ما زالت القاصة والأكاديمية العراقية في بداية مشوارها الفني، تقرأ كثيرا، وتكتب بعض القصص، لها عدة تجارب قصصية، أرسلت لي بعضها، فاخترت منها هاتين القصتين، ويمكننا أن نلحظ عناية آلاء بتصوير الأسرة في قصصها، فثمة أسر كثيرة تتعرض إلى فواجع ما، ولعل هذه القصص استطاعت أن تصورها برؤية الساردة!!

قصتان قصيرتان

آلاء فـاهـم

 

آمنة ذات الرداء الأبيض

اشعر انني اعزف لحنا فريدا كلما يتردد على مسمعي اسمها آمنة لم تكن مجرد طالبة كانت فراشة الربيع الدائم تبتسم لي كلما ناديت اسمها ابتسامتها فريدة كملامحها طالبتي في الصف الرابع علمي تحديدا الشعبة (ب) تجلس في الرحلة الخامسة من السطر الاول بجانب الجدار الباب يعكس لي صور الطالبات وهن يدرسن بجد ارى ملامحهن المتعبة و الضاحكة و الباكية احيانا كنت ألمحها مبتسمة دائما فابتسم لها فترد ابتسامتي بابتسامة اكبر، ملامحها تبعث الطمأنينة للنفس قمحية البشرة نحيلة الجسد عيناها لوزيتان وابتسامتها تملئ وجها لم تكن لها وجنتان كبيرتان كان فكها بارزا ووجهها نحيلا ملامحها عادية جدا لكنها جميلة بطبيعتها الخاصة كانت جميلة ككل شيء حولها، علمت مؤخرا انها من اسرة ضعيفة الحال تضطر للعمل في اثناء العطلة في مجمعات الأسواق مع أسرتها حتى تستطيع جمع تكلفة عامها الدراسي وشراء ملابس المدرسة الخاصة، ذات يوم في درس خاص بمادة التعبير وطلبت منها ان تمثل لي مشهدا مسرحيا بدلا عن كتابتها  لنيل درجة  لانها كانت خجولة جدا اردت منها ان تتخطى حاجز الخوف و الخجل فمثلت دور الطالب الحزين الذي يحارب من حوله ليكون مجتهدا سعيدا و لا يزال الحوار مرتسما في مخيلتي:

_ انا اعتذر ست، انا لا استطيع التمثيل امام الطالبات

_ لماذا حبيبتي ما الامر؟

_ انا خجولة جدا واتلعثم في الحديث امام الحشد

_ لكني ارى انك افضل طالبة لدي تعرفين لماذا ؟

_ لماذا ؟؟؟

_ لأن دورك يتطلب ابتسامة في نهايته لنبذ الحزن، وانت صاحبة الابتسامة الاجمل في الصف كله .

_ انا ؟

_ نعم حبيبتي أنتِ انا أثق بكِ

_ ان شاء الله أكون عند حسن ظنك بي وابتسمت لي وغادرت..

كانت طوال فترة الاداء تنظر لي بامتنان وشجاعة لقد نجحت في نيل هتافات الجميع والتصفيق الحار لها كانت ترتدي زيا مدرسيا و تضع شريطا ابيض اللون على شعرها بعد ان رتبته على شكل جديلة طويلة تصل حتىى نهاية ظهرها  صفقت لها بحرارة ايضا وفي نهاية الدوام كنت اراها تقف في زاوية وحدها اشرت لها بالقدوم وسألتها ما بك ؟

احتضنتني و بكت وابتسمت في ان واحد

(شكرا شكرا ست أنت افضل مدرسة التقيتها في حياتي) وغادرت تاركة جديلتها تركض معها وسط دهشتي وسعادتي وتأثري. لم اكن اعلم انها الصورة الوحيدة التي ستظل عالقة في ذاكرتي عنها وان شريطها الابيض الذي زين جديلتها اصبح يزينها كلها، مع نهاية العطلة وبداية العام الدراسي الجديد وصلني خبر وفاتها اثر حادثة سير في حافلة كانت تقلها مع اربعة عشر شخصا من افراد اسرتها كانوا في اثناء عودتهم من العمل للالتحاق بالمدرسة وتعرضت حافلتهم لحادث كبير سقط منهم اربعة جرحى وشهيدا واحدا وكانت هي من اختار الموت اختار الرحيل اختارت ان يكون اسمها امنة ذات الابتسامة الجميلة امنة صاحبة الدور المثالي لصورة الطالب الحزين لم افكر يوما وانا ارسم هذا الدور بعناية اني كنت ارسم حياتها كنت ارسم امالها و احلامها كنت اصور حزنها وهي تحاول ان تعمل وتدرس وتساعد عائلتها طفلة لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها تحمل فوق اكتافها اعباء الحياة اعباء لفت جسدها بقطعة قماش بيضاء لتخفي ملامحها و ابتسامتها لا استطيع ان اصف  صورة الحادث لقد كانت امنة جميلة جدا و الحادث اخذ كل شيء منها حياتها و ابتسامتها فقد كانت اصابتها مباشرة في الوجة و الجمجمة سقطت امنة وسقط قناع الحياة كانت زميلاتها متأثرات جدا لرحيلها و لذكراها لكنهن لم يكن يشعرن بما اشعر به وانا اتذكر دموعها  السعيدة بانها تستطيع ان تحيا و تقاوم و تبتسم .

 احياء لذكرى امنة ..

 

 

الليلة التي سبقت ولادتي ( مخاض حياة )

كنت اجلس بجوار امي استمع لبعض القصص عن لقائها بوالدي وكيف قررا الزواج وكيف شعر بالسعادة عندما علم انني قادمة للحياة  تلك الليلة الوحيدة وانا استمع لقصتها عرفت ان بعض التواريخ لابد لها ان تخلد ففكرت في هدية اهديها لهما في عيد زواجهما السابع والعشرين ربما ان منحتمها رحلة العمر للذهاب الى حيث تمنيا ...

عائلتي التي اهدتني الحياة على طبق من ذهب مع اخ صغير لازل في مراحل الدراسة الابتدائية كنت اشبه  امي وطباعها  وكان اخي نسخة مصغرة عن ابي كنا سعداء جدا ولكن ما في هذه الحياة دوامه مستحيل نمت وانا احيك لنفسي قصة تشبه قصة ابي وامي  واستيقضت فجرا على صوت صراخ امي وهي تنادي اونس اونس وابي يحمل اخي الصغير ويركضان باتجاه الباب لقد كانت حادثة تهدم البيت مدمرة لم تسعفنا سرعتنا لنخرج فقد سقط ابي وهو يحاول حماية اخي وامي وهي تسحب يد وتدفعني بقوة خارج الباب كان صوت بكاؤها مؤلم اشد الما من ساقي التي بقيت تحت الركام بعد لحضات طويلة وصراخ مستمر توقف صوت امي كانت بجانبي تمسك يدي بقوة وتنظر نحوي بحب وخوف وبدأت اشعر ببرودة يدها حاولت ان احرك يدي لم استطع ولم يستطع اخي التوقف عن البكاء خلت ان امي فقدت الوعي جراء ما حدث فبدات اصرخ بقوة اكبر عل احد يسمعنا كان ابي يصرخ اونس رضا امانة حافظي عليه اونس لا تتركي يد اخاك وكان يصرخ بالم ويبكي وكنت لا اشعر بشيء سوى انامل امي الباردة التي بدأت تتراخى وصوت ابي وهو يصرخ ويسعل بشد حاول سحبي بقوة ورضا يبكي سحبني ولم استطع ان اترك يد امي صرخت ودفعتها بقوة علها تستفيق لكن دون جدوى نظرت الى عيناها وهي تنظر الي ادركت حينها انها لم تعد معي ولم تعد معنا كلنا المكان شبه مظلم كان الضوء يتسلل من فتحات انتشرت هنا وهنا من الجدران و النوافذ التي احيلت رمادا كان مكاننا بجوار الباب حيث الباب سقطت على الجدار ومنعته من الانهيار ونحن اسفلها كان ضوء الشمس اشبه بدعوة الله لمن سغادر الحياة الليلة كانه منحهم وسيلة نقل سريعة دون تعب الغيوم التي ملئت السماء تتخللها خيوط تخترق الغبار الذي نجم عن انهيار المنازل فكان منظرا مهيبا ومرعبا خلت انه يوم القيامة حيث يصطف الناس لينالو جزاء اعمالهم  بعد لحظات انقطع صوت ابي ايضا ورضا يحتظنه ويمسك كتفه بقوة علمت لحظتها ان امي لم تستطع ان تترك ابي  وان ميلاد زواجهما الان سيتم بمراسيم خاصة احب ابي امي جدا ولم يكن يستطيع فراقها فلحقها مؤكد وانا اكتب الان تفاصيل الولادة وقد مرت عليها سبع سنوات بشيء من الهدوء لكن البرودة التي لامست يد امي وانا امسكها لامست قلبي فوهبت ما بقي لدي لرضا لانه امانة ابي في عنقي حتى مماتي اطلت النظر الى عيون امي وحفظت نظرتها ثم تركت يد امي وامسكت اقدام ابي احاول ان اعرف هل هناك امل يستطيع ان ينفذ الينا كما نفذت الغيوم من الشمس ؟ لم ينفذ شيء ولم ارى وجه ابي مشرقا ومبتسما كهذه الاشراقة من قبل مؤكد انه وجد امي وهما الان يحتفلان مددت يدي وامسك خيط من خيوط الشمس ثم سحبت خاتم ابي من اصبعه  و نظرت لوجهه دون ان اذرف دمعه واحده رضا صمت هو الاخر وقتها شعرت ان الكون قد تواطئ علي وان الحياة اخذت مني عائلتي و ومنزلي و اماني وهززته بقوة تحرك قليلا وصرخ بالم صرخت وصرخت حتى فقدت قدرتي على الكلام و الحراك تشبثت بابي و انا احاول ان التمس منه الامان الذي فقدته وسمعت اصوات فوقنا جمعت ما لدي من طاقة وصرخت بقوتي يا رب  وا كدت ان انهي جملتي حتى سقطت النافذة وكانت يد رجال الانقاذ تمتد لنا حاولوا رفعي اولا لكني اشرت بعيني الى رضا  فهم الرجل الامر وسحبه وسحب يدي ثم سحب جثتا ابي وامي كانت الساعة السادس و الرحلة التي منحها الرب انتهت و الشمس اسدلت ستارها و السماء اغلقت ابوابها والان يجلس الباقون بانتظار رحلة اخرى علها تكون قريبة .

لن اسرد تفاصيل دخولنا المشفى ولا علاج رضا ولا محاولاتي المستميته لانسيه لحظات موت امي وابي فقد كان طفلا وذاكرة الاطفال مخيفة انها تحفظ ما يسعدها وما يؤذيها اما ما يقتلها فهي تعيشه كواقع تعتكف الحياة و تلتزم الصمت لتنسى وتبني لنفسها قوقعة تمنع الصدمات من المساس بها لكن هل ينفع كل هذا ؟ اصبح رضا طفلا انطوائيا صامتا لم يبتسم مرة واحدة كل ما لدية صورة ابي وكل ما لدي خاتمه ونظرات امي فقدنا ما لدينا ومن حسن حظنا ان ابي كان يخاف الحياة و يخاف غدرها فامن لنا بعض المال في مكان اخر استطعنا سحبه و اختيار مكان بجوار اقاربنا و عشنا معا بدات العمل ولاسيما اني كنت في اواخر دراستي الجامعية لم اسمح بشفقة من احد ولم اخف او ابكي بل كنت احاول بما استطيع ان اخوض مخاض الولادة بصبر وحكمة  كانت ولادتي عسرة ولا زالت مستمرة  رضا الان اوشك على دخول الجامعة وامي وابي يرافقان ذاكرتنا في كل موقف  .

وقفت اليوم على قبر ابي وامي وانا اخبرهما عن قادمنا انا ورضا فقد بدا رضا الان يبتسم قليلا وبات يتحدث اظن ان هناك فتاة ما تشغله ويحاول ان يخرج من ظلامه لاجلها لقد بدات مراهقته المتاخرة وانا اتمنى ان المح برق حب في عينيه اخاف ان يبقى متعلقا بي هكذا و تنتهي ولادتي بميلاده هو الاخر فانا لا اريد له ان يعيش الالم مرتين يكفي انه حرم من حقه بكما في حياته لا اريده ان يحرم من شيء اخر في الحياة

خرجت من المقبرة وانا اسير بخطوات رتيبة واوصلتني اقدامي الى النهر حيث كل شيء ساكن عدا حركة المياه الرتيبة ورجل يجلس على مقربة مني يصطاد السمك وبجواره زوجته على ما اظن فقد كانت تتوسد كتفه وتبتسم له وهو يبادلها الابتسام نظرت لهما وحمدت الله على كل حال وهممت بالنهوض حتى تعثرت قدمي بلعبة صغيرة  تشبه دمى الماتريوشكا جلست ونظرت لها ثم وضعتها على المقعد بجانبي وبدأت افتحها واحدة اثنان ثلاث اربع الى ان وصلت الى السابعة كانت الاحجام متباينه وكل دمية اصغر من الاخرى وكل مرة اجد ابتسامه الدمية في وجهي وهي تنظر لي بدات اعيد غلقها من جديد كأني اغلق سنواتي السبع العجاف التي مرت اغلقت  كل ما تعلق بروحي وقلبي وامنياتي منحتها قربانا لامي وابي هدية الميلاد التي كنت افكر ان اهديها اياهم ولكني لم اكن ان الرحلة ستكون ابدية واغلقت الثانية ورايت رضا وهو يعاني ويستيقظ فزعا كل ليلة وهو يقول ابي يقف بجوار النافذة افتحيها له الجو بارد فاحظنه حتى يغفو والثالثة وانا ادرس واعمل واواجه الحياة التي كنت منعمة فيها والرابعة وانا اتعلم الطبخ واحرق اصابعي واحتضن نفسي وابكي لان امي ليست بجواري لتخبرني ان الالم سيزول وتقبل يدي وتعلمني كيف اعد الطعام والخامسة وانا اقضي شبابي خوفا من الحياة ومن الموت و السابعة وانا اودع كل ما بقي لدي من طاقة في بيد الله ليمنحني المزيد حتى يحين موعد رحلتي  مسحت راس الدمية وقبلتها وضعتها في مكاني  ودموعي بدأت تتساقط ماذا لو لم تكن لحظة الميلاد ماذا لو كانت امي وابي معنا ماذا ان كنت لا ازال في رحم امي احلم  وتيقظني وهي تقول اونسي وتمسد بطنها وتبتسم فاعود لاغفو ماذا لوكان كل هذا حلما

ولكنه لم يكن ولن يكون وكل ما كان اصبح اليوم حيا وواقعا فودعا لاونس الايام وبهجتها و رحم الالم يستطيع ان يحمل داخله الحياة مثلما حملت الماتريوشكا اولادها .عدت فوجت رضا يجلس بجوار صورة ابي ويتحدث معه اغلقت الباب لاسمح لهما بحديث خاص دخلت الى غرفتي واخرجت خاتم ابي فقد صار الان رضا رجلا يستطيع ان يحمله فقد كلفتني امانة ابي ان احيا مرتين مر لاجله ومرة لاجلي لان الرضا هو كل ما نتمناه من الحياة ....