تقدم لنا القاصة والمقالية والأكاديمية في هذه القصة القصيرة التي خلت من الوصف تقريبا، لتركز على الحدث، خبرا وصل الراوية في أول الصباح عن طريق الهاتف، ولن نعرف تفاصيله حتى نصل الربع الأخير من القصة!! لكننا ما إن نصل نهاية القصة حتى يفاجئنا خبر آخر!! لقد ربطت هذه القصة المركزة بين عالمين متباعدين ضمن قضية واحدة!

هاتِفٌ

سَحَـر شُـبّـر

 

الساعةُ السادسة في صباحٍ كانونيٍّ جليلِ الحلول، لذةُ الدِفء تحت اللِّحاف، واستعادةُ بعض حلمٍ بصديقةٍ فَكِهَةِ الروح حلوة الغَمْز طالما نَعَتَتْني بالنبيّة ... كانا يوهِيان نهوضي لأجيب المُتصل، ولعلّ شجا أغنية   Je t'aime) ) المنبثّ من نغمة الرنين اخترم نَفسي، فأَطربَها بعد أن تلدّد به سكون الغرفة هذا الحِين ... وَرَدَني صوتُه صافيًا، حيّاني تحيةَ ودودٍ كعادتِهِ أيام كنّا نتعاقبُ بين الدروس في مدرسة اللّغات الشرقيّة.

ــ مرحبًا مرحبًا أبا نُبيلة.

ــ أنا عَجل يا أستاذة، أُكلِّمُكم من المطار، ومعي بنتي أرافقها في سَفرة ترويح عن نفسِها التي أضنكتها كثرة الامتحانات.

كان يهاتفني وقد ترشحُ في صوته سخرية مُرّة مما هاتفني لأجله.

ــ تعلمين يا أستاذة، لقد انتهت امتحانات نصف السنة عندنا، لكن الطلاب أقران البنت لا عطلة عندهم!! انصرفوا لدروسٍ مكثّفة، ههه لا شيء عندهم غير الدراسة!  أحكي عليكم قصة يا أستاذة:

   "هذه الأيام صحافة الوطن والآباء والأمهات كلِفوا الهمّة أَكدتهم نتائج الامتحان التنافسي الوطني، إحدى الطالبات أحزرت معدلًا يزيد التسعين بسبع درجات، وما شاءت أُمُّها لها أن تبتهجَ بهذا القَطفِ، فأخذت توبّخها وتُنكّل بِعجزها عن بلوغ المائة، وصراخها يعلو:

هذا المعدّل لا يُنَوُّلَنَّكِ مالًا وفيرًا في مستقبلكِ ...!

 هههه يا أستاذة التعليم عندنا أبقارٌ نستحلبُها، والمالُ نصنع به ما يعثرُ به هؤلاء البشر كلّ مرة!  ما وَسعت هذه المسكينة الأفكار التي اندلقت من لسانِ أُمها، فَرَكَضت إلى نافذة الشّقة المُشرفة من الطبقة السابعة عشرة...، دماء البكالوريا فَجعت الأم التي تصوّرت لها الحياةُ خلال برهة في بِنْت وبيت وزَوْج، فَرَمَت نفسها وراء ابنتها. والأب سرعان ما لبّى داعي العدم السهل بعد أن انتهى إلى مسمعه نبأ بيته! آه التعليم التعليم عندنا يا أستاذة لا يؤمن بإرادة السماء التي كتبت كلّ شيء عن مصائرنا في ألواحها".

ــ وعندنا أبا نبيلة "سمعتُ أَبًا يبيع الكتبَ في سوق ... يقولُ لابنتِهِ:

إذا ما جئتني بمعدل الطبيّةِ أرسلكِ إلى وادي السلام، ولتعلمْ أُمّك حلالها حرام عليّ، صفقَ البابَ، وخرج بعد أن صلّى الفجرَ!

 

  النجف

  شتاء ٢٠٢٥