد ذلك الكاهن المتحمس، بل صار رجلاً محطّمًا، مستسلماً لفكرة أن المسيحية لن تنجح في اليابان.

يخبر فيريرا رودريغز بأن اليابان مثل مستنقع، تبتلع البذور ولا تُنبت شيئًا. المسيحية لم تجد أرضًا خصبة هنا، بل تحولت إلى نسخة مشوهة لا تشبه ما جاءوا به من أوروبا.

في لحظة قاسية، يطلب منه أن يدوس على صورة المسيح، بحجة أن الله لا يريد معاناة الأبرياء، بل يريد من الكهنة أن يُظهروا الرحمة بترك إيمانهم العلني لإنقاذ الآخرين.

الحاكم إينوي لا يهتم بالإيمان من حيث كونه صحيحًا أو خاطئًا، بل يرى المسيحية تهديدًا سياسيًا.

لا يريد قتل الكهنة لأن ذلك قد يجعلهم شهداء، بل يريدهم أن يستسلموا علنًا، ليكونوا عبرة للآخرين.

يسخر من فكرة أن الأوروبيين يظنون أن دينهم عالمي، بينما اليابان لديها نظامها الخاص ولا تحتاج إلى المسيحية.

ذروة الفيلم تأتي عندما يُجبر رودريغز على الدوس على (الصورة المقدسة للمسيح) كإشارة على إنكاره للمسيحية. هنا يصل الفيلم إلى ذروته الفلسفية والروحية، حيث يُطرح السؤال الأكبر:

هل التخلي الظاهري عن الإيمان يساوي فقدانه تمامًا؟

هل كان صمت الله طوال هذا العذاب إشارة للثبات أم للبحث عن معنى مختلف للإيمان؟

في تلك اللحظة، يخاطب المسيح رودريغز لأول مرة، ويقول له: "دُس عليها... أنا وُجدت لأحمل آلامكم." هذه اللحظة تضع كل شيء في منظور جديد، حيث التخلي يصبح تضحية، وليس خيانة.

خلاصات الفيلم.

الصمت الذي يشير إليه العنوان ليس مجرد غياب للكلام، بل هو إحساس روحي ساحق: أين الله وسط العذاب والمعاناة؟ البطل، الأب رودريغيز، يصرخ في قلبه طلبًا لإشارة من الله، لكن كل ما يجده هو صمت مطبق، مما يولد لديه أزمة إيمانية وجودية. هل الله موجود؟ وإن كان موجودًا، لماذا لا يتدخل؟

الإيمان مقابل البقاء

يتحول الفيلم إلى اختبار قاسٍ للفكرة التقليدية عن الاستشهاد والولاء للإيمان. رودريغيز يواجه خيارًا مستحيلًا: هل يتمسك بإيمانه حتى لو أدى ذلك إلى موت الآخرين، أم ينكر إيمانه ظاهريًا لإنقاذهم؟ هنا يصل القلق الوجودي إلى ذروته: هل يمكن أن يكون التخلي عن الإيمان نوعًا من الإيمان نفسه؟ هل التضحية بالمعتقدات الظاهرية يمكن أن تكون عملاً مقدسًا؟

التضحية والخيانة: هل هناك معنى مطلق؟

الأب فيريرا، الذي سبقه في رحلة اليابان، يمثل الوجه الآخر من الصراع: رجل كان يؤمن بشدة لكنه كسر تحت التعذيب، وأصبح جزءًا من النظام الذي حاربه. لكن هل خيانته للإيمان مجرد استسلام أم أنها شكل آخر من التضحية؟ الفيلم لا يقدم إجابات سهلة، بل يترك المشاهد غارقًا في أسئلة وجودية عن الهوية، والذات، والقيمة الحقيقية للإيمان.

القلق الذي يبقى

في النهاية، رودريغيز يختفي داخل حياة جديدة، متخليًا ظاهريًا عن كونه كاهنًا. ومع ذلك، تلميحات الفيلم توحي بأنه ربما لم يفقد إيمانه بالكامل، بل حمله في قلبه بصمت، مثل الله نفسه. هذه النهاية تجعل الفيلم تأملًا عميقًا في المعنى، والتناقضات، والأسئلة التي لا إجابة لها، حيث يبقى القلق الوجودي قائمًا بلا حل نهائي.

Silence ليس مجرد فيلم ديني، بل هو رحلة فلسفية ونفسية حول معنى الإيمان في عالم يبدو خاليًا من الإجابات.

 

طالب باحث في سلك الدكتوراه – فلسفة السياسة

mouhcine.aghoutane@usmba.ac.ma

ORCID:0009-0004-6919-2466